المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

لويس خورخه خالفن يحاور أميل سيوران

  
  
خالفن : سيدي سيوران أنا جئت من الأرجنتين البلد البعيد جغرافيا لكنه قريب جدا من التقاليد الأوربية . وهذا الواقع يقودنا الى قضية الهوية الثقافية. رغم ذلك هناك فارق كبير بين الأميركان من الشمال و الآخرين من الجنوب. في بداية هذا الحديث أرغب أن اسألك: كيف ترى مستقبل أميركا ؟

سيوران: فيما يتعلق بأميركا الشمالية لا أرى مستقبلا لحضارتها. ليس قصدي هنا المستوى التقني.

خالفن : نعم ، أظن أن المقصود معنى الوجود.

سيوران : تفتقد أميركا الشمالية الى الإرادة كي تحدد ، بقوة ، حضورها في التأريخ. لقد دافعت عن قيم هي خارجية بالنسبة لها. و المثير للإهتمام أنها تلقى الهزيمة في كل ما تمسك به.

خالفن : رغم كل شيء علي ألقول بأن مشكلتنا اللاتينو أميركية هي حقيقة أن الطبقات الحاكمة تؤمن بالتقدم تماما كما لو أننا كنا أوربيين و ليس لاتينوسيين. يسود الإعتقاد بأن هناك تأريخا واحدا حسب ويجري عند خط واحد ، ويكفي فقط الألتحاق به. في مقدمة ( التقدم ) و الإستهلاك تأتي الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والبلدان الشمالية ، أما البقية فتجر نفسها وراء هذه البلدان ، في مكان ما من المؤخرة ، وتجهد في اللحاق بتلك. ولكون محدَّدات هذا الطريق توائم تماما البلدان ( المتطورة ) فنحن - تماما وكما في مفارقة زينون – سوف لن نكون قادرين على اللحاق بها. ومن الضروري التفكير من جديد بالمفهوم المضلل للدينامية التأريخية التي يحكمها معيار واحد لا غير.

سيوران : أن خوف جميع هذه البلدان ، بلدان الحضارات الكبيرة مثل فرنسا وألمانيا وإنكلترا يعتمد على الخشية من تحمل المسؤولية. وكل ما تطمح فيه هو أن يعمل التأريخ بعيدا عنها. و ليست جميع الشعوب متساوية في التعب. ولو كانت كلها بلا حول ولا قوة لتحقق إنسجام عام. للأسف هناك شعوب ليست ُمتعَبة ، فرنسا تملك تأريخا عمره ألف سنة ، لكنها تخوض أكبر عدد من الحروب. ولا أحد قد إلتفت الى هذا الأمر. أما موضوع ألمانيا فهو يختلف قليلا: لم تملك هي كيانا قوميا. فوضعهم هناك كشعب عظيم وقوة كبرى هو حديث العهد نسبيا. ولذلك استطاعت أن تشعل حربين، وكان على قوى العالم كله أن تتحد كي تكبح الإندفاعة الألمانية. إلا انها الآن في المرحلة ذاتها التي توجد فيها كل من فرنسا وإنكلترا. بل أعتبر أن ألمانيا قد شفيت لغاية الآن من شهوة الغزو. في كل الأحوال يقود التأريخ العام الى هذه الحقيقة : لن تصل الشعوب أبدا الى نفس الدرجة من الإنهاك.
خالفن : أعتقد أن هذه القضية التي تتناولها ينبغي ربطها بإنعدام الوعي بالطبيعة المنتهية لكل الأشياء. قبل أيام قرات تصريحا للكاتب الإيطالي ليوناردو شياشيا L. Sciascia ( وكان قد إستلم جائزة حينها ) يذكر فيه أن الغرب يفتقد تحسسا عميقا بالموت ووعيا حقيقيا بالحدود. هو يعطي الحياة ونوعية الوجود قيمة ضئيلة.
سيوران: المقصود هنا هو الهروب من الموت والتحسس به أيضا. ونحن كلما إزددنا تحضرنا ( بالمعنى السيء للحضارة ) يزداد رفضنا للموت. بالنسبة للقروي ولسكنة هذه الأرض القدماء كانت الحياة و الموت على المستوى ذاته. أما المديني فهو يزيح الموت جانبا ويحجبه.

خالفن : والأكثر من هذا يتم الآن التصرف بالموت تماما كما لو أن ذلك يحصل على يد جهة بيروقراطية أو الطب.

سيوران : بالضبط ، يكون المقصود إخفاء الموت وتقنيعه وحجبه. و لذلك فإنسان الغرب ، المتحضر، يشعر بأنه ليس مطابقا لذاته ، لذلك يهرع الى الأطباء والصيدليات. أنا أجد أن هذا خوف من العذاب.
عند العودة الى الموضوع السابق في حديثنا أقول بأن تراجيديا الإنسان ُتفسَّر وليس من جانب التطور التأريخي وحده بل، وبإختصار tout court : التطور. هذه التراجيديا هي شيء أولي ، والقضية تكمن في أن تكون إنسانا هو شبيه في أن يكون هناك شيء تراجيدي .
خالفن : هناك مجموعة من القضايا التي تشغل بالي للغاية ، أقصد أشياءا معينة. بعبارة أخرى : نحن نوغل في بحث وضع الإنسان و طبيعته الميتافيزيقية ، وهناك واقع أن الطرد من الجنة وكل تلك الظواهر الأكثر أولية والأقدم هي التي تسم مصيرنا بميسمها. لكن الى درجة ما تكمن هذه الجبريات الميتافيزيقية في معاني الأشياء ذاتها ، الأشياء جميعا ؟
أعتقد باننا ما زلنا بالغي الإنسية humanism والرومانسية.

سيوران : ولأننا مصابون بعدوى الإنسان وميله الى السيطرة.

خالفن : أما الفلاسفة الذين عليهم الكلام عن ما هو كائن ، نجدهم يوغلون في الكتابة عن الوعي والإدراك والقيم والتعرف ... في حين أن ثقافتنا تفضل أن تعتمد على علماء النبات و الفلك و الفيزياء و الأحياء كي تعرف ما هي الوردة والشمس والمكان أو الزمن أو الحياة.

سيوران : يحدث كل هذا لأن الإنسان، وكما يخيل لنا ، قد ظهر نتيجة إنفجار ما للشعور بالعظمة. فعند أسس الهزائم يكمن الطموح. وبسببه يكون الناس أشقياء ويريدون تخطي النفس. إن كل ما هو سيء ينبع من الإرادة في التجاوز ، من هذا المرض الذهني ، من هذه القوة الشاملة.
الإنسان هو ظاهرة غريبة - ثمرة فرضٍ ما أوليّ يدفعه الى تخطي حدوده كإنسان. هذه بالضبط صفته - وهي شيء غير إعتيادي – و بسببها محكوم عليه. الإنسان إقتحم حدوده. هو لاشيء أو في أحسن الأحوال شيء لا يعني الكثير. لكنه أراد أن يكون كل شيء وبعدها فقد كل شيء بسبب إنعدام التواضع ، والآن يعجزعن التوقف. ولذلك لا يمكن عمل أي شيء. وفي الأخير ففي هذا الشيء تكمن عبقرية الإنسان. وفي الأخير يكون هذا الشيء طبيعيا . وإذا كانت هناك كلمة لوصف المستقبل فأظنها ( التوغل ) ، إذ كل ما هو فائق عليه أن يسقط. أنا أكثر من موقن بأن الإنسان سينتهي - بالمعنى الميتافيزيقي والتأريخي – كشبح ، كظل أو أن يصبح شيئا من صنف المتقاعد أو المعتوه. وهو أمر غير ممكن " إنقاذه " ، فالطريق الذي يغذ السير فيه ضال بحكم الضرورة. وإذا وقفتُ ضد اليوتوبيات فلأن الإنسان دخل طريقا لا يقوده إلا الى الضياع. ولا يمكن التصرف بصورة أخرى كما لا يمكن النكوص- وفي هذا الأمر تراجيدياه. فالإنسان يملك كل شيء عدا الحكمة. مثلا أعرف كثيرين تغريهم الحكمة لكنهم وحوش لاتصلح الحكمة لهم ، وأنا نفسي لست أكثر صلاحا منهم. نحن جميعا غير – حكماء.

خالفن : سيدي سيوران ، أسأل نفسي ، والآن أسألك : أيّ دور للمفكر في أوقات البلبلة هذه ؟

سيوران : تسجيل الشهادة حسب. ليس بمقدوره أن يملك أيّ تأثير على مجرى الأمور. المفكر يعطي شهادة. هو مثل رجل البوليس الذي يؤكد حادثة طريق. هكذا الحال كانت مع مونتين ، لكن شهادته لم تؤثر بأيّ شكل على المفكرين. هناك من إمتلكوا مصائرا مثيرة للإهتمام لكن بين الفلاسفة ليس هناك حكماء. الإنسان أصبح ، بالأساس ، غير قابل لإستيعاب الحكمة.
أنا لست فيلسوفا. في عمر الشباب أنهيت الدراسة الفلسفية لكني سرعان ما صرفت النظر عن النجاح كمعلم. لست إلا مفكرا خصوصيا , privatdenker ، يحاول القول عما عاشه وما مر به من تجارب . صرفت النظر أيضا عن خلق عمل يميزني. وماحاجتي إليه ؟ وما حاجتي الى الميتافيزيقا ؟ كارناب Carnap قال شيئا عميقا : “ الميتافيزيقيون هم موسيقيون بدون موهبة موسيقية ".

خالفين : ماذا سيكون جوابك على سؤال : “ اين هي Tabernakulum? “ أي : اين هي " لوحة القوانين " ؟ وأين يمكن العثور على أنواع معينة من البراهين على الآلوهية - وبالتأكيد ليس بمعنى شخص ٍ ، بل كظاهرة للحضور الأوليّ - pre ، كظهور للحقيقة ؟ هل هناك بيننا أمثال هؤلاء الشهود أو المؤرخين ؟

سيوران : نعم . هم موجودون . يمكن العثور في كل وسط . لاعلاقة لهذا بمايسمى المستوى الفكري . عرفتُ أناسا من مختلف المراتب ، أناسا كانوا فاهمين. برأيي أن البشرية تنقسم الى مرتبتين : أولئك الذين لم يفهموا ( عمليا هم البشرية كلها تقريبا ) والآخرون الذين فهموا وهم حفنة بالكاد. طيّب ، ماذا يعني : “ فهموا " ؟ عرفتُ هنا في باريس شحاذا عزف على الناي على أرصفة المقاهي. طيلة الوقت كان يفكر . في أحد الأيام تقدم صوبي ، وكان في حالة يأس تام. لغايتها كنت أعتبره ميتا ، إذ لم أبصره منذ سنوات ولم يكن عنده سكن دائم و لا أحد عرف أين كان بيته. كان ينام أحيانا تحت الجسور و في أخرى في فنادق فاخرة فقد كان يكسب نقودا كثيرة لكنه أنفق كل ما ملك. و أثناء ذلك اللقاء قلت له : “ إسمعني ، أنت أكبر فيلسوف في باريس ، فيلسوف عظيم معاصر ". أجابني :” انت تسخر مني ". إحتججت قائلا : “ كلا على الإطلاق. قلت هذا ولأنك تحيا، وتفكر طوال الوقت ، و تعيش قضاياك وهذه تشتبك بحياتك". لقدعاش الرجل بشكل ذكرني بالفلاسفة اليونانيين الذين ألقوا خطبهم في الشوارع والأسواق. وما قاله كان يمضي سوية مع الحياة نفسها.
لنعد الى موضوعنا. ينبغي التأكيد بأن هؤلاء الذين فهموا هم ،عامة ، ناس لم ينجحوا في الحياة. أذكر حالة أخرى – شخصا يعيش في أحد بلدان أوربا الشرقية وكان ثريا جدا . وبعدها سكن في غرفة على السطح. و في إحدى المرات قال شيئا غير إعتيادي : “ النظام الشيوعي أفرغني من كل شيء لكني شاكر له ، ففي فقداني كل شيء عثرت على الله ". إذن كما ترى يا سيدي لماذا تكون الهزيمة ضرورية كي يتحقق التقدم الروحي ... الهزيمة هي تجربة فلسفية ذات أهمية عظيمة وخصبة للغاية.
في شبابي إحتككت بأحدهم إمتلك تأثيرا كبيرا عليّ. أراد الزواج لكن في يوم الزفاف إختفى ، ترك كل شيء وزوجته المقبلة. ومنذها عاش على الهامش. إنه إنسان لم يسعَ ، ولحسن الحظ ، الى أيّ هدف في الحياة. وفي كل مرة ألتقي فيها معه كان يتكلم كالحكيم. أما الذي حقق إنتصارات فهو لايرى شيئا عدا هدفه الشخصي.

خالفن : سيدي سيوران ، في هذا الحديث الذي وافقت مشكورا عليه لا يمكننا تجنب التفكير بوضع إنسان الغرب. اعتقد بأننا في الأرجنتين يكون هذا الموضوع في مركز إهتمامنا بشكل خاص. يملك المرء إنطباعا بأن عذابات الناس المعاصرين لا يمكن معالجتها لا من جانب المجتمع الإستهلاكي ولا من جانب ما يسمي بالإشتراكي. ويمكن القول هنا أن هذا العذاب الأوليّ سيظهر على الدوام بأشكال جديدة.

سيوران : السبب في أنه يسود بيننا فزع فظيع من العذاب. وهل ستملك في النهاية الأخيرة ، الرغبة في إزالة العذاب معنى ما ؟ عند إدراك حقيقة أنه حتى الكائنات البدائية كانت تتعذب يكون الألم شيئا دائما. في زمن ما لم تكن هناك أدوية ، واليوم إخترعوا الكثير من الوسائل التي تزيل العذاب. إنتبهْ ، مثلا ، الى أن المسيحية تفقد السند إذا طردت عنها فكرة العذاب والألم. حاليا يكون التستر على هذا البعد الميتافيزيقي صفة الإنسان المتحضر. فيما يتعلق بي أنا لست بالمؤمن لكن الدين وما ينتج عنه يثيران إهتمامي. وإذا أزيل الشر أو الخطيئة الأولى ، وكلاهما مرتبط بالعذاب ، تفقد المسيحية كل معنى. كما سيصبح أمرا غير ممكن إيضاح تأريخ إنسان الغرب.

خالفن : هل تعتقد يا سيدي أن الفلسفة ستملك إسهاما فيما يخص تجنب مسالة الألم والعذاب ؟

سيوران : لا اعتقد. يمكن القول إن الفلسفة تقوّضت ، في الأساس، لقد أصبحت نشاطا يخصها بالذات. وماذا يعني هذا ؟ قبل التفرغ لقضيةٍ ما ُتطلق كلمة أو فكرة كي يكون واضحا أن الفلسفة قالت شيئا عن الواقع . ومن ( يعثر ) على الكلمة يكون لمرات عدة قد ( كشف عن ) الواقع ، لكني لا أجدها بالطريقة الجيدة ، وقد تكون خطرة للغاية. لذلك أعتقد أن في الفلسفة ليس بالضروري البحث المستمر عن كلمات جديدة ومصطلحات تقنية. لم يخلق نيتشه كلمات لكن هذا لم يقلل من قيمة نتاجه. بل على العكس ، فالنزوع التقني هو خطر كبير على الفلسفة الجامعية ، وهذا النزوع بالذات يبعد الفلسفة عن أغراضها الحقيقية.

خالفن : السبب هو أن الفروض التقنية تغلغت ، ولربما في منطقة الافكار وما يسمى ، عادة ، ب( العلوم الإنسية ).

سيوران : لكن أرجو ملاحظة أن كل واحد ، في الأساس ، يعلم بأنه نتيجة التخصص والتكنيك يدمر العالم نفسه بنفسه. والآن علينا أن نتقبل هذا كحقيقة لا تدحض. في وقت ما آمن الآباء والأمهات أن مستقبل أطفالهم سيكون سعيدا ، وقالوا : “ سيعيشون في ظروف أفضل ". واليوم أنا أرثي لأطفال الأمس هؤلاء ، ومن ريب هم يشعرون بأن حياتهم قد تبدلت وأن التقدم قائم وأن الكل يتكلمون عنه إلا أن التقدم بحد ذاته معرَّض للخطر. في الزمن القديم خشي الناس نهاية العالم ، خشيوا شيئا كان سيأتي لا محالة ، أما اليوم فالقيامة حاضرة ، في الجوهر ، وسط الهموم اليومية لكل إنسان.

خالفن : هو شيء مثير للإهتمام حين تفترض يا سيدي بأن الجميع يملكون في أعماق النفس إقتناعا رهيبا ...

سيوران : نعم ...

خالفن : المعذرة ، لكن هذا يمكننا من تناول جوهر قضية بالغة الأهمية يمكننا أن نكرس له تأملاتنا وملاحظتنا.

سيوران : نعم ، لكن حوارنا هذا لن يزيل الكارثة التي هي في الواقع تحدث بيننا. يمكننا قتل الموضوع بحثا الى ما لانهاية لكن ، وكما قلتُ ، لن يبعد ذلك الكارثة.

خالفن : أيّ شيء تسميه " كارثة " ؟ ربما ليس إنفجار القنبلة الذرية ؟
سيوران : كلا ، رغم أن هذا الإنفجار هو في عداد الكارثة. فخطر إنفجار القنبلة الذرية وارد بلاشك في ما أسميه " كارثة " ، لكن هذا شيء مثير للإهتمام ولأنه فعليّ.

خالفن : الحقيقة هي أن إنسان اليوم يحيا تحت ضغط الفروض التي يعتبرها أمرا طبيعيا. التصنيع كلفنا ، كما فاوست ، الروح لكننا نجهل كيف التصرف بهذا الزمن المكتسَب. لكن بفعل آلية غريبة تغذي الأحكام المسبقة كلَّ شيء. فهذه الأحكام هي اليوم عملة رائجة. والأسوأ هو أن هذا العملاق الضخم يكرع بسهولة حتى الإنتقاد. كما تعلم جيدا يا سيدي هذه الحضارة قادرة على هضم كل شيء. مثلا حتى نيتشه ، أحد أبرز منتقدي " نجاحات " المجتمع الوليد ، المجتمع الصناعي – الإستهلاكي ، هو أيضا جزء من البرامج الجامعية التي من خلالها يصبح فيلسوفنا مادة الإستهلاك أيضا.

سيوران : لكن هذا الخطر يترصد الجميع ، إنه الجانب السيء من النجاح. أرغب أن اذكرك بهذه الجملة لباسكال التي قالها لشقيقته : “ أنت لا تملكين تصورا عن أخطار الصحة ومنافع المرض".
عموما تعتمد دراما الوجود على أن كل ما نكسبه من جهة نفقده من جهة أخرى. بإمكان البشرية أن تبقى بلا حراك. وإذا أمعنا الفكر بكل شيء ندرك بأنه لمصلحة الإنسان أن يبقى كما كان. ولأي غرض حمّى الجدّة هذه – الجدّة في حقل الفكر ، الشعر ، في كل مكان ؟... أحوال الجدّة ودائما من جديد. هذا مضحك. أعتقد أن المفهوم الأبسط و الأكثر طبيعية لكنه الصعب ، هو العيش في علاقة وديّة مع التناقضات. ينبغي قبول التناقضات.

خالفن : كذلك في حقل الفلسفة هناك واجب ضمان التعايش بين التناقضات لكن ليس كما يؤكد الديالتيك والماركسية من أجل التغلب عليها. برأيي ليس هناك من تغلب ، إذ لا وجود للحقيقة. أن نفترض شيئا مضادا يعني هذا دفع الأمل في زاوية ما أو التأمل في الحاجة الى الخلاص. أعتقد أنه بالأحرى قبول ما نلقاه كشيء غريب بالنسبة لنا ، وعدم توقع نيل أيّ جائزة على ذلك. وقد تعتمد الحكمة على هذا الأمر. في الأخير يعرف ناس الشرق ( وخاصة زين Zen ) هذا الشيء حين يتكلمون عن توحيد التناقضات. أنا اعتبر أن قبول التناقضات يعني بداية التعرف.

سيوران : هل تعرف يا سيدي أنه في فترة معينة تفرغت بصورة مكثفة للبوذية. وإعتبرت نفسي بوذيا ، لكن في المحصلة النهائية عرفت أني كنت واهما. أدركت في الأخير أني لا أملك أية صلة بالبوذي وأني بسبب طبيعتي، سجين تناقضاتي. حينها تخليت عن الوهم الفخور وقلت لنفسي بأن علي أن أقبلها كما هي. ولماذا عليّ أن أجهد من أجل الإنفصال عنها طالما أني أملك مزاج مجذوبٍ phrenetic . وعندما قبلت بالتناقضات إكتشفت هذا الشيء : رغم أني لم أحقق التوازن لكني في كل الأحوال شعرت بأن حالي هي أحسن مما لوكنت قد عشت في الكذب. في الفلسفة الشرقية يكون الأمر الفظيع أنه حين نعايشها يسهل التصور المادح والمسّر عن أنفسنا. فبإعتقادنا أننا صرنا خارج كل شيء والجميع ، لكن في النهاية ندخل تلك المرحلة التي تدفعنا الى القول بأننا مجرد مساكين عاديين. وهذه التحولات ضرورية ، إذ لا يمكن خلق صورة للنفس مثالية ومتماسكة.

خالفن : طيّب ، لكن في هذه الحالة كيف يمكن العيش ؟ حاليا ً تعذبنا جميعا هذه السرعة المحمومة. نحن ناس العصر التقني وفي عالم الإتصالات ، والتلفزيون والتبدلات نجابه مثل هذا التحدي : كيف نحيا مع كل هذا، وكيف نقيم الصلات مع كل هذه الأشياء ؟ فنحن لا نستطيع الكف عن سماع الراديو أو تجاهل خطر أن تدعسنا إحدى الحافلات ، فنحن نعيش في محيط تقني، والقصد هنا كيف إخضاع التفكير والحياة لجبرية المنطق العلمي.

سيوران : أنا متفق معك تماما.

خالفن : في هذه الحالة تكون القضية المحتومة والملحة التي تقف أمامنا هي كيف علينا أن لا نصبح أنبياء الكارثة. ليس المقصود أن نؤمن بألفيّة أخرى يكون الواقع حسبها محض عقاب تاريخي على أفعال قديمة لا تعرف بالضبط. وفي الأخير لا يمكننا قطع الصلة بالتكنيك. غير أن السؤال الذي لا يزال راهنا : كيف هو العيش مع التكنيك ؟

سيوران : مثلا ً أنا أحب التنزه لكن هذا صعب في باريس. ولذلك عليّ أن أركب القطار والتوجه الى الريف. إذن أنا شريك للتكنيك.

خالفن : نعم ، لكن الخطر يتجاوز بعيدا ، وهو أكبر من مثل هذه المشاركة البسيطة التي يقوم بها الجميع. يقترح تطور التكنيك علينا أن كل شيء ممكن وأنه مع كل يوم تكون ممكنة أشياء جديدة وهي نوعيا ً أحسن فأحسن... وفي هذا بالضبط يكمن أحد التهديدات : في فبركة الأوهام والقناعات اليوتوبية عن التفوق. إنه يوتوبية الإختصاصين الذين هم بكل بساطة الوهم المعاصر :السيطرة على العالم بمعونة التكنيك.

سيوران : هذا أمرمؤكد إذا كان المقصود بالهيمنة ضد الطبيعية وبصورة مطلقة.


خالفن : كيف هي توقعاتك إزاء مثل هذا المشهد البانورامي أو بعبارة اخرى : أين تكمن الكارثة ؟

سيوران : لا يمكن التنبوء الدقيق بأيّ شيء. لا أحد يعرف وصف تفاصيل المستقبل ، لكن بمكنته القول فقط إن المغامرة البشرية لا يمكن أن تستمر الى ما نهاية . وفيما يتعلق بالإنسان فمصدر كارثته هو أنه لا يقدر على البقاء وحيدا مع النفس. لا أحد هناك قادرا على ذلك. حاليا يسرع جميع الذين ينبغي أن يحيوا وحيدين، في فتح التلفزيون أو الراديو، وأظن لو أن إحدى الحكومات ألغت التلفزيون لقتل الناس بعضهم بعضا في الشوارع ، فالصمت يفزعهم. في أزمان بعيدة عاش الناس في علاقات متبادلة أكثر وثوقا طوال الأيام والشهور، لكن هذا الشيء يكون الآن أمرا غير ممكن. لذلك يمكن القول إن الكارثة قد حلت وإننا نحيا بصورة كارثية.

خالفين : الآن أرغب أن نتحدث عن الطابع التعايشي لكتاباتك. أعتقد أنك تخلق شهادة من موقع التسجيل. إنها كتابة جوّالة تعلم الإلفة مع التفكير ورؤية الأشياء أيضا. أقول هذا ولأنك يا سيدي تعيش مغلقا في زنزانة ناسك ٍ ومن دون صلة مع الحياة ، وحيدا ومليئا بالمرارة.

سيوران : بالطبع هذا ليس حقيقة.

خالفين : كلا ، أرغب التأكيد بأن موقفك يا سيدي هو ، وعلى العكس ، صحيّ جدا. فبكل رغبة تغادر المدينة وتتحدث مع المتشردين ، مع أبسط الناس ومع الآخرين الأكثر تفننا. يبدو لي أن هذا شيء مهم وخاصة هنا في باريس حيث العلاقات بين الناس تسيطر عليها ، الى درجة كبيرة ، الشكليات والأحكام المسبقة.

سيوران : لقد ولدت في رومانيا ، في قرية صغيرة في جيال الكاربات . وكطفل صغير كنت أقضي النهار كله خارج البيت ، في الجبال تماما مثل حيوان متوحش. في عمر العاشرة نقلني الأبوان الى المدينة. لغاية اليوم أتذكر تلك الرحلة حين ركبنا عربة خيل متوجهين الى المدينة. كنت في أقصى اليأس. فقد إقتلعوني من جذوري ، وأثناء تلك الرحلة التي إستمرت ساعة ونصف إمتلكني الشعور بفقدان ما وبلا رجعة.
هذ ا الحدث قد يصلح كحكاية ذات مغزى حقا ، وسيكون أفضل لو لم تكن الحضارة عامة ولو ظل الإنسان في المرحلة التوراتية ، وبصورة أدق في مرحلة سفر التكوين. برأيي أن الحقيقة موجودة في هذا السفر. إنه شهادة تحوي كل شيء ، وإذا قرأناه بإنتباه ، نرى بأن كل شيء فيه قد خضع للتفسير. وبعده لاشيء هناك سوى التعليقات...

خالفن : وحتى تلك التي يطرحها العلم ؟

سيوران : نعم بالضبط. العلم هو إخفاء غادر للحكمة بإسم التعرف على العالم.


*هذا الحوار مجتزء من كتاب لويس خورخه خالفن L . J . Jalven بعنوان :
Occidente y la crisis de los signos , Editorial Galerna , Buenos Aires

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6156849   Visitors since 7-9-2002