المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع زيد الشهيد

  
أجرى الحوار جميل حماده
  

توطئة


زيد الشهيد .. السماوة 1953 ، أي قريباً من حاضرة الدولة العربية العباسية ، في بلاد الرافدين .. أرض الحضارات المجيدة ولد وترعرع هذا القاص والناقد المبدع زيد الشهيد .. وهو الشاعر أيضاً الذي تولد داخل نصه الصورة تلو الصورة وكأنه يركبها من فسيفساء اللغة وإبداع المخيلة . ولا عجب في ذلك فهو ابن العراق ؛ الذي صقل نصّه لغةً ومعنى بفضل هذا الميراث الحضاري العظيم ، ولذلك تراه في ليبيا منذ جاء يقيم في " زلّة " و " هون " وكأنّا به لا تريد مخيلته أنَّ تفارق ظلال نخيل العراق . زيد الشهيد أحد المحررين الرئيسيين في الملف الثقافي لصحيفة العرب . . والذي يسهم مساهمة حيوية حقيقية في رفد هذا الملف بكل قيّم وجديد ومختلف .. من قصة ونقد وشعر ، وحتى عبر جذوة العلاقة بالمكان .. وعلى نحو ربّما كان جديداً على الكثيرين من المثقفين بحيث لم يعد المكان هو فقط الغرفة التي فيها سريرك ، أو كرسيّك الخاص أو غرفتك التي داخل بيتك حيث هنالك جدران أربعة .. ونعني أنّه يتجاوز ذاكرة المكان الخاص ، ليمتد المكان فيصبح الرمل والبحر والصحراء والتاريخ مجسداً في تماثيل حجرية والمعالم الأثرية التي يمر بها الآخرون مروراً عابراً بلا معنى .
أصدر الشهيد العديد من المجموعات القصصية منها : مدينة الحجر عام 1994 ، و" حكايات عن الغرف المعلّقة " 1993 ، وطبعة ثانية عن دار أزمنة 2003 ، و" فضاءات التيه " 2004 عن دار ألواح في أسبانيا ، و" فم الصحراء الناده " نشرت في موقع " أفق " الالكتروني ، ومجموعة شعرية بعنوان " أمّي والسراويل " عن دار أزمنة 2004 أيضاَ ؛ وكذلك مخطوطه الذي يتناول العلاقة بالمكان وذاكرته والذي تحدّثنا عنه آنفاً ، يُطبع الآن وهو بعنوان " الرؤى والأمكنة " . في هذا اللقاء ، ونحن نرى زيد الشهيد يفارقنا على مضض حيث طلبته مدينته " السماوة " وطلبه أهله وأرضه ، وقبل أن نودّعه عائداً إلى العراق ، أردنا أن نسأله عن كل الهموم العربية الثقافية والسياسية ؛ وكذلك حول هذا النوع من الكتابة التي هي شكل استوعب كل ذلك الزخم الأدبي لمختلف الأجناس الأدبية فأصبح نصّاً مفتوحاً متكاملاً بكل معنى الكلمة ..


* أخي زيد : أنتَ الآن تغادر ليبيا إلى أرض العراق أرض الوطن .. لكننا نعرف جميعاً أنَّ الوضع ما زال غير مستقر هناك . وما زال الأمنُ مفقوداً . وما زال الوطن محتلاّ ؛ فما الذي يدفعك إلى العودة بهذه السرعة .. هل هو الحنين لدجلة والفرات والنخيل وأصدقاء الطفولة ومرابع الأهل .. أليس من الأفضل التريث قليلاً ؟


- هذا قدر العراق منذ الأزل ؛ محط أطماع وموقع يثير شهية المحتلين . تاريخ العراق مليء بالأحداث والانعطافات الخطيرة . منذ القِدم وجارنا الشمالي والجار الشرقي يسيل لعابهما لرؤية العراق زاهياً مُبهراً منتعشاً فيتحينان _ مرةً هذا والأخرى ذاك _ الفرص البارقة لالتهامه . لكن العراق بأهله وبحدوده الجغرافية المسننة ظلَّ عصيّاً على المحتلين والطامعين بنهبه وأكله لقمةً واحدة ، فينبت شفرات حدوده الحادة في بلعوم مّن يبتلعه ؛ وبذلك يبتلي القادم ويبقى حائراً يبحث عن منفذٍ للخلاص .
أعتقد أن هذا أفضل وقت مناسب لعودتي إلى بلدي لأنه وقتٌ مشحون بالأحداث والمفاجآت والمنعطفات . ولكي تكون كتابتي القادمة أكثر صدقاً وأعمق تأثيراً لا بدَّ من وجودي في قلب الحدث . أما الحنين إلى الفرات ودجلة والضفاف والشواطىء ومراتع الذكرى وبيت الطفولة الأول والأعشاش التي هجرناها ؛ كل ذلك كان العلّة التي تنامت جنبي منذ عشرة أعوام وأنا أترك العراق مرغماً . أقضي ستة منها على أرض ليبيا ، الأخت الحنون لبلدي العراق وأعيش بين أهلٍ لي ابتداءً من أقراني الأدباء والفنانين إلى صحبي من الناس الذين التقيتهم في طرابلس والجفرة . ولا أخفيك أنَّ الشعب الليبي شعب معطاء ، وربما كنت محظوظاً وأنا أجد نفسي في منطقة الجفرة تحديداً ، بين أناس مازالت الاصالة العربية والحنو الإسلامي يعيشان بين ظهرانيهم وعلى ثرى سلوكهم اليومي .


* أنتَ من الجيل الذي شهد العصر الذهبي للثقافة العربية والنضال العربي في أوج فتوّته .. فكيف تنظر ألآن إلى المشهد الثقافي العربي ؟


- متباهياً أقول أن المشهد الثقافي العربي الآن في حالة تنامٍ كبير وواضح على الساحة الثقافية العربية . ولا شكَّ أن توسع التعليم في أوطاننا
_ وإن لم يكن على مستوى الطموح قياساً بما ينبغي أن يكون عليه في أقطارٍ تمتلك من الموارد الهائلة ما يجعلها في أعلى درجات سلم التعلّم _ قد وسّع دائرة الثقافة وطوّر وسائل الوصول إلى ما يحتاجه الفرد . فالذي يحصي الصحف والمجلات والمنشورات المعرفية في خمسينات القرن الماضي سيجدها ضئيلةً مقارنةً بما يُطبع ويُنتَج في زمننا الحاضر لكنَّ الحدود المضروبة بين أوطاننا ، والأدلجة التي جاءت تفرز وتنقّي ، والخشية من الآخر ، كل ذلك خلقَ تابوات ومعيقات حجبت عن القارىء العربي ثقافة أخيه في الأوطان العربية . وصار القارىء لا يطالع إلاّ صحف ومجلات وثقافة بلده ؛ ما جعله يظن أنَّ الثقافة متدنية وفي انحسار .
إنَّ الواقع الصحافي والثقافي يدلنا على مئات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية . ولو وصل جميعها إلى المواطن العربي لغدا العرب في مضمار الإنسانية الصحيح ؛ بل والمُشرق النيّر . .. ورغم ذلك نرى اليوم أسماءً لا تُحصى من الروائيين والقصاصين والشعراء بعدما كنا نتداول أسماءً من مثل نجيب محفوظ والعقاد ومحمد حسين هيكل ويوسف ادريس ومحمود درويش وسميح القاسم وأبو سلمى والجواهري والبياتي ونازك والمهدوي والشابي والبردوني ..الخ . بامكانك اليوم أن تفتح صحيفةً أو مجلةً أو تدخل لشبكة الانترنيت لتقرأ إبداعات مثيرة تفتح أمام ذائقتك أبواب الإبهار والدهَش ؛ وتتعرف على أسماء نأسف لأنَّ الحركة النقدية العربية ضعيفة ومنهكة لا تتوازى والنتاج الشعري والسردي الثريّن والثريين لتسليط الأضواء عليها .


* ألا يمكننا إضافة عامل سوء التوزيع والتلكؤ في إيصال ما تنتجه المطابع إلى القارىء ؟


- طبعاً .. وهذا أحد الأسباب الجوهرية في الحالة المرضية الثقافية . لكنه أيضاً يعيدنا إلى الأدلجة والتوجهات السياسية لأنظمتنا المتفاوتة . فكل ما ينشر في قطر عربي يثير توجّسات السلطات في الأقطار العربية الأخرى فيتم المنع . وبالنتيجة يتم حرمان الشرائح الواسعة من المثقفين فتنُطفىء في أعماقهم بؤر النور المتطلعة لكل ما هو نافع وجديد . ناهيك عن ما يُنشر وما يصدر في دول العالم الأخرى وثقافات الأمم التي لا بدَّ أنها مشاعل نور توسّع إنارة الدرب الذي يسعى المتعلم والمثقف لسلكه بغية تطوير معارفه ومهاراته . وقد كان زمن ما قبل سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه فسحة كبير لحصول القارىء على ما يريد بسبب التضاد بين قطبي السوفييت والعالم الغربي اللذين كان كل منهما يسعى لنشر ثقافته فينشر لأسماء مريديه كتاباتهم ويعلن عنها ويجهد في إيصالها إلى أقصى نقطة في العالم مما يجعل أي قارىء يحصل على المُنتَج بيسر وبسعر زهيد ... لقد قرأنا " الدون الهادىء " للكاتب السوفيتي " شولوخوف " و" الحرب والسلام " لتولستوي ، و" وداعاً غوليساري " لجينكيز اتماتوف والجريمة والعقاب لديستوفسكي وعشرات الكتب التي كنّا نحصل عليها مجاناً في زيارتنا إلى المركز الثقافي السوفيتي في بغداد . وكان لمنشورات وترجمات " منير بعلبكي " في لبنان دور كبير في قراءتنا لفيكتور هيجو، وديكنز ، وهمنغواي ، وبيرل باك والأختين برونتيه وكثير من أسماءٍ هربت الآن من ذاكرتي .


* هل كنتَ شيوعياً ؟


- لا ؛ كنتَ لا حزبياً . كنتُ مندهشاً ومن المتأثرين بنصيحة " سيدوري " ساقية الحانة في الأساطير السومرية النصيحة التي وجّهتها إلى جلجامش المنكفىء كَمداً والمندفع تصميماً بحثاً عن عشبة الخلود لبني مملكته " أوروك " بعدما شاهد صديقه " انكيدو " يُفنى بفعل الموت ويأكله الدود . كنتُ أردد معها :" إلى أين تمضي يا جلجامش ؟ .. الحياة التي تبحث عنها لن تجدها ؛ فالآلهة لمّا خلقت البشر جعلت الموت لهم نصيباً . وحبست في أيديها الحياة . أمّا أنت يا جلجامش ، فاملأ بطنك . افرح ليلك ونهارك . اجعل من كل يوم عيداً . ارقص لاهياً في اللليل وفي النهار , إخطر بثياب زاهية نظيفة . اغسل رأسك وتحمّم بالمياه . دلل صغيرك الممسك بيدك . واسعد زوجك بين أحضانك . هذا هو نصيب البشر . " .. الغريب يا صديقي أنَّ الغرب والعالم المتحضر الذي يعيش اليوم سعادته وبهجته هو مَن ينطبق عليه قول سيدوري بعد ستة آلاف سنة . لكأن العالم الجديد سمع نصيحتها المنطلقة منذ ذلك الزمن السحيق ! .. أنا مندهش !


* لماذا لا نصنع عصراً ذهبياً خاصّاً بنا ؛ سيما ونحن نعيش في ظل تطوّر صناعي والكتروني هائل ؟


- العصر الذهبي للأمم لا يصنعه إلاّ الفكر النيّر ، والذات ، واليد المتحررة . لا تُصنع العصور الذهبية بغير شعور الإنسان بقيمته . ولقد ذهبت عصور العسف البشري الذي يُسلّط على شعب بأكمله ليبني هرماً يخلّد الحاكم ، أو حديقةً غنّاء لتسترخي زوجته تحت خدر أرائج زهورها .
إننا نحتاج إلى انفتاح نقي وصافٍ متخلين عن الشعور بعقدة الخوف من الآتي البعيد . انفتاح نستلهمُ فيه روح العصر وعصارة المعرفة الإنسانية التي تتحرك قدماً باتجاه النور الأوسع . لا يجب أن نخاف ونتهيب . وعندما تبعد الخوف والهيبة وتضعهما جانباً ستجد نفسك تسير مع الركب الإنساني فخراً واعتزازاً . لا يجب أن نحتار ونفقد التوازن في حاضرنا اعتماداً على ماضٍ تواصل اجترارنا له عقوداً حتى خلّفنا قطار الإنسانية وانطلق . إنَّ الاعتماد على الماضي سيفقدنا المستقبل . مرة قال تشرشل : " لو قايضتُ الماضي بالحاضر لفقدت المستقبل .".. نعم ! الماضي مصدر فخر لكنه ليس كل شيء . ماضينا يبقى ارثنا العتيد على أن لا نجعله يشدنا بحبالٍ تحرّم علينا حركتنا إلى أمام .
هذا التطور الهائل الذي تذكره في ميدان الصناعة والاقتصاد والمواصلات يجب علينا الخوض في غماره بكل ثقة واتزان . نقلل في مناهجنا المدرسية من الدراسات والفروع الإنسانية والدينية التي هي سهلة ويسيرة وبعضها لا يحتاج إلى أن نثقل به كاهل الطالب في مراحله الدراسية . نقلل من دروس التاريخ والجغرافية ونجعلها معلومات مفيدة لتوسيع نطاق المعرفة له لا أن يحفظها عن ظهر قلب وتكون معياراً صارماً لنجاحه ورسوبه . صدّقني .. لقد دهشتُ كثيراً وأنا أقرأ دروساً تعطى لطلبة في العاشرة من أعمارهم في كيفية غسل ودفن الموتى ؛ ودروساً عن مَن هم يستحقون العقيقة وكيفية إعطائها لمن يستحقّونها . دُهشت وأنا أجد هذراً إنشائياً في مناهج اللغة العربية وكثيراً من المواضيع التي لا تحتاج لأن تكون منهجاً وإنما يمكن حصول الإنسان عليها بقراءة بسيطة أو بطلب نصيحة لا تستغرق دقائق ؛ في حين نرهق التلميذ بقراءتها وحفظها وصرف الساعات والجهد في امتحانه واختباره وهو لمّا يزل يافعاً لا يدرك كنه الموضوع . مع أنَّ الواقع والواجب يقتضينا تنويره على ما يدور في العالم ، وقيادته باتجاه استلهام مستجدّات الحياة والتعامل معها بثقةٍ واتزان . أنا أرى مثلاً الكثير من التلاميذ لا يعرفون جهازاً اسمه كومبيوتر بل يسمعون عنه . وحتى لو وقفوا أمامه سيقفون حائرين مرتهبين ، لا يفقهون أهميته ولا يستطيعون استخدامه وهذه طامة كبرى تواجه أجيالنا الفتية .


* لماذا في اعتقادك صار الثقافي يتبع السياسي .. وكانت المسألة في بدايات القرن الماضي معكوسة ؟


- هذا يحدث في واقعنا العربي . وقد جاءت هذه العدوى من سياسة الاتحاد السوفيتي السابق التي وجّهت الثقافة لتكون مطية الفكر الأيدلوجي السياسي ؛ ولا مكان للمثقف إن لم يتحرك تحت مظلة النظام السياسي . أما في الدول والأمم الأخرى فعلى العكس للمثقف الأديب والفنان صوته ولسانه ومنهجه ، يقارع بمحمولاته الثقافية سياسات الدولة إنْ هي حادت أو جانبت رأي المجموع .. لقد رأينا سارتر يقود التظاهرات في الأزمات الفرنسية ويسير مع الطلبة في احتجاجاتهم . وشاهدنا " بابلو نيرودا " يقارع الإمبريالية الأمريكية ويقف بوجه مخططاتها الهادفة لإسقاط حكومة شيلي الاشتراكية وطنه في السبعينات . ونرى الآن المفكر جومسكي يناهض التوجّهات الأمريكية في فرض الهيمنة على العالم . أمّا مثقفونا الحقيقيون فقد آثروا الانعزال والعيش في الظل لأسباب ذاتية تصبغها الأنانية اتقاء شرور الأنظمة القمعية التي لا تتوانى عن تدميرهم .


* أنتَ مُتَّهم بأنَّ لغتك صعبة وفيها الكثير من الغموض .. وأحيانا نشعر بأنَّ هنالك مفردات لا مشروعية ميلاد تاريخي لها .. فما هو قولك ؟


- قراءتي البحثية المستمرة والمبنية على الدراسة الجمالية والذوقية لكل ما أقرأه جعلتني لا أستسيغ الأساليب والقوالب اللغوية المتداولة . لا أحب كتابة المتداول المألوف بل أحب تشتيت ذهن القاريء وهو يقرؤني ليخرج غب الانتهاء بحصيلة أنّه لم يدرك المبتغى ؛ ممّا يضطره للعودة إلى القراءة : ينقّب ويبحث .. يعوم ويتلذذ ، لأنَّ القراءة باتت معرفة لا يقتصر تأثيرها على المتعة فقط ، وصارت الكتابة تجوال مضن في كافة مناحي المعرفة ؛ لا يقتصر ميدانها على تخصصها . فالشعر مثلاً لا يقتصر على البوح العاطفي والكتابة الذهنية بل يتعدّاهما إلى الجغرافية والتاريخ والطبيعيات . لقد كانت معظم أشعار الكاتب الاسكتلندي " شيموس هيني " الحائز على جائزة نوبل للعام 1995 تقتصر على وصف المحراث وتعامله مع التربة ، حركة أب الشاعر في صداقته مع النبتة ، لون أوراق الشجر وهي تتحلل وتتفسخ في التربة الحمراء . وما الجائزة التي نالها إلاّ لأنها تعالج هكذا مواضيع خارجة عن المألوف والسائد .
أما الإحساس بلا مشروعية ميلاد تاريخي للمفردة التي أسكبها في بوتقة العبارة فهذا عائدٌ لثراء اللغة العربية التي تتيح لنا التوسّع . كذلك ظهور مستجدّات تستدعيك لخلق مفردات تتواءم وحاجة الإفصاح ...أنا من الذين يُقرّون أنَّ للغة مضمارٌ لا ينتهي من الجري ؛ وإنَّ من يظن أنَّ للغة قواعد سيبويّة صارمة واهم ٌ . اللغة أمّةٌ تتجدد ؛ وإلاّ سيكون مصيرها الفناء . ألم تمت اللغة اللاتينية ؛ ومعها لغات كثيرة لعدم تطورها فتسببت في اندثار أقوامها وقائليها ؟ ... عندما أدخل إلى بستان اللغة تنفتح ذائقتي ، وأروح أعدو لافضاً وهاتفاً بمفردات يطلقها روحي المنشرح وبهجتي الراكضة في سهوب الإبداع الغناء . أحبُّ لغتي .. أطاوعها وتطاوعني . أُفنى بها ولا تزدهر وتنمو إلاّ بي ؛ أنا الإنسان المنطلق عدواً نحو البهاء . لي معشوقة تحفظ تاريخي بكل هدوئه وجنونه ؛ بكل تقاه ومجونه ؛ بكل انكفائه وجموحه ... أتذكر مرةً سألتني : متى برق أول نجم ضوئي في فضاء معرفتك واستحال نيزكاً من شعر ؟ .. وقتها قلت لك بلسان التأمل والشعر : منذ صغري وذائقتي تستحم بالشعر . كانت لأشعار عنترة فضل لمعرفة بعض من بحور ذلك الذي أحلّق محملاً بأجنحة جرسه النغم ؛ متماهياً بعذوبة المفردات الدافقة وهي تحمل كبرياءً مجبولاً بالفخر ، وولهاً مدافاً باحتراق لهيب تارةً واعتداداً حييّاً تارات . أقول لك الآن أن المعشوقة التي أجمعها في مخيلتي ليست ذات المعشوقة الرافلة على ثرى ذائقة الشاعر المتيم . فقد تكون عبيلة سمراء شوى وجهها لفح الشمس وتعقص شعرها وتجعدت الجدائل بفعل خمار يشده . وقد تسير حافية على أرض رملية تختزن صهد نهارات صحراوية طويلة . بيد أن عبيلتي أنا خطت وتجسدت تناهض الحرارة غير المطلوبة ، وتقيس تحركاتها على بارومترات اقامة المؤشرات . تسكن بناءً تشكيلياً لغوياً سعى العديد من المهندسين العرب وغيرهم ممن أحب العربية في تصميمه وإعلائه . بناءً تؤثثه أرائك صنعتها أشهر مصانع الثقافة الإنسانية . وجه معشوقتي يتباهى بنضارته منافساً نضارة جنّة الأحلام . معشوقتي لها اسمٌ ؛ الجميع يعرفه . وقد لا يعرفه أحد إلا بعد أن أقول له أنَّ اسمها :" الكلمة " . هذه الكلمة الانثى تجامعت مع ذكورة الموهبة على سرير الذائقة فتمخض عنها الشعر الذي نده بالقصة ثم أومأ على النقد أن يقترب فوجدتني أدخل جحيم الوعي المرير ، وأهنأ بنار سعيره زادي وزوّادتي الكلمة .


* لماذا يظل الشاعر فقيراً ؟


- ذلك قدر أصحاب الرسالات .. هل رأيتَ رسولاً غنيّاً الاّ من معرفته وسموّه فوق الدنيويات ؟ .. لا نريد أن نتشائم كثيراً فنصطف مع التوحيدي ونكفر بالزمن فنحرق كتبنا ونتاجات أعمارنا المعجونة بدمائنا فنُتَّهم بعدها بالتشاؤم المرضي والشكوى الدائمة .


* البعض يقول بأنَّ الشعر أصبح بضاعة كاسدة .. الناشر لا يقبل طباعة الشعر .. الأمسيات لا يحضرها أحد . والكبار يتوارون الواحد تلو الآخر . من في اعتقادك المسؤول عن عزوف المتلقي العربي عن الشعر .. الشاعر ؛ أم الناس ؛ أم العصر ؟


- الشعر يا صديقي يرتبط بمشاعر الإنسان ، ولا يمكن لهذه المشاعر أن تموت، ولا أن تتجمّد بين أصابع الصقيع فتصبح من عِداد البضاعة الكاسدة . الشعر بوح خَلقي_ شأنّه شأن الأجناس الأدبية والمعرفية الأخرى _ اتسمت به البشرية تميّزاً عن غيرها من المخلوقات . وهو كائنٌ خرافي يعتد بنفسه ويتباهى بأزليته . وجِدَ محفوراً على الرُقُم والجدران والصخور الصمّاء ؛ وبقي يافعاً لا يقوله سوى الروح المُرهَف والنفس الطرية واللغة الحيّة الدائمة البهاء . هو الدواء الشافي والترياق المنشود . يقول قيس بن الملوَّح قديماً : " ولا أنشد الأشعار إلاّ تداويا " ؛ وحديثاً يُعلن " سان جون بيرس " قرب الشعر من الألوهية عندما قال :" بنعمة الشعر تحيا أبداً الألوهية في الصوان البشري " . ولقد خشي الله أن يمزج الإنسان بين الشاعر والإله فيتيه لدى الناس الميزان فخصّهم بالغواية كصفةٍ تميّزهم عندما قال :" الشعراء يتبعهم الغاوون " .
هذه الصورة الأثيرة للشعر، وهذا التوصيف يجعل النظرة التشاؤميّة إليه بعيدةً عن الواقع ، ويُسقط شعار تدهوره أو موته حتى .
أنّ تقول أنَّ الشعر أصبح بضاعة كاسدة فأنا أخالفك الرأي . أمّا أنْ تقول أن الناشر لا يقبل طباعة الشعر ، وأنَّ الأمسيات لا يحضرها أحد فأنا معك . ذلك إنَّ الزمن تغيّر . والتغيير متسارع ومذهل ورهيب .. ذائقةُ اليوم ليست كذائقة الأمس . وليس لنا أن نتشبّث بالماضي على أنّه المقياس لتصوراتنا وحساباتنا الصحيحة والدقيقة ... مشكلتنا نحن العرب هي انشدادنا المتين للماضي وخشيتنا الهائلة من المستقبل ؛ وأي عربي إذا قهقهَ أمامك ضاحكاً منشرحاً لنكتةٍ أو نادرة سينقلب سريعاً وهو لّما يزل أمامك إلى حالة التشاؤم . وعندما تسأله السبب يردُّ عليك بلسان التطيّر بأنَّ الذي يضحك اليوم يبكي غداً . وهي فلسفة مبنية على الخشية من الغيب ؛ والغيب مستقبل .
ذائقة اليوم هي ليست ذائقة الأمس .. اليوم هاجمتنا وسائل الاتصال داخلة بيوتنا مقدّمة خدمتها الزهيدة والأقرب إلى المجانيّة .. أنا عندما أدخل إلى شبكة الانترنَت على صحيفة أريدها ، أستطيع قراءتها في بيتي بكل يسر لن يستدعيني الأمر إلى الخروج والبحث عنها في المكتبات . وعندما أقرأ نصّاً للشاعر جميل حمادة في يوم نشره وأستطيع سحبه بآلة الطابعة التي تجاور جهاز الكومبيوتر لا يساورني بعدها هم البحث عن مجموعة جميل التي تضم النص بعد سنة أو سنتين ، أو قد لا تسعف الشاعر الظروف على نشرها ... كذلك عندما أسحب نصاً وأنفرد بقراءته بذائقة متهيئة للقراءة والتأويل يغنيني عن تجشّم عناء الذهاب إلى أمسية من أجل سماع النص مقروءً .
ولأضيف شيئين آخرين مهمّين وأساسيين ؛ وهما :

1-أنَّ النص الشعري لم يعد نصّاً خطابياً يُلقى من على مسرحٍ أو من وراء منصّة ؛ ولم يعد المتلقي مساهماً في قراءة النص جهارياً بأن يكمل قافية البيت الشعري وهو يستمع ، أو يُظهر اهتزاز الرأس دلالة المتعة فيصرخ بالشاعر المنفعل الذي استخدم يده وأصابعه وجنَّدَ كل عضلات وجهه ليُظهر نصّهُ بمظهر النجاح والإفراط في التميز أن يعيد قراءة البيت أو المقطع .. صارت متعة النص ليست بيد الشاعر بل بذائقة القارىء . صار الشعر " لا يُسمع ؛ بل يُختلس السمع إليه اختلاساً " على حد قول جون ستيوارت ؛ وهي رؤية تؤكد أهمية انفراد القارىء بالنص والرحيل بعربات مفرداته بحثاً عن الشفرات عبر التحاور الحميمي وتبادل الوجهات الرؤيوية ؛ حيث سيغدو متأججاً ومستثاراً لولادةٍ وتشكّل الصور ، أو رحيلاً ، ولوجاً إلى عطفات الذاكرة بحثاً عن الخبيء من جيوش الذكريات النائمة .

2- أن أغلب الآراء الثقافية المختلفة والمتصارعة الحادية إلى إثبات الرأي تنادي بموت المؤلف أو تحييده وجعل الصلة مقتصرة بين المتلقّي والنص . يدخل المتلقي ربوع النص يقرأه مجنّداً مجسّات اللذاذة والتقبّل ، ومحفّزاً آليات التأويل لسبر أغوار النص كي يكتشف الدلالات ويدرك المدلولات . وفي فعلٍ ثقافي كهذا تصبح لا ضرورة للمؤلف الشاعر ، ولا حاجة لنبرات صوته وحمّى انفعاله لانَّ تأويل النص سيخص القارىء حتى لو لم يتوافق ورؤية المؤلف خالق النص وعارضه .


* زمان كانت القصيدة تسقط حاكماً وتُشعل مظاهرة .. اليوم الحاكم يقتل عشرين شاعراً وقصيدة ويفتخر بأنّه يحارب الثقافة ويتكىء على أميين .. هل تغيرنا كثيراً؟


-أُجيبك من نهاية السؤال فأقول نعم تغيّرنا كثيراً .. زماناً كانت القصيدة منشوراً ينتقل بين الناس عبر الأيدي فيشحذ الهمم لمقارعة الحاكم ويتطلب هذا الشحذ وقتاً لتندلع مظاهرة ويُطاح بحكم . أمّا الآن فالقصيدة اتخذت شكلاً آخر . تلبست لبوس الشاشة الفضائية التي تعرّي الظلم وتفضح الأفعال .. زماناً كانت إسرائيل البلد المُهدد من الأعداء العرب الملايين ، والشعب الإسرائيلي المسكين يروم العيش على أرضه مثل بقية البشر . ألم تكن هذه النظرة هي المتداولة في العالم ؛ والصهيونية عزفت على هذا الإيقاع لخمسين سنة خلت لوضع غشاوة أمام أعين الحق . فما الذي حدث اليوم ؟ .. اليوم أكثر من 60 في المائة من العالم الأوربي الذي يهم الصهيونية قبل أي عالمٍ آخر وفق الاستبيان الأخير للرأي أقر بأنَّ إسرائيل هي الدولة الإرهابية الأولى في العالم . لماذا ؟ .. لأنَّ الفضائيات ووسائل الاتصال السريعة أصبحت تعري المستتر ، وتكشف المخفي الخبيء . لماذا لا نعتبر المحطّات الفضائية قصائدَ والذين يطلون ينتقدون ويجاهرون شعراء ؟


* كيف تنظر إلى قصيدة النثر .. هل لها مستقبل .. أم هل النص المفتوح الذي يكتبه زيد الشهيد ربّما يصبح هو المعادل الموضوعي لقصيدة النثر ؟ .. ثم ما هي مواصفات النص المفتوح خصوصاً وأنه ما زال أرضا بكرا لدينا ؟


- قصيدة النثر حاجة تطلبها الراهن . واقتضت ذائقة الشاعر والقارىء تكرسها . فعندما ظهرت على صفحات مجلة شعر قبل أكثر من خمسين عاماً لم تكن تثير الاهتمام ولم يُقبل عليها سوى نفر من الشعراء أرادوا أن يكونوا منظّرين لها ليس حبّاً ويقيناً بها ، إنما ابتغاء سمعة لهم من خلالها . وقد نُظر إليها من قبل جيوش الادباء في ذلك الوقت على أنها هروب من قداسة الشعر إلى الترهات . وكانت تلك النظرة في محلها ؛ لأنَّ حركة الزمن وحاجته لها لم تكن قد حانت . كان الزمن في تلك الآونة في حمّى تقبل الشعر الحر ، والذائقة لا ترتضي غيره .
وعندما تسارعت الحياة وحدثت التقلبات والانعطافات المهولة في حركة العلم واكتشاف القوانين العلمية التي كانت غير مكتشفة وتغيّرت أمزجة الناس وبضمنهم الأدباء صارت الحاجة لقصيدة النثر تكرس وجودها . وصار الشعراء أقرب منها إليها ؛ فعانقوها بالتداول والاستخدام . منهم مَن أفلحَ ومنهم مَن لم يستوعبها بعد .. ومنهم أيضا من ظلَّ يتعثر على أديمها ظنّاً منه أن كل ما يكتب وما يدوّن هو قصيدة نثر . إنَّ الاختزال والتكثيف هما عمودا بناء قصيدة النثر الناجحة . وباتباعهما تتهاوى المفردات غير الضرورية ، وتتساقط أوراق خريف الكلمات العالقة كحشو لا مبرر له . تصبح قصيدة النثر صورة تتخلى عن الفضفضة لكنها تبث موسيقاها الخاصة الفاعلة وأريجها الفاتن الساحر .
أما المستقبل فلن يكون الصديق الأزلي والخالد لأية ظاهرة بشرية . الظواهر التي هي من صنع البشر تأتي كالموديل ( الطراز ) لها وقتها المحدد ، المثير ، الفاتن التي يظن المقابل أنها ستدوم ؛ لكن الزمن يسخر في داخله من هكذا رؤية لأنّه يوقن بحقيقة قانون " نفي النفي " العلمي . فكل ظاهرة جديدة تنفي التي ما قبلها ، وهي تدري بعد وقت أنَّ ظاهرةً جديدة ستأتي لتدفعها إلى الوراء .. وهكذا .
أمّا النص المفتوح فله وجه أدبي آخر . ذلك أنّه جاء على هدي تعريف النص وتوجّهات إزالة الفواصل بين الأجناس الأدبية . حيث غدا ميداناً يلجّه روح السرد ؛ ويرفل على سهوبه نزق الشعر ؛ وتطير في فضائه أنسام الخاطرة .. يقتني الحكمة ويستعير المقولة . لا يحيط نفسه ويقيدها بأقانيم الشعر وضوابطه الصارمة ؛ ولا يخضع لقوانين القصة وتدرجات نموها . يأخذ موضوعاً مركزياً ثم تدخله مواضيع فرعية . تدخله الشاردة والواردة المُصطادة من سماء ذهن الناص .
النص المفتوح لا يعتمد اللغة الأدبية والموضوع الأدبي فقط . فهو يتسلق حيطان اللغات المعرفية الأخرى . يسرق من الجغرافية ساعةَ يدخل تضاريسها ويتفاعل مع حركة موجوداتها . ويقتني من التاريخ روحه وهو يتلصص في الدروب والمنعطفات الزمنية ليجمع في جراب فضوله ما يجده مفيداً وفاعلاً في تدوينه القادم . يلاحق الشخوص فيتعايش معها بغية اختطاف جذوة تأججها ليسوقها له اكتشافاً وتوظيفاً . ومن هذه الرؤية المجهدة والمبنية على البحث كتبت نصوصاً من عداد النص المفتوح جمعتها في كتاب أسميته " الرؤى والأمكنة " . أرجو أن يكون هذا الكتاب هدياً للذين يريدون دخول هذا النوع من التدوين الأدبي . لقد نشرتُ أغلب مواده في صحيفة العرب ومواقع الانترنيت وتلقيتُ تعليقات تشيد به ؛ مثلما رأيتُ أحدهم ينشر على صحيفة العرب نصوصاً مستقاة من نصوصي تتناول المكان وتغوص في حركة الشخوص والأحداث ، يبدو أنّه التقط رأس الخيط فبدأ يكتب هذا الجنس الأدبي الجديد .


* مجموعتك " فضاءات التيه " القصصية الصادرة حديثاً عن دار ألواح في أسبانيا تأخذ صفة النصوص الطويلة على عكس مجموعتك السابقة " حكايات عن الغرف المعلقة " التي بمجموعها قصص قصيرة جداً . هل تجد القصص القصيرة جداً غير كافية لعرض الفكرة ؟ ؛ أم أنها تضيّقُ على اللغة انطلاقتها ؟


- القصص القصيرة جداً لها أسلوبها في الكتابة والتوظيف .. لغتها تتوخى التحليق الشعري دون المساس بفكرة النص . وهي كتابة صعبة تحتاج إلى حذر كبير في إنجازها لأنَّ أي خطأ في التصوير يرمي بها إلى أسلوب الخاطرة ؛ وأي تركيز على الفكرة يسوق الكاتب إلى اقتراف خطيئة المباشرة والإنشائية الفجّة . أمّا النص القصصي الطويل فيمنح الناص فسحة واسعة لاستثمار خزينِهِ من اللغة ، ويعطيه هامشاً للتلفّت على الجانبين لاقتناص واصطياد ما يرغب تدوينه كمكمّل للفكرة ومصمّم للغة ؛ أو العودة إلى الوراء ( فلاش باك ) ليسترجع ويوظف ما في جعبة الذاكرة . هذا ، في لحظة التحرك إلى أمام صوب نجازة النص . ولكل منهما هويته وغرضه في التأثير .


* أنت تستخدم الميثولوجيا وتوظف الحكاية اعتماداً على الأساطير السومرية في نصوص هذه المجموعة ؛ هل ترى حاجةً لذلك ؟


- كل النصوص التي نكتبها قادمة من الإرث الأسطوري ؛ من الميثولوجيا التي بدأت مع وعي الإنسان ونظرته للظواهر . إذْ أن النص ، أي نص لا يأتي من فراغ ؛ انطلاقاً من مقولة " ما الأسد إلا خراف مهضومة " وهذه هي فكرة التناص الذي بنى عليها البنيويون أحد أسس نظريتهم . فكل نص جديد في نظرهم هو إعادة كتابة لنص أو نصوص سابقة حيث الهم البشري واحد ، والأسئلة المرمية في وجه المجهول واحدة متوارثة ومعادة . تفاوتت أساليب طرحها ؛ مع بقاء حقيقة الجوهر . فكل ما يداهم إنسان اليوم في وعيهِ ولا وعيه من تحديات هي نفسها التي كانت تداهم إنسان الأزل في الزمن السحيق ؛ ولكن بفارق نسبي في الوعي . وكل نص يُكتب هو في جوهره واتجاهاته ومحمولاته تعبير عن رغبة إدراك النصوص التي عجز غيرنا عن ادراكها . وهي متوالية جدلية ستبقى تدور في دوامة رغبة الوصول ومسك جذوة الاشتعال المعبرة عن الماهية الحقيقة غير المُدرَكة .
من هذا المفهوم انطلقتُ في كتابة بعض النصوص القصصية في مجموعة " فضاءات التيه " معتمداً على الأساطير السومرية كوني قريب منها وتوظيفها في خدمة الهدف ... ولا تنسى أنَّ حقبة التسعينات من القرن الماضي شهدت جهداً أدبياً واسعاً في إعادة استخدام الحكاية باسلوب حداثوي . جاء ذلك على اثر انبهار الكتاب العراقيين بنصوص الكاتب الأرجنتيني بورخس وتدويناته القصصية باستيحاء من قصص ألف ليلة وليلة التي كان بورخس نفسه مندهشاً ومنذهلاً بأسلوبها وبطريقة عرضها ، فدخل حلبة التناص ليخرج فائزاً بنصوص حملت أسلوباً غدا أثيراً لدى الكثيرين .


* كتبتَ القصة والشعر والنقد الأدبي .. ألم تجرب عالم الرواية ؟


- الدرج في مكتبي بالعراق يحتفظ برواية " سبت يا ثلاثاء " كتبتها بين العام 1996 و1997 ولم تر النور بسبب ارتحالاتي . وأنا الآن في الفصل الأخير من رواية " فراسخ لآهات تنتظر " نشرت العديد من فصولها في موقع " كيكا " الالكتروني تحت عنوان " الأب كما رأيته .. البيت كما أراه " ، وأواصل نشر فصولها المتبقية في موقع " فضاءات " .


* كيف ترى المشهد الشعري الليبي بصراحة ؟


- قل المشهد الأدبي الليبي جميعاً ؛ أقول أنّه في انتعاش وحركة دائبة . هناك جهات متعددة داخل الجماهيرية تنشر الصحف وتُصدر المجلات . أما إصدارات الكتب فأجد النشاط واسع في نشرها فـ " مجلس تنمية الإبداع الثقافي " اتخذ على عاتقه نشر الكثير من المجاميع الشعرية والسردية والدراسات إضافة لمنحه المكافأة المجزية للمبدعين وهذا ما لا تراه في أكثر الأقطار العربية . كما أنَّ هناك مجلة " المؤتمر " الفصلية وهي تصدر مع كل عدد مُنجزاً إبداعياً للكتّاب ، وهذا أيضاً ما لا نراه في أقطارنا .
أمّا إذا دخلنا تفصيلاً نستطيع إلقاء الضوء – بقدر معرفتنا - على ما ينشر من أجناس أدبية . فالشعر له المساحة الواسعة من النشاط الأدبي . أمّا السرد القصصي فيبدو محدوداً جداً . كما يبدو أن الكتاب السرديين لم يجهدوا أنفسهم في متابعة مستجدات السرد العربية والعالمية وتياراته . فقد هبّت رياح الواقعية السحرية في الثمانينات وغزت إبداعات ماركيز الأجواء الأدبية العالمية ولم أر من قصاصي ليبيا وروائييها مَن تأثر بعطرها فكتب على هدي سحرها . وجاء بورخس وأسلوبه الحكائي الجديد الذي فتن السرديين العرب ولم أجد من أثَّر فيه هذا الأسلوب فكتب على منواله . وها هو كونديرا بطريقته السردية المميّزة سواء بأجوائه الروائية المدهشة أو نصوصه المفتوحة المثيرة يفتض عوالم بكر من الكتابة أرجو أن ينتبه إليه أدباؤنا الليبيون للاستفادة من تجاربه في مضمار الكتابة وطرح الرأي .. أقول للاستفادة وليس التقليد لأن أجواء كونديرا وعوالمه لا تتشابه وأجواءنا وعوالمنا ؛ بل يمكن الاستفادة من التقنيات التي يستخدمها والتي تعتبر ظاهرة في مسيرة الكتابة السردية .
وإذا أخذنا الجانب النقدي فهو في أدنى نشاطه ؛ وهذا لا تؤخذ عليه الساحة الأدبية الليبية فقط إنما يشمل أقطارنا العربية عموماً . فالنقد عندنا إمّا أن يكون محدداً ببعض النقاد الأكاديميين وهم قليلون جداً ممَّن يطبقون نظرياتٍ درسوها في الجامعة على نصوص يقتنوها اقتناءً لأسماء أدبية لها شهرتها ولا يدنون من الكتابات الحديثة والجديدة للأدباء الجدد مما يفقد الساحة الأدبية ميزة اكتشاف الكاتب المميز ؛ أو نقداً يمارسه الكتاب من شعراء وقصاصين وهي ممارسة انطباعية للنصوص المقروءة يلتجىء إليها هؤلاء رغبةً في إظهار متعتهم بقراءة النص أو أنهم يضطرون إلى التناول اضطراراً متخذين الدور الذي ينبغي أن يتّخذه الناقد المحترف .


* يقال أنّ العولمة مأساة سوف تسحقنا .. والعولمة الثقافية باتت تهدد كل ثقافات العالم وعلى رأسها خصوصية الثقافة العربية .. إلى أي حد يمتلك هذا القول قدراً من الصحّة ؟


- العولمة ثورة معلوماتية باهرة ؛ تفجّرت لتجعل من الشعوب المتفاوتة الثقافات والمشارب الاجتماعية شعبٌ إنساني واحد تتوفر إزاء رغبته جميع صحائف بناء الذات ... هي اتصال إنساني يتبادل معي ما أجهل عنه وما يجهل عنّي . يمدُّ لي ولك ما لا نعلمه ، ويأخذ منى ومنك ما لا يعلمه . بفضل العولمة صار العالم قرية صغيرة تربطها شبكة اتصال تمكنّك من الوصول إلى أّيما نقطة في العالم . انظر إلى ظاهرة " الانترنَت " العلمية . أليست هي وسيلة خدمية فتحت أمامك آفاق معرفية لا تُحَد ؛ ونثرت أمام ناظريك ما كنت تأمله وكان من عِداد المستحيل تحققّه ؟ .. آفاق كانت وجوه العتمة تسعى جاهدةً أن لا يصل بصيص حسير من نور هذه المعرفة إليك . تريدك أن تبقى أعمى مثلها تتخبط في ظلام جهلك لأنها هي جاهلة وغبية . وتنويرك يعني اكتشاف غبائها المريع الذي سيطيح بكبريائها الكاذب وعندئذٍ تطبق الحتمية وجودها بضرورة إزالته .
لقد جعلونا نعيش حياة فيها ازدواجية مريعة . نهرب من الضوء ونحن نصرخ أننا متنورون ؛ وننزوي في الوديان والأخاديد ونحن نهتف بأننا نروم القمة والوصول إلى الأعالي . جعلوا عقدة الشك عندنا متضخمة . جعلونا نرتعد خوفاً وتطيراً من كل جديد ومبهم . لا يريدون اقترابنا منه ، ولا سعينا بدافع فضول اكتشافه . ولأضرب لك مثلاً : عندما ظهرت آلة الطباعة كاختراع علمي أحدث انعطافة هائلة في مسيرة الحضارة أولَ من اندفع لاقتنائها والاستفادة منها أقصى ما يستطيعون هم اليهود ؛ ثم لحقهم المسيحيون فاشتروها ينشرون أناجيلهم وتعاليمهم الدينية السمحة مثلما يوظفونها لنشر العلم والمعرفة . أمّا العرب فانبرى شيوخهم يعلنون أنها آلةُ كفرٍ ؛ وأنها جاءت لتحطيم ظاهرة الكتابة اليدوية التي هي ممارسة إنسانية حقّة إذْ وهبنا الله يداً نكتب بها ونرسم حروف لغتنا العربية . فامتنعوا ومنعوا اقتناءها . ولم يعودا إلى استحصالها _ طبعاً على حياء ! _ إلا بعد سنين طويلة يوم وجدوا أن قطار المعرفة راح منطلقاً نحو الآفاق الرحبة من المعرفة وتركهم لا يقبلون النصح ولا يرتضون الفائدة . وحكاية حقيقية أخرى تمت وبطريقة هزلية حدثت في العهد العثماني يوم صُنِّعت السيارة وكان اسمها باللغة التركية كما يبدو " الشمَن دفر " وجيء بها إلى الطرق العربية خشي العثمانيون من أن تنفتح أعين العرب على الحضارة ، وهذا بالتأكيد ما لم يكن يرضيهم لأنه بداية نهايتهم . فما الذي فعلوا إزاء ذلك . وظَّفوا خطباء المساجد لشن حملات شعواء على مستخدمي هذه الواسطة الحضارية التي لا يقبل بها الله ؛ فراح خطباؤهم يهتفون من على المنابر لائمين ومؤنبين : " يا عباد الله !.. أتتركون حمير الله وتركبون الشمن دفر ؟! " .. وفي هذا اليوم يقف الكثير من المُستنسَخين عن أولئك الذين رفضوا قبول اقتناء الواسطة الأيسر وناهضوا حضور آلة الرحمة يشككون بالعولمة وأوجهها النورانية النيّرة ، معتبرين أيّاها تطيح بهيبة موروثهم الثقافي والديني في حين أن الواقع يقول عكس ذلك . فهي تدعوك إلى أن تنهض لعرض ثقافة بلدك وسماحة دينك وموروث أمتّك مانحةً إيّاك وسائل اتصال سريعة وفعالة ومذهلة . تتبادل وثقافات الأمم معارفها وتستفيد من تجاربها ... ألا ترى معي أنَّ إنسان اليوم باتَ أكثر ثقافةً ومعرفةً بثقافته ؟ يقاربها ويقارنها مع ثقافات الأمم بعدما انتصبت أمامه الفضائيات وانفتحت شبكات " النَت " لتعرّفه بكل منجزِ علمي وبحث إنجازي ، ولتنقل له ما يحدث في لحظة الحدوث فهل أجدى وأنفع من هكذا وجه حضاري كأحد وجوه العولمة التي يريد المتشككون أن يربّوا ذائقتنا على رفضها وتكفير منفعتها ؟


* هل من رسالة توجهها إلى القارىء العربي أو أولي الأمر من العرب ؟


- أقول ما قاله الشاعر "هنري ميشو " مرّةً : " يوماً ما سنموت : أنا ، والملك ، والحمار ." . فلنشيّد أوطاننا _ طالما سنموت جميعاً _ على حرية الرأي ، واحترام الآخر، وتجاوز الأحادية ، وبناء الديمقراطية التي تتيح للجميع حق اختيار " ما " و "مَن " يريدون سعياً لبناء المستقبل ، حتى لا يقف أحفادُنا غداً يصبّون لعناتهم على حقبتنا وزمننا كعارٍ يتنصلون منه ويرفضون الانتماء إليه ، مرددين قول الجواهري :
أطبقْ دجىً ، أطبق ضبابْ أطبق جهاماً يا سحاب
أطبق على متبلديـــنَ شكا خمولَهم الذبــاب
لم يعرفوا لون َ السماءِ لفرطِ ما انحنت الرقاب



* ما جديدُك في الشعر ؟


- نصوص شعرية لمجموعة " قصائد قذرة " تنتظر عرض يفاعتها :

(1) أنتِِ

قميصُكِ المؤرَّخ بالسبايرو والضفادع
يساجل تقززي .
وتنورتُكِ الهاربة صعوداً باتجاه الأدغال
تستفز غضبي .
ما عدتُ أطيق تضاريسَكِ الرعناء !
أنتِ .. مُقرفة !!


( 2 ) أنا

من حلمتِكِ أمتصُّ الدنانير
وأشتري العربات من فنجانك الذهبي
فلا تبخلي عليَّ
لديكِ غابةٌ .. افتحي أسوارها
واندهيني تاجراً .


( 3 ) هو

في الشارع ..
على محفّة اليأس
العجوز الجالس يرى ؛ ما يرى :
تأوهاتٌ وشتائم !
قمصانٌ وتنانير !
ليلٌ ، ونساء كالكوارث
يشاكسنه بمضغ الأرداف
وترجرج الفاكهة .
العجوز الجالس ..
يستدعي أشباحَ أيامهِ الهاربة
ثم... بانخذال يترك لأصابعه البائسة
التسلل إلى حومة
الذبول .

( 4 ) هي

تقتني طيفَ المسالك
تبتغي فيضَ الرسوخ .
سادرٌ فوضى انهماره
ترتضيه بشموخ .
داعرٌ ؛
حمى نهاره
قادمٌ رغم الشروخ .
هي لا تهوى انطفاءه
هي تهواه شَموخ .


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6331931   Visitors since 7-9-2002