المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار الكاتب الألماني غيرد بيرغفليت Gerd Bergfleth مع أميل سيوران

  
  


بيرغفليت : لماذا قررت يا سيدي الكتابة بالفرنسية رغم أنك نشرت قبلها بضعة كتب بالرومانية ؟
سيوران : ظروف دفعتني الى نبذ اللغة الوطنية. وإذا صدقنا سيمون فايل Weil Simone فإبدال الدين هو أمر خطر على المؤمن كما إبدال الكاتب للغته. لا أوافق على هذا الرأي تماما. فالكتابة في لغة أجنبية هي تحرير. تخلصٌ من الماضي. لكن علي الإعتراف بأن اللغة الفرنسية كانت في البدء بالنسبة لي شبيهة بقفطان السلامة. القواعد الصارمة لهذه اللغة هي آخر شيء يوائم واحدا من البلقان . الرومانية خليط من السلافية و اللاتينية. وهي نطق ليس بالأنيق لكنها شعرية بصورة فائقة. فمن النادر أن يكون شكسبير والكتاب المقدس مسموعين بمثل هذه الجودة وكما في الرومانية. وكل ما كتبته بالرومانية يتميز بإنعدام الحرص على الأسلوب ، وكل شيء في تلك الكتب هو عفوي بصورة كارثية. بعدها بدأت أكتب بالفرنسية ، وفي الأخير أدركت أن الإنتقال الى لغة أجنبية قد يكون تحريرا غير أنه تجربة أيضا ، بل عذاب ملؤه الإنجذاب.
أروي لك الآن كيف حصل ونبذت لغتي. جئت الى باريس في عام 1937 كحاصل على زمالة من المعهد الفرنسي في بوخارست. قررت كتابة رسالة دكتوراه لكن هذا كان مجرد إلتزام شكلي. في الحقيقة لم أفكر، ولو للحظة واحدة ، بصورة جادة بكتابة مثل هذه الرسالة ولم أبحث إطلاقا عن موضوع لها رغم أني حذرت الجهة المعنية بأني قد أقع فريسة للإجهاد. بعدها بعام واحد ولغرض تمديد فترة الإجازة الدراسية كان من المفروض أن أبعث الى بوخارست بكتابين يخصان هذه الدكتوراه. لم أعرف أحدا ، فأنا لم أذهب للمشاركة في المحاضرات الجامعية. لم أرد أبدا العودة الى البلاد . إذن ما العمل ؟ تلفنت الى أحد معارفي ورجوته أن يقدمني الى لويس لافيل Lavelle Louis الذي كان يلتقي به من حين الى آخر. إذن رحنا إليه. كانت الساعة الحادية عشرة والنصف. ومن أجل أن أخلق إنطباعا طيبا أخذت أتكلم عن فلاسفة شبه مجهولين في فرنسا ، أمثال غيورغ زيميل Georg Simmel الذي كان معبودي آنذاك ، وعن الكتب والمؤلفين الذين سحروني حينها. بعد نصف ساعة وصلت الى سمعي ضجة في الغرفة المجاورة . كانت الوقت وقت وجبة الغداء. سألني لافيل :
- ماهو الغرض بالضبط من زيارتك يا سيدي ؟
- أود أن أحصل منك يا سيدي على رسالة الى المعهد الفرنسي في بوخارست.
- أنا لا أعرفك.
- لكن تحدثنا حوالي نصف الساعة. أستطعت يا سيدي ملاحظة أني مطلع على قضايا معينة.
نهض بعدها وكأنه آلة أوتوماتيكية ثم كتب الرسالة والنفور باد على محياه.
كنت بحاجة الى رسالة ثانية. في حديقة اللوكسمبورغ دنوت من جان باروتسي Jean Baruzi . وأخذت أبهر مثل هذا الإختصاصي بالغيبيات الإسبانية ، بكل ما أعرفه من ميدانه هذا. “ أرغب أن التقي معك مرة اخرى " قال لي. لكن حين كشفت عن غرضي الحقيقي من اللقاء معه إنتابه الخوف من أسالييي ورفض طلبي بصورة باتة. وفي الأخير عثرت على بروفسور آخر أكثر تفهما. ولحسن الحظ كان مدير المعهد الفرنسي في بوخارست متحررا من الأحكام الأكاديمية المسبقة. “ لم يعمل دكتوراه – قال عني – لكنه الوحيد من بين الحاصلين على الزمالات والذي تعرف على فرنسا بصورة كاملة. لقد زار كل أطرافها ، وفي الأخير فهذا الشيء أحسن من الإنكباب على القراءة في المكتبات ". بالفعل ، فلشهور طويلة كنت أتجول في الأقاليم على دراجة هوائية ، ومبيتي كان في دور الشباب والأخرى الكاثوليكية وغيرها. مرت عشر سنوات عجاف لم أفعل أثناءها شيئا غير تعميق معرفتي باللغة الرومانية. في صيف 1947 كنت في قرية قرب دييب Dieppe ، ومن دون أي إقتناع تفرغت لترجمة مالارميه الى الرومانية. وفي أحد الأيام حدثت فيّ ثورة : كان ذلك إلهاما ينبيء بإنعطاف ما. قررت فورا قطع الصلة بلغتي الوطنية. “ منذها ستكتب بالفرنسية فقط " - هكذا عزمت. في الغد عدت الى باريس وبدأت العمل مع اللغة الفرنسية كنتيجة لقراري ذاك. بسرعة كبيرة أنهيت الصيغة الأولى لكتابي ( مخطط الإنحلال Precis de decomposition ) وأريتها أحد معارفي الذي كان حكمه ، أو بالأحرى تشخيصه ، وفي أضعف الأحوال ، غير مشجع “ . هذا الكتاب تفوح منه رائحة غريبة ، ينبغي تغيير كل شيء ". كنت خائب الظن ومسعورا. لكني شعرت بأن الحق معه. إذن طبقت بكل دقة نصيحته.
أرغب هنا ذكر قصة أخرى. كنت أعرف رجلا من الباسك فقد يده في حرب عام 1914. سكن مثلي في الحي اللاتيني. كان خبيرا كبيرا بلغة أسلافه. عدا بضع مقالات لم يكتب شيئا. طيلة الحياة لم يعمل أي شيء مما أثار إستغرابي. كان مهووسا بتصحيح اللغة ونقائيا متعصبا، وكان حقيقيا عشقه للتفنن في تطبيق القواعد اللغوية. والصفة الأخرى لهذا الأعضب هي إيروسيته. أثناء نزهاته كان يتحرش بالبغايا ويطلق أقوالا فاحشة لكن بلغة متفننة لا مثيل لها. وفي المساء كنا غالبما نتمشى في مونمارتر. وهناك كان هذا المتعصب لفعل الماضي في اللغة ، يقوم بتصحيحات لكلام البغايا السائرات هناك في كل مرة يخطئن فيها. كان يفعل ذلك بصوت مجلجل يوقف المارة المدهوشين. كنت أستمع إليه ساعات طوال وهو يتصيد كلمات قديمة جميلة. كانت مكتبته وافرة بالكتب الإيروسية التي قدّر فيها البهلونيات اللغوية والتفننات الفاحشة. غالبما كان يسألني هل أني أفهم هذه البذاءة المتفننة وتلك. وكتبه المفضلة ، ولا أريد ذكر أسماءها ، قرأها ، وأنا أؤكد على هذا الأمر ، بسبب النادر اللغوي فيها وتلك الفحشاء المتأنقة. كان لهذا المعوّق تأثير كبير علي. كنت أفلي معه القضايا المعجمية والنحوية. لكني كنت رافضا لأحكامه المسبقة عن نقاء اللغة. كان ينصحني : “ إذا لم ترد يا سيدي أن تكتب كما ينبغي عدْ إذن الى البلقان ". ولبضع مرات أعد تُ كتابة ( مخطط الإنحلال ) ، وفي الأخير قررت أن أريه الكتاب. في المقهى حيث كنا نلتقي على الغالب قرأت له إحدى الصفحات. نام على الفور. رغم كل شيء أنا مدين له. كانت ثقافته واسعة ، وأما طلاقة لسانه فكانت أصيلة. وفي علاقتي به أدركت جبروت الكلمة. أنا مغرم بالقرن الثامن عشر. لكن اللغة فيه تعرضت للإفقار شأن المجتمع كله نتيجة ذاك الكمال المحقق تلك الشفافية. كنت قد عقدت صلة قوية جدا مع نثر ذلك القرن والذي كان معقما ومحروما من الدم. بشكل خاص إهتممت بالكتاب غير البارزين. أقصد هنا مذكرات السيدة ستال دي لوني Staal de Launay دوقة مينMaine . وهناك مؤرخ رآها أحسن كتاب في تأريخ الأدب الفرنسي.
بيرغفليت : لنعد الى كتبك الرومانية. هل تقول لنا شيئا عنها ؟
سيوران : كتابي الأول نشر في عام 1934 ، ومن البداية الى النهاية كان ملوثا بالرطانة الفلسفية. وما أنقذه كان قاعدته القاتمة للغاية. كنت آنذاك قد حرمت من النوم ، وكل لياليّ صارت ليال بيض ، وحياتي يقظة دائمية. سكنت في سيبين الترانزلفانية وهي مدينة جميلة مثل توبنغن Tubingen على وجه التقريب. في الليل كنت أهيم مثل الشبح في شوارعها. حينها خطرت ببالي فكرة لفظ الفوضى من النفس. بهذه الصورة ولد كتاب ( في ذرى اليأس ). وهذا الإسم القبيح كان يتكرر دائما في الصحف حين تحصل حادثة إنتحار. بعد مثل هذه البداية كنت مقتنعا بأن التدهور مصيري. كي أعطيك يا سيدي فكرة عن حالتي آنذاك أستخدم مقارنة كلها مبالغة وحتى أنها مخبولة. أرجو تصوّر نيتشه الذي يبدأ من ( هذا هو الإنسان Ecco Homo ) ، من الإنكسار ، كي ينتقل فيما بعد الى ( ولادة التراجيديا ) و باقي الكتب. بدأت ُإذن كمخبول أو مخبول تقريبا. في كتابي كانت هناك صراحة جهنمية تحاذي العته أوالإستفزاز. قيل لي إن هناك إمرأة ألقت الكتاب بالنار بسبب تأثيره على زوجها. أمي كانت قلقة جدا. والإختصاصي الذي إستشارته حول موضوع كتابي ، وبعدها أجريتُ معه ما يشبه المحادثة ، كان شبه موقن بأني مصاب بمرض الزهري. في أوساط المثقفين في أوربا الشرقية تمتع الكتاب بمكانة كبيرة. كنت قد قرأت كتابا لأحد الصرب سعى فيه الى التدليل على أن الناس الذي حالفهم الحظ السيء وأصيبوا بالسفلس لايملكون أية فرصة للشفاء... ولإسناد نظريته ذكر أمثلة عدة لأشخاص إبتسم لهم الحظ وشفيوا. إذن كان من الضروري القيام بتحليل للدم. النتيجة كانت مخيبة للأمل. “ دمك نقي - أعلن الطبيب بلهجة المنتصر – لكن كما أرى أنت لست مسرورا ". اجبته : “ ولأني لست مسرورا ".
لم أعرف أبدا تصوّر المستقبل ، لم تكن عندي أيّ فكرة عن ماذا سأعمله. عليّ أن أختارمهنة ما معقولة ، لكني شعرت بأني لا أصلح للعمل المنتظم. رغم ذلك عملت لعام واحد أستاذا للفلسفة في مدرسة إعدادية في براشوف في ترانزلفانيا. حينها كتبت مؤلفي عن القديسين والذي جاء نتيجة أزمة دينية عميقة. أخذته الى ناشر بوخارستي قبله ومن دون أن يقرأه. بعدها بشهرين رفض نشره بعد أن نبهه الطبّاع الى مضمون الكتاب. قال : “ أرجو أن تفهمني. أنا رجل ثري وحصلت على ثروتي بعون الرب وأنت تأتي إليّ ومعك كل هذا التجديف الفظيع ". بعدها بشهرين طبعت الكتاب في مكان آخر وأشرت الى أن الطبع على النفقة الخاصة. ثم سافرت في عام 1937 الى فرنسا .
جميع أصدقائي عدا إمراة أرمنية تقبلوا الكتاب بصورة سيئة. ألياده هاجمه بعنف. وفي وضع صعب كان والداي. رغم أن أمي لم تكن مؤمنة لكنها كانت زوجة رجل دين ، والأكثر من ذلك ، وهو أمر لايقلّ أهميةً ، كانت تترأس جمعية النساء الأرثوذكسيات في المدينة. كتبت إلي : “ لم يكن عليك أن تنشر هذا الكتاب ونحن أحياء. الجميع هنا يعتبرونه فضيحة ". وكتبتُ الرد فورا : “ قولي لهم إني لم أؤلف إلا كتابا دينيا لم يظهر مثله في البلقان ". حينها أدركت بأني سوف لن انتمي الى عائلة المؤمنين. لم أملك ولن أملك أبدا الإيمان. والأمر المثير للإهتمام أن تيريسا الآفيلية سحرتني. إتقادها كان عظيما وثرّ بأسلوب سحري على الإنسان الى درجة تصوّره بأنه يؤمن رغم أنه غير مؤمن إطلاقا. وحين فتحت إيديث شتاين E.Stein بالصدفة الكتاب تحولت الى الكاثوليكية ، وهذا الخطر يهدد كل شكاك ينقاد الى سحر هذه القديسة.
أعود الآن الى تجاربي الباريسية. أيّ شيء تعلمته حقا في فرنسا ؟ قبل كل شيء عرفت كيف الأكل والكتابة. في فندق في الحي اللاتيني حيث سكنت يقوم صاحبه وزوجته وإبنه في الساعة التاسعة من صباح كل يوم ، بإعداد قائمة الغداء. كا ن هذا ما أثار عجبي. فأمنا لم تسألنا أبدا عن رأينا بهذه المسألة في حين أن هذه العائلة تنظم بكاملها مؤتمرا يوميا. في البدء فكرت بأنهم ينتظرون ضيوفا. وهنا أخطأت ُ. فنظام وجبات الطعام وتوالي أطباقه كانا موضوع تبادل الآراء تماما كما لو أن الأمر متعلق بالحدث الرئيسي لذلك اليوم والذي كان فيه ، وعلى أي حال ، الغداء . الطعام – وحينها إكتشفت ذلك - ليس مجرد تطمين حاجة أولية بل هو شيء أعمق ، ورغم أن الأمر يبدو غريبا يوجد هنا عمل منفصل عن الجوع إكتسب معنى الطقس rite حقا.
وعدم الحساسية الذي كشفتُ عنه في مجال الطعام كان أكبر في مجال آخر : التعبير بالكلمات. حين كان علي التعبير عن فكرة ما كنت أفعل ذلك بأسلوب لامبال. لكن في بلاد فاليري Valery يكون كل حديث مع أيّ شخص نوعا من التكريس initiation .
بيرغفليت : قد تخبرنا يا سيدي عن أيّ صلات ، و إذا كانت بالفعل ، بين كتبك الرومانية الأولى وأول كتاب فرنسي ؟
سيوران : الصلات تنبع من رؤية الحياة نفسها ، أو إذا فضلت يا سيدي : من الشعور بالوجود نفسه. إنها تعبر عن ردود فعل اللامنتمي outsider – الإنسان المعطوب الذي قطع كل الصلات مع البشر. مثل هذه الرؤيا لم تفارقني. ما تغيّر هو أسلوب التعبير حسب. ومع تقدم العمر ( وهذا عار كبير على الشيخوخة ) تضعف قوة التطابق مع أفكارنا. في عمر الشباب بدا كل ما هو شديد من دون طعم. وليس صدفة أن كتابي الأول كان إنفجارا. العدم كان فيّ ولم أضطر الى البحث عنه في مكان آخر. إمتلكت الشعور به حين كنت طفلا - في تجربة الضجر الذي هو حفاز catalyst إكتشافات المهاوي. بمقدوري التحديد الدقيق للحظة التي إمتلكت فيها الشعور بالخواء والإنقذاف خارج الزمن. لم أكفّ أبدا عن التحسس بهذا الخواء، وأنا ألقاه كل يوم تقريبا. والأمرالحاسم هنا هو التردد frequency لهذه التجربة ، لعودة صداع الرأس اللحوحة.
بيرغفليت : في ( التقطيع Ecartelemnt ) تكتب : “ الفلاسفة يكتبون للأسائذة الجامعيين ، و المفكرون للكتاب ". إذا كانت الحال هكذا فأنت بالتأكيد مفكر . هل لك أن توضح الأمر أكثر ؟
سيوران : في ألمانيا ينظرون بإستخفاف الى المفكر ، و بتبجيل الى الفيلسوف الذي شيّد نظاما وكسب إمتياز عدم الفهم ! أما في فرنسا يكون الكاتب ربّاً شأن المفكر وفق القياس الذي يكتب فيه الى الأول. للأسف بعد الحرب الأخيرة بدأ الكتاب يتدنون الى مرتبة المحاضرين في الجامعات !
بيرغفليت : لكن أنت مفكر وكاتب في الوقت نفسه. وهذا ليس بالمعنى الواسع ، فأنت تشبه قليلا نيتشه حين تعلق أهمية كبرى على الأسلوب لكن بطريقة خاصة بك هي مثيرة للغيظ وساحرة في الوقت نفسه مما يميّزك عن الكتاب الباقين. هل تجد صائبا الرأي بأنك تنطلق من تجاربك وأمزجتك، وعلى سبيل المثال من الضجر - وقبل قليل كان الكلام عنه - وبعدها تنتقال من المزاج الى الأفكار ؟
سيوران : هذا رأي صائب تماما. فكل ما كتبته كان تحت إملاء حالاتي الروحية ، ونوبات من مختلف الأنواع. أنا لا أنطلق من أيّ فكرة ، فهذه تأتي بعدها. ولكل ما كتبته أنا قادرعلى العثورعلى سبب كونكريتي أو حجة. ودروبي المختصرة ، وصياغاتي هي ثمرة تحسساتي. فأنا في الليل شخص آخر ، أكون مطابقا لنفسي كما نيتشه المسكين والمحطم في أواخر عمره. وكم هودامغ الدليل على أن كل شيء هو بالأساس نتيجة أحوال " بؤسنا".
بورغفليت : مع نيتشه كان الوضع مغايرا تماما فيما إذا تعلق الأمر بمنحه طابعا موضوعيا لمختلف أحوال عجزه.
سيوران : وفعل هذا الشيء بصورة رائعة ، وكل شيء ستره بصورة أخاذة.
بورغفليت : لكنك لم تفعل ذلك يا سيدي.
سيوران : معك الحق يا سيدي. على الكاتب أن يكون حاذقا. ففي النتيجة هو مرغم على إخفاء مصادر وخلفية إعتلالاته العقلية وهواجسه. وإذا خص الأمر الأفكار يحصل أني أعبر عنها...
بورغفليت : في الأساس هي أفكار ذاتوية تماما.
سيوران : أنا أكتب كيف التخلص من ثقل أوالتخفيف منه في أضعف الأحوال. ولو كنت عاجزا عن التعبير لقمت بأكثر من عمل طائش. الفيلسوف الذاتوي ينطلق مما يشعر به وما يعانيه ومن نزواته وما يقرض فيه. يمكن منح الطابع الموضوعي للأحاسيس ويمكن تقنيعها أيضا. ولِمَ عليّ أن أفعل هذا الشيء ؟ خلال سنين صارت تحسساتي كتبا ، وكأنها كتبت بنفسها.
بورغفليت : كتبتَ َ : “ بئس الكتاب الذي يمكن قراءته ومن دون السؤال عن مؤلفه ". في الحقيقة أنت لم تتكلم بإسمك لكن أليس هذا الموقف ، موقفك ، ذاتويا تماما ؟
سيوران : أجيبك لكن ليس بالصورة المباشرة. ما أفضل قراءته على غيره هو اليوميات الخصوصية والمذكرات و الرسائل. قبل حوالي عشرين سنة عملت خلال بضعة أشهر أنثولوجيا : (البورتريه من سان – سيمون الى توكوفيل Le portrait de Saint – Simon a Tocqville ) ، وقد ينشر الكتاب في إيطاليا. و اليوم فإن أيَّ مذكرات تجذبني ، و لأكثر من مرة يمتلك كاتب عادٍ حياة أكثر سحرا من حياة عبقري. بالتأكيد أنا افضل العمل الذي يدفعني الى التفكير بالمؤلف. فيما يخص الكتاب الفلسفي الصرف يكون من الصعب التفكير بالمؤلف.
بيرغفليت: حتى الشعراء يختفون وراء أشعارهم في حين تتكلم أنت صراحة ً بإسم " أنا " ما.
سيوران : لنأخذ مثلا أميلي دكنسن التي تعجبني ، كلا ، بل أنا شغوف بها. هي تتكلم طوال الوقت عن نفسها. الشاعر الموضوعي لا وجود له ولايمكن أن يوجد. “ أنا " ذات حضور شامل في كل بيت شعري.
بيرغفليت : المقصود هو " أنا " الشعرية . يتصرف الشعراء بما يمكن تسميته بالوعي الذي يقوم بالتعبير بدلا عنهم. أما أنت فتتكلم دائما كمؤلف.
سيوران : هذا ليس صحيحا. لو تكلمت كمؤلف لقلت عما أكتب. وهذا شيء لا وجود له. فما أتكلم عنه هوأحوال غيظي وإنذهالي التي تصاحبني في كل يوم تقريبا. إنها أشياء يسهل وحتى على الطبّاخ فهمها. وسيكون شيئا مضحكا لو تصرفت مثل أيّ أديب بائس.
بيرغفليت : أرغب القول فقط إن ذاتويتك يا سيدي تملك شيئا شيطانيا ، فهي تفترس " أنا " ك. إنها ذاتوية مطلقة ، وتعلن عن حضورها حين تقارن نفسك بهاملت أو مكبث. وتقول أيضا إن مكبث هو أخوك ، " أنا " ك العليا.
سيوران : نعم ، أنا أقارن نفسي بمكبث رغم أني لم أقتل أحدا. داخليا عشت ما عاشه هو ، وما قاله بمقدوري أن أقوله أيضا. وإذا هجمت علي إحدى نوبات الشعور بالعظمة فأنا أتهمه بالإنتحال.
بيرغفليت : هذا إستفزاز حقيقي. أنت يا سيدي تقدّم نفسك هنا كمكبث.
سيوران : إستفزازحقيقي تماما.
بيرغفليت : ولهرب الجمهور كله أمام مكبث حقيقي.
سيوران : هذا أخذ ٌ حرفيٌّ بالأمور. ثمة حاجة هنا الى حدود رهيفة. حين أفكر بمكبث أطابق نفسي معه وحتى حين لا أفكر يبقى هو أخي. وما يقال هو بالتأكيد مرتبط بجريمته لكنه يمضي عميقا أيضا. مكبث هو مفكر تماما مثل هاملت. أنا أفهم شكسبير الذي أنا شغوف به الى أقصى حد . حتى الجنون.
بيرغفليت : على أي حال شكسبير هو محض كاتب رغم أنه من دون شك أكبر كاتب.
سيوران : عندما كنت معلما في براشوف وألفت الكتاب عن القديسين ، قررت بسرعة : لن أتكلم إلا مع ... شكسبير . كان هذا قرارا واضحا وجنونيا بعض الشيء لكني إتخذته. في تلك المدينة كانت هناك مقهى لطيفة جدا تملك أسلوبا فييناويا بعض الشيء. كنت أرتادها يوميا بعد الغداء. ووفق قراري المذكور جلست في مكان هناك. يظهر أحد زملائي في المدرسة ، معلم الرياضة البدنية. يسألني : ممكن الجلوس معك ؟ أجيب على سؤاله بسؤال : “ من أنت يا سيدي ؟ هل أنت شكسبير ؟" . أجابني : “ أنت تعرف جيدا بأني لسته " . أقول له : “ كيف ، ألست شكبير؟ في هذه الحالة بارح المكان يا سيّد ! “. كان شديد الغضب وراح يروي في كل مكان بأني قد جننت. أعود الى مكبث. أنا لن أغفر له أبدا حين قال ما هو من المفروض ، و أنا على إقتناع عميق ، أن أقوله أنا.
بيرغفليت : أنت يا سيدي تبالغ قليلا ...
سيوران : كن مطمئنا يا سيدي ، أنا أكثر تواضعا مما يبدو عليّ.
بيرغفليت : أرغب الان أن أسالك عن الشكوكية scepticisim أحد ألأبعاد الأساسية في كتابتك. وهي شكوكية بالغة الراديكالية لدرجة أنها تتوجه ضد نفسها و تهدم نفسها. حتى اللغة أنت تشكك فيها بأسلوب راديكالي للغاية. وسؤالي هو : ألم تؤثر الشكوكية على إختيارك الأقوال المأثورة ( الشذرات ) شكلا في التعبير ؟
سيوران : إذا أردت أن أكون صريحا أنا لا أعرف بالضبط كيف هو موقفي من الشكوكية ، رغم أنها تكمن في لب تفكيري كله. أكيد أنها في الكثير من المواقف قامت من أجلي بدور وسيلة التهدئة الأكثر نجاعة ، وأنا بكل إلتذاذ تعاطيتُ الريبة مما لايكون في الأخير متطابقا تماما مع موقف الشكوكي الذي يسعى دائما الى أن يحتفظ ببون معيّن بين أفكاره ونفسه. باسكال هو نمط الشكوكي الذي أحبه ، المؤمن الشكوكي المتشبث بيأسٍ بإيمانه الذي يكاد يكون مرادفا لتمزقه الداخلي.
بيرغفليت : الفراغ عند الغيبي ينفتح على العدم ، لكن ذاك العدم الذي هو كل شيء. هل ترى الوضع بهذه الصورة ؟
سيوران : سحرني دائما ما هو موجود وراء الله أو بالأحرى فوقه.
بيرغفليت : هل يرغب الشكوكي في أن يسير الجميع وراءه ؟ بعبارة أخرى : هل تكتب للقاريء أم لنفسك ؟
سيوران : أكيد ليس للآخرين. على الكاتب أن يتوجه الى نفسه فقط ، وبالمصادفة الى الغرباء. حتى التأليف المسرحي ، وإذا تعلق الأمر بحقيقته ، ينبغي عليه التجرد من المتفرجين.
بيرغفليت : برأيك أن الكتاب هو " إنتحار متأخر ". ولكان الأدب ، في هذه الحالة ، شيئا من نوع البديل : الكتابة بدل الإنتحار. إذن يحشر الكتاب نفسه بين الرغبة في الموت والموت مبتعدا أكثر فأكثر عن الحل النهائي رغم أنه لا يلغيه تماما. هل ساعدك الأدب بصورة ما ؟
سيوران : الكتابة هي فرج لمن لايرتاد الصيدليات ، فالكتابة هي علاج. أقدم لك نصيحة يا سيدي : إذا كنت تكره أحدهم لكنك لا تنوي الإجهاز عليه ، إذن أكتب ْ إسمه وكلمة ( سأقتلك ) مائة مرة . بعد نصف ساعة ستشعر بالراحة. الصوغ هو إنقاذ للنفس وحتى إذا شخبط المرء ترهات ، وحتى لو أنه لا يملك ذرة من الموهبة. في دور المجانين من المفروض أن يزوَّد كل نزيل بأطنان من الورق كي يسوّدها. إنه التعبير كشكل للعلاج. والميزة نفسها يملكها التفكير بالإنتحار. الحياة تكف عن أن تكون كابوسا حين يقول الإنسان لنفسه :" بمكنتي قتل النفس متى ما شئت ُ ". يمكن تحمّل كل شيء إذا كان المرء يملك مثل هذه الوسيلة.
بيرغفليت : هل الموت هو المطلق عندك ؟
سيوران : في فترة الشباب رافقني المطلق بلا إنقطاع. كان فكرتي الرئيسية في الليل ، وفي النهار كان كحضور معيّن ذي سيادة وحكم ذاتي ، وهو بأعلى درجة مبرَّر وفي الوقت نفسه غير صحي. إستلمت رسالة من صديق قديم كتب بأن الحياة صارت الآن لا تعني شيئا عنده. أجبته : “ إذا أردتَ نصيحة فهي كالآتي : حين لا تقدر على الضحك ينبغي حينها فقط أن تقتل نفسك. لكن طالما أنت قادرعلى مثل هذا الفعل عليك بالإنتظار. الضحك هو إنتصار على الحياة والموت - الإنتصار الحقيقي الوحيد " وعلى حد سواء تكون الحياة كما الموت مشهدا spectacle ، والخلق هو غرابة ما " !
بيرغفليت : كيف ترى غروب الحضارة ونهاية التأريخ ؟
سيوران : الإنسان هو مغامر ولذلك لابد من أن تكون نهايته سيئة. ومصيره مرسوم بكل وضوح في ( سفر الأنواع ). والحقيقة عن السقوط، هذه الحقيقة منذ بدء التأريخ أصبحت حقيقتنا ، مؤكدنا.
بيرغفليت : السؤال الأخير : ألست في الجوهر لاهوتيا متخفيا ، لاهوتي الكارثة ، لاهوتي شكوكي ؟
سيوران : بالطبع إهتممت بالغنوصية. ونتج عن ذلك كتاب ليس بالكبير: ( الخالق السيء ) الذي يكون عنوانه بالألمانية ( الخلق المُحبَط Die verfehlte Schopfung ) وقد أعجبني هذا العنوان. لايمكن تصورالخالق إلا خبيثا أو في أحسن الأحوال صانعا سيئا bungler ، وهذه الفكرة ، بعد بضعة قرون من النسيان ، تكتسب اليوم حيوية. لكني لست محروما من الشعور بالفكاهة الى هذه الدرجة كي أقدم نفسي كلاهوتي.
بيرغفليت : لم يكن هذا قصدي .
سيوران: كل هرطقة – ولكم أنا مغرم بهذه الكلمة ! - تملك شيئا ُمسَّكِرا ً. وبعد هيمنة طويلة جدا للمسيحية يمكننا اليوم ، وبدون أي عائق ، الإعتراف بفكرة مبدأ ما ، غير نقي ، شمولي عن الخالق والخلق. هذه الفكرة تسمح لنا بالفهم الأفضل ، وقبل كل شيء مجابهة الفعل الذي يصعب مسكه - فعل التاريخ ، وفي الأخير مواجهة كل فعل. إن الإيمان بمثل هذا المبدأ هو بالتأكيد ليس بالدواء - المعجزة لكنه في كل الأحوال ملجأ ما للذين يفكرون ، بإستمرار ، بالمسيرة المنتصرة للشر.


• نشر الحوار لأول مرة باللغة الألمانية في عام 1985 ، وفي عامي 1987 و 1988 بالفرنسية.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057087   Visitors since 7-9-2002