المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في مجّسمات مصطفى بهجت. لغز النحت ومشفراته

  
عادل كامل
  
















[1]



هل سيمتد عصر موت (الفن) ـ بمعنى عصر استبدال النزعات الطوباوية بأخرى واقعية مغايرة لمعايير حرية السوق ـ طويلا ً، كي يتم إنتاج الفنون، على غرار إنتاج (العنف) بوصفها سلعا ً للتداول ـ والاستهلاك...، أم ان مصائر الفنون، في الغالب، اشترطت رعاية بالإمكان استحداثها لدى صانعي العلامات ...؟

إن مغامرة البحث عن إجابة تتطلب مسحا ً لواقع الفن في بلدان العالم الثالث، بحثا ً في البلدان المستقرة، امنيا ً واجتماعيا ً، والأكثر اضطرابا ً، وهل للفن ـ في عصر الدعايات والدعايات المضادة، وفي عصر التمويهات ـ حدود تتجاوز قدرات الفنان، نحو إنتاج الفن، الذي لم يقهر بعد، بوصفه نزعة جمعت أقدم الرهافات مع أكثرها غرابة ـ وتطرفا ً...، ليس لأن (التعبير) حق محمي بالأعراف المجتمعية، بل لأن الإنسان ـ من غير فن ـ بلا تاريخ!

أسئلة قد نجد الإجابة عليها عند دراسة تيارات فنية لم تسرف في إقامة الفاتحة على عصر الإنسان، بل تسعى، في مجال التعبير، للحد من (الموت) بأساليب شعرية، وأخرى إنتقادية، وثالثة رمزية، ورابعة تستمد مقوماتها من الذاكرة الحية للشعوب، ومن لا وعيها، بما بالواقعية في تصديها إلى تقسيم البشر، بين نخب فوق الجميع، وأخرى لا تجد مأوى، وخبزا ً، وسلاما ً نفسيا ً لها. فهناك الإنسان (العادي) ـ الإنسان المنتج، وليس نتيجة صياغات مستحدثة وهي تعيد بناء أسطورة الطرد، بانتزاع حقه في الوجود، الإنسان الطيب، بحسب همنغواي، الذي لم يؤمن بنهاية ما للتاريخ، بل في العمل على تعريف (الحرية) ليس كونها انتزاعا ً لحريات الآخرين، بل لحمايتها.

فهل ثمة رهان ....، على وعود طوباوية، افتراضية، وخيالية ـ رغم واقعيتها اليومية المباشرة ـ بظهور فنون تحافظ على توازن عمل الحواس، والمعاني، فضلا ً عن الانشغالات الجمالية، إن كان سحرية، أو رمزية...، مع ما تفرضه العولمة، وما بعدها من تصدعات في المفاهيم الحضارية ـ ومن إقامة انساق قائمة على نظام الأشياء، والتراكمات، بشعارها: من لا يخدم الشركات، فهو، بالضرورة، ينتسب إلى المخربين!

فنون النحت، في كثير من بلدان العالم، لم تفقد (رهافتها/ سحرها/ بدائيتها) وانحيازها لحوار الحضارات، ولصياغة لغات تشترك بالتعبير عن محنتها، ومستقبلها، إزاء عالم يتدحرج، كما تتدحرج المصائر، نحو المجهول.



[2]



هل هي الجسور، أم هي الفضاءات، تؤدي دور: ما يؤديه النسغ في النبات، والصلة بين الأشياء، والحميمة بين الكائنات، إن كانت لا مرئية، كالمدى، بين طرف وآخر، أو ما بين مجهول باتجاه الذي يدحض أي مفهوم للفراغ، وللعزلة، وللاغتراب، أم أنها المرئيات، بما تمتلكه من أبعاد، وتجسيدات، تعمل عمل اللاوعي في ردم الفجوات ـ عبر الجسور، الانساغ، والفضاءات ـ وتعيد تشكيلها عبر وحدتها، وتمثلها كأشكال لا يتجمد الزمن داخلها، بل يسكنها، كي يمنحها أقدم تدشينات الأعمال الشبيهة بالنحت/ الفن، والتي أصبحت علامات للحداثة ـ وما بعدها..؟

كلاهما، لدى مصطفى بهجت، يدمجان اللاشعور السحيق للبناء، والتجمع، وللفعل المضاد، ولكن ليس للدحض، بل للديمومة إن كانت قد اكتسبت شرعيتها من الخامات إلى النص النحتي، أو من النحت (المستحدث) إلى خاماته ـ أو إلى مكوناته البكر.

انه نسق قديم استعاده النحات وكأنه قوة قهرية عملت عمل الحرية وهي تعيد للجسور ديمومة المرور، وعمل الفضاء الذي سكن كتله، مثلما لا يمكن تأويل حياة النبات أو موته من غير استذكار آليات النسغ المستترة في الخلايا ـ وفي المخفيات.

وبمعنى مماثل فان (النحت) لا علاقة له بما ذهبت إليه بعض المعتقدات القديمة تشبيها ً برموزها الخاصة ـ كي تمتلك تعاليها، وكي تبقى خارج الإدراك، والتصوّرات ـ وكما في المذاهب اللاحقة، لم يجر دحض لها، فان (المجسمات) الأولى، لم تكن أكثر من نواة إقامة: الجسد/ الكهف، وتطورهما عبر التراكم ـ والتحولات.

وبهجت، الذي مارس العمل بالخامات غير العضوية، في البناء، وجد انه بمحاذاة اعقد معضلة رافقت نزعة التأمل: الموت، ومن ثم، في تطور الوعي ـ: الانبثاق ـ أو الولادة.

فلم يختر الحجر، أو المعادن، أو حتى الطين، انحيازا ً لمشاغل ارتقت بالأسئلة نحو ذروتها: الحياة.

فالنحت ليس حيزا ً أو فراغا ً أو جسرا ً بمعزل عن المقدمات ـ ونهاياتها. انه، متمم لثلاث إشكاليات: الولادة ـ ديناميتها ـ وموتها.

فلم يجد سوى سيقان الأشجار، مقطّعة، ومكدسة، ومعزولة، كامنة عبر سلسلة لم تخف لغزها ـ ومشفراتها ـ عبر مفهوم التجدد ـ أو قهر الموت.

فانجذب إلى ما لفت نظره من أشكال، والتواءات، وأخاديد، وثقوب، وشقوق ..الخ، لم تسكن سيقان الأشجار حسب، بل تواصل بوحها بكتماناتها النائية. فهو هنا جمّع ـ بلا شعوره وبلا وعيه معا ًـ لغز الخبرة في تكويناتها البكر مع ما سيحدث من استحداثات جعلت الحاضر يبلغ ذروته، إنها ليست صلة بين المقدمات وخاتماتها إلا كديمومة للغز غير مسمى غدا يواجه البشر من غير استثناءات: حداثة من غير جنس، أو مذهب، أو لون ...، ليس لأن جذورها، أو نهاياتها، مشتركة، وإنما لأنها تسهم بإعادة صياغة ما اذا كان (الفن) ـ كالإنسان ـ ينتقل من اللامحدود إلى المحدود، أم من اللامحدود إلى المجهول.

إن انجذابه للأشكال في سيقان الأشجار، ليس انجذابا ً شكلانيا ً، بدائيا ً أو حداثويا ً، بل لأن ثمة: تلك الطاقة النائية وهي تواصل ديناميتها: طاقة الحياة التي سلبت من الأشجار، كي يعمل النحات، في مجسماته، على استعادتها، كأسئلة تدمج ماضي الغابة ـ مع تحول عالمنا إلى مكعبات، ومجمعات سكنية، تسكنها لوعة الإنسان، بعد ان تحولت حريته إلى بضاعة للتداول ـ والاندثار.

فالنحات لم يدمج، أو يركب، بين الخامة (السيقان) ومجسماته، بل وازن بينهما كآلية حولت المشترك ـ بين الأصل وما في التصوّر ـ إلى مستحدثات تواصل سرد ـ قطيعتها ـ مع المتلقي، مثلما يؤدي المجسم باثاته كي يعيدنا إلى لغز الشجرة: الحياة.

إن هذا الضرب من المعالجة يعمل على فضح كتمانات النحات وقد رآها كامنة في خاماته، مثلما تفضح ما تنوي الخامات البوح به، عبر مخيال النحات، وعمل يده ـ أصابعه.

فالحداثة ، تضيف وتحور ـ وتعيد للأصول لغزها: خطاب النبات إزاء الفعل البشري، وفعل الإنسان إزاء حياة أسهم بتدميرها، وزوالها، كي يتكون نظام التشفير للحياة برمتها، عبر المجسمات، وممارستها للعبور من (الصمت) إلى لغة ما، سابقة على الوظائف، لتحقيق آليات الدينامية، وتواصلها، لكن عبر جماليات امتدت من النائي، إلى الأشكال، ومن ثم، في ذات الوقت، جعلت الأشكال تأخذ دورة الامتداد لاستكمال ما لم يدشن، عبر الحياة وقد بلغت ذروتها، مثلما لم تجعل من الذروة إلا مقدمات تكمن فيها بذور إنباتها ـ ودورتها في التتابع، والامتداد.

هذا النسق ـ بتلقائيته وقصديته معا ً ـ سيجعل من الجسد كتلة تتضمن ما يكتمه الخشب، وما يحاول الإعلان عنه، من ناحية، وما يريده النحات، عبر الجسد ذاته، تحقيقه من ناحية ثانية. فثمة علاقة ثلاثية: الخامة/ الفنان/ والمجسم، إنما هي ليست علاقة انفصال في النهاية، بل استبصار للوحدة عبر هذه الجسور، المديات، والوحدة.

فالخامات لا تحكي، لا تسرد، إلا عبر اندماجها وتجانسها مع الأشكال المحورة، وقد راعى النحات نزعته المتوازنة بين ذاتيته ـ وموضوعية الخامات، في وضع الأشكال موضع اللغة، لكنها اللغة ذاتها وقد اندمجت فيها حقيقة الموت ـ وحقيقة التجدد.

ثمة أشكال حرة، وحريتها غير مقيدة إلا بصفتها وجدت تجانسها مع منجزه الفني: اللا متوقع وقد غدا مألوفا ً، واللا سرد وقد غدا شهادة.

إنما في الوقت نفسه يحقق فيها نزعته التعبيرية، من غير تدمير الخامة، فالإسقاط (النفسي/ الذاتي) يجد معادله مع الهاجس الجمالي، عبر معالجة ظاهرة وجود مجسمات عبر التحوير، والعناية، كنصوص سمحت لهذا المشفر، ان يقهر عزلته ـ موته ـ ليمد جسوره مع المتلقي، عبر المجسمات، وهي لا تكف عن مغادرة انغلاقها، لكن الانغلاق.





 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6109795   Visitors since 7-9-2002