المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

الوظيفة المتحفية وفك الاشتباك

  
علي النجار
  
















وأنا أتصفح عدد المتاحف الانكليزية, لم استغرب من تنوع اختصاصها التي بلغت المائة وستة عشر. ما عدى بيوت ومشاغل المبدعين من الفنانين والفلاسفة والعلماء والمكتشفين وغيرهم من عباقرة الاختصاصات المختلفة المتوفين, التي تحولت الى متاحف. انكلترا ليست لوحدها من يولي هذا الاهتمام الفائق لنتاج الأثر الثقافي والفني والعلمي ومناحي الحياة الأخرى. تكاد تكون كل دولة أوربية مثلها. إن لم تخلو أية مدينة أو قرية من هذا الاهتمام الإنساني, بشقيه ألتوثيقي والجمالي, وإمكانية تحويله الى معلم سياحي في نفس الوقت, هذا ما نجده في المتاحف الأوربية بتعدد اهتماماتها الإبداعية الإنسانية. من هذه المتاحف ما يضم الأثر الانثروبولجي, ألاثني والعرقي, التاريخي, التاريخ الطبيعي, الطبيعي, الفن بفروعه المختلفة, وبفتراته الزمنية القديم, الحديث, المعاصر. الأثر الجيولوجي الاحفوري, الجنس, البحار, الفضاء, المهن المختلفة. الفولكلور, المخترعات والاكتشافات. وحتى الافتراضي, والخيالي.. الى أخره. ولا غرابة إذا ماعرفنا بأن للمتاحف علم خاص بها, تأسس منذ نهاية القرن الحادي عشر. فهل إدارة كلولبنكيان الجديدة على اطلاع أو معرفة بكل ذلك, وهل لكادرها التحصيل التخصصي بالعمل المتحفي. إن أردنا بداية صائبة, وليس مجرد إدراجها كمكتسبات. وهي بالأساس واجبات مدفوعة الثمن. بالتأكيد لو دققنا بكفاءة كوادر هذه المتاحف وقاعات العروض المتحفية. نجد أن كل واحد منهم شغل مركزه وعمله بمؤهلات اختصاصه. إضافة الى تطوير الثقافة الوظيفية المستمرة بما يوازي اكتشافات ومتغييرات العصر. لكن ان تتحكم ذائقة إدارة هي أساسا ليست لها علاقة بوظيفة المتحف أو الوظيفة الفنية الاختصاصية بهكذا مرفق فني مهم. فهذا أمر غريب ومستهجن عندهم. لكنه يحدث عندنا للأسف

بالنسبة لبيوت الفنانين العراقيين المؤسسين أو الرواد كما نطلق عليهم. فالحديث عنهم ذو شجون. لقد ذهبوا, وذهبت معظم أثارهم نهبا للريح الصفراء, وانتهكت آثارهم الشخصية حد الانمحاء. فأين بيت جواد سليم , وأين بيت فائق حسن الذي تبخرت معظم محتوياته بعد موته مباشرة. وأين بيت إسماعيل فتاح. وصالح القرغولي, ورافع الناصري ومحمد مهر الدين, والذين قبلهم . وعن بيت جواد: اشتكت أخته الفنانة المرحومة نزيهة سليم في أواسط التسعينات لوزير الثقافة انذك, وطرقت أبوابا عديدة في السلطة, من اجل ان تزيل الأزبال التي راكمها احدهم في باحة منزل جواد حتى باتت مكبا ملأ ساحتها, ولم يجبها أو يسعفها احد. إذا نحن من نؤسس للنسيان ليلتهم أثارنا الأبرز.ان كانت السلطة السابقة لا تعير إذنا صاغية بصغارها المتحكمين في مصير و قيمة الأثر الفني, ماذا فعلنا الآن من اجل ذلك. وهل ثمة من خطة او تخطيط ولو مستقبلي.
استلم الفنان المرحوم نوري الراوي إدارة بناية كلولبنكيان بعد اكتمال بنائها عام(1962) باستحقاق, فأولا كان فنانا ممارسا وملازما للرواد وعلى اطلاع كاف بالحركة التشكيلية العراقية, اضافة الى ممارسته النقد الفني وتقديم أول برنامج عن التشكيل العراقي في تلفزيون بغداد, واستمر في تطوير كفائته بايفادات متكررة للاطلاع على أنظمة بعض المتاحف العالمية. لذلك استطاع إدارة هذه القاعة المتحف بحرفية عالية. فهل الإدارة الجديدة قادرة على ذلك؟ لأستشهد بما أدلى به الفنان الكاريكاتوري علي الدليمي مدير القاعة الجديد عن عرض الافتتاح الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر, قال في مقابلة صحفية ضمن حفل الافتتاح سيكون هناك معرض شخصي للنحات علي الجبوري الذي قدم عشرة أعمال نحتية مجسمة, استلهم فيها البيوت البغدادية القديمة بشكل تفصيلي جميل.
إذا كانت مفاجأة الافتتاح بعد انتظار طويل, منحوتات فولكلورية, وليست أعمال تشكيلية حديثة تناسب تاريخ المتحف الذي أشاد به الجميلي نفسه
هنا يقع الالتباس في وظيفة القاعة المتحف الحديث.إذ كان من المفروض أن تعرض أعمال فنية لنخبة من الفنانين التشكيليين العراقيين. أعمال ترقى لمستوى الفن التشكيل العراقي الحديث, إن لم اقل المعاصر (ما دمنا لم نكمل مشوار الحداثة فنيا, بعد بتر مشوارها الطبيعي) فكيف بمعاصرتنا ضمن اغترابها الذي بات مزمنا, كان من المفترض أن تعرض هذه الأعمال (التراثية) في قاعة مديرية التراث الشعبي الذي أسسه الفنان الراحل عطا صبري , وليست في متحف للفن الحديث. أما الحديث عن أراء مستشاري المدير العام الذي صرح بها, مبررا هذا العرض وتوقيته. فإنني اعتقد ان هؤلاء المستشارين, وعلى ما يبدو, لم يكن لديهم إلمام بوظيفة المتحف(الحديث), إن كانوا اقترحوا هذه الأعمال لعرض الافتتاح. ولقد سبق لي ان ناقشت احد وكلاء وزارة الثقافة العراقية الجدد عن أخطاء عديدة في اعتماد ماكيت احد الأنصاب الجديدة المزمع تنفيذه في بغداد, سواء في تفاصيله أو حتى مكان نصبه. واستغرب الوكيل من غفلته عن هذه الأخطاء التي لم ينتبه لها خبراؤهم المعتمدون. فعن أية خبرة نتكلم هنا. لقد أوردت في مقدمة المقال نبذة عن اختصاصات المتاحف من اجل فك الاشتباك المفهومي. ومعرفة وظيفة كل متحف على حدة.
ما دمنا نتحدث عن وظيفة المتحف والقاعة الفنية من الناحية الوظيفية لمؤسسة الدولة الراعية, وهي عندنا وزارة الثقافة المتمثلة بمديرية أو دائرة الفنون التابعة لها. ومن اجل فك الاشتباك المفهومي مرة أخرى. فهل هي خطوة صائبة استحداث مزاد أو سوق للأعمال الفنية العراقية, وتحت مسمى(البازار). والبازار في اللغة هو السوق الشعبي ببضاعته المتنوعة. فهل أصبح الفن العراقي بازارا فعلا. أم ماذا. ان لم يكن بازار كما معناه اللغوي فهو وكما تم التصريح به, عرض لسوق بيع الأعمال الفنية, في صالة عرض داخل مبنى الوزارة. مع تخفيض في ألأسعار لمنتسبي الوزارة..
دعونا نناقش الأمر. إن كانت هذه الخطوة من اجل دعم الفنان. فاعتقد أن السوق الفني ليس من اختصاص وزارة الثقافة, بل من اختصاص قاعات العرض(الكلريات) , كما متعارف عليه محليا وعالميا. واجب وزارة الثقافة ينحصر في رعاية و دعم أنشطة الحركة التشكيلية وبحرفية لا بد منها. فالوزارة دائرة رسمية وهي في هذه الظروف محكومة بهاجس أمنها, وليست سوقا مفتوحا لتداول الأعمال الفنية لمن هب ودب, أما إجراء تخفيض أسعار الأعمال لمنتسبيها فأمر اقل ما يقال عنه غير صائب, ويبخس العمل الفني حقه. اضافة الى التقليل من قيمته. ما فرق منتسب الوزارة عن الاخرين. ما دام يستلم أجرة عمله, ولم هذه المحاباة الغير منطقية التي ربما تشجع أو تؤسس لتصرفات غير مقبولة, تجبر الفنان صاحب الحاجة على القبول بها مضضا. احترام قيمة العمل الفني هي إحدى واجبات المؤسسة الثقافية. وضوابط الاحترام أو تقاليده هي واحدة لا تتجزأ.
اخيرا مجرد تساؤل لا أكثر: ما هي معلومات دائرة الفنون عن نشاطات الفنانين التشكيليين المغتربين الذين يشكلون رقما صعبا في المعادلة الفنية العراقية. هل لديهم أرشيف خاص بأنشطتهم المهمة ومتابعة مشاريع عروضهم, مساهماتهم في عروض الدول التي يقطنوها. مساهماتهم في العروض العالمية وغيرها. أرشيف تدويني, صوري, فيدويي. وما هي المبادرات أو الخطوات المطروحة للتواصل أو تنسيق التعاون بينهم, وإعادة تجميع ألاعمل لمتحف جديد يليق بالحركة التشكيلية العراقية ومستجداتها. هل هناك خطة أولية, هل هناك خطة إستراتيجية لكل ذلك. ما هي خطوات تمتين العلاقة المهنية بين الدائرة وخيرة فناني التشكيل في الداخل..
وللمتحف وهمومه حديث لا ينتهي.


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6277419   Visitors since 7-9-2002