المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

في الرواية المعاصرة

  
ميلان كونديرا : أمريكا ترفض القيم الجمالية في الرواية الاوربية ..
  
حوار مع مجلة : سنتر فور بوك كلتشر
  


أجرى المحرر الثقافي لمجلة «سنتر فور بوك كالتشر»
حواراً مع الروائي ميلان كونديرا، هنا ننشر مقتطفات منه:


وصلت الى ما يمكن أن اسميه المقابلة الأولى من بين عدد من المقابلات مع ميلان كونديرا وانا في اشد اللهفة للإعتراف بأن الشهرة الواسعة التى وصل اليها واحد من أهم روائيي القارة الأوروبية تعود في الواقع الى شيء أقل منطقية وأقل وعيا بالذات يختلف عما كان يتصور البعض ان له علاقة تحكمية بإبداعه الموجه بالفكر. لقد كنت اسعى الى الكشف عن تلك القوى الخارقة التى أضفت طابعا لغويا رمزيا استثنائيا على تلك المباديء الأساسية، الأكثر رهافة. وعلى الرغم من تبجيله لخصوصيته إلا أن كونديرا كان مستعدا للحوار حول موضوعات مختلفة.
ـ اود أن اجرى معك هذا اللقاء للتأكد من بعض المسائل الجوهرية. وبداية، في كتابك «فن الرواية» ادنت بوضوح المقابلات على النحو التقليدى الذى تمارس به ورسميا تكرر لديك القول بأنك لن تعترف بأى مقابلة غير مسجلة لديك في دائرة حق النشر. اعرف مدى شعورك بالإضطهاد من قبل الصحفيين الذين يهمهم أن يتركوا بصمتهم على هذه المقابلات. إلا أننى أتساءل عما إذا كان في ذلك حرمان لجمهورك؟ ـ اللقاءات الصحفية بشكلها الحالى لاتحمل في الواقع إلا وجهة نظر الذين يقومون بإجرائها. وهو بالطبع ما يؤثر على فهمها من قبل الآخرين حتى من قبل الأكاديميين والنقاد، وفى احدى المرات اضطرنى هذا للقيام بعملية توضيح لعدم الدقة التى كتبت بها المقابلة أو الأفكار التى لم تكن لى أية علاقة بها. يومها قلت «بان الصحفى يحتفظ بحق الإقتباس». ما أعرفه هو شيء واحد أن الصحفى متى ما احتفظ لنفسه بحق الإقتباس سقط حقه في التحدث باسم المؤلف «إلا أن هذا بطبيعة الحال يبدو امراً غير مقبول. الحل كما ترى غاية في البساطة، لقد تحدثنا طويلا واتفقنا على الموضوعات التى نريدها، وانت قمت بصياغة الأسئلة وأنا قمت بصياغة الأجوبة وأضفت اليها حق النشر الخاص بى في النهاية بهذا الشكل تصبح الأمور على خير مايرام.
ـ يبدو ذلك معقولاً بالنسبة لى. لكنك في هذا الكتاب أثرت جدلاً قويا حول وسط أوروبا. كما ان كل اعمالك الروائية ايضا تقع احداثها في تشيكوسلوفاكيا، حتى اعمالك النقدية الأخرى ومنها هذا الكتاب، وسط اوروبا تبدو مهمة بالنسبة لك هلا أوضحت لنا ما ترمز اليه هذه الفكرة؟ ـ دعنا نبسط الأمور ونتحدث فقط عن الرواية لدى الكتاب الكبار من أمثال كافكا وبروس وموسيل وجمبرويكس، الذين اسميهم كتاب وسط اوروبا الكبار. وبعد بروست لايوجد في تاريخ الرواية من يمكنك أن تطلق عليه هذه التسمية وبدون معرفتهم لايمكن معرفة الرواية المعاصرة. باختصار هؤلاء الكتاب حداثيون يبحثون عن اشكال جديدة. وفى الوقت ذاته هؤلاء كتاب مجردون من آيديولوجيا الطليعة، ان ما يسعون الى تحقيقه هو التغيير الجذرى والتوسع في افق الرواية. ومن هنا ومن هناك ظهرت العلاقة بماضي الرواية. لقد فتن هؤلاء برواية القرن التاسع عشر وانا اطلق على هذه المرحلة اسم الشطرالأول من تاريخ الرواية. ان عدم التواصل مع القيم الجمالية التى تحتوى عليها هذه الرواية قاد الى تجرد الرواية المعاصرة من جوهرها كما قاد الى ما اسميه فقد الحس التأملى الروائى، الواقع اننى لاأفكر في ما يسمى بالرواية الفلسفية ما جاء في اعمال ستيرن وكامو، هذه الرواية الوعظية لاأحبها ايضا. هناك مشكلات ميتا فيزيقية مشكلات تخص الوجود الإنسانى لاتستطيع الفلسفة الإمساك بها وما يمكنه أن يسلط عليها الضوء هو الرواية. لقد تحولت الرواية على ايدى كتاب منهم موسيل وبروس الى بناء شعرى وفكرى غاية في السمو. هؤلاء الكتاب معروفون على نطاق ضيق في امريكا وهو ما اعتبره باستمرارخيانة فكرية.، ان أمريكا لم تعش النصف الأول من تاريخ الرواية بل نصفه الثانى المرحلة التى كان يكتب فيها هؤلاء. من جهة اخرى فان امريكا على الرغم من أنها لديها كتابها الكبارمن امثال همنجواى وفوكنر إلا أنها ترفض رفضا قاطعا القيم الجمالية لكتاب وسط اوروبا! لقد نشرت نيويوركر الأجزاء الثلاثة الأولى من روايتى كائن لاتحتمل خفته مع التحفظ على المقاطع التى تتضمن وصفا لعودة نيتشه ! على الرغم من أنها لاتتضمن شيئا يتعلق بالخطاب الفلسفى. كانت مجرد استمرار للمفارقات الروائية لاأكثر. ـ هل تعنى تأثرك الحقيقى بهؤلاء الكتاب؟ ـ تأثرى بهم؟ لا. انما شيء آخر، اننى اعيش في نطاق القيم الجمالية التى اوجدوها لا تحت مظلة بروست أو جويس أو همنجواى. وبالمناسبة فان هؤلاء الكتاب الذين اتحدث عنهم لم يتأثر بعضهم ببعض وحتى لم يعجب بعضهم الآخر. بروس كان يكره موسيل وجمبروسك كان يكره كافكا فقط ربما اخترعت هذه المنظومة لكى ارى سقفا فوق رأسى.
ـ ماهى العلاقة بين المفهوم الذى تطرحه المتعلق بوسط اوروبا وبين مفهومك الذى يتعلق بالثقافة السلوفاكية؟ ـ هناك بالطبع وحدة لغوية بين اللغات السلوفاكية. إلا أنه ليست هناك وحدة ثقافية. الأدب السلوفاكى غير موجود ولو أن اعمالى تم تصنيفها على هذا الأساس لما عرفت نفسى.هذا سياق خاطيء ومصطنع و مصطلح وسط اوروبا هو الأكثر دقة وحتى هذا السياق لن يكون صحيحا، اننى اكرر واعيد ان السياق الوحيد الذى يمكنه ان يحافظ على المعنى والقيم الروائية هو السياق التاريخى الأوروبى.
ـ انت تشير الى الرواية الأوربية باستمرار. هل يعنى ذلك ان الرواية الأميركية تبدو بوجه عام أقل أهمية بالنسبة لك؟ ـ انت محق في هذا. ما يضايقني هو عدم القدرة على اكتشاف مصطلح دقيق. فلو استخدمت تعبير «الرواية الغربية» لقيل باننى قد استثنيت الرواية الروسية «الرواية العالمية» في الواقع ما اتحدث عنه هو الرواية المرتبطة تاريخيا بأوروبا ولهذا أقول «الرواية الأوروبية» انه تعبير روحانى أكثر منه جغرافى.
ـ يبدو لى أن هناك اسماء نسائية معروفة ومرتبطة بتطور الرواية وعلاقتها بالثقافة هناك نساء.. ألست مصيبا لكنك لم تأت على ذكر هذه الأسماء لا في مقالاتك ولا في مقابلاتك، هلا اوضحت لنا ذلك؟ ـ ما استمتع بالحديث عنه هو جنس الرواية، ليس جنس مؤلفها. كل الإعمال الروائية مختلطة الجنس بمعنى انها تعبر عن وجهة نظر كاتبها في العالم على نحو مؤنث ومذكر ان جنس المؤلف يعنيه هو.
ـ اعمالك كلها توثيق حى للتجربة التشيكية، اتساءل عما اذا كنت قد نسيت كتابة رواية في اطار سياق اجتماعى تاريخى آخر،، كهذه التجربة الفرنسية التى تعيشها في باريس.؟ ـ حسنا في الوقت الراهن اقول لك باننى عشت في تشيكوسلوفاكيا 45 عاما إذ ان سمعتى ككاتب بدأت في سن الثلاثين وعلى الرغم من ان تجربتى الإبداعية ترتبط في جزء كبير من عمرها بفرنسا إلا اننى لست مرتبطا بباريس على نحو ما يتصوره الآخرون.
ـ اخيرا هل ترى ما يشكل انعطافا قويا في بروز النزعة الفلسفية الفكرية فى ادبك كأدب محرض في علاقته بالكون وفى علاقته بالثقافة وبالشخصية الفردية؟ ـ الى سن الثلاثين كنت اكتب الموسيقى والشعر والمسرحية كنت ابحث عن ذاتى الإبداعية، عن اسلوبى الخاص، عن نفسى. إلا اننى اكتشفت ذاتى حقيقة لدى كتابة رواية «الحب المضحك» في سنة 1959 وبعدها اصبحت كاتب اعمال نثرية وروائية ليس سوى ذلك ومنذ ذلك الوقت لم تعرف التجربة الجمالية لدى اى تحولات.
مقتطف من رواية "الجهل":
يعود تاريخ الفندق الى الأيام الأخيرة للشيوعية، مبنى عصري انيق كالمبانى التى نشاهدها فى كل بقعة من العالم.
الزاوية الرئيسية شاهقة ترتفع فوقها عدة طوابق تطل على المدينة.
وصل جوزيف الى شقته فى الطابق السابع ثم هرع الى النافذة. كانت تشير الى السابعة، وكان الظلام قد حل، فيما اضيئت المصابيح فى الشارع ليحل السكون.
قبل مغادرته الدنمارك كان يفكر فى لقائه القادم بالأماكن التى كان يألفها، بحياته الماضية وكان يسأل نفسه: هل سيكون ذلك مؤثرا؟ هل شعر بشيء من البرود؟ من البهجة؟ من الحزن؟ لا شيء من ذلك. فى اثناء غيابه الطويل مرت مكنسة خفية ومسحت كل ذكريات طفولته كل ما كان مألوفا لديه، ذلك اللقاء الذى كان يتوقع حدوثه لم يتحقق على الإطلاق.
بالقرب من الفندق، وقف المبنى الشاهق يستعرض جانبه العارى، جدارا صامتا تزينه صورة عملاقة. فى حمرة الشفق لم يكن من السهل مشاهدة ما كتب عليه وكل ما تمكن من رؤيته هو يدان كانتا تصفقان كفان عملاقان بين السماء والأرض. هل كانتا موجودتين من قبل؟ ليس بإمكانه ان يتذكر.
كان يتناول وجبة العشاء فى المطعم بمفرده وكل ما كان يستمع اليه هو وقع أحاديث من حوله. كانت تلك ترددات موسيقى لغة غير معروفة. ما الذى حدث للتشيكيين خلال هذين العقدين البائسين؟ هل انزاحت عنهم الضغوط؟ يبدو كذلك. وعليه فقط اصبحوا اكثر ضعفا حالما بدأوا يتكلمون، وبدت طريقة كلامهم تافهة. أصبح وقعها اكثر رتابة من ذى قبل. لابد أن موسيقى أى لغة فى الكون تتغير بشكل طفيف، إلا أنها بالنسبة لأى شخص يعود بعد غياب طويل قد تفتقد التناغم.
مرة ثانية فى غرفته، تناول سماعة الهاتف وادار رقم اخيه. فتناهى اليه صوت جذل يدعوه الى الحضور فى الحال

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6156846   Visitors since 7-9-2002