المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

التعبيرية العراقية ( 3 ). الحاضنة والمنفى

  
علي النجار
  
















- التغيير, هو ما أهدف إليه قبل كل شيء. فانا لا يمكنني الفصل بين الإحساس الذي أكنه للحياة وبين طريقتي للتعبير عنه . ماتيس

- أليست الأحلام كالأصوات, والأصوات كالألوان, والألوان كالموسيقى, إنني لأعشق موسيقى الألوان . نولده


1- ستار كاووش والأثر الضائع

هل كان بإمكان الفنان(ستار كاووش) أن يتنبأ بما سوف يؤل إليه عمله التعبيري الأول. ولو في حدود المحافظة على ملامحه العامة. لست ادري. لكن, ربما كانت رسومه التسعينية تلك والتي تطالعنا بين فترة و أخرى, تذكارات صنعتها أزمنتها التاريخية الملتبسة, التي كان الفنان مشتبكا بتداعياتها المحلية التي احتوته. أزمنة الحرب والهزيمة والتمرد السري التسعيني المحلي. أزمنة تشبه ثمرة غير ناضجة’ فلا تلفظها الشجرة, ولا تشتهيها النفس. وكانت له طرقات المدينة وزواياها مرتعا يقصيه عن وحشة الذات في لحظات انكساراتها. ولم تكن له من السكينة نصيب. ولا من مجال يوفر له شروط التأمل, كما عرفته بعض الأجيال التشكيلية العراقية الأقدم. جيل بات الكثير منه عائدون من حتفهم, والكثيرون ينتظرون حتفهم المؤجل, أو منفاهم. ستار, وبيقظة مبكرة وعي مدى فداحة خساراته, أن بقي يدور في حلقة خواء محيط على حافة الانهيار. فاختار طريق الهجرة من اجل متابعة مشروعه الفني وسلامته الذاتية, على ما اعتقد.
للشوارع ممرات سيرها المعلمة بآثار عجلات مركباتها المارة, مثلما هي معلمة بكعوب أحذية المارة. و للشوارع أخاديد خطوط سيرها, وتراكم آثار بصمات أرجل المارة الحفاة. وندى أنفاسها اللاهثة على دروب الحياة. ستار كاووش حاول جهده اقتحام هذه الآثار, لا ملاحقتها. فهو لم يرى في الشخوص المارة, أو المتعثرة بخطاها, إلا كونها علامات فانية. يحاول اقتناص آثرها: خطوط خشنة نافرة, ألوان ناصعة, مقذوفة بدون تصنع. كما غبار طرقاته اللاهثة خلف عجلات مركباتها. فهو وعلى ما يبدو في عجالة من أمره. لا يعنيه من خطوط سير هذه المركبات شيء, سوى أن يقذف نفسه في لحظة ازدحامها, معترضا أكداس واجهاتها التي تشكل لغز حضارتنا المعدنية. أقنعة صلبة قاسية, ليس للخيال أو الشعر, أو حتى التأمل من مجال للنفاذ عبر متاهات واجهاتها.

إن كان المستقبليون صنعوا من حراك زمنهم الصناعي تروسا لولبية متشظية. وأنتجوا لنا جمالا فنيا موازيا لقيمتها التعبيرية المتحركة. ستار في رسومه الحركية هذه, كان يتحاشى ما للمنحنى من رقة. فلا مجال للرقة في خطوط انحناءات أشكاله, حتى لو صنعها اضطرارا. هي تحافظ على قساوتها وخشونتها كبقية مفردات رسومه الأخرى. على الضد من صنعة المستقبليين الذين لم يحبذوا إخفاء رقتهم المندسة بين ثنايا صوامل مدنهم الآلية. هو, ربما كان يدرك ذلك. أو ربما لا يدري. لكن نسيج رسومه هذه كانت محكومة بسلطة قمع الرقة التي انغرست في ذاته في ذلك الزمن الحرج. هي نتاج غابة بكر غير مهذبة. بالرغم من انه كان يؤرخ لجغرافيا مدينته. لكنه طمر الجسد العياني للمدينة بتراكم جسد متخيل. جسد صنعته لحظات نزقة, ضمن توهان الذات المتعثرة بسيقان المارة المتناثرة بين تشابك مسارات دروبها المتقاطعة.
لم يألف التشكيل العراقي, ومعظمه صنعة تعتمد التكنيك احد فضائلها, رسوم ستار هذه. لقد كانت تمردا على المألوف(التكنيكي). فن خام يتحدى مألوف جمالية أعمال نظرائه الفنانين, حتى الشباب منهم. ولم يكن مزوقا بأي شكل من الأشكال في ذلك الزمن التسعيني.
هاجر ستار, ثم استقر نهائيا في البلد الأوربي(هولندا). فهجرته شخوص شوارعه العراقية بمظهرها الذي تسند تداعياته خطوطه الخشنة وعنف فرشاته الساخطة. هجر أجوائها المتقشفة, أو المكتظة ازدحاما, أو حطاما. ليحل محلها مساحات مؤثثة ببيئة ترفه مغايرة, مستعادة من رحم مرجعيته المحلية التي كان غافلا عنها في زمنه العراقي. ولكونه لم ينوي أن يتحول لمجرد مؤرخ يستعيد وقائع ضائعة, أو متسربة. فانه حبذ استعادة صنعة أحلام كانت مطمورة, أو مؤجلة. انبعاثا جديدا.
لقد باتت تلك الخشونة وحدة أداوت التعبير الأولى تخدش سطح أعماله الجديدة, فنبذها. ربما بتأثير من فضاءات المدارات الشمالية حيث السماء أرض, والأرض سماء تغوص في أعماقها. ولتتفتح زهرة حب كانت مخبوءة, مستبدلة عواصفه اللاهبة السابقة, ثنائيات حب أزلي. فهل كان ستار منذورا لقدر الحب, أو قدرته التي كانت مستترة منذ أيام الصبا. أن كان صراعه الأول وأزمنته العراقية, خلقت أعماله التعبيرية الأولى. الحب جرده من حدة هذا الصراع وادخله عالم الفنتاسيا العشقية. التي اختلط فيها المدرك اليومي بالحسي, المعقول باللامعقول, التعبير الحر بالسردي النمطي, الغريزي بالمتسامي. وربما ساعدته خبرته السابقة بالرسم الصحفي لخلق مناخاته السردية الموازية لنصوصه الفنية المتخلية, لا المفسرة, أو المؤله, في تجميع ولصق مفردات رسومه وتداخلها أو انصهارها وحدة موضوعية لا تخطاها العين. أخيرا, ماذا فعلت رحلة ستار الاغترابية لتحدث هذا الشرخ التعبيري, وماذا فعل هو ليعيد توازن ذاته بعيدا عن كل شرخ. وسط فضاءات متغيرة مغايرة. اعتقد انه لم يكن بمقدوره مقاومة هذه المتغيرات الزمكانية الدراماتيكية. لذلك ترك نفسه تعوم في فضاءاتها. والتوهان في تداعيات صور أحلامها الواقعية السحرية.


2 ـ إيمان محمد: وتحولاتها البيئية.

في بداية التسعينات, في قاعة عرض مقابلة لمركز الفنون البغدادي, شاهدت رسوم للفنانة العراقية المغتربة إيمان محمد. بتفاصيل تشخيصية تحمل بعضا من غرابتها. شخوص, حيوانات خرافية, ببعض من ملامح أثرية أسطورية. في ذلك الوقت الذي تحولت الأسطورة لدى العديد من أعمال التشكيليين العراقيين الى نصوص إشاراتية, في مسعى منهم لتجاوز وقائع حاضر مرير. إيمان فضلت الذهاب للأثر نفسه وتسطيره اسطورة صورية جديدة. مستلهمة من الختم الاسطواني حرفته الفنية الجمعية بامتياز. والتي تعالج صور الحياة وسلوكيات الناس. مثلما تكشف الجانب الخفي من ملامح أحلامهم, تهاويلهم, هواجسهم. ومحاولات تشكل ملامح هيئات آلهتهم وتوابعها. وكان لها حضور في بعض من رسوم إيمان المعروضة تلك. فهل كانت هي الأخرى تحاول التنصل من واقع و وقائع أيامها. أم هي كانت تبحث عن مرادفات وقائعه. أو, ربما كانت لها رغبة في ملاحقة الأثر بنية إنشاء اثر مواز له. فكما نعلم أن رغبة الفنان لملاحقة النتاج الأثري الفني تنطوي على نوايا متعددة.
الأثر السومري بما يحتوي عليه من تنوع أسلوبي ومضموني, ثر لحد الإعجاز. غالبا ما استهوى صناع الفن العراقيين. منذ التأسيس الحداثي لحد الآن. وان تميز الآن بانصهار بعض ملامحه الإنسية في تفاصيل أعمال العديد من شباب الفنانين, كما أسلافهم الأقربون. ربما عن دراية, أو عن تقليد, أو توارد خواطر. لكني لم الحض مسعى جدي لتفكيك خيرة ملامح هذا الأثر. في ذلك الزمن, زمن الحرب المستمرة على مستويين(الخفية والعلنية) إيمان حاولت إيجاد مقاربات زمنية إيقاعية. فالحرب لها إيقاعاتها الزمنية المدوية. وللختم إيقاعاته المتوازية, والموازية لإيقاعات مارشات الحرب. والإيقاع بهذه الصفة, عنصر تعبيري يضفي على سطح الرسم هيمنته. لقد صنعت إيمان من ارثها معادلات زمنية. لا تزال أثارها تقلقنا لحد الآن.

لم يكن الأثر وحده حاضر في رسوم إيمان لتلك الفترة. فهي وكما اعرفها سادرة في قلق بحثها المستمر. وان حسمت جدليته في زمن اغترابها. لكنها في ذلك الزمن التسعيني, وفي بداية مشروعها التشكيلي لم تكن تتنصل عن وقائع مشهديه حاضنتها الجغرافية. وكأنثى لا ترغب إلا أن تكون جزأ من حاضنة بيئية, سواء كانت محيطية أو افتراضية. نسائها سواء المفجوعات منهن, أو المسترخيات. لم يفقدن ملامحهن بشكل كامل. ولا فقدن أسباب وجودهن الملتبس وحاضن على وشك إسعادهن, أو إفنائهن. ولم تكن إيمان حذرة في تقصي الملامح التعبيرية التشخيصية لنساءها, لكنها وكما اعتقاد باتت بعد ذلك حذرة في الذهاب لأبعد مما ذهبت, لكونها لا تملك إرادة العنف. لتفضيلها, أو لانجرارها للعمل الحفري بمبررات نظرية, لا يحتملها الفعل الفني التعبيري التشخيصي. ولم تكن اشكاليتها وحدها. فالعديد من التشكيليين العراقيين من جيل أقدم, مثلما القلة من مجايليها. وضعوا أنفسهم في نفس الموضع. وأخذتهم النصوص الاشارية بعيدا عن عالم الصورة المعاصرة. بافتراض خصوصية محلية.
غالبا ما تكون لتحولات الفنان الأسلوبية دوافعها العميقة. وخاصة في المنجز التشكيلي العراقي. بتعاقب أجياله, واختلافات مناطق إبداعات الفنانين الزمنية. والزمن بالتأكيد له سطوة على الفعل الأدائي والتعبيري الفني. واعتقد أن ما فقده المنجز الفني العراقي الزمني, وخاصة في فترة التسعينات وما بعدها, أكثر مما كسبه. فان كنت تعيش ضمن حاضن بيئي مفتوح يوفر لك التواصل المستمر ومكتسبات العالم الحضارية. يكون بالتأكيد أفضل من الحاضن المغلق والمحبط والمعوق في الكثير من مفاصله. وواقع كهذا كنا نعوم وسط تهويماته فاقدي البوصلة, إلا من ارثنا الشخصي. وكانت إيمان والعديد من تشكيليي جيلها يعومون في نفس الفضاء. ولم يكن أمامهم إلا أن يوغلوا في التعبير عن واقع حالهم بأعمال ربما لم تكن تملك الأداة المناسبة. وكان الأسلوب التعبيري بجذره الأوربي الأول جاهز لإسعاف واقع حالهم. وما أنتجته إيمان في تلك الفترة التسعينية الأولى إلا صدى لتلك الإعمال التعبيرية. شخوص نسويه تبحث عن الدفء الإنساني تحت مضلة صيفية قائضة. شخوص تطفو وحدتها على السطح رغم تقارب أحسادها. شخوص تندب معضلة كوارثها, ويتمها. لقد ختمت إيمان مرحلة توهج يأسها بأقصر فترة زمنية. وهي على أبواب زمن رحلتها الأولى, بتنصلها عن أدائها التشخيصي.
كان معرضها في عمان(كما اعتقد في عام(1998) اختبارا جديا لخلاصها من قبضة التشخيص لصالح العمل الاشاري.وحيث اليأس متمثلا في ايحائاتها الميثولوجية, جداول استعادة الزمن بسحر مجتزئات نصوص و أوفاق و إشارات عتيقة. لقد تبخر الفعل التعبيري العنيف, واضمحلت بذرة تمرده, لصالح يأس يبحث عن خلاصه في رقاع الأزقة الخائبة. وارثها السحري. والتحقت برهط التشكيليين العراقيين المتقاربين في أطروحاتهم النظرية المتحولة تدوينا تشكيلا, على السطح الأبيض, أو المعفر, أو المخروق, أو المتشكل هيئات. والذي مهد لها حجز مكان في حاضنتها الأوربية الجديدة.
اعتقد أن أيمان محمد, كما ستار كاووش. خضعت هي الأخرى لشروط اغترابها المكاني المستجد, برغبة موازية لجدتها. لكنها رغبة منعمة بدعة لم تكن متوفرة لكليهما في زمنهم العراقي السابق.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6213113   Visitors since 7-9-2002