المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع اسماعيل غزالي

  
عدنان أبو زيد
  
















يعول ادباء ونقاد على اسلوبية القاص المغربي إسماعيل غزالي، الجديدة، كمحاولة استثنائية ومتميزة، في رفد فن القص العربي بابداع يتجاوز التقليدية التي صبغت هذا الفن في الكثير من نتاجاته. أن ألقاب مثل البرق الآتي من الأقاصي ، باخ السرد الجديد ، ديونزوس وأبولون في كاتب واحد ، الرياح السحرية ، غزال القصة المغربية ، حصدها القاص المغربي إسماعيل غزالي، من خلال كتابته القصصية الجديدة، حيث استطاع أن يحجز له مكانا خاصا ضمن الحداثة القصصية العربية بحسب نقاد وكتاب من أمثال عدنان المبارك ومحمود الريماوي وأحمد بوزفور ووجدي الأهدل ومحمد خضيّر. جريدة الزمان كان لها هذا الحوار مع القاص إسماعيل غزالي على هامش صدور كتابه القصصي الجديد بستان الغزال المرقط .
خصّك القاص المغربي الكبير أحمد بوزفور بقراءة فريدة، بشّر فيها بندرة كتابك القصصي بستان الغزال المرقط ، ووصفه بأنه ينتمي إلى فن الموسيقى وليس الأدب وعدّد خصائص جماله المدهش، ثم وسمك بغزال القصة المغربية، كيف تلقيت هذا الاعتراف المتميز؟

- صانع الدهشة المغربية، القاص الرفيع سي أحمد بوزفور، قامة إنسانية وقصصية فارهة مشهود لها بالنبل والصدق، ولا يختلف قاصان في رصانة الرجل وعمقه الجمالي اللايجامل أبدا.
قراءة المعلم بوزفور الأنطولوجية فاجأتني بالفعل، ليس لأنني لم أتوقعها، بل لأنها فاقت توقعاتي.
هي مفاجأة بقدر ما هي مبهجة، بقدر ما هي مربكة أيضا. فشهادة صادرة عن كاتب غفير رمزيا كالسي احمد بوزفور لا يمكن أن تكون إلا حدثا جليلا في سيرة أي مبدع مغربي وما أعنيه بالابتهاج المربك، هو إدراكي عندها بمشقة الثناء الباسل عندما يصدر من كاتب باسق ينتمي إلى أقلية عتيدة، أجل مشقة فادحة استشعرتها على كاهلي، لأن ما سأكتبه بعدئذ سيكون محفوفا بمسؤولية وخيمة لم أكن أضعها في الحسبان سابقا.
عليّ أن أقرّ بأن هذه الشهادة المبينة، جاءت في وقت دقيق وحاسم، أعادت إلي الثقة الجسورة في ما أكتبه، لأنني كنت على وشك أن أيأس بشكل كامل من الكتابة في بلد قاسٍ جدّا كالمغرب.
فأطلس الشكر لشجاعة القاص احمد بوزفور.

* عدّ نقاد مجموعة لعبة مفترق الطرق حدثا فنيا مهما في مسيرة القصة العربية، كيف تقارن أسلوبيتك في هذا العمل مع قصص كتابك الجديد بستان الغزال المرقط ؟

- لعبة مفترق الطرق هي ضلع سردي من كتاب رباعيّ الأضلاع، هو بستان الغزال المرقط، بمعنى أن مجموعة لعبة مفترق الطرق تدخل مع مجموعة عسل اللقالق ومجموعة منامات شجرة الفايكينغ ومجموعة الحديقة اليابانية في تشكيل نسق جمالي هارموني موحّد لكتاب جامع. وإن أُنجزت هذه التجارب في أزمنة مختلفة، وأمكنة متباينة وبشروط غير متماثلة، فهي برمّتها تحتكم إلى بنية داخلية متسقة، مع احتفاظ كل واحدة باستقلاليتها في آن.
ظهرت لعبة مفترق الطرق في طبعة منفردة طبعا كما شقيقتها عسل اللقالق ، ونجاحها في خلق أصداء جيّدة من الثناء النقدي شيء مغبط لم أسمح له بأن يتحول إلى رضا. الثناء الموضوعي يحتاجه المبدع كي يعرف موقعه مهما زعمنا أننا نكتب وفقط ولا نهتم بما يكتب عنا أو عن تجاربنا بالأحرى شرط أن يكون هذا الثناء صادرا من نقد له مصداقية وليس محض بلاهات سرطانية يعج بها المشهد .
أسلوبية لعبة مفترق الطرق، تتقدم وتتعمق بشكل متفرع ومتصاعد ومفرط أحيانا في القصص اللاحقة، ضمن منامات شجرة الفايكنغ والحديقة اليابانية، أو تنزاح بالأحرى عبر مغامرات سردية جديدة، ذات اشتغال تقني متاهي وشكل هندسي متنوع، يجابه فيها الخيال امتحان الأقاصي دون أن يقطع بمقص الجنون المنتشي خيوط صلته الأركيولوجية بالذاكرة، ودون أن يضيع كيفما اتفق وراء ما تحتطبه العين من رؤى حادّة… أترك للقراءة استكشافها والحكم على فسيفساء تعددها الخلاق.
كيف تسرد أحداث قصصك، هل ثمة خارطة ترسمها قبل الشروع في الكتابة، ام تترك لخيالك حرية توجيه بوصلة الكتابة؟
ثمة قصص تستند بدءا إلى خارطة مسبقة، تصر الكتابة لحظة الانجاز أن تهدمها وتجعلها تنحو منحى مغايرا لما رُسم سلفا في الذهن. نادرة هي القصص التي تنشأ فعلا كما خُطّط لها، بل مستحيلة، فثمة دائما ما يفاجئك لحظة الكتابة ويربك هندستك القبليّة.
ألتذّ أكثر بالقصص التي تختار خارطتها الخاصة لحظة الكتابة، وليس ما قبل الانجاز، بالتأكيد ما قبل الانجاز هناك الفكرة الهاربة التي تؤرق الذهن في البدء ، تلك الفكرة المارقة التي تدلق سرابها على أهبة أن تتلاشى، فتسعى يقظة الخيال وراء جموحها السديمي، كي تتلقف حلميتها وتؤبدها ضمن صورة ما، حتى لا تبقى رهينة اللقطة الآيلة للإنزلاق والنسيان.
مبدئيا ما قبل الانجاز يحتاج القاص إلى وعي نظري أو رؤية شخصية في تصور المداخل والمخارج، وتدبير الفوضى القائمة على التضادات وهندسة المأزق، ورسم المتاهة، دون التفريط في التوتر العالي والتيه في الجيوب الهامشية … ثم إشراقة نسغ المختتم المباغت الذي تمهر به القصة نجاح أو فشل مغامرتها الحكيمة.
غير أن منطق اللعبة لحظة الكتابة، وفي غضون ترسيخ مشيدات النص، يمكر بعتاد النظرية المسبقة، وتنتصر القصة لمزاجها الخاص في ابتكار نفسها من الداخل بشكل جدلي، يفاجئ القاص نفسه. وفي كل الأحوال فالقوة اللاشعورية للكتابة محمودة جدا، شرط أن تكون مشفوعة بصرامة واعية مصاحبة، تضطلع بترشيد مخطط القصة وتحميض صورة الشكل النهائي.
هناك ازدواجية متعالقة ومتناغمة التخطيط من جهة، ومباهج لحظة الكتابة اللاواعية التي تنتصر لمجهوليتها العاصفة من جهة ثانية. وبين هذه وتلك، يتحقق أثر القصة الدامغ.
ما يشغلني في كتابة أي نص، هو البحث عن الإيقاع، وما أن أجده، تمضي القصة بي بعيدا نحو شاطئها غير المحروس.

* غزالي كاتب تجريبي، ديدنه ابتكار الأنماط والطرائق في سعي دؤوب الى التجديد، السؤال متى يتبنى غزالي لنفسه أسلوبا ثابتا يركن إليه في النهاية؟

- الأسلوب الثابت هو الموت، والسعي المثابر إلى التجدد وابتكار الدهشة الدائمة هو الطريق الأمثل للعب والحرية والمتعة والجمال.
واتكاء على هذا الأمر الجلل، لا يشاء غزالي أن يرتكن إلى ثبات في أسلوب نهائي.
لي جملتي القصصية الضارية التي تشبهني، الجملة القصصية الناجحة تشبه طائرا جارحا، طائر له موهبة صنع الأفق الغريب، وهذا ما أزعم أنني أفلحت في خلقه أي جملتي القصصية الشخصية ، عبر كتاب صائد الغربان البيض ، وما بعده، وأقصد هذه الرباعية القصصية، وبهذه الجملة القصصية المضيئة حاولت وأحاول أن أحفر نفقي الخاص في ليل الحكاية المدلهم.
طبعا، لست ممن يمارسون حماقة مدح ما ينجزون، فأنا ميال أكثر إلى فضيلة الصمت ونقد ذاتي بشكل قاس، حتى أضمن لنفسي ملاذا من فخ الغرور وطوق السفاهة، ومنأى من جنون عظمة فارغة. لذلك أترك للقارئ المتخيل وهو موجود على كل حال فضيلة اكتشاف الصنعة الفنية لقصتي الغجرية، ولا أبتغي من نصي المستقل عنّي، إلا أن ينجح في إمتاع الآخرين، أكثر مما استمتعتُ بكتابته شخصيا، أن يُمتِع حقا وفعلا لا غير.
القاص لا يخترع الأدوات

* يزواج غزالي بين الشعري والنثري والسينمائي داخل الحكي بحسب نقاد، مما أتاح له التمايز بين أقرانه، ترى كيف يبتكر غزالي أدواته الفنية الاستثنائية في القص؟

- الأدوات الفنية مشاع خارج جهة القصة القصيرة، وما يفعله القاص أن يختار أسلحته الخاصة الملائمة لمغامرة النص، إذ أن كل نص يقتضي البحث عن أدواته الخليقة به، أو المخلوقة له حصرا دون آخر، ومن هنا فالقاص لا يخترع الأدوات، بل يعثر عليها، وتصير ذات جاذبية وخلاقة، عندما ينجح في أن يخلق لها مكانها الذي وُجدت من أجله، مع حادثة قصة لا تكون قصة بالفعل إلا عبر تلك الأدوات الفعالة بالذات أدوات لا تظهر فعاليتها مسبقا طبعا، بل تنكشف من خلال الزج بها في تجربة غريبة عنها .
ما أبتكره ليس الأدوات الفنية، بل حذاقة استعمال هذه الأدوات، من جهة، وبراعة إقحامها في تجربة مغامرة خارجة عن بحر عروضها المعتاد، فتصير مع هذه التجربة المجازفة ذات معنى جديد، وقيمة مضاعفة.

* هل يمكن للقص باعتباره فنا سرديا ان يجسد واقعا ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وهل نجد صدى ذلك في كتابك الجديد بستان الغزال المرقط ؟

- برهنت القصة القصيرة كفن هامشي من حيث هويتها الجمالية المتوترة، أنها الأقرب إلى بنية المجتمعات المنشطرة، ذات صلة متواشجة بالقلق اليومي وما ينفطر عن آلة العصر من غبار وشظايا… وهي لذلك ذات قابلية دامغة لتجسيد الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي ضمن حدودها الماكرة. بالتأكيد تراهن القصة القصيرة على التجربة الانسانية في شقها المتشذر والمصدوع والمتفتت، كما تنحاز للجزئي والمهمل والمقصي والمهمش، غير أنها تستمزج هذا الواقع بمنطق غرابتها الخاصة. بستان الغزال المرقط، معني بواقع ثقافي واجتماعي وسياسي أيضا، لكن ليس من زاوية انشغال استهلاكي ساذج، أو التزام أخلاقي بليد، بل من زاوية إيحائية يغدو معها أثر الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي ، شبحا أزرق يهيم في غابة الظلال الداغلة. فعلبة سردين فارغة وصدئة مرمية على قارعة الخلاء قضية سياسية بامتياز، وتبان امرأة مهترئ عالق بسلك من أسلاك البرية قضية سوسيولوجية إن لم تكن حضارية بامتياز، وتراكتور نافق على حافة متوحشة مهملة قضية ثقافية بامتياز، ورياح تصفر في ثقوب حذوة حصان متروكة في صحراء، قضية كونية بامتياز.

*أغلب القراءات النقدية التي تناولت قصص لعبة مفترق الطرق، أجمعت على تجديدك لفن القصة العربية، وصنفتك ضمن الكتاب الشباب العرب القلائل الذين يعدون بالكثير في هذا المضمار، برأيك ما هو الجديد الذي أضافه إسماعيل غزالي للقصة العربية؟
- يستهويني اللعب الأنطولوجي، في كتابة القصة القصيرة، ولا ينحصر الأمر في اللعب وحده طبعا. ما يمكن أن يكون جديدا أضفته للقصة العربية، هذا شيء لا يمكن أن أزعمه الآن، أو أزعق به، كل ما في الأمر أنني أكتب بشكل أفترضه منتميا إلى امبراطورية الأحلام، وهذيان المستقبل.
القصة العربية يعتورها نقص مزمن في الخيال، وتفتقد مجازفة المغادرة للحدود المرسومة، كما تعاني من خصاص حادة في استكناه الغرابة اللامرئية التي تطوق واقعنا المرئي. ما أحاول أن أنجزه في هذا الصدد، وبكل تواضع، هو الرهان المغامر على الحلم، واقتفاء النسق الغفل للمصادفة وابتداع شكل المتاهة المعاصرة لهامشي الإنساني ومعناي الممكن… لا بد من فتح هامش جديد للخيال المقامر كي ينهمر باتجاه التخوم القصوى، وهذا الهامش الذي تحتاجه قصة اليوم والغد، موقوف على الطاقة الهائلة للأحلام. تلكم الأحلام التي لا تلغي الواقع والتاريخ كما يسيء الظن بذلك الكثيرون، بل هي محض استقصاء لما يحجبه الواقع نفسه من وجود غير معلن، وهي حزمة ضوء جسورة تسترد من خرائب النسيان العاتمة ما ارتكب التاريخ في إقصائه ووالغائه.
الأحلام التي تتجنّح الخيال المغامر هذا، ما هي إلا دفع ضروري بتجربة الواقع والتاريخ إلى حدوده القصوى… حتى ولا حدود.
و للتوضيح أكثر، الأمر هنا لا يتعلق بأسطرة الواقع، لأن الأسطورة واقعيّة بشكل مفرط، كما أن الواقع خياليّ بشكل مريب.

* بمن تأثرت في فن القص، وما تأثيرات الأدب العالمي على طرق تعبيرك؟

- لست محتالا إن قلت لك بأن الأثر العميق للموسيقيين كان أعمق من تأثير القصاصين على كتابتي. حتى أنني أعتبر نفسي موسيقيا أكثر مما أنا كاتب. موسيقي يعزف على آلات غير مرئية طبعا.
تأثرت بداية بكتاب غير موجودين فعليا إلا في مخيلتي، كتاب لم يولدوا بعد ، قبل أن أتأثر عمليا بإدغار آلن بو وبورخيس ودينو بوزاتي وكافكا ووليم فوكنر وستيغ داغيرمان وكورتاثار وغابرييل غارسيا ماركيز وري براد بري وياسوناري كاواباتا وكالفينو وصامويل بيكيت وجيمس جويس وأحمد بوزفور و…الخ ليس في نيتي أن كون استعراضيا في ما أدرجته هنا من أسماء هذه العصابة الفذة .
من الطبيعي أن تلفّع رياح القصة العالمية مشغلي السردي، غير أن تأثيرها على أسلوب كتابتي، يبقى مسألة غير قصدية، والأمر برمّته محض تقاطعات كونية تفرض نفسها بالأخير، مهما حاولت أن أزعم نقاء ما أكتبه من نصوص، فواهم من يعتقد بوجود إبداع خالص.
لا أتشدق هنا بأولمب القصة العالمية، ولكنها الحقيقة المدوية لانفتاح وعيي الجمالي الذي لا يتنكر لسحرية حدائق التراث الحكائي العربي الهائل.

* ما جديد إسماعيل غزالي روائيا؟

- جديدي الروائي، كتاب سردي على ذمة النشر، سيصدر قريبا، تحت عنوان موسم صيد الزنجور، محبوكة مغامرته الحكائية على ضفة بحيرة أكلمام أزكزا بالأطلس المتوسط. وهي تجربة فانتازية تومئ باختراع المكان المتخيل داخل المكان شبه الموجود، ومنفتحة بشكل مولّه على الموسيقى، ذات تقاطعات متاهية لمصائر إنسانية، ومؤسسة على أكثر من عمل فني داخل العمل الواحد. أؤجل الحديث عنها لحين انقشاعها في سماء النشر.



الزمان
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6408511   Visitors since 7-9-2002