المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

مرايا الزمن في أعمال عبدالأمير علوان

  
د . شوقي الموسوي
  
















ليست حواسنا مجرد " ثقوب " في الجسم – من خلالها تمر الأحاسيس والمشاعر – بل هي أفعال للطبيعة تقع على الجسد وهي نشاطاً له في نفس الوقت ، متآزرة ومتعانقة معاً ؛ اذ إننا لا نستطيع أن نرى الشيء المرئي ما لم ننظر إليه ؛ بوصف ان المعرفة بالشيء تزداد بازدياد الرؤية وبالتالي تزداد الحواس تطوراً ؛ على اعتبار ان الإنسان بشكل عام والفنان بشكل خاص ، على حد تعبير " بيكاسو " وعاء لجميع المشاعر الآتية من كل مكان حوله ، من السماء ، من الأرض ، من قصاصة الورق ، بل وحتى من بيت العنكبوت !!؟
والفنان المتمسك بالاصالة بشكل عام ، نجدهُ قد امتلك حساً أكبر بالزمان والمكان وبلحظة التفكير ومن ثم التدبير، فهو يرسم لإبراز رؤى فكرية وبمختلف الأساليب الفنية ، التي تتخذ من الواقع موضوعاً أساسياً لها ؛ بوصفه – الواقع – يقذف دائماً بمادة جديدة ويسمح للمادة القديمة ان تختفي عن الأنظار ، ليحصل تطور في الصورة الفنية ، بالرغم من تكافؤ بعض نتاجات الفن من الناحية الجمالية في النهاية ، مهما كانت مرحلة التطور التي تنتمي إليها الأعمال ، وهذا ما وجدناه في أغلب أعمال الفنانين العراقيين الواقعيين بشكلٍ عام والرسام " عبد الأمير علوان " بشكلٍ خاص .

فقد رسم " عبد الأمير علوان " خطواته الواضحة لرؤيته التصويرية منذ نهاية الثمانينيات ، متخذاً من الواقعية النقدية ، انطلاقة أبدية نحو الوجود ، جاعلاً من ذاتيته موضوع صلة بالأفكار الجديدة ، المُستلهمة من مرآة الواقع المعاصر ، على وفق خياله التصويري ، من ثم ترجمتها إلى المتلقي المعاصر .
والحقيقة التي يُمكن ان تُقال بحق الواقعية ، إنها ليست أسلوباً واحداً من الأساليب الأخرى ، بل هي أساس الفن تكمن في كل الأساليب الفنية ، حتى تلك الأساليب التي تبدو متعارضة مع أفكار الواقعية ، تنشأ منها ، ثم ترتبط بها ؛ إذ لا يمكن ان يوجد أي فن لا يستند إلى واقع متميز ومستقل عنه ... فأعمال الرسام " عبد الأمير علوان " نجدها تصور العالم الواقعي (المرئي) ، كمرايا للزمن ، على وفق رؤية بانورامية شاملة للمشهد الواحد ، تنتج تكوينات وجودية متشحة بألوان الأرض والسماء والإنسان ، تبعث فينا شعوراً بالحياة ... حيث نلاحظ هنالك سيطرة تامة داخل الفضاء التصويري للكل على الجزء ، كما ان تنظيم عناصر اللوحة عنده قد خضعت لحركات وإيقاعات لونية لا ترتبط بطبيعة الأشياء فحسب ، بل بمقتضيات المعاني (المضمون) المقصودة التي تعيدنا الى الذكريات .

على اعتبار ان الفنان " عبد الأمير " ، قد امتلك نزعة تأملية لأشيائه المختارة في مجال التعبير ، فضلاً عن شفافيته المرهفةفي التعامل مع مفردات المشهد الواحد ، بحدود معالجاته الخطية واللونية ؛ كونه يبحث عن النقاط المكثفة في الوسط المحيط به بمساعدة هذا التأمل .
إذ يمكن للمتابع أن يُلاحظ في مشاهد " عبد الأمير " التصويرية ، ان موضوعة الجسد الأنثوي وتحولاتها في الحياة الاجتماعية ، قد ظهرت كموضوع أساسي وسيادي على باقي الموضوعات ، يجري الاشتغال عليها والذي يريد لها النجاة من عمق البحر والقلب التي قذفت فيها منذ زمان ، لتخفي بين ثناياها ذكريات الحب والانتظار ، فضلاً عن موضوعة الفلكلور الشعبي العراقي ، المتمثل بالأزقة والبيوتات البغدادية العتيقة المرصعة بالشناشيل ، بالإضافة إلى أسواق المدينة الممتلئة بالأجساد التاريخية والاجتماعية ، بجانب مشاهد الطبيعة الريفية الديناميكية التي يستلهم منها الفنان في كل مرة ثقافته الفنية ، جاعلاً من هذه المفردات جزءاً من النسيج الكلي لأعماله ، ملقياً على العين ومضة من الضوء الذي يقودها إلى ما يجب ان تراه ، مركزاً على الخطوط المنحنية التعبيرية لأشكاله عن طريق لمسات فنية لفرشاته الواعية .



حيث نجد ان أغلب نصوصه التشكيلية لا يمكن اعتبارها مجرد تسجيل لحظات من مشاه حياتية ، بل تجسيداً لفكر الفنان الواقعي وتراكماته المعرفية ، في حدود الصور الإنسانية العميقة ، التي بدورها تتبلور في مواد تشكلها ، ليبدو العمل الفني في ذاته متماسكاً بقواه الباطنية ؛ إذ ان النتاج الفني الجيد لا يمكن اعتباره إعادة نقل للعالم وإنما التعبير عن الآمال الموتوقفة على الذات الفردية والجمعية لبناء المستقبل ، كوننا نفهم الرسم على انه عملية بحث وليس نسخ للخارج التي تجعل – النسخ – الفنان مقلد ومهرج بلا مواقف أو تقنية فنية .
وبحديثنا عن الواقعية استبعد الرسام " عبد الأمير علوان " ، كل مفهوم ضيق للواقعية ؛ على اعتبار ان الواقع الذي يشمل الموجودات ومنها موضوعة الجسد ، لا يمكن ان يقتصر فقط على ما هو عليه ، بل يتعداه ليشمل ما سوف يكون عليه في المستقبل القريب البعيد ؛ بوصف ان آمال وأحلام الإنسان الفنان ، هي رغيف المستقبل .

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6559902   Visitors since 7-9-2002