المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في ذكرى رحيله

أرداش كاكافيان... ذاكرة الإبداع في التشكيل العراقي

  
كريم النجار
  
















الروح المتفردة الحية، والذاكرة العميقة التي لا تفارق أعمال الفنان العراقي الأرمني الراحل (أرداش كاكافيان) والذي أمتعنا طوال عقود من الزمن بالتطلع نحو إشتغالاته الفنية والأدبية المتعددة والمختلفة، فهو المهندس الذي هجر العمارة تجاه فن الرسم، وهو الشاعر والقريب جدا من جوهر الأدب ومعناه، وهو المثقف اليساري الذي تلمس آلام شعبه منذ كان يافعا (سجن عام 1955 أثر مشاركته في مظاهرة معادية للسلطة احتجاجا على توقيع معاهدة تأسيس حلف بغداد) حتى رحيله المفاجئ عام 2000 وهو بقمة عطائه الفني.

أنجذب الفنان أرداش، منذ صباه أواسط خمسينات القرن المنصرم نحو فن الرسم، رغم عدم دراسته الفن اكاديميا حينها، لكنه أنظم إلى جماعة (بغداد) للفن الحديث، التي أسسها الفنان الكبير جواد سليم وشارك بمعارضها حيث كان أصغر عضو فيها، كونها الجماعة الأقرب إلى تطلعاته نحو فن يستلهم الموروث الثقافي والحضاري العراقي، موظفا إياه بلوحة معاصرة تنبض بالحياة المعاشة، لكن تطلعاته وطموحاته كانت أوسع من أن تؤطر بأتجاه أو اسلوب فني محدد، لذا غادر العراق نحو باريس عام 1961، لغرض الدراسة والإطلاع مباشرة على آخر مستجدات الفن ومذاهبه ومدارسه الحديثة، والتي أبهرته وجعلته يراجع تقييمه للحركة الفنية التي كان منغمسا فيها في بغداد، وأساليب الفنانين التقليدية التي لا تتعدى حدود التأثر، وأحيانا التقليد النمطي بأساليب الفن الغربي الحديث، حتى لدى أولئك الفنانين الذين ذهبوا ببعثات إلى الغرب ونقلوا بعضا من تقنياته، ما عدا إشادته بأعمال الفنان جواد سليم، كونها نابعة من إصالة متجذرة أراد ترسيخها مع جماعة بغداد للفن الحديث. ولم يعلم أن هذه الإقامة ستكون أبدية حتى ساعة رحيله.

ولكون الفنان كاكافيان لم يكن مبتعثا للدراسة في باريس، بل أعتمد على المبالغ الشحيحة التي كان يزوده بها والده الكادح البسيط، لغرض دراسة الهندسة المعمارية، حيث حصل على شهادة الليسانس بالعمارة، ترضية لطموح أبيه، وطمعا بمواصلة امداده بالمبالغ الشحيحة التي ساعدته على تحقيق مسعاه بدراسة الرسم تحديدا، لذا عكف على الخوض في عالم الحداثة الفنية التي كانت تنبض بها باريس آنذاك، ودراسة الفن اكاديميا، وحصوله على دبلوم المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس.

إضافة لتأثره بأسلوب مدرسة بغداد للرسم التي أسس خطوطها العريضة قبل ثمانية قرون (يحيى الواسطي) وسعي جواد سليم لاسلوب يجمع بين المحلية وآخر ما توصل له الفن الحديث، فقد تأثر أيضا بالمدرسة الانطباعية وشفافية اللون والتصوير في أعمال كوكان وفان كوخ وأدوار مانيه وبول سيزان وماتيس، لكن الأثر الكبير الذي وسم أعماله، كان ولعه بالخط والألوان التعبيرية، حيث ومنذ صباه كان يتطلع للوحات مونيخ ولوتريك، وبشغف وسحر خاص لأعمال مودلياني.

مارس الفنان تجارب فنية عديدة، منها الطباعة والحفر على الخشب والليثوغراف، حيث حقق اعمالا (غرافيكية) مهمة، وشارك مع الشاعر أدونيس في إصدار كتاب (أرارات) النصوص لأدونيس وأعمال الليثوغراف لأرداش، وتخطيطاته المبهرة كذلك لرواية أميل حبيبي (المتشائل) في طبعة مشروع كتاب في جريدة، كما ساهم برسم الكثير من الكتب الشعرية الفرنسية. وتعد أعماله الغرافيكية من التجارب المهمة، حيث زاوج فيها همومه الذاتية مستخدما الرمز وأسلوب التعبيرية التجريدة في رسم الخطوط والحالات المعبرة عن ذاكرة مشبعة بالألم والحنين والصراع الداخلي العنيف الذي وسم شخصيته، رغم هدوءه الظاهر على هيئته وتصرفاته اليومية.

أما أعماله الرسومية بشفافية ألوانها وعنف تكويناتها التعبيرية، التي تشير إلى جعل الحركة المتوثبة لدى شخوصه، بمثابة حركة دائرية جياشة ومتوثبة، ما هي إلا دلالة على هذا الصراع الداخلي الذي كان يتناوشه، وخصوصا برسمه لحالات المرأة، التي هي الثيمة الأساسية في لوحته، وهي تعبير عن الضياع والفقدان المبكر لحضن الأم التي رحلت وهو لازال صغيرا، فبقيت ذكراها ماثلة في أغلب رسومه، فهي تارة يحيطها الضباب حتى يكاد يمحي ملامحها، وتارة أخرى كتلة شبحية سوداء رأسها بأتجاه السماء ويتعلق بأذيال اطرافها طفل شاخ وجهه سريعا، ومرة تقود قاربا لوجهة بعيدة، أو دلالة القارب المهيأ للسفر والرحيل وعدم السكون دائما، أو أمرأة غائرة الملامح تماما ماسكة بجذع شجرة تهزها الريح بعنف، أو وهي منطرحة في أبديتها وعالمها الأزرق المعتم، ترفع له يدها وتناديه. ودائما ما كان يردد ويفسر هذه الثيمة المتكررة في أعماله، بقوله: (أحاول أن أبحث عن أمومة الجسد في فكرة تشكيلية جديدة).

هذا الفقدان المبكر جعل منه صاحب ذاكرة متقدة بالعطش والحنين والاحتراق، ورغم غربته الطويلة التي دامت أربعين عاما، لكنه بقي متمسكا بأرثه هذا، المتمثل بالعودة إلى بغداد وتوسده قبر أمه التي هي عالمه الغائب والناقص في حياته، حتى لو جاء الأمر بمثابة نثر رماد جسده على ماء دجلة بعد وصيته بحرق جسده، كي يبقى ماسكا بهذا الشغف الطفولي والذاكرة الآسرة لمدينة بغداد التي كانت عصية عليه، وهو في غيابه البعيد.


بيبلوغرافيا

- ولد الفنان أرداش كاكافيان عام 1941 في الموصل لعائلة أرمنية لجأت للعراق هربا من مجازر الارمن في تركيا أوائل القرن الماضي.

- أنظم لجماعة بغداد للفن الحديث منتصف الخمسينات.

- سافر إلى باريس لدراسة الهندسة ومن ثم الفن عام 1961.

- أقام أول معرض شخصي في صالة “الرياح الأربع” في باريس عام 1967.

- أقام عدد من المعارض شخصية في عدة دول أوروبية.

- نال الجائزة الأولى لصالون الخريف، وكذلك جائزة (دوم) العالمية المعروفة عام 1971.

- ورد أسمه في موسوعة (لاروس) الفرنسية سنة 1975.

- أشتهرت عروضه ومعارضه الفنية في امريكا واليابان والهند خلال الثمانينات.

- قام برحلات فنيه عديدة للهند واليابان، وفي الهند أطلق عليه الفنان الهندي والناقد هاريش كابور (فنان العوالم البعيدة) واقتنت هيئات ثقافية كثيرة في الهند أعمال له .

- عمل مدرسا في معهد الفنون الجميلة (رول مالميز) في باريس.

- عضو جمعية نقابة الفنانين وجمعية التشكيليين العراقية.



أدب فن

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6111330   Visitors since 7-9-2002