المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

مارتن هايدغر

  
أسئلة وأجوبة حول السياسة والفلسفة والتاريخ
  
ترجمة : حسونة المصباحي
  



نشر هذا الحوار في المجلة الألمانية الأسبوعية »دير شبيغل« بتاريخ 31 آيار/مايو 1976 بعد أيام قليلة من وفاة مارتن هايدغر ونشرت المجلة التوضيح التالي: أرسل هايدغر في آذار/ مارس 1966 رسالة إلى المجلة يردّ فيها على الذين يتّهمونه بأنه كان على صلة بالنازيّة أثناء فترة صعودها. وكانت هذه الرسالة إشارة إلى أنه كان مستعدّا للإجابة على الأسئلة المتعلقة بهذه القضية. وفي شهر أيلول/سبتمبر 1966 تمكن رودولف اغستاين وغيورغ فولف من التحاور مع هايدغر. وقد أوصى هايدغر بعدم نشر الحوار إلا عقب وفاته قائلا:»المسألة لا تتعلق بكبرياء أو عناد وإنما بعملي هذا الذي أصبح مع السنين أسهل، ويعني في المجال الفكري أنه أصبح أكثر صعوبة«. ويعتبر هذا الحوار الوحيد من نوعه الذي خصّصه هايدغر للصحافة.

ـــــــــــــــــــ

شبيغل: أستاذ هايدغر، لقد لاحظنا دائما أن هناك شيئا ما أثر تأثيرا سلبيّا على أعمالك الفلسفية بسبب أحداث عشتها. ورغم أن هذه الأحداث لم تدم طويلا غير أنها لم توضح بما فيه الكفاية.

هايدغر: تقصدون أحداث 1933.

شبيغل: نعم قبل 1933 وبعدها. نحن نريد أن نضع هذه الأحداث في إطار أكثر شمولا ومنها ننطلق إلى أسئلة تلوح أكثر أهميّة. مثلا: ماهي إمكانيّات الفلسفة للتأثير على الواقع بما في ذلك الواقع السياسي؟

هايدغر: إنها أسئلة هامّة، ولست أدري هل أستطيع الإجابة عليها كلها. وقبل كل شيء لابد أن أقول أنه لم يكن لي أي نشاط سياسي قبل تعييني رئيسا للجامعة. وخلال شتاء 1932 وشتاء 1933 كنت في عطلة وأغلب أوقاتي كنت أقضيها في منزلي الريفي.

شبيغل: كيف استطعت إذن أن تصبح رئيسا لجامعة فرايبورغ؟

هايدغر: خلال شهر كانون الأوّل/ديسمبر 1932 انتخب زميلي فون مولوندورف وهو أستاذ مختصّ في علم التشريح عميدا. وتاريخ بدء العمل في جامعتنا كان يوم 15 نيسان/ ابريل. وخلال فصل شتاء 1932 و1933 كنا تحدثنا أحيانا عن الوضع السياسي وخاصة عن وضع الجامعات، وأيضا عن وضع الطلاب الغامض. وكان رأيي كالآتي: ليس هناك غير وسيلة وحيدة وهي أن نمسك بالتيار الذي بدأ يظهر شيئا فشيئا اعتمادا على القوى البناءة والتي لا تزال حيّة حقا.

شبيغل: كنت اذن تلاحظ علاقة ما بين وضع الجامعة الألمانية والوضع السّياسي في ألمانيا بصفة عامّة؟

هايدغر: لقد تابعت الأحداث بين يناير/ كانون الثاني ومارس/ آذار 1933، وحدث أن تحدثت في شأنها مع زملاء أصغر مني سنّا، ولكن عملي كان مخصّصا في ذلك الوقت لتحليل شامل لفكر ما قبل السّقراطية. وقد عدت إلى فرايبورغ في بداية فصل الصّيف. وقبل ذلك كان الأستاذ فون مولوندورف قد بدا عمله كعميد يوم 17 نيسان/أبريل. وبعد أسبوعين فقط من ذلك أقيل من منصبه بقرار من وزارة التعليم. وربّما كان قرار رئيس الجامعة بمنع تعليق ما سميّ في ذلك الوقت بالمنشور الخاص باليهود، فرصة للوزارة لكي تقيله من منصبه(١).

شبيغل: السيّد فون مولوندوف كان اشتراكيا ديمقراطيا. ماذا فعل عقب هذا القرار؟

هايدغر: يوم إقالته اتصل بي فون مولوندورف وقال لي »هايدغر... أنت الذي يجب أن يمسك برئاسة الجامعة«. قلت له أني لست على دراية كبيرة بالمسائل الإدارية، وعرض عليّ مساعد رئيس الجامعة السيد شارو (علم اللاهوت) أن أرشح نفسي لرئاسة الجامعة ذلك أنّه حسب قوله يمكن أن تعيّن الوزارة موظفا في حالة عدم عثورها على شخص تثق فيه. وجاءني زملاء يكبرونني في السن. وحدث أن تناقشت معهم قبل ذلك حول مسائل تتعلق بسير الجامعة. وقد تردّدت طويلا. وأخيرا قبلت أن أقوم بهذه المهمة، فقط من أجل مصلحة الجامعة إذا ما تأكدت من رضى كل أعضاء المجلس الانتخابي. ولكن شكّي حول مدى قدرتي الإداريّة ظلّ كامنا فيّ حتى أني صبيحة اليوم المخصّص للانتخابات، اتصلت بالزملاء وكان من بينهم فون مولوندورف وشاورتهم في الأمر وقلت لهم أني لا أستطيع أن أشغل المنصب. وعندئذ أعلمني زملائي بأن عمليّة الانتخابات قد أعدت وأنه لا يمكنني سحب ترشحي.

شبيغل: وقبلت طبعًا ما هي الأشكال التي اتّخذتها علاقاتك بالقومّيين الاشتراكيين؟

هايدغر: بعد يومين من بدء عملي كرئيس للجامعة اتّصل بي رئيس الطلبة القوميين الاشتراكيين(2) وكان مرفوقا بزميلين له وطلب منّي السّماح لهم بتعليق المنشور الخاص باليهود، فرفضت. وانسحب الطّلاب الثلاثة بعد أن أعلموني أنهم سينقلون قراري إلى قيادة الطّلاب القوميين الاشتراكيين. وبعد أيام اتصلت بي إدارة التعليم العالي بالوزارة تليفونيا وطلبت مني أن أسمح بتعليق المنشور مثلما حدث في بقية الجامعات. وإن أنا رفضت فإني أعرّض نفسي للإقالة وربما أيضا إلى غلْق الجامعة. وحاولت أن أحصل على قبول الوزير بقراري، ولكنه أعلن أنه لا يستطيع. ورغم ذلك لم أتراجع عن قراري.

شبيغل: نحن لا نعرف إلى حدّ هذا الوقت أن الأمور كانت على هذا الشكل؟

هايدغر: السّبب الحقيقي الذي دفعني إلى قبول منصب رئاسة الجامعة هو ذلك الذي كنت أعلنت عنه في محاضرتي الافتتاحيّة بجامعة فرايبورغ سنة 1929:»ماهي الميتافيزيقا؟« أنّ مجالات العلوم منفصلة وبعيدة عن بعضها البعض والطريقة التي تحلل بها العلوم الأشياء تكون مختلفة عن سابقتها اختلافا شديدا في كل مرّة. أن تعدّد مثل هذه العلوم المشتّتة لا يجد الترابط المنطقي اليوم إلا في ذلك الذي يمنحه له التنظيم التقني للجامعات والكليات، وبين مثل هذه الإختصاصات ليس هناك سوى نقطة التقاء وحيدة، وهي الاستعمال العملي لها. وفي مقابل ذلك فإن تجذّر العلوم في جوهر وجودها شيء ميّت تماما«. وكلّ ما حاولت القيام به خلال فترة رئاستي للجامعة في ذلك الوقت- وحتى الأشكال المتطرّفة التي بلغها اليوم- موضّح توضيحا كافيا في الخطاب الذي ألقيته يوم تنصيبي رئيسا للجامعة.

شبيغل: نحن نحاول أن نكتشف كيف وإلى أي مدى يتطابق هذا القول الذي أعلنت عنه سنة 1929 مع الخطاب الذي ألقيته في حفل التنصيب سنة 1933. نستخرج جملة من إطارها العام: »الحرية الأكاديمية التي طالما تغنّى بها البعض الآن ملغية تماما من الجامعة الألمانية. ذلك أن مثل هذه الحرية ليست حقيقة ولكنها فقط سلبيّة«. ونحن نعتقد أننا على حق حين نتصوّر أن هذه الجملة تعبر عنها تصوّرات ما زالت قريبا منها ومتطابقا معها إلى حدّ اليوم.

هايدغر: اني احتفظ بما قلت. ذلك أن هذه »الحرية الأكاديمية« لم تكن في أغلب الأحيان إلاّ سلبيّة: الحرية في عدم بذل الجهد، وفي عدم انفتاح على التأمّل والتفكير اللذين تتطلبهما الدّراسات العلميّة. وأما بخصوص الجملة التي ذكرتها الآن، فإنها لا يجب أن تقرأ وهي معزولة عن إطارها العام. ففي هذا الإطار العام فقط يمكن للإنسان أن يفهم ما كنت أقصده بالحرية السّلبية.

شبيغل: نعم. ولكننا نعتقد أن في خطابك الافتتاحي هناك نغم جديد خاصة عندما تتحدث بعد أربعة أشهر من صعود »هتلر« إلى الحكم كمستشار للرايخ عن »عظمة وبهاء هذه الانطلاقة«.

هايدغر: هكذا كان رأيي في ذلك الوقت.

شبيغل: هل تستطيع أن توضّح لنا ذلك بأكثر دقّة؟

هايدغر: طبعا لم أكن أرى في ذلك الوقت أيّ حلّ آخر. ووسط الفوضى العامّة للآراء والتيارات السياسية التي كان يمثلها اثنان وعشرون حزبا كان لابدّ من إيجاد موقع قومي وخاصة اجتماعي في الاتجاه لمحاولة فريدريك نومان(3) Friedrich Naumann) وأريد أن أذكر على سبيل المثال بدارسة لإدوارد سبرائغير(4) (Eduard Spranger) تذهب أبعد من خطابي الذي ألقيته في حفل الافتتاح.

شبيغل: في أي وقت بدأت تهتم بالسياسة؟ الاثنان وعشرون حزبًا كانت موجودة قبل ذلك وكان هناك أيضا ملايين من العاطلين سنة 1930.

هايدغر: في ذلك الوقت كنت مهتما أساسا بالمسائل التي وردت في »الوجود والزمن«

(Sein und Zeit) وبالكتابات والمحاضرات التي ألقيتها في السنوات الموالية. أنها مسائل فكرية أساسية على علاقة غير مباشرة بالمسائل القومية والإجتماعية. والمسألة الأكثر إلحاحا بالنسبة لي كأستاذ جامعي في ذلك الوقت كانت مسألة مصير العلوم واتجاهاتها، وفي نفس الوقت تحديد دور الجامعة وعملها. وهذا البحث كان واضحا في عنوان خطاب حفل التنصيب:»اثبات الجامعة الألمانية لوجودها« لم يكن هناك حفل تنصيب تجرّأ على اتخاذ مثل هذا العنوان في ذلك الوقت. ولكن من بين هؤلاء الذين تحاملوا على هذا الخطاب وانتقدوه... قرأ وتأمّل فيه جيّدا وفسره انطلاقا من ظروف تلك المرحلة؟

شبيغل:»إثبات الجامعة لوجودها« في عالم متقلّب ألا يبدو هذا في غير أوانه وفي غير محلّه؟

هايدغر: كيف ذلك؟ »اثبات الجامعة لوجودها« لقد كان هذا يتعارض مع ما يسّمى »بالعلم السياسي« الذي منذ ذلك الوقت، كان مطالبا به داخل الحزب وداخل صفوف الطلاّب القوميين الاشتراكيين. وهذه التسمية »العلم السياسي« كان لها معنى يختلف تماما عن معنى اليوم. انها لا تعني السّياسة في حدّ ذاتها بل تعني ما يلي: إن العلم الحقيقي هو ذلك الذي يكون مفيدا للشعب وملبّيا لرغائبه. وما ذكرته في خطاب الافتتاح كان يتعارض تماما مع هذا الاتجاه »التسييسي« للعلم(5).

شبيغل: هل نحن نفهمك جيّدا؟ هل كنت تريد في ذلك الوقت التأكيد على أصالة الجامعة وحمايتها من تلك التيارات القوية التي كانت تتهددها؟

هايدغر: نعم. وأمام التنظيم التقني للجامعة لابد من أن يكون لإثبات الوجود معنى جديد انطلاقا من التفكير في تقاليد الفكر الغربي الأوروبي.

شبيغل: سيادة الأستاذ. هل نستطيع أن نفهم من كلامك أنك كنت تريد إنقاذ الجامعة بالتعاون مع القوميين الاشتراكيين؟

هايدغر: إن هذا الفهم خاطئ. لا بالتعاون مع القوميين الاشتراكيين. الجامعة لابدّ أن تتحدّد انطلاقا من نفسها وأن تحصل على موقع قويّ وصلب أمام »تسييس« العلم في المعنى الذي كنت وضحته من قبل.

شبيغل: ولهذا أنت ذكرت في خطاب الافتتاح هذه الركائز الثلاث: العمل- الدّفاع- المعرفة.

هايدغر: ليس هناك ركائز. إذا أنتم تأمّلتم جيّدا فإن المعرفة تحتل الدرجة الثالثة ولكن المعنى يعطيها الدّرجة الأولى. ما يجب أن يتأمّل فيه هو أنّ العمل والدفاع مثل كل نشاط إنساني متأسسان انطلاقا من علم ما ومستنيران به وبه يهتديان.

شبيغل: لابدّ أن نتحدث - ثم سوف ننتهي بعد ذلك من ذكر مثل هذه الاستشهادات المضجرة- عن جملة لا تتصور أنك مقتنع بها اليوم. قلت في خريف 1933:»لا يجب أن تكون النظريات والأفكار هي قاعدة وجودك. وحده »الفوهرر« هو الحاضر والمستقبل والواقع الألماني وقانونه«.

هايدغر: هذه الجملة لا توجد في خطاب حفل التنصيب ولكن في الجريدة الداخلية »لطلاب فرايبورغ« وذلك في بداية الفصل الدّراسي لشتاء 1933-1934.

عندما قبلت أن أكون رئيسا للجامعة، كنت أعرف أني لابدّ أن أقدّم بعض التنازلات. أني لا أكتب اليوم الجمل المذكورة. ولم أقل مثلها أبدا منذ 1934.

شبيغل: هل نستطيع أن نلقي عليك سؤالا عرضيّا؟ هذا الحوار وضح الآن أن موقفك خلال سنة 1933 كان يتأرجح بين اتجاهين. أولا كنت مجبرا على قول بعض الأشياء. وهذا هو الاتجاه الأول. ولكن الاتجاه الثاني كان على الأقل أكثر ايجابيّة وذلك عندما تقول: كنت أحسّ أن هناك شيئا جديدا. أن هناك انطلاقة«.

هايدغر: هذا ما كنت أقصده. لم أتكلّم متصنّعا ذلك وإنما لأني كنت أرى حقا هذه الإمكانية.

شبيغل: أنت تعرف أنه انطلاقا من هذه الأشياء اتهمت بأنك كنت على علاقة مع القوميين الاشتراكيين ومع جمعيّاتهم. ومثل هذه الاتهامات التي بلغت الجمهور الواسع ظلّت إلى حدّ الآن دون توضيح. وهناك من يتهمك بأنك ساهمت في عمليّات حرق الكتب التي نظمها الطلاب الهتلريون.

هايدغر: لقد منعت عملية حرق الكتب التي كانت ستحدث أمام مبنى الجامعة.

شبيغل: ثم أن هناك من يتهمك بأنك أخرجت من مكتبة الجامعة ومن منتدى الفلسفة مؤلفات الكتاب اليهود؟

هايدغر: لم تكن لي سلطة كرئيس لا على المنتدى ولا على مكتبته. ولم أرضخ أبدا للأوامر المتكرّرة التي كانت تلّح على ضرورة القضاء على المؤلفات اليهودية. وبعض الذين ساهموا قديما في بعض أعمالي في منتدى الفلسفة باستطاعتهم أن يشهدوا على أننا لم نخرج مؤلفات اليهود وأننا كنا نناقش أعمالهم وخاصة أعمال هوسرل (HUSSERL) التي ظلت تُناقش وتفسر مثلما كان الأمر قبل 1933.

شبيغل: كيف تفسّر اذن أسباب انتشار مثل هذه الاتهامات؟ هل هو الخبث والنميمة؟

هايدغر: بسبب معرفتي بمصدرها، لا أستطيع أن أنكر، غير أن أسباب النّميمة أعمق من ذلك. أن قبولي برئاسة الجامعة ليست الفرصة والسبب الرئيسي لما حدث. ولهذا فإن الجدال يشتعل كلما سنحت الفرصة لذلك.

شبيغل: بعد سنة 1933 كان لك طلاّب يهود. وعلاقتك بالبعض منهم كانت حميمية.

هايدغر: لم يتغيّر موقفي منذ 1933. وإحدى طالباتي وإسمها هيلين فايس (Helen Weiss) وكانت الأكثر نبوغا هاجرت بعد ذلك إلى اسكتلندا، وقد أعدّت رسالتها لنيل شهادة الدكتوراة في جامعة »بال« بعد أن تعذّر عليها القيام بذلك في »فرايبورغ« وعنوان رسالتها: »السببيّة والصدفة في فلسفة أرسطو« وقد صدرت في بال سنة 1942. وفي مقدمتها كتبت المؤلفة مايلي: إن محاولة التفسير الفينومنولوجي التي سأقدم منها الجزء الأول ساعدتني على القيام بها تفسيرات لهايدغر لم تنشر إلى حدّ الآن حول الفلسفة الاغريقية. وها هي نسخة من هذه الرّسالة مع الإهداء وقد زرت السيدة فايس مرات عديدة قبل وفاتها.

شبيغل: كنت صديقا لمدة طويلة لكارل ياسبرس. وبعد 1933 تعكّرت صداقتكما. والشائعات تقول بأن سبب هذا التعكّر هو أن زوجة ياسبرس يهودية. هل تستطيع أن تقول شيئا حول هذا الموضوع؟

هايدغر: كنت صديقا لياسبرس منذ ٩١٩١. وقد زرته وزرت زوجته في »هايدلبارغ« خلال فصل صيف 1933. وقد أرسل لي ياسبرس كل كتبه بين 1934 و1938 مع »تحية ودّية«.

شبيغل: كنت تلميذا لهوسرل الفيلسوف اليهودي الذي كان يُدرس الفلسفة في جامعة »فرايبورغ« وقد أمر بتعيينك بعده في الجامعة. هل تعترف له بالجميل؟

هايدغر: أنتم تعرفون الإهداء في كتابي »الوجود والزمن«.

شبيغل: طبعا. ولكن علاقتك به تعكرت بعد ذلك هل تستطيع وهل ترغب في أن تقول لنا لم يعود ذلك؟

هايدغر: الاختلافات بشأن المسائل الجوهرية احتدت وتفاقمت. في بداية الثلاثينات، راح هوسرل يقوم بعملية تصفية حسابات مع ماكس شلير ومعي أنا بصفة علنية. ولست قادرا على إدراك السبّب الذي دفع هوسرل إلى التحامل على أفكاري الفلسفية علنا.

شبيغل: في أية مناسبة تمّ ذلك؟

هايدغر: في قصر الرّياضة ببرلين تحدث هوسرل أمام الطلاّب. وقد كتب أريك موهسام (Erich Mühsam) عن هذا التدخل في إحدى الصحف الكبرى ببرلين.

شبيغل: الخصومة ليست هامّة في حدّ ذاتها. المهم أنها ليست على علاقة بما حدث سنة 1933.

هايدغر: أبدا.

شبيغل: يقال أنك في سنة 1941 عند صدور الطبعة الخامسة من »الوجود والزمن« تعمّدت حذف الإهداء الأول إلى هوسرل.

هايدغر: نعم ... هذا صحيح. وقد وضحت السّبب في كتابي: (Unterwegs zur Sprache) حيث نجد ما يلي: »لكي أرد على ادّعاءات خاطئة ترددت مرات عديدة، لابد أن أقول أن الإهداء في Sein und Zeit ظل في مكانه في الطبعة الرابعة التي صدرت سنة 1935. وعندما رأى الناشر أن الإهداء سوف يُعرض الكتاب إلى بعض المضايقات، وربّما إلى المنع، طلب مني حذفه فقبلت شريطة أن يبقى على الملاحظة الواردة في الصفحة 38 والتي جاء فيها: »إذا ما تقدم هذا البحث خطوات إلى الأمام في مجال دراسة الأشياء ذاتها، فإن المؤلف يتقدم بالشكر إلى هوسرل الذي ساعده على تطويع موضوعه خلال سنوات الدراسة في فرايبورغ وذلك بفضل حسن توجيهه وقوة انتباهه إلى الأعمال المتعلقة بالفينومنولوجيا والتي لم تجد الفرصة لكي تنشر«.

شبيغل: إذن لا فائدة من أن نسألك هل أنت حقا منعت الأستاذ الشرفي هوسرل من الدخول إلى مكتبة الجامعة وإلى مكتبة منتدى الفلسفة عندما كنت رئيسا للجامعة؟

هايدغر: إنها نميمة وخساسة.

شبيغل: ولا توجد أيضا رسالة يوجد فيها مثل هذا المنع؟ كيف وُجهت مثل هذه التهمة؟

هايدغر: لست أدري.. ولا أجد تفسيرا لذلك. وأستطيع أن أبين لكم استحالة مثل هذه التهمة بذكر حدث ليس معروفا هو أيضا. عندما كنت رئيسا للجامعة أقالت وزارة التعليم أستاذين يهوديين من منصبهما. الأول هو فون هاوزر الذي حاز بعد ذلك على جائزة نوبل... والذي كان في ذلك الوقت أستاذا للطب ومديرا للمستشفى الجامعي. والثاني فون هيفسي وهو أستاذ للفيزياء والكيمياء. ولكني استطعت أن أعيدهما إلى منصبهما بفضل اتصالات قمت بها شخصيا داخل الوزارة. أن أقوم بمثل هذا العمل، وفي نفس الوقت أتصرّف مع هوسرل الذي كان متقاعدا في تلك الآونة، والذي كان أستاذي ومعلمي بمثل هذا التصرّف، هذا غير معقول تماما ثم أني منعت أيضا مظاهرة كان يريد الطلبة وبعض الأساتذة تنظيمها ضد الأستاذ فون هاوزر. في ذلك الوقت كان هناك ما يسّمى بـ(Privatdosenten) (6) (أي الأساتذة بلا كرسي) الذين تجاوزوا الحد وكانوا يقولون:»أنها لفرصة لكي تتقدّم على الأمام«. وعندما اتصلوا بي طردتهم.

شبيغل: أنت لم تحضر دفن هوسرل.

هايدغر: أريد أن أقول أن التهمة التي تقول بأني أنا الذي سعيت إلى قطع علاقاتي بهوسرل ليس لها أيّ أساس من الصحة. لقد كتبت زوجتي في أيار/مايو 1933 رسالة إلى السيدة هوسرل باسمنا وذكرت فيها اعترافنا لهما الدائم بالجميل. وأرسلت هذه الرسالة مرفوقة بباقة زهور إلى هوسرل. وقد رّدت السيدة هوسرل باختصار شديد. وأعلمتنا أن العلاقة بين العائلتين قد انتهت. إن كنت تقاعست عن التعبير عن إعترافي بالجميل وعن احترامي وتقديري خلال مرض وموت هوسرل، فهذا خطأ إنساني ... وقد اعتذرت عن ذلك أمام السيدة هوسرل في رسالة أرسلتها لها...

شبيغل: مات هوسرل سنة 1938. ومنذ فبراير 1934 قدمت استقالتك من رئاسة الجامعة. كيف توصلت إلى هذا القرار؟

هايدغر: هنا لابد أن أتوسّع قليلا في الكلام عن الجزئيات لتجاوز التنظيم التقني للجامعة، أي لتجديد الكليات من الداخل انطلاقا من أعمالها تجاه الأشياء ذاتها. اقترحت خلال فصل الشتاء 1933-1934 تسمية زملاء يصغرونني سنا في عمادات مختلف الكليات وكانت مقدرتهم كبيرة في ميادين اختصاصهم. وهذا دون النظر إلى علاقتهم بالحزب. وهكذا أصبح أريف فولف عميدا لكلية الحقوق وشادوولدت عميدا لكلية الفلسفة وسورغال عميدا لكلية العلوم وفون مولوندورف الذي أقيل من منصب رئاسة الجامعة عميدا لكلية الطب. ومنذ نهاية 1933 اتضح لي أن عملية التجديد داخل الجامعة مستحيلة بالنسبة لي بسبب مقاومة رجال التعليم والحزب لذلك مثلا... البعض من الزملاء انتقدني لأني أدخلت بعض الطلاب إلى مجلس إدارة الجامعة وهو أمر يحدث الآن بصفة عادية. ويوما ما دعيت إلى الوزارة وطلبت مني أن أعوض العمداء الذي عينتهم بزملاء آخرين. وقد رفضت هذا الاقتراح، وهدّدت بتقديم استقالتي إذا ما أصرت الوزارة على ذلك. وهذا ما تم بالفعل. في شهر فبراير 1934 استقلت، وكان هذا بعد عشرة شهور من بدء مهامي كرئيس للجامعة. وقد صمتت الصحافة الألمانية والأجنبية عن هذا الأمر بينما كانت أعلنت عن تعييني بشيء من الضجة.

شبيغل: هل توفّرت لك الفرصة في هذه الفترة لعرض أفكارك حول إصلاح الجامعة أمام الوزير المفوض من قبل الرايخ؟

هايدغر: متى في هذه الفترة؟

شبيغل: أنت تعلم أننا نتحدث دائما عن الرحلة التي كان من المحتمل أن يقوم بها »روست« (Rust) لفرايبورغ عام 1933.

هايدغر: الأمر يتعلّق بحادثتين مختلفتين: بمناسبة الاحتفال بذكرى شلاغتير (Schlageter)(7) في »شوتاو« بمقاطعة »فورتنبارغ«. كان هناك لقاء رسميّ قصير فيه صافحت الوزير. في ما بعد تحدثت مع الوزير في برلين في نوفمبر/تشرين الثاني 1933. وقد عرضت عليه مفهومي للعمل، وللشكل الذي يمكن أن نمنحه للكليّات. وقد أنصت إلي بانتباه حتى أني آملت أن يلقى العرض الذي قدمته وقعا وصدى عنده. غير أنه لم يحدث شيء. وأنا لا أستطيع أن أفهم لماذا يؤاخذني بعض الناس على هذا الحوار مع وزير التربية في حكومة الرايخ الثالث في تلك الفترة التي كانت فيها كل الحكومات الأجنبية تتسارع للاعتراف بهتلر، مانحة إياه الثقة المتعارف عليها في العلاقات بين الأمم.

شبيغل: هل تغيرت علاقتك بالقوميين الاشتراكيين بعد استقالتك من رئاسة الجامعة؟

هايدغر: بعد استقالتي اقتصرت على القيام بعلمي كأستاذ. وخلال فصل صيف 1934، قدّمت درسا في المنطق. وفي الفصل الثاني 1934-1935، درسا حول هولدرلين (Holderlin) وفي سنة 1936 شرعت في دروسي حول نيتشه. والذين كانت لهم قدرة على الاستماع فهموا أن ما قلته في تلك الدروس كان موجّها للقومية الاشتراكية.

شبيغل: كيف تمت عملية تنصيب الرئيس الجديد؟ هل حضرت الحفل؟

هايدغر: رفضت حضور الحفل الرسمي.

شبيغل: هل كان الرئيس الجديد عضوا في الحزب؟

هايدغر: كان رجل قانون. وجريدة الحزب Der Alemanne أعلنت عن تسميته رئيسا بعنوان كبير: »أول رئيس جامعة قومي اشتراكي«.

شبيغل: كيف تصرف الحزب معك؟

هايدغر: كنت دائما تحت المراقبة.

شبيغل: وكنت على علم بذلك؟

هايدغر: نعم: قضية الدكتور هانكه (Hanke).

شبيغل: كيف لاحظت ذلك؟

هايدغر: لقد جاء لزيارتي بعد أن تقدم لمناظرة الدكتوراه خلال فصل الشتاء 1936-1937 وساهم في المنتدى الأعلى الذي أشرفت عليه خلال صيف 1937. لقد أرسلته المخابرات لمراقبتي.

شبيغل: ولماذا جاء فجأة لزيارتك؟

هايدغر: بسبب الندوة التي خصصتها لنيتشه خلال فصل صيف 1937. وقد اعترف لي بعد اطلاعه على الطريقة التي كان يجري بها العمل، أنه لا يستطيع القيام بمهمّه المراقبة وأنه أراد أن يعلمني بذلك حتى أتمكن من معرفة ما يمكن أن يحدث لي في المستقبل.

شبيغل: كان الحزب يراقب بشدّة إذن؟

هايدغر: كنت أعرف أنه ممنوع الكلام حول كتبي... مثلا حول الدراسة التي قمت بها عن نظرية أفلاطون في المعرفة. وقد هاجمت مجلة الشبيبة الهتلرية بخساسة كبيرة محاضرتي عن هولدرلين التي ألقيتها خلال ربيع 1936 بالمعهد الألماني بروما. والذين يهمّهم الأمر يستطيعون العودة إلى مجلة أريك كرياك (Volk im Werden) لكي يقرأوا الهجوم الذي شن ضدّي ابتداءً من صيف 1934. وقد رفضت الحكومة الألمانية إرسالي لحضور المؤتمر العالمي للفلسفة الذي انعقد ببراغ 1934. كما أني لم أحضر المؤتمر العالمي الخاص بديكارت الذي انعقد بباريس سنة 1937. وقد استغربت لجنة المؤتمر بباريس غيابي فأرسلت لي عن طريق الأستاذ بريهياي أستاذ الفلسفة بجامعة السربون لتستوضحني الأمر، ولتفهم الأسباب التي جعلتني لا أكون ضمن الوفد الألماني. وفي جوابي طلبت من لجنة المؤتمر أن تستوضح الأمر لدى وزارة التعليم في الرايخ. وبعد ذلك جاءتني دعوة من برلين تطلب مني الالتحاق بالوفد فرفضتها. وقد بيعت نصوص المحاضرتين »ما هي الميتافيزيقا؟« و»جوهر الحقيقة« خفية ودونما غلاف. وقد سحب خطابي الذي ألقيته أثناء تنصيبي رئيسا، من المكتبات بعد سنة 1934 بأمر من الحزب.

شبيغل: ثم تدهورت الأوضاع بعد ذلك؟

هايدغر: في السنة الأخيرة من الحرب أعفي خمسمائة من أهمّ العلماء والفنانين من الخدمة العسكرية. ولم أكن أنا من بينهم بل بالعكس دعيت خلال صيف 1944 للقيام بأعمال تحصين على نهر »الراين«.

شبيغل: كان كارل بارت (Kart Barth) يقوم بالتحصين على الضفة الأخرى، الضفة السويسرية.

هايدغر: الطريقة التي تمّت بها الأحداث كانت هامة. دعا رئيس الجامعة كل الجهاز التعليمي وألقى خطابا قصيرا محتواه ما يلي: أن الإجراءات التي اتخذها موافق عليها من طرف الأجهزة العليا،

ومن الحزب القومي الاشتراكي. وهو سيقسّم الجهاز التعليمي، إلى ثلاث مجموعات أولا مجموعة لا يمكن الاستغناء عنها، ثانيا مجموعة يمكن ولا يمكن الاستغناء عنها. ثالثا مجموعة يمكن الاستغناء عنها تماما. وكان في رأس قائمة من يمكن الاستغناء عنهم هايدغر وريتر٭.

وخلال فصل شتاء 1944-٥٤٩١، بعد انتهاء أعمال التحصين على نهر »الراين« قدمت درسا بعنوان:»الشعر والفكر« (Dichten und Denken). وكان تكملة لدرسي حول نيتشه أي أنه توضيح لموقفي من القومية الاشتراكية. وبعد الدرس الثاني جندت قي الميليشيا الشعبيّة (Volkssturm) وكنت أكبر سنا من كل المجندين من الجهاز العلمي.

شبيغل: يمكن أن نلخّص الأمور على النحو التالي: في عام 1933، كإنسان ليس منخرطا في السياسة بالمفهوم الضيّق للسياسة، وليس في مفهومها الواسع، أنت انخرطت في سياسة هذه الحركة التي كانت تبدو كأنها انطلاقة...

هايدغر: عن طريق الجامعة...

شبيغل:... أنت انخرطت إذن عن طريق الجامعة في هذه الحركة التي كنت ترى فيها انطلاقة. بعد حوالي عام، أنت تخلّيت عن الوظيفة التي كنت تؤدّيها. وفي درس ألقيته عام 1935، ولم ينشر إلاّ عام 1953 تحت عنوان: »مدخل إلى الميتافيزيقا«:ما يروّج اليوم- ويعني ذلك عام 1935 باسم الفلسفة »القومية الاشتراكية، غير أنه لا يرتبط بأية علاقة مع الحقيقة الدّاخلية وعظمة هذه الحركة (أي مع اللقاء بين التّقنية في مفهومها الكوني، وإنسان العصور الحديثة)، اختار هذه المياه العكرة التي تسمّى »قيما« و»كليّات« لكي يرمي فيها شباكه. هل أضفت هذه الكلمات بين قوسين فقط عام 1953، أي عند صدور الكتاب- ربما لكي تشرح للقارئ عام 1953 أين كانت تكمن بالنّسبة لك »الحقيقة الداخلية وعظمة هذه الحركة«، أي »القومية- الإشتراكية-، أم هل أن القوسين المقصود بهما الشرح كانا موجودين في نصّك عام 1935؟

هايدغر: كانا موجودين في المخطوط، ويقابلان بالضّبط المفهوم الذي كان عندي في ذلك الوقت للتّقنية، وليس بعد التفسير الذي خصّت به التكنولوجيا في ما بعد كـ(GE- STELL) أنا لم أضع القوسين في الدّرس الذي قدمته فهذا يقوم على الإعتماد الذي كان عندي بأن المستمعين الذين كانوا قادرين على إدراك ما كنت أقصده. ولم يكن يهمّني أن يفهم الأغبياء، الجواسيس، والمخبرون شيئا آخر من كلامي...

شبيغل: الحركة الشيوعية بالنسبة لك كانت بلاشك من هذا الصنف؟

هايدغر: نعم، ومن دون أي شك في ذلك إذ أنها هي أيضا محدّدة بالتّقنية الكونية....

شبيغل: النّمط الأمريكي أيضا؟

هايدغر: ما قلته يمكن أن ينطبق على هذا النّمط أيضا. في غضون الثلاثين سنة الأخيرة يمكن أن يتأكد بوضوح أن الحركة الكونية لتقنية العصور الحديثة قوة تحدّد التاريخ، وأن عظمتها لا يمكن الإفراط في تقديرها. وهذه بالنسبة لي مسألة حاسمة لمعرفة كيف يمكن أن نقابل بشكل عام نظاما سياسيّا مع العصر التقني، وماذا يمكن أن يكون هذا النظام. أنا لا أستطيع أن أكون واثقا من أنه سيكون الديمقراطية....

شبيغل: لكن الديمقراطية ليست مفهوما عامّا فيه يمكن أن نضع تصوّرات مختلفة. السؤال هو أن نعرف إذا ما كان تحوّل هذا الشكل السياسي لا يزال ممكنا. لقد تحدثت بعد عام 1945 عن التّطلعات السياسية للعالم الغربي، كما تحدثت أيضا في هذا النطاق، عن الديمقراطية، وعن التعبير السياسي للنظرة المسيحية للعالم وفي نفس الوقت عن الدولة القائمة على القانون. وقد أطلقت على هذه التطلعات اسم »أنصاف حلول«...

هايدغر: قبل كل شيء، اسمحوا لي أن أقول أين تحدثت عن الديمقراطية وعن تلك الأشياء التي ذكرتموها في ما بعد. يمكنني أن أسمّي ذلك بالفعل »أنصاف حلول« ذلك أنني لا أرى في كل هذا إعادة نظر حقيقية في العالم التّقني إذ أن هناك خلف كل هذا، بحسب رأيي، فكرة تقول بإن التقنية في جوهرها شيء يمتلكه الإنسان. وبرأيي، ليس هذا ممكنا. إن التقنيّة في جوهرها شيء ليس بإمكان الإنسان لوحده التحكّم فيه.

شبيغل: من كلّ التيارات التي أجملنا وصفها، ما هو برأيك التيّار الذي يمكن أن ينسجم مع عصرنا؟

هايدغر: بخصوص هذا الأمر، أنا لا أرى شيئا. غير أنني أرى هنا مسألة حاسمة. يتحتّم علينا قبل كل شيء توضيح ما أنتم تعنونه بـ: منسجم مع عصرنا«، وماذا يعني »العصر« هنا، بل أكثر من ذلك، يتحتّم علينا أن نتساءل إذا ما كان الإنسجام مع العصر هو مقياس »الحقيقة الداخلية« للفعل الإنساني، هذا إذا ما كان الفعل الإنساني الذي يمنح المقياس ليس هو »الفكر والشعر« (DAS DENKEN UND DAS DICHTEN) بغض النظر عن الابتذال الذي سقطت فيه هذه العبارة.

شبيغل: من الواضح، أننا حين ننظر، نلاحظ أن الإنسان، في كلّ عصر، لا يتوصّل إلى حلّ مشاكله

أو إيجاد حلول للقضايا التي يواجهها، بآلته وحدها، حتى ولو كان هذا الإنسان مُطلق جنّ. ليس من الإفراط في التشاؤم أن نقول: ليس باستطاعتنا الخلاص بهذه الآلة التي هي بالتأكيد أكبر بكثير، نعني بذلك التقنية الحديثة؟

هايدغر: تشاؤم، هذا لا.. التشاؤم والتفاؤل هما في مجال التفكير الذي نحاوله في هذه اللحظة، لحظة اتخاذ مواقف جدّ قصيرة. لكن التقنية الحديثة ليست »آلة«، ولا علاقة لها بالآلات...

شبيغل: لماذا تصرعنا التقنية إلى هذا الحد؟

هايدغر: لا أقول »تصرعنا«. اقول أنه ليس لدينا إلى حدّ الآن طريق يناسب كائن التقنية...

شبيغل: بإمكاننا أن نعارضك بكلّ سذاجة بهذا: ما هو الشيء الذي علينا أن نتحكّم فيه هنا؟ ذلك أن كلّ شيء يعمل بانتظام. فنحن نقيم المزيد من المحطات الكهربائية. والإنتاج جيّد. وحاجيات الناس الذين يعيشون في هذا الجزء من العالم حيث تعرف التّقنية تطوّرا كبيرا مدبّرة. نحن نعيش في الرفاهية. ما الذي ينقص هنا في النهاية؟

هايدغر: كلّ شيء يعمل. القلق متأتّ من أن كلّ شيء يعمل، وأن العمل يأتي دائما بعمل آخر جديد، وأن التقنية تجتثّ الإنسان من الأرض دائما، وتقطع جذوره منها. لست أدري إن كان هذا يفزعكم، أما أنا فأقول على أية حال، بأن ما أفزعني هو أن أرى صورًا مرسلة من القمر إلى الأرض. نحن لسنا بحاجة إلى القنبلة الذرية، ذلك أن قطع جذور الإنسان حصل. ونحن لم نعد نعيش غير ظروف تقنية بحتة. لم تعد أرضا هذه الأرض التي يعيش عليها إنسان اليوم.

لقد تحاورت مؤخّرا، ولوقت طويل، في »البروفانس« الفرنسية، مع رنيه شار، الشاعر، والمقاوم الذي ساهم في حركة المقاومة خلال الحرب الكونية الثانية، كما أنتم تعلمون. وفي »البروفانس« هم يقيمون راهنا محطات نووية، والمنطقة بأسرها تشهد تحزيبا لا يمكن تصّوره. والشاعر الذي لا يمكننا أن نتهّمه بالعاطفية، أو بالرغبة في التغزّل بالطبيعة، قال لي أن قطع جذور الإنسان الذي تمّ هناك في »البروفانس« يعني النهاية، إذا لم يتمكن الفكر والشعر من أن يتبّوأ عرش السّلطة من دون عنف، والتي هي سلطتهما.

شبيغل: علينا أن نعترف أننا نفّضل أن نكون هنا، ومادمنا أحياء، لن نكون مجبرين دون شك على الرحيل. لكن من يعلم إذا ماكان مصير الإنسان هو أن يكون على الأرض؟ ولا يمكن أن نتصور أن يكون الإنسان بلا مصير أبدا. لكن على أية حال، بإمكاننا أن نرى أيضا محاولة أخرى للإنسان بحيث أنه انطلاقا من هذه الأرض، يمكن أن يمدّ سيطرته على الكواكب الأخرى. وبالتأكيد، لا يزال هناك وقت طويل لكي نصل إلى هذا المستوى. بكلّ بساطة، أين مكتوب بأن مكان الإنسان هو هنا على الأرض؟

هايدغر: من خلال تجربتنا وتاريخنا الإنسانيين، وحسبما أعلم، فأني اعتقد أن شيئا أساسيّا وكبيرا لم يولد ولم ير النور إلاّ لأن الإنسان له وطن HEIMAT وأنه متجذّر في تراث معيّن. الأدب اليوم مثلا، تخريبي وتدميري بشكل واسع.

شبيغل: »كلمة« »تخريبي«، تقلقنا هنا، ومن جملة الأسباب الدّاعية لذلك، هو أن كلمة »عدمي« أخذت منك ومن فلسفتك معنى سياقه جدّ متّسع. ونحن نصدم عندما نسمع كلمة »تخريبي« منقوله إلى الأدب، والتي بإمكانك، بل عليك أن تعتبرها كما لو أنها جزء من هذه العدميّة.

هايدغر: بودّي أن أقول إن الأدب الذي أنا أتحدث عنه ليس عدميّا بالمعنى الذي استعمل فيه هذه الكلمة.

شبيغل: أنت ترى بوضوح، وقد قلنا لك ذلك بهذه العبارات، بأن هناك حركة عالميّة تقود أو قد تكون قادت إلى ظهور دولة تقنية مطلقة؟

هايدغر: نعم.

شبيغل: حسن. إذن هناك سؤال يطرح بطبيعة الحال: هل لا يزال باستطاعة الكائن البشري أن يكون له تأثير على نسيج هذه الأحداث التي لابدّ أن تحدث، أو أن بإمكان الفلسفة أن يكون لها تأثير أو الإثنان معا، في نطاق أن الفلسفة تقود الفرد أو عدة أفراد إلى القيام بفعل محدّد؟

هايدغر: إذا ما أنتم سمحتم لي بإجابة مختصرة أو ربما شاملة، غير أنها ناتجة عن تفكير طويل فإني أقول بإن الفلسفة ليس بإمكانها أن تنتج حدثا فوريّا يغيّر الوضع الراهن للعالم. وهذا لا يقتصر فقط على الفلسفة، وإنما هو يعني أيضا كل ما يتّصل بالمشاغل وبالتطلعات المتّصلة بالإنسان. فقط وحده الله يمكن أن ينجيّنا. لم تتبق لنا غير محاولة واحدة وهي أن نعدّ في الفكر وفي الشعر إمكانية لظهور الآلهة أو لغيابها في تدهورنا. أن نتدهور أمام الآلهة الغائبة.

شبيغل: هل هناك علاقة بين فكرك وظهور الآلهة؟ هل هناك في نظرك، علاقة سببيّة؟ وهل تعتقد أن نفكر في هذه الآلهة بطريقة تجعلها تأتي إلينا؟

هايدغر: نحن ليس بمقدورنا أن نأتي بها بالفكر، بمقدورنا على المستوى الأفضل أن نوقظ إمكانية ما لانتظارها.

شبيغل: لكن هل باستطاعتنا أن نساعد على ذلك؟

هايدغر: إعداد الإمكانية يمكن أن تكون النّجدة الأولى. العالم لا يمكن أن يكون ما هو وكما هو بالنسبة للإنسان، غير أنه لا يمكن أن يكون دون الإنسان. وهذا يعود، بالنسبة لي، إلى أن كلمة تأتي من بعيد، محمّلة بالعديد من المعاني، واليوم هي أصبحت مبتذلة، وأسمّي ذلك »الوجود« هي بحاجة إلى الإنسان لإظهارها، ولتشكيلها، ولصيانتها. إن جوهر التقنيّة، أراه في ما أنا أسميه بـ GE-STELL، وهي عبارة عادة ما تستعمل بشكل سيء، أو بشكل مثير للسّخرية. إن هيمنة GE-STELL تعني ما يلي: الإنسان يتحمّل المراقبة، ومطلب أمر من قوة تتجلّى في التقنية، والتي لا يمكن أن تسيطر على نفسها: الفكر لا يزعم أنه باستطاعته أن يفعل أزيد من ذلك. الفلسفة لم تعد تتحمّل أكثر ممّا في استطاعتها تحمّله. لقد استنزفت قواها.

شبيغل: في الزمن الماضي- وليس فقط في الزمن الماضي- اعتقدنا أن الفلسفة لها نتائج غير مباشرة أو نادرا ما تكون لها نتائج مباشرة، غير أنه بإمكانها أن تكون لها كثير من النتائج غير المباشرة، وأنها أحدثت تيارات جديدة. وإنما نحن اقتصرنا على الألمان وحدهم، وذكرنا الأسماء الكبيرة مثل كانط، وهيغل وحتى نيتشه، من دون حتى ذكر ماركس، في حين أنه باستطاعتنا أن نقدّم الدليل على أن الفلسفة، من خلال طرق متعرّجة، كان لها تأثير هائل. هل تريد أن تقول الآن أن هذا التأثير للفلسفة انتهى؟ وعندما تقول إن الفلسفة القديمة ماتت، وأنها لم تعد موجودة، فهل هذا يعني أنك تفكر في نفس الوقت أن تأثير الفلسفة، إذا ما كان لها تأثير، فإن هذا التأثير لم يعدّ موجودا؟

هايدغر: فكرة أخرى يمكن أن يكون لها تأثير غير مباشر، لكن ولا واحدا من التأثيرات يمكن أن يكون مباشرا بطريقة تجعلنا نقول إن الفكرة »تحدث« تغييرا في وضع العالم.

شبيغل: المعذرة، نحن لا نريد أن نتفلسف، وليس باستطاعتنا أن نفعل ذلك على أية حال، غير أننا نلمس هنا الصّلة بين السياسة والفلسفة، لهذا أسمح لنا أن نجرّك إلى هذا الموقع في مثل هذا الحوار. كنت تقول قبل قليل إن الفلسفة والفرد لا يمكنهما أن يفعلا خارج...

هايدغر: (مقاطعا) ... خارج الإعداد لإمكانية أن نظل - مفتوحين لقدوم أو لتغيّب المطلق. واختبار هذا التغيّب ليس لا شيء، غير أنه خلاص الإنسان ممّا أنا سمّيته في »الوجود والزمن« بـ»حبوط المسعى« إلى جانب الموجود. التفكير حول ما هو أصبح اليوم جزءا من الأعداد لهذه الإمكانية والذي كنت قد تحدثت عنه.

شبيغل: ولكن في هذه الحالة، لابدّ أن تأتي المساعدة من الخارج مرة أخرى، من آلهة أو أيّ واحد آخر. إذن، منفردا، وبالاعتماد على قواها الخاصّة، ليس بإمكان الفكر أن يكون له تأثير اليوم؟ مع ذلك، هذا التأثير حدث من قبل، بحسب رأي المعاصرين، وبحسب رأينا نحن كما نعتقد ذلك...

هايدغر: لكن ليس بصفة مباشرة.

شبيغل: لقد ذكرنا كانط، وهيغل، وماركس لأنهم كانوا مولّدين لحركة. لكن من لا يبنيتز أيضا، انطلقت محرّضات لتقدم الفيزياء الحديثة، وبالتالي لولادة العالم الحديث بصفة عامة. نحن نعتقد أننا سمعنا قبل قليل أنك قلت إنك لا تعوّل على تأثير هذا الصّنف...

هايدغر: أكثر منه في مجال الفلسفة. إن الدور الذي كانت تلعبه الفلسفة حتى يومنا هذا بدأت العلوم تلعبه في الوقت الراهن. ولكي نوضّح بما فيه الكفاية كلمة »تأثير« الفكر، فإنه يجدر بنا أن نتعمّق أكثر في السؤال وأن نسأل ماذا يمكن أن يعني هنا »تأثير« و»ويكون تأثيره«. وسنكون بحاجة أن نميّز بوضوح بين »(ANLASS) (فرصة) وANTOSS (دفع) و(FOERDERUNG ) (عائق ومانع) و»(MITHILFE) (إسعاف ومساعدة)، بعد ذلك السؤال الذي يطرحه مبدأ العقل يمكن أن يتموضع بما فيه الكفاية. الفلسفة في العلوم الخاصة: السايكولوجيا، (المنطق، وعلم السياسة)

شبيغل: وما الذي أخذ مكان الفلسفة الآن؟

هايدغر: السيبيرنيتيقا (علم التحكم).

شبيغل: أم الإنسان التقيّ الورع الذي يظلّ منفتحا؟

هايدغر: لكن هذا لا يمتّ للفلسفة بأية صلة.

شبيغل: ما هو إذن؟

هايدغر: اسميّ هذا الفكر الآخر.

شبيغل: نسمي هذا الفكر الآخر. هل بإمكانك أن تبلور هذا بشكل أوضح؟

هايدغر: هل تفكرون في الجملة التي تختم محاضرتي »التقنية كسؤال« .(DIF FRAGE NACH DERTECHNICK

التساؤل هو تقوى الفكر؟

شبيغل: لقد عثرنا في الدرس الذي ألقيته حول نيتشه على جملة يمكن أن تكون مضيئة بالنسبة لنا. وفي هذه الجملة، أنت تقول: لأنه في الفكر الفلسفي تهيمن إرادة علاقة رفيعة وسامية حتى أن كل المفكرين يقولون الشيء ذاته. غير أن هذا الشيء ذاته جدّ جوهري وجدّ ثري حتى أن مفكرا بمفرده ليس قادرا على استنفاذه. وكل واحد لا يقوم إلا »بأن يرتبط بالآخر ارتباطا أشد متانة«. غير أن هذا الحصن الفلسفي، يبدو بالنسبة لك، وكأنه وصل إلى الإكتمال.

هايدغر: انه اكتمل. وهذا لا يعني أنه ألغى بالنسبة لنا، لكنه حاضر، مرة أخرى، بحقّ، في الجوار. كل العمل الذي قمت به في دروسي خلال الثلاثين سنة الأخيرة لم يكن بالأساس غير تفسير للفلسفة الغربية. والصعود إلى نقاط الإنطلاق بالنسبة لتاريخ الفكر، والصّبر الذي علينا أن نتحلّى به في التفكير حول المسائل التي لم تصبح بعد قضية منذ الفلسفة الاغريقية، وكل هذا، لا يعني الإنسلاخ عن الإرث. غير أني أقول: طريقة التفكير المتصلة بالإرث الميتافيزيقي التي اكتملت مع نيتشه لا تمنحنا مطلقا إمكانية للتفكير الذي يهدف إلى تعلّم الخطوط العامّة للعصر التقني الذي بدأ الآن.

شبيغل: لقد تحدثت قبل عامين في حوار مع كاهن بوذي عن »طريقة جديدة في التفكير« وقلت إن هذه الطريقة الجديدة ليست »قي الوقت الراهن ممكنة إلاّ بالنسبة لقلة قليلة من الناس«. هل تريد أن تقول من خلال هذا إن عددا قليلا من الناس وحدهم قادرون أن يمتلكوا بالنسبة لك، الرؤى الممكنة والضرورية؟

هايدغر: »أن يمتلكوا« في المفهوم الأصلي، أي يقدروا بطريقة ما على قول ذلك...

شبيغل: نعم، لكن النّقل، لكي يكون هناك إنجاز، ودائما في هذا الحوار مع البوذي، هذا ما أنت لم توضحه بشكل مقنع...

هايدغر: ليس باستطاعتي أن أوضح ذلك. أنا لا أعرف شيئا عن »التأثير« الذي يمكن أن يحدثه هذا الفكر ويمكن أيضا أن يقود الفكر اليوم صاحبه إلى الصمت، لمنع الفكر من أن يتلاشى ويتبخّر في ظرف عام. ويمكن في حالة أخرى أنه لابدّ من مرور ثلاثمائة سنة حتى يكون له تأثير.

شبيغل: نحن نفهم جيّدا ما تقول. فقط، بما أننا لن نكون في عداد الأحياء بعد ثلاثمائة سنة، لكننا نعيش الآن وهنا، فإن الصمت ممنوع علينا. نحن رجال السياسة أو أنصاف السياسيين، والموظفين، والصحافيين ألخ... علينا أن نتّخذ قرارات من دون توقّف. وعلينا أن نتدبّر أمرنا مع النظام الذي نعيش فيه، وعلينا أن نراقب الباب الضّيق الذي ينفتح على الإصلاح، والأكثر ضيقا على الثورة. نحن نترقّب النجدة من الفلسفة، نجدة غير مباشرة بطبيعة الحال، نجدة تأتي إلينا ملتوية. وها هو الفيلسوف يقول لنا: ليس باستطاعتي مساعدتكم.

هايدغر: لأني بالفعل لا أستطيع ذلك.

شبيغل: وهذا لا يمكن إلاّ أن يحبط من هو ليس فيلسوفا...

هايدغر: لا أستطيع ذلك لأن الأسئلة جدّ صعبة حتى أن هذا يمكن أن يسير في الاتجاه المعاكس لعمل الفكر، وأن يتحوّل إلى شكل من أشكال التصريحات الرّسمية، أو إلى وعظ وإرشاد، أو إلى توزيع لعلامات أخلاقية. ربما نجرأ على أن نقول ما يلي: سرّ الهيمنة الكونية للوجود غير المفكر فيه للتقنية يتطابق مع السّمة المؤقتة وغير الظاهرة للفكر الذي يحاول أن يشرع في البحث عن ما هو غير مفكر فيه.

شبيغل: ألا تجعل نفسك في عداد الذين بإمكانهم أن يشيروا إلى الطريق إذا ما استمع لهم فقط؟

هايدغر: لا أنا لا أعرف أي طريق يقود إلى تغيير بطريقة فورية للوضع الحالي للعالم، حتى لو نحن افترضنا أن هذا التغيير ممكن بالنسبة للناس. لكن يبدو لي أن محاولة التفكير يمكن أن توقظ الإمكانية التي كنت قد تحدثت عنها من قبل، وتوضّحها وتؤكدّها.

شبيغل: هذا جواب واضح- لكن هل بإمكان المفكر، أوهل له الحق في أن يقول: انتظروا قليلا، من الآن وحتى انقضاء ثلاثمائة سنة، يمكن ان تكون لنا فكرة؟

هايدغر: هذا لا يعني بكل بساطة أن ننتظر إلى أن يتمكّن الإنسان من بلورة فكرة ما بعد ثلاثمائة عام، وإنما يعني أن ننطلق من الخطوط العامة للزمن الراهن، والتي بالكاد تمّ التفكير فيها أو أن نفكر في الزمن الآتي قبل حلوله من دون ادّعاءات تنبؤية. أن نفكر، هذا لا يعني أننا لا نفعل شيئا. فالفكر هو في حدّ ذاته الفعل في الحوار مع العالم الذي له مفهوم المصير. ويبدو لي أن التّمييز، الذي يعود مصدره إلى الميتافيزيقا، بين النظرية والفعل (PRAXIS)، وتصوّر تنقّل يتمّ بين هذا وذاك، يقطع الطريق على فهم ما أنا أقصده بـ»فكر«. وربما أحيلكم إلى درسين أصدرتهما عام 1954 تحت عنوان:»كيف نحدّد ماهية التفكير؟«. ربما هو أيضا إشارة من زمننا هذا بأن هذا الكتاب الذي تضمّن الدّرسين هو المقروء أقل من كل ما أصدرت من كتب.

شبيغل: لنعد إلى نقطة الإنطلاق. هل من المحتمل أن نرى في القومية -الاشتراكية، من جانب الإنجاز لـ»اللقاء الكوني«، ومن جانب آخر، الاحتجاجات النهائية، الأسوأ، والأقوى والأضعف في نفس الوقت ضدّ لقاء »التقنية في بعدها الكوني« مع إنسان العصور الحديثة؟ ظاهريّا تتحمّل شخصيّا، معارضة، بحيث أن الكثير من الإنتاجات الثانوية لنشاطك لا يمكن أن تفسّر إلاّ على النحو التالي: من خلال أجزاء من كيانك لا تلمس النّواة الفلسفية، أنت تتشبّث بكثير من الأشياء، أنت تعلم كفيلسوف أنها ليست مقنعة، أشياء مثل »وطن« و»تجذّر«. كيف يتوافقان معا، التقنية الكونية والوطن؟

هايدغر: لا أقول هذا. يبدو لي أنكم تنظرون إلى التّقنية كما لو أنها طريقة مطلقة إلى حدّ ما. وأنا لا أرى وضع الإنسان في عالم التقنية الكونية كما لو أنه فريسة لشقاء لا يمكن أن ينقذ نفسه منه. أنا أرى بالأحرى أنّ عمل الفكر هو أن يساعد، في حدوده بطبيعة الحال، على أن يتوصّل الإنسان إلى الدخول بما فيه الكفاية في علاقة مع وجود التّقنية. وقد ذهبت القومية الاشتراكية فعلا في هذا الاتجاه. غير أن تفكير زعمائها وقادتها ومنظريها كان بائسا وفقيرا بحيث أنه لم يتوصل إلى عقد علاقة بيّنة وواضحة حقا مع ما يحدث اليوم، والذي كان في طريقة إلى أن يتحقّق منذ ثلاثة قرون.

شبيغل: هذه العلاقة البيّنة والواضحةـ هل يمتلكها الأمريكيون اليوم؟

هايدغر: لا يمتلكونها هم أيضا. إنهم لا يزالون مكبّلين بفكرة هي باسم البراغماتية، تسيّر العمليات والاختبارات التقنية، غير أنها في الوقت ذاته تقطع الطريق على التفكير في ما يخصّ التقنية الحديثة. مع ذلك هناك في الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا وهناك، محاولات للتخلص من الفكر البراغماتي والوضعيّ. ومن هو الذي من بيننا يستطيع أن يؤكد أنه ستظهر في روسيا أو في الصين تقاليد قديمة للفكر ستساهم في أن تتيح للإنسان علاقة حرة مع العالم التّقني؟

شبيغل: لكن إذا لم يكن هناك أحد يمتلك هذا، وبما أن الفيلسوف لم يمكنه أن يمنح ذلك...

هايدغر: إلى أيّ حدّ يمكن أن أصل بمحاولة تفكيري، وبأية طريقة سوف تتقبّل في المستقبل، وسوف تتحول إلى أيّ نوع من الثمار، هذه أمور ليس باستطاعتي أن أحسم فيها. محاضرتي التي تعود إلى عام 1957، والتي كتبتها بمناسبة احتفالية يوبيل جامعة فرايبورغ تحت عنوان:»مبدأ الهوية« هي الفرصة الأكثر قربا من الناحية الزمنية، والتي تجرأت فيها على أن أخطو إلى الأمام بضع خطوات مبيّنا إلى أيّ حدّ تنفتح المحاولة التالية أمام فكر يسعي أن يتعلم أين يكمن جوهر التقنية الحديثة: أن يعرف إنسان العصر التقنّي علاقته مع الكلمة التي تتطلبه وتلتمسه، كلمة ليست فقط موهوبة لكي يسمعها، لكنه عليه، أكثر من ذلك، أن يكون له مكان فيها. أن فكري ينهض على علاقة لا مناص منها مع شعر هولدرلين. إن هو لدرلين ليس بالنسبة لي شاعرا عاديا تكون أعماله مثل أعمال آخرين موضوعا لمؤرخي الأدب. إنه بالنسبة لي، الشاعر الذي ينتظر الآلهة، والذي عليه إذن ألاّ يظل مجرّد موضوع للدراسات الهولدريلينية (نسبة لهولدرلين)، سجين تصوّارات التاريخ والأدب.

شبيغل: على ذكر هولدرلين- اسمح لنا بأن نستشهد بك مرة أخرى. في الدرس الذي خصصته لنيتشه، قلت إن »الصراع الشهير بالتنوّع بين ما هو ديونيسيسي (نسبة إلى ديونيسوس) وما هو ابولوني (نسبة إلى أبولون)، الجنون المقدس، والعرض المعتدل، يأوي قانون أسلوب هو القدر التاريخي للشعب الألماني، وعلى هذا القانون أن يجدنا مستعدّين ومهيأين للعثور على الشكل الذي يقابله وينسجم معه. هذا التعارض ليس صيغة لكي تسمح لنا بكل بساطة بوصف الأحداث »الثقافية«. لقد طرح كل من هولدرلين ونيتشه في هذا الصراع سؤالا على الألمان أمام عملهم الذي يهدف إلى العثور على وجودهم في التّاريخ. هل سنفهم هذه الإشارات؟ هناك شيء مؤكد: التاريخ سينتقم منّا إذا نحن لم نفهمه«. نحن لا نعرف العام الذي كتبت فيه هذا. ونحن نعتقد أنه يمكن أن يكون ذلك عام 1935؟

هايدغر: الفقرة التي استشهدتم بها، توجد دونما شك في الدرس الذي ألقيته حول نيتشه:

»إرادة القوة كفن« وذلك بين عامي 1936-1937. لكن من المحتمل أن تكون هذه الجملة قد قيلت في سنوات لاحقة...

شبيغل: حسن. هل بإمكانك أن تعلق على هذه الجملة؟ ذلك أن هذه الجملة تقودنا من المسار العام والشامل إلى المصير الملموس للأمان..

هايدغر: بإمكاني أيضا أن أقول أن ما ورد في الجملة بهذه الطريقة: قناعتي هي أنه فقط انطلاقا من نفس الموقع العالمي حيث ولد العالم التقني الحديث، يمكن أن يُعدّ تحوّلا، وأن هذا التحول لا يمكن أن يحدث بتبنّي بوذيّة الزّان أو أيّ تجارب أخرى حصلت في الشرق. إن تحوّل الفكر بحاجة إلى مساعدة الإرث الأوروبي أو مكتسبه الجديد. أن الفكر لا يتغيّر إلاّ من فكر له نفس المصدر، ونفس الهدف.

شبيغل: في المكان ذاته حيث ولد العالم التقني، هل تعتقد....

هايدغر: إن يتمّ التجاوز بالمعنى الهيغلي (نسبة إلى هيغل) للكلمة، وليس الإبعاد، ولكن بواسطة الإنسان وحده.

شبيغل: وهل تعتقد أن الألمان بصفة خاصة لهم هنا عمل خاصّ؟

هايدغر: نعم، بذلك المعنى، معنى الحوار مع هولدرلين.

شبيغل: وهل تعتقد أن الألمان لهم أهليّة محدّدة لمثل هذا التحوّل؟

هايدغر: أفكّر في الوشيجة التي بداخل اللغة الألمانية مع لغة الإغريق ومع ماضيهم. وهذا ما يؤكده لي الفرنسيون دائما. فعندما يشرع الفرنسيون في التفكير، فإنهم يتكلمون اللغة الألمانية. وهم يؤكدّون أنهم لا يستطيعون ذلك اعتمادا على لغتهم.

شبيغل: هل بهذا تفسّرون التأثير القوي الذي تباشره فلسفتك في البلدان التي تتكلم لغات مشتقة من اللغة اللاتينية، خصوصا لدى الفرنسيين؟

هايدغر: لأنهم يرون أنه بكل عقلانيتهم الكبيرة، فإنهم لا يتوصّلون إلى أيّ شيء في عالم اليوم، عندما يكون الأمر متعلّقا بفهم هذا الأخير في مصدر وجوده. أن ترجمة الأفكار صعبة وعسيرة مثلما هي صعبة وعسيرة ترجمة القصائد الشعرية. بإمكاننا على أقصى تقدير أن نشرحها. حالما نشرع في الترجمة، يتغيّر كل شيء تغيّرا كاملا.

شبيغل: فكرة لا تبعث على الارتياح أبدا...

هايدغر: الأفضل أن نتعامل مع هذا الشعور، أي عدم الارتياح بجديّة على مجال واسع، وأن نفكر في النهاية في كل المحصّلات والنتائج التي يفضي لها التحوّل الذي طرأ على الفكر الاغريقي عندما وقعت ترجمته إلى لاتينية روما، وهو حدث لا يزال حتى يومنا يمنع عنّا الدنوّ والاقتراب الذي نحن بحاجة إليه لنفكر بوفاء وإخلاص في الكلمات الأساسية والجوهرية للفكر الإغريقي...

شبيغل: نحن نفضّل دائما أن ننطلق من النظرة التفاؤلية، وأن نقول بأن هناك شيئا يمكن أن يبلّغ، وأيضا يترجم، ذلك أنه إذا ما كان لا بدّ أن نتخلّى عن هذا التفاؤل الذي يجعلنا نعتقد أن محتويات الفكر يمكن أن تبلّغ إلى ما وراء حدود اللغة، فإن الإقليمية الضيّقة الأفق هي التي تصبح مهدّدة لنا في هذا الحين.

هايدغر: هل أنتم تسمّون الفكر الإغريقي، لكي نشير إلى الاختلاف مع طريقة التصوّر لدى الامبراطورية الرومانية، »بروفانسياليا«، أي إقليميا ضيّقا؟ الرسائل الإدارية يمكن أن تترجم إلى جميع اللغات. العلوم، أعني بذلك أيضا بالنسبة لنا نحن اليوم علوم الطبيعة، مع الفيزياء الرّياضية كعلم أساسي وجوهري، يمكن أن تترجم إلى جميع لغات العالم، وتحديدا، ليس ترجمة، بل بإمكاني أن أقول أنها نفس اللغة الرياضية التي يتكلم بها الجميع. ونحن نلامس هنا مجالا واسعا، ومن الصعب الإحاطة به...

شبيغل: ربما يكون هذا جزءا من موضوعنا: نحن نعيش الآن، وبإمكاننا أن نقول ذلك دونما مبالغة، أزمة النظام الديمقراطي البرلماني. وهذا نعيشه منذ وقت طويل. ونحن نعيشه هنا في ألمانيا بصفة خاصة، لكنه لا يوجد فقط في ألمانيا. فنحن نجده أيضا في البلدان الكلاسيكية الديمقراطية، أي في بريطانيا وأمريكا. في فرنسا لم نعد نسمّي ذلك أزمة. والآن سؤالنا: هل بإمكاننا أن ننتظر رغم ذلك، من المفكرين، حتى ولو كان ذلك بشكل ثانوي، إشارات لكي يقول لنا أما أن يتمّ تعويض هذا النظام بنظام جديد، وما هي نوعية هذا النظام، أو أن إصلاحا ما يمكن أن يكون ممكنا، وكيف يمكن أن يكون ممكنا؟ وإلاّ، فإننا نظل عند هذا الحدّ الذي يقول بأن الإنسان الذي لم يكن في مدرسة الفلسفة- وهذا هو الحال الطبيعي للذين يمسكون بزمام الأمور (حتى ولو أنهم لا يقررون ماهية هذه الأمور التي يمسكون بزمامها - والذين هم أنفسهم سجناء هذه الأمور) يخطئ إذن في النتائج التي يتوصّل إليها، بل ويحدث انقطاعات مرعبة في أجوبته. إذن: أليس على الفلسفة مع ذلك أن تقبل البحث عن أفكار حول الطريقة التي ينظم بها الرجال الحياة المشتركة بين الناس في هذا العالم الذي جعلوه هم أنفسهم عالما تقنيّا، والذي ربما كان أقوى منهم؟ أليس لنا الحق مع ذلك أن ننتظر من الفلسفة أن تمدّنا بإشارات حول الطريقة التي تعرض بها حياة محتملة، وهل سيلحق بالفيلسوف ضرر ما يتصل بمهنته، حتى لو كان هذا الضرر طفيفا، وبموهبته إذا ما تكلم حول مسائل كهذه؟

هايدغر: إلى أبعد مدى يمكن أن أرى، الفرد ليس باستطاعته بواسطة الفكر أن تكون له نظرة جدّ دقيقة وجدّ صائبة حول العالم في شموليته حدّ أنه يمكن أن يقدم إشارات عملية حول ما الذي يجب عمله والقيام به، خصوصا في مواجهة العمل على العثور قبل كل شيء على قاعدة للفكر ذاته. مثل هذا الأمر كثير على الفكر متى ما تبقّت جديته ورصانته موضع احترام وثقة التراث الكبير، أن يحشر نفسه في ما يتعلق بإعطاء إشارات من هذا الصّنف. ومن أين له الحقّ في ذلك؟ في مجال الفكر، ليس هناك تصريحات يمكن أن تكون دالّة على السّلطة والنّفوذ. المقياس الوحيد الذي يناسب الفكر هو أن يأتي من الشيء ذاته للمفكرّ فيه. ولكن هذا الشيء هو الذي يتوجّب علينا أن نسائله قبل كل شيء. ولكي ندرك هذه الوضعية، يتحتّم علينا قبل كل شيء أن نكشف عن تلك التي توجد بين الفلسفة والعلوم التي تظهر نجاحاتها العملية والتقنية اليوم، وبشكل متزايد، عقم الفكر في مفهوم الفكر الفلسفي. لهذا السّبب، وفي هذا الموضع الذي وضع فيه الفكر، حتى إزاء عمله ذاته، نحن نعاني ريبة، يغذّيها الوضع القوي الذي تتمتع به العلوم تجاه هذا الفكر الغريب الذي عليه أن يمنع نفسه من أن يعطي جوابا اليوم على الأسئلة العملية المتصلة بمفهوم العالم.

شبيغل: سيادة الأستاذ، في مجال الفكر، ليس هناك تصريحات دالّة على السلطة والنفوذ او هي توحي بذلك. ليس بإمكاننا إذن أن نندهش لأن الفن الحديث يجد صعوبة في الإدلاء بتصريحات من هذا النوع. مع ذلك أنت تصفه بـ»التّخريبي«. الفن الحديث يعتبر نفسه غالبا فنّا تجريبيّا. والأعمال التي تمت إليه بصلة هي محاولات...

هايدغر: أحب أن أتعلم منكم بكلّ طيبة خاطر...

شبيغل«: هي محاولات للخروج من وضع العزلة التي يعيشها الإنسان والفنان، ومن بين هذه المحاولات المائة، هناك محاولة ناجحة بين وقت وآخر...

هايدغر: وهذا هو السؤال الكبير: أين يكْمُنُ الفن؟ وأين مكانه؟

شبيغل: ولكن هنا، أنت تطالب الفن بشيء لا تطالب به حتى الفكر...

هايدغر: أنا لا أطلب شيئا من الفن. أقول فقط أن هناك سؤالا وهو أن نعرف ما هو المكان الذي يحتله الفن.

شبيغل: إذا لم يعرف الفن مكانه، فهل هذا يعني أنه »تخريبي«؟

هايدغر: الغوا هذه الكلمة. لكن أودّ أن أقول بكل وضوح أنني لا أرى ما هو الطريق الذي يشير إليه الفن الحديث، خصوصا في العتمة التي نحن فيها، في ما يخصّ المكان حيث يدرك، أو على الأقل يبحث وهذا ما يجسّد خصوصية الفن.

شبيغل: الفنان أيضا لا يجد التزاما في ما قد تمّ نقله. بإمكانه أن يجد هذا شيئا جميلا وأن يقول أنه بإمكاننا أن نرسم كما هو الحال قبل ستمائة عام، أو قبل ثلاثمائة عام أو حتى قبل ثلاثين عاما.

أمّا اليوم فإنه لا يستطيع. أو أن الفنان يمكن أن يكون المزيّف العبقري، ونعني بذلك هانس فان ميرغون الذي بإمكانه أن يرسم أفضل من الآخرين. لكن هذا لا يمكن أن يتواصل. وبالتالي فإن النّتيجة هي أن الفنّان، والكاتب، والشاعر، يجدون أنفسهم في نهاية الأمر في نفس موقع المفكر. كم من مرة علينا أن نقول: أغمض عينيك.

هايدغر: إذا ما كان الإطار الذي نختاره لكي نضع في مكانه، كلاّ من الفن، والشعر، والفلسفة هو »الحياة الثقافية«، فإننا نستطيع عندئذ أن نضع موضع سؤال الحياة الثقافية، وأيضا ما تعنيه كلمة »ثقافة«، ذلك أن التأمل في الشيء الذي يطرح سؤالا أو يولّده، يدخل هو أيضا ضمن أعمال الفكر، هذا الفكر الذي ليس باستطاعته حتى أن يفكر إلى نهاية الضيق الذي يوجد فيه. غير أن المشكلة اليوم، وإلى أبعد ما يمكن أن يرى، هي أنه ليس هناك مفكر »كبير« بما يكفي لكي تقود كلمته الفكر فورا، وتحت شكل واضح وجليّ أمام شيئه، وتضعه على طريقه. وبالنسبة لنا نحن الذين نعيش اليوم، الجزء الأكبر الذي علينا أن نفكر فيه هو أكبر من اللزوم، وبالتالي هو أكبر من قدراتنا. ربّما يمكن أن نجهد أنفسنا في عبور كهذا: بناء طرق ضيّقة، لا تذهب إلى بعيد.

شبيغل: سيادة الأستاذ هايدغر، نحن نشكرك على هذا الحوار.

٭ الأستاذ الدكتور غير هارد ريتر ( (Gerhard Ritter كان في هذه الفترة أستاذ كرسيّ التاريخ الحديث في جامعة فرايبورغ. وقد تمّ توقيفه في أوّل نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1944 عقب محاولة اغتيال دبّرت ضد هتلر في ٠٢ يوليو / تموز 1944. ولم يتمّ إطلاق سراحه إلا يوم 25 ابريل /نيسان 1945 من قبل الحلفاء. وقد أصبح غيرهارد ريتر عقب انهيار الرايخ الثالث أستاذا شرفيّا عام 1956. ومات عام 1967.

الهوامش

١ - هذا »المنشور« المتعلق باليهود، والذي يطالب بمنع دخول اليهود إلى الجامعة، أساتذة وطلاّبا، هو مبادرة من جمعية الطلبة الألمان (DEUTSCHER STUDENT BUND). ونحن نعثر على هذا المنشور، بقليل من الفوارق في كل جامعات الرايخ الثالث خلال الأشهر التي سبقت استيلاء هيتلر على السلطة (30 يناير/ جانفي 1933) وبالخصوص خلال الأشهر التي أعقبت ذلك. ولم يكن هذا المنشور شرعيا، إذا أن أغلب حكومات المقاطعات كانت قد سحبته من جمعية الطلبة الألمان (حيث كان القوميون الاشتراكيون يمثلون الأغلبية المطلقة منذ المؤتمر الوطني للجمعية المذكورة الذي انعقد في صيف 1931 بمدينة »GRAZ« بالنمسا كل تمثيل رسمي تحديدا لأنها (أي جمعية الطلبة الألمان) تنتهك القانون وذلك برفضها قبول طلبة ألمان ضمن أعضائها، وفتحها لباب العضوية أمام الطلبة النمساويين في نفس الوقت. وقد تغيّر الوضع القانوني في 25 ابريل/نيسان 1933 مع صدور القانون »المناهض للفائض في عدد الطلبة في المدارس والجامعات الألمانية«. فمن جهة أعلن أن »جمعية الطلبة الألمان« أنها ممثلة لكل الطلبة الألمان مقصية بذلك كل الجمعيات الأخرى. من جهة أخرى حدّد القانون نسبة الطلبة اليهود الذين يمكن قبولهم في الجامعات قياسا بنسبة اليهود الذين يعيشون في ألمانيا، وهي 5,1٪. وقد تبع هذا القانون بقانون آخر صدر يوم 4 يوليو/تموز 1933، ينظم مصير الأساتذة. وقد سميّ هذا القانون بـ»قانون إعادة تنظيم الوظائف«، والذي امتدّ إلى العاملين في الجامعات، من الأساتذة وغيرهم. ويقصي القانون اليهود والعناصر »المشكك فيها سياسيّا«، وينزع عن هؤلاء حق التدريس مستثنيا فقط أولئك الذين يدرّسون منذ عام 1918.

2- خلال مؤتمرها الذي انعقد عام 1932 في ثكنة عسكريـة بـ»KONiGSBERG« أقرّت جمعية الطلبة الألمان مبدأ تعيين القاادة من قبل الهيئات العليا. وقد أصبح هذا القرار مبدأ عاما في كل الجامعات الألمانية ابتدءا من شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 1933.

3- فريديريك نيومان (1806-1919) قسّ بروتستانتي، نائب في مجلس »فايمار« بعد أن كان عضوا في »الرايشتاغ« عام 1907. وهو مؤلف كتابين هامّين، والسؤال الأساسي الذي طرحه في مجمل دراساته هو التالي: كيف نوحد داخل ألمانيا نفسها بورجوازية وطنية وبروليتاريا أكثر آلية، وبأي »اشتراكية وطنية«.

4- إدوارد سبرانغير (1882-1963)، تلميذ فيلهالم ديلتاي (DILTHY)، انجز أعمالا ودراسات عن غوته وهمبولت. وفي عام 1924 ألف كتابا عن »الفتيان الشيوخ« بيع منه 100.000 نسخة. وفي عام 1933، قدم استقالته من جامعة برلين. غير أن، هذه الاستقالة لم تقبل. وعقب محاولة الإغتيال التي تعرّض لها هيتلريوم 20 يوليو/تموز 1944، تمّ إيقافه وأودع السجن.

5- تسييس هو مطالب به بصفة خاصّة من البيداغوجي ارنست كريك، الذي انتخب في نفس هذا العام، عام 1933، عميدا لجامعة فرانكفورت في نفس الوقت الذي كان مديرا للجريدة القومية الاشتراكية »VOLK IN WERDEN« والتي هاجمت بشدة هايدغر في السنة الموالية. وفي كتاب له حمل عنوان:»NATIONALPOLITISCHE ERZIEHUNG« الذي ظهر عام 1933، دافع كريك عن ضرورة تقسيم الجامعة إلى معاهد مهنية، يكون لكل واحد منها اختصاص محدّد.

6- »PRIVAT DOZENT« هو لقب أستاذ ناقش أطروحته (HABILITIERT) غير أنه لم يصبح بعد أستاذا تدعوه جامعة لكي يكون أستاذ كرسي »خارقا« في البداية، ثم »عاديا« في ما بعد.

7- ألبير ليوشلا غتير ولد عام 1894، وقتل رميا بالرصاص في 26 مايو/أيار عام 1932 من قبل الجيش الفرنسي الذي كان قد احتل »الروهر« آنذاك. وقد اعتبره القوميون الاشتراكيون رمزا من رموزهم الكبيرة رغم أنه لم ينتسب لا من قريب ولا من بعيد لحركتهم.



عن مجلة نزوى العمانية
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561154   Visitors since 7-9-2002