المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

اسعد فرزات وتجاربه البصرية . ميثولوجيا الحداثة : اولويات الشعري وعلامات ما قبل الكتابة

  
عادل كامل
  
















• تمهيد

في الوقت الذي امتد فيه تاريخ ـ ما قبل تاريخ التدوين أو الكتابة ، زمنا ً طويلا ً قياسا ً بسبعة آلاف سنة من عمر التاريخ الكتابي ، فان عصر إعادة تفحص ( الماضي ) ـ خارج النزعة الرومانسية ـ لم يتوقف ( يغيب ) عند حتميات لا تتعرض للقلب ، والمراجعة . لقد ولدت الدمى ، والفخاريات ، ورسومات المغارات ، تمهيدا ً منطقيا ً ، ومتسلسلا ، لعوامل لا تهمل ، عند تفحص تاريخ الحداثات .
فالنقد ما بعد الحداثوي ، المرتد أو المتطرف ، الماركسي أو غير المتزمت ، لا يجد ، في ماضي العلامات المبكرة للأواني والأشكال النحتية والسطوح عبثا ً لا تتمثل فيه القوانين ذاتها التي شغلت النزعات التي مازالت تستكمل مقدماتها بتتابع بلغ ذروته في نزعات مضادة للعادات والثوابت والمنطق التقليدي .
وفي التشكيل العربي ، منذ منتصف القرن الماضي ، حدثت مناوشات فصلت الواقعي ، والتقليدي ، بكل ملامحه البصرية المعتدلة ، عن تيارات لم تولدها أزمات الرأسمال وما بعده ، وأشكالها الأقل خضوعا ً للمنطق والرصد المعتدل فحسب ، بل لاستكمال المغامرة اللا كتابية بالدرجة الأولى . ولم تكن دوافع الثقافة ـ المعرفة ـ أكثر من استعادات جاورت حضور التجارب الغربية ، في التشكيل العربي ، مكثت تجاور المنجز البصري . وقد لا تشكل الفطرية ، والبدائيات ، والمعرف المحدودة ، عقبة أو إشكالية ، مادامت ( الذاكرة ) لم تمت ، كما شرعت التحولات بقتل علامات عصر التنوير : اللانسان والفلسفة والفن . فالتشكيل العربي ، لم يصر فنا عاما ً ، او شعبيا ً ، بل ولم يكن يتوخى ذلك ، حتى عندما جرت محاولات عديدة للامساك بالتطرف الحداثوي ومواكبة تقاليد الغرب بلا بصائر معرفية ومنطقية . فالسلع ، بما هي عليه من أشكال وتصاميم ، اخترقت جدران الوعي ، بعد ان سكنت المدينة وادق مفاصلها ، لتحدث سلاسل الصدمات في الذائقة العامة .. وهو الأمر الذي جعل كل ما ينجز ، فنيا ً ، لا يواجه بالمحرمات والتدمير ، كما حدث في فاتحة الألفية الثالثة ، وبحجج لا تمتلك كثيرا ً من الصلابة والواقعية . فالأشكال الفنية غدت يومية ، وقد أسهمت بانخلاعات للثوابت البصرية ، وذات صلة ، بما يجري في معاهد الفن وكلياته ، وما يحدث في القاعات والمعارض الدولية أيضا ً . ومع ان التشكيليين العرب ينتمون الى ( النخبة ) فعلى خلاف الخزين الكبير لموروثات المعبد في جذور الحضارة ذاتها ، في وادي النيل والرافدين والجزيرة العربية ، إلا ان قبولا ً للتحديثات لم يشكل عقبة في التحولات الفنية . فكانت فرصة استثنائية مهدت للتشكيليين العرب من إعادة صياغة أسئلة دينامية : ما المشترك بين حريات بصرية تفلت من أنظمتها العقلانية وعاداتها الراسخة ، وتقاليد قديمة اتخذت من عناصر الفن وخاماته لغة تتجانس فيها النزعات البراغماتية والجمالية معا ً .
إننا نمهد للقاريء ـ العام ـ طريقة يجد فيها انه يتدرب على تفحص التكوينات الجمالية والتعبيرية ، مثلما ينعكس ( انعكس ) ذلك في الإشكاليات الحديثة على صعيد الحداثات الفنية . فالماضي البصري خلف ما لايحصى من العلامات والإشارات والرموز مازالت تشتغل ، مع المنطق المواكب لنزعات التحديث ، والحداثات ، بعيدا ً عن تفكيك إشكاليات ماذا يمثل الفن ، كجوهر ، أو كسلعة ، ضمن عصر تتنازعه قوى لا تترك للمتحف الكثير الجدير بالتذكر .
ولا يغيب اثر الاتصالات بين أجزاء العالم ، وبين الثقافات ، في تغلب ثقافة الغالب ، وانعكاس ذلك ، في ثقافات تتلمس مصائرها في مصائر عمياء ، أو بالغة القسوة .. حيث التوازنات لاتبدو عادلة ، كما في قوانين تطبيق التنمية ، والعنف ، ومراقبة سلوك السبعة مليارات كائن في فاتحة الألفية الثالثة . وان معالجات تنحاز ، في التحليل ، لشفرات لا تحصى ، هو جزء يتصل بتعقيدات الاندماج والتحول في الخطابات وما تهدف فيه ، من عقلانية أو تكرارات لدورات المراكز والهوامش . فالنص التشكيلي ، بمخفياته الدالة ، ينتج قبولا ً جماليا ً معقولا ً ، لا بفعل البصريات العديدة ، بل لأن المعرفة الكتابية ليست فائضة كلية .ان هذه الخطابات ، في محركاتها ، تقلب مفاهيم الغرب الحداثوية ، وهي تدوّن أثرها كما فعلت أقدم الأصابع فوق جدران المغارات .

وتجربة الفنان اسعد فرزات (ا959 ـ حماه ـ سورية ) هي واحدة من بيانات بصرية وجدت في الشعري وآليات تحرير الأشكال ، عملها الصعب ، لكن ، المجاور لمقدمات جمالية لا تغادر مسارات تحليل أسئلة [ مستقبل الماضي ] بمحاذاة انشغالات ما إذا كانت ما بعد الحداثات قد بلغت مناطقها المعتمة ، والمجهولة . فالرسام ، ضمن تجارب أخرى ، لم يغادر الجسد ـ المأوى ، ولم يحذف أشكاله ، أو يختزل ألوانه ، طالما ان هناك مشتركا ً انطولوجيا ً اتخذ من البصريات محاور للقراءة ، والتفكيك ، وإعادة بناء توازنات يكف فيها التطرف ان يكون بلا ماضي ، حتى ، وهو ، مع ما بعد الحداثة ، لا يكف يحدق في لا حافات العتمة .

• الشعري: الحواس والديمومة

يصعب تحديد الباث الشعري ، بتحليل يتوخى التفكيك ، وتعديل الدوافع ، خارج استيعاب المحركات في متتالياتها : نفيها وانبثاقها ؛ موتها وميلادها المؤجل أو المحكوم بالانبثاق . ففي نصوص أسعد فرزات ، صمت ، بدرجات تمنح الذائقة احتمالات متباينة الطبقات والدرجات . لأن الشعري ـ قبل ان يغدو نصا ً ثقافيا ً ـ لم يدر قفاه لعمل الحواس ، وتصادماتها ، وما يستحيل تحويله الى لغة خارج منظومة الحواس ، وما تهدف اليه ، كالغاية بلا غاية عند الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت ، في استحالة تحديد ما قبل ـ وعد ـ الغايات ، عندما تكف المقارنات عن إنتاج أحكامها . فما الشعري الذي يعالجه الرسام ، وهو يمنح أصابعه عملها المتخصص ـ الرسم ـ ودوافعها الأبعد ـ الحركة ـ اللا تخصصية : أليس الشعري في النص البصري ضرب من العلاقات البنائية المغلقة في تتابعها ، وانفتاحها المقيد ؟ وان الشعري المستعاد ، والمتجدد ، عند فرزات ، لا يسترجع مبرمجات راسخة الا بقدر ان الحاضر ـ وكل مرئي ـ هو حلقة تكرارية مع ما يحدث من التراكم من تحولات ومتغيرات تمتد أو ترتد ، حسب لاغايات الفنان وغاياته .
هذا الشعري ، يتوهج ، ويوميء ، بمديات خارج وحدات القياس ومعايير الحكم ، الا بتجاورها مع ثورات التحديث ضد الثوابت والأبديات . فالحركة التي أراد ( لينين ) تقييدها بهدف ، في نظام الأيديولوجيات ، تتحرر ، في الفنون ، أو تكف ان تكون قيدا ً . فليس المقصود تكرار أسطورة بلا أسطورة ، بل ، لأن التكرار ـ وسيزيف يبدو شاخصا ً في نزعات ما بعد الحداثة ـ يفقد عبثه طالما انه ينتظم بسلاسل علل بالغة الانتظام . فالمجهول لا يقع في العدم ، مثلما الشعري الذي لم تكتشف ملغزاته كاملة ، يبث ، غاياته ، وإن بدت ، بحواسنا وأنظمتنا المعرفية ، ملغزا ً أو مجهولا ً ، أو بلا غاية . انه الشعري الذي يسمح باستدراج تحديد أنساقه البنائية ، بالمشترك بين المرسل ( الفنان ) والمرسل إليه ( المشاهد ) عبر خامات تمتلك حدا ً يسمح برصد هذا المجال ـ المدى ـ بين الحدود . الا يبدو سقراط حيا ً وهو يتحدث عن استحالة كل حديث حول اللامحدود ، بحد ثابت ، في كون كله يتحرك ، في نهاية التحليل ، لا يغدو الا باطلا ً أو مستحيلا ً أو مضادا ً لكل منطق . الا يبدو الشعري الذي اعتمده الفنان ، لا ينتمي الى معرفة ، بقدر تجذرّه في استحالة البوح بما هو مرئي ، ومرصود ، ومتحرك ، داخل نصوص مشحونة بباثاتها المتنوعة : عناصر البناء الفني ، ومشفراتها ، ومخفياتها . فالمتحرك ، هنا ، لا يكمن في الفنان ، أو في الآخر ـ والناقد يجتهد بإعادة القراءة ـ بل في النص الذي سيحضّر عوامل وجوده ، إن كانت سابقة على كل تذكر أو ملازمة لكل متحرك نحو مطلقه أو فنائه .

أليس استحالة التعريف ، كما استحالة عجز الإدراك ، يغدو مدخلا ً مغريا ً لعدم القنوط ..؟ فاستحالة تحديد الشعري يكمن في هذه الاستحالة ، مثلما يشكل عجز الإدراك إدراكا ً ، على حد كلمة بالغة الرهافة للخليفة ( أبو بكر الصديق ) .. فاستحالة تعريف الشعري ، في نصوص الفنان ، تتصل بعوامل تكونها . فلو كان الكل متحركا ً ، كما ذهب صاحب هذا المفهوم ، فإننا لا نمتلك الا ان نحدق في عدمنا . وهو الذي يتنافى مع ظهور الحد ـ وهو الشعري في رصد البناء الفني عند الفنان : إنها حساسية علاقات ، وغاية ، تبحث عن هدم غايتها . لكن هذا لا ينحاز الى مأزق ( العولمة ) في الفنون ، ودفع الموجودات نحو حتفها أو ذروتها في التسارع ، بل في اقتناص المأزق ، والبحث فيه عن إمكانات انفتاح . فلماذا لا يغدو الشعري ، هو ، كالمأساوي ، يعتمد ( اعتمد ) حقبة موت ، وتفكك ، واعتراف يتضمن تفكيك خداعات أنظمة الواقع ، ومتكرراتها ، وان الشعري ، من زاوية أخرى ، هو رؤية مساحة تتحرك فوقها عناصرها برصد رهافتها ، وليس وضعها في إطار . فنصوصه ، إذا ما استلمت عبر مرايا متعاكسة ، لا حافات لها ، تضعنا في خلايا المشهد الطبيعي ، غير المصنع وغير الحديث وغير الخاضع ، الا لدور الطبيعة في عملها ، حيث المصّنع ، لم يأت ( لم يولد ) من عدمه ، بل ما هو الا إمكانية جدلية ـ وشعرية هنا ـ بين الخامات وتحولها وصيرورتها الى علامات تعبير .. وإن حل إشكالية ( كانت ) [ الغائية بلا غاية ] تكمن في استلام باثات المرسل وإعادتها إليه بما هو عليه من علاقات ، و ان عمل الرسام ، هنا ، قد التقط المجال ، بحركة عناصره وضفافها وأبعادها ، وجعل اللا غاية ، غاية ، بما تمتلكه من طاقة ، وعلاقة تكاملية ، وليس أحادية .
هل قلت ان الشعري ، بما هو عليه ، يمارس انفتاحه كمجال ، وذرات متواصلة .. أم قلت ، انه ، يكف ان يكون حدا ً وكفى ..؟ في الحالتين ، ثمة استحالة يلتقطها الفنان : رهافة تجعل خلايا نصوصه تتحدث عن مشهدها ، إن كان جماليا ً أو غائيا ً ، فالمجال يتضمن وثبات المخفي في الخلايا ، والحبيبات المكونة للذرات ، والذرات وهي تشكل مجالها الذري ، كأشكال مارست أهدافها ، عبر رهافة الفنان ، وهو لا يلعب فحسب ، بل يحول لعبه الى لغة ، صامتة ـ كمقابلة للأصوات ـ لكنها ، كما هي علاقات الروائح ، والجاذبيات الأخرى ، تتخذ لغزها في المجال الأول : سحر الشعري ، وما يتضمنه الفن ( القديم أو الحديث ) من سكن في البصريات . وفي المجال الثاني : تغدو الغايات وقد استكملت دورها ، بشروط الفن ، أو بدوافعه الأقل إثارة لمفاهيمنا التحليلية ، ولحواسنا في الذهاب الى المستحيلات .

• العلامات : النص ومحركاته

في تجارب حداثة الرسم العربي ، يصعب تمييز ظهور الرموز والإشارات والعلامات عن مصادرها الواقعية ، بل يصعب الحديث بتحديدها إذا كانت الأشكال ، داخل النصوص ، تنتمي الى نظام التعبير الحر ، أو المقيد ، وما إذا كانت العلامات مستقلة أم مضمرة حاملة عناصر رمزية واشارية تختلف ، في وجودها ، باختلاف النصوص ، عن غايات الرسامين .

هذا المنحى يفسر تداخل المؤثرات ، والمرجعيات ، في الساق الوحيد الممكن لصهرها ، أي سياق التجريب الذي لا يتخلى عن معادلة المركز والهامش ، أو الغائية الباحثة عن معادل مناسب بين مناهج لا يحكم حضورها الاختلاف ، بل حتمية التباين في الرؤية والفلسفة والمقاصد المؤقتة أو البراغماتية .
ان اسعد فرزات ، لا يخضع تجاربه لتحديدات راسخة ، ولا يدفع بتجربته نحو حرية بلا قيود . فهو يرسم ، في مواجهة إشكالية الرسم نفسه ، وفي الوقت نفسه ، يأتي التجريب كي يكسب الرسم مغزاه بما يتمتع به من ملغزات وعادات وامتدادات . وعملية الخروج من مآزق الرسم ( التلفيقي ) و ( المستنسخ ) لتجارب أجنبية لا تمثل حلا ً وحيدا ً وسحريا ً ، ولكنه ، وهو يدرك عمق هذا التناقض ، يسمح لنفسه ان لا يستدرج الى حلول سائدة ، ومقبولة . فمآزق النص مازال يكمن في عزلته ، وعزلة حقل الفنون عن تيار الواقع وغليانه . بيد ان تجارب الرواد منذ1 خمسينيات القرن الماضي ، في عادات العرض والأساليب معا ً ، لم تعد تواكب حضارة بلغت فيها عمليات التفكيك درجة انهيار مثل ( الحداثة ) وما بعدها تحديدا ً . والفنان اسعد فرزات ، وهو يتفحص مغزى هذا المسار الذي آلت إليه تتابعات أنظمة ما بعد الحداثة ، وعولمة القارات ، وهدم تنميات أو تركها تحتضر تحت درجات الصفر . يدرك ( أدرك ) عميقا ً أي أسئلة جديرة بالتحليل حول مكانة الخطاب الثقافي / الفـني سيكون لها مجالها داخل انساق البناء الفني وما يريد الفن البوح به . ان أساليب الاحتفال دفع بالفن نحو جماليات باذخة تزيينية وكمالية ، الشائعة والسائدة ، تغطي المساحة الكبرى من جغرافية الفن .وهو تيار يدفع ( دفع ) بالنفع الى اقصاه . فما بعد الحداثة ، في ظل تقاليد بصرية ( عمياء ) وتقليدية وتكرارية .. الخ لم تعد تمتلك الا ان تترك المجال لولادات تناسب استيعاب مصائر الموروثات وما يمكن عمله بنصوص تتوازن فيها المازق والامال . فرزات ، لا يغادر المكان ، ولا يغادر البيئة ، ولا يغادر مفهوم معالجة الذاتي بنزعة جمعية تمنح الذات قدرتها ان تبقى فاعلة . فهو يرغب ان يمتد خطابه خارج جدران المؤسسات الفنية ، كما فعل زملاء له في المغرب العربي ، وكما هو سياق الفنون الإسلامية أو ذات الصلة بمفهوم المدينة منذ زمن بعيد .. فالفن ذاته يغدو علامة تتجمع فيها مكوناتها كي تترك المعنى يدوّن اشتغاله داخل ـ النص ـ وخارجه . فمجموع الموروثات ، ضمن سياق التجريب ، لا تظهر الا كنسغ عبر حساسية المعالجة . إنها تختفي ـ كرموز وإشارات وبقايا أشكال قديمة ـ كي تغدو قوة لنص يجعل علاماته تنبني في معادل لا يحدق في العدم ، ولا ، في الوقت نفسه ، يرتد الى حلول ممكنة وتقليدية . ان مأزق آليات عمل العولمة وامتداداتها نحو حدود جغرافية كبرى ، يترك ( الحرية ) مفرغة من دوافعها ، ويجعل منها ، على حد قول ( تيري ايغلتون ) في كتابه ( أوهام ما بعد الحداثة ) تتفكك حد الصفر . اسعد فرزات ، في وعيه للنص ، لا يترك للتصميم والأشكال ان تأخذ سبيلها لعادات الأسواق ، وإنما يسمح لوعيه ان يبقى يمتلك رهافة في بناء نصوص تحفيزية بباثاتها ، وما تريد إيصاله ، عبر تحويرات الجسد ، والمكان ، فضلا ً عن الخبرة الفنية .. الخ بصفتها لا تغادر مرآة لم تعد الأشكال فيها الا في الخلف . فالفنان يشتغل بفعل هذا المأزق ، وتحت اثر إنغلاقات متواصلة ، لصياغة علامات تحركها جماليات تتوازن فيها الحدود ، والمتضادات ، كي يحافظ الفن ، بالدرجة الأولى ، على ما يريد ان لا يخفيه ، ولكن ، كي يقوله بفعل رهافة مرة .

• الجسد :

مع ان الجسد ، بتدشين أقدم حفر فوق جدران المغارات ، وحتى آخر نزعات اللافن ، في راديكاليات ما بعد الحداثة ، وآثار العولمة الثقافية ، مكث شاخصا ً ومضادا ً للتفتيت ، إلا انه ، في هذه المعادلة ، مكث يشتغل خارج اندثارا ته . لقد مكث ملغزا ً وهو لا يكف ينبثق خارج كل إطارات التحديد .

فرزات ، وهو يعالج إشكالية المكان : مداه المتسع ومركزه ، وجد في الجسد ، إشكالية لا تغادر قضايا الإنسان المعاصر . فالجسد ـ البدن والمحتوى والرمز ـ لا يتعرض للتفكيك ، كعلاقة مع المكان والبيئة والمكتوم ، وإنما ، كمركز ، يقول الذي لم يقله . انه ليس شكلا ً جماليا ً ، أو طريقة تعبيرية لها صلة بالنداء / الاستغاثة / والمحنة ، وليس مشفرا ً بموروثاته وعمله اللاشعوري بمعزل عن كونه علامة انتهاك ، وإنما برصد هذه المستويات وجعلها بصريا ً تنطق كوثيقة تتداخل فيها مستويات التعبير ، ومخيال الفنان وحساسيته .
فالجسد كف ان يكون منفصلا ً عن مجموع مكونات النص / المدينة / المأوى / فهو مركزها . بيد انه المركز الدينامي وقد دفع الفنان كي يمتلك مرونته ، ورمزيته ، وقواه الباثة .
فالفنان يخلع مجموع أقنعة الجسد ، لفن له موروثاته منذ سومر ومصر والحقب اللاحقة ، الى جوار الفنون الأخرى ، ولكن لا لصالح اغواءات وتزيينات واستهلاكات محددة ، بل للغوص في الجسد كمركز للمكان في واقعه ، وبنائيا ً فوق السطح التصويري . فثمة أصابع تتحرك لتحديد مدى ما يكتمه الشكل / الجسد / ومدى البوح الذي يبقى يعمل بما يمتلكه في ذاته داخل وحدات تم معالجتها ، كما ثمة مدينة معرضة للقصف والانتهاك ، وتم ، كوثيقة أو مخطوطة تبقى تحمل آثار الحفار بما يريد ان يدوّنه . هذا الجسد ، لا يتحول الى مساحة للوشم ، أو للتزيين . لأنه يغادر دور الهامش ، نحو الأسئلة ذاتها التي نجدها في أقدم النصوص : انه جزء من ارض ـ وسط ـ وفضاء .. فالجسد لا ينفصل عن عملية الاسترجاع ، ولا عن دينامية الحركة . فهو يتكون بمجموع الأجزاء المكونة له ، مثل كتابة النص الشعري ، لا تتعرض فيه الكلمات للحذف ، إلا بقصد بلوغ ذروة محددة .. فالجسد يكف عن الاستعراض او دور الغواية . انه يغادر مناطق الحجاب والتستر . فهو يغدو وحدة بنائية لنص يردم المسافة مع أولى تقاليد تصوير الجسد : فالاحتفال يتضمن ازدواجية إعلان ما وراء السطح ، وجعل المحركات مرئية . فثمة انتقال من البصري الى المخفي ، ومن المخفي الى الألوان . هذا الاستعراض ، بدافع شعريته ، يبلغ مناطق البوح : ماذا يريد الجسد ان يعلن / وماذا يريد ان يواصل الإعلان عنه . ان الرسم ليس إشكالية ( مجموع العناصر وبدءا ً بالألوان والمحركات ) وإنما هو ليس إجابة . ان اسعد فرزات ، كزميله أنور الرحبي ، يجد علاقات تتكون ، عبر نفيها ـ حركتها ـ وتتابعها ، في حدود بنية غير منغلقة ، كما لا تتسع بلا حدود . فاختيار الجسد ، في حدود المكان ( المدينة ـ الطبيعة ) يغدو معادلا ً بين المعنى [ الغائي ] وديناميته : انه يحدد طبيعة الوعي ، كعلاقة ، بين الباثات والمستلم ، وهي تبقى تحافظ على رهافتها ، بما تتضمنه من نداءات لا تنتظر الشرح والتفسير . فالرسم ، كتوقف عند حافات وحدود ، لا يلن عن معناه خارج المستلم ـ الشاهد ـ وبفعل علامات لا تتوقف عند أشكالها ومواقعها داخل النصوص ، وإنما تبقى ذات صلة بالمناخ الذي تأسست فيه . فالتاريخي ـ كما في الرسم العربي المعاصر ـ يعلن عن مغامرته بإعادة تفكيك ثوابته ، وجعلها لا تكتفي بإعادة البناء ، بل بتقصي ما هو مشترك بين ( الزائل ) و ( المنبثق ) . ان الفنان ، بين الشعري ، والجسدي ، ورصد علامات استمدها من البيئة ، لا يصّور وكأنه فوق كوكب آخر ، بل .. على العكس ، يمنح موضوعاته مآزقها حد الاندماج . فالفن يغدو [ غدا ] مرآة تسمح للآخر ان يرى عن قرب ، مثلما يمتلك مشاهدة المساحة في اتساعها . فالوحدات لا تكوّن صمتها ، وفي الوقت نفسه ، لا تتكلم خارج نظام التعبير . هنا يتداخل الصوت السري للرغبات الخفية ، بجوار معالجات تحافظ على حدودها : حدود الرسم وقد بلغ فيه الشعري درجة التتابع . انه لم يكتف إلا بترك أطيافه تجد سكنها داخل نصوصه ، كي لا تغادر ، ولكنها ، لا تريد ان تصبح علامات موت . ألا تبدو ميثولوجيا الفنان ، قد امتلكت واقعيتها ، مع انها تغفل قدرتها على الانبثاق .

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6451137   Visitors since 7-9-2002