المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

خوسيه ساراماغو : الأدب يجب أن يبقى بعيداً عن المتاجرات

  



يقول ساراماغو إن العمل الروائي يجب ألا يصغي للسوق وإن التساؤل حول نفعية الأدب ما هو إلا انعكاس لعدم فهم أي شيء وإن ذلك السؤال الذي لا إجابة عنه سيتكرر بلا نهاية وسيكون له دوما سائلون جدد.

في تلك اللحظة بالذات وبينما كانت تكتب هذه السطور وفيما كانت هذه الكلمات في طريقها إلى أن تكون مقروءة، هناك في جزيرة بركانية، هناك في مكتبه المرفوع على منصة ترتكز على قوائم من خشب، هناك بنظرته الأفريقية على محيط أطلسي شاسع كسماء ممتدة بلا قمر، يكتب صاحب نوبل للآداب، الكاتب الملتزم، الرجل الجدي الذي هو خوسيه ساراماغو ـ يكتب روايته الجديدة.

نعرف عنوانها. سيكون اسمها « رحلة الفيل» نعلم أنه على ذلك اللوح الخشبي الذي يتخذه لنفسه مكتبا ثمة نحو 50 صفحة مرتبة تستريح متوثبة إلى جانب صاحبها. نعلم أن الرواية تقوم على أحداث حقيقية جرت في عصر ماكسيميليانو النمساوي، الذي ولد في فيينا وعين إمبراطورا للمكسيك في عام 1864 وتم إعدامه في عام 1867. نعلم كذلك أن الرواية الغارق فيها ساراماغو الآن ملأى بالسخرية والتهكم والشفقة.

نعلم أن مؤلف رواية « بحث حول العمى» سيسلم في نهاية المطاف بأن المصير الذي نخطه لأنفسنا نحن البشر هو مصير غبي عندما يكون بقدورنا بلوغ شيء أكثر مما هو مثير للضحك. وإنه سيقول إنه لمضحك أو مثير للشفقة أن نمضي الحياة ونحن نركض ونعمل ونربي الأبناء لينتهي بنا الأمر فقراء مساكين وطاعنين في السن ومنسيين.

لا يتكلم عن الشيخوخة، فلا أحد يتجرأ على تقديم تفسيرات في مهب الريح والاعتقاد بأن خوسيه ساراماغو يكتب حول الشيخوخة لأنه أكمل 85 عاما من عمره في 16 نوفمبر الماضي. كما نعلم أن صاحب « كل الأسماء» تعافى وتماثل للشفاء من وعكة صحية ألمت به مؤخرا وأنه واصل نشاطه اليومي كما هو معتاد.

من تلك النافذة المطلة على المحيط الواسع، من لانزاروتي، الجزيرة التي يعيش فيها والتي هي إسبانية من الناحية السياسية وأفريقية من الناحية الجغرافية وقبل أيام من صعوده سلم الطائرة متوجها إلى بوينس أيرس كعضو في لجنة تحكيم جائزة« كلارين».


يجيب سارماغو عن أسئلة الملحق الثقافي«إني»، الذي يصدر عن صحيفة «كلارين»، تتعلق بالأسباب التي دفعته للكتابة وأخرى تدور حول القراءة في يومنا هذا وحول الأدب الذي سيأتي في قادم الأيام. يبق--ى القول إنه ليس من السهل إجراء مقابلة صحافية مع ساراماغو، إذ يتعين على من يقوم بذلك معرفة أنه ربما يواجه بعض المفاجآت ويضع نفسه، بصورة خفيفة، في موضع السخرية، لأن ساراماغو، كما هو دوما، بسيط وحاسم ومؤثر إلى حد كبير.


فيما يلي نص الحوار:


بعد جائزة نوبل وكل هذا التقدير والاعتراف... ما الذي يحركك ويدفعك لمواصلة الكتابة؟ ما الذي يجعلك تجلس أمام الكومبيوتر؟


بالواقع أني كنت قد تركت صفحة لا بد من انهائها.


ألا تزال تبحث عن شيء في الأدب؟ عم تبحث؟


كأي قارئ آخر، أو كاتب، أنا ابحث عن نفسي. أسعى لإيجاد نفسي في الصفحات، في الأفكار، في التأملات، أسعى للتعرف على أننا شيء أكثر من هذا الذي يقدم على أنه « واقع»، لا يزال ذلك يشكل الانبهار الأكبر.


هل تتقهقر الرواية أمام المعلوماتية؟


لا يستطيع الأدب أن يحل مكان المعلوماتية والعكس صحيح أيضا. إنهما شكلان مختلفان لفهم العالم، حيث يمكن للمعلوماتية أن تشكل مساهمة، ليس للأدب طبعا وإنما للقراءة.


هل يقرأ، إذن، بطريقة جديدة؟


على أي حال، فإن الأدب كان دائما نشاطا يخص لأقلية. ويبدو لي أن الناس يقرأون ويكتبون الآن أكثر من السابق وقد يكون مرد ذلك إلى المعلوماتية نفسها.


لو تذكرنا تلك المقولة التي تفيد بأن الوسيلة هي رسالة بحد ذاتها، كيف تؤثر هذه الوسيلة الجديدة على المضامين الأدبية، أي على المعنى والجوهر؟


من غير المعقول التفكير بأن ما لدى الكاتب ليقوله يعتمد على الأداة التي يستخدمها.


هل انتزع السمعي الحكاية من الأدب؟ هل فقدت الرواية الهيمنة على السرد والقصص؟


أصوات كثيرة تكهنت بتلك النهاية، والرواية لا تزال حية نشيطة وتحرك ذنبها. وإن الإعلان عن جائزة أدبية خاصة بالرواية يؤدي على الفور إلى ظهور 200 أو 300 من المرشحين. أين كانت تلك الكتب؟ هل كتبت على عجل التزاما بالمهلة الزمنية المحددة؟ أم أنها جاءت نتيجة شهور وشهور من العمل المسؤول، الذي يحترم اللغة؟ مؤلفون يحملون عالما خاصا بدواخلهم ويريدون مواجهته مع الواقع الذي يحيط بهم ويحد من حركتهم.


عالم خارجي وعالم داخلي. أنت «كاتب ملتزم» بماذا؟


أنا ملتزم أو بالأحرى أعيش في عالم يعكس كارثة حقيقية. وأنا أسعى جاهدا ككاتب وكشخص إلى عدم فصل الكاتب عن الشخص الذي أكون، وأبذل قصارى جهدي، حسب إمكاناتي، في محاولة فهم العالم وتوضيحه.


بصفتك كاتب، فإن وسيلة تدخلك في هذا العالم هي الأدب. هل بمقدورنا الاعتقاد مجددا بأن ذلك الأدب يمكن أن ينفع بشيء؟ هل يستطيع الأدب تحسين (أو تأزيم) الحياة والعالم؟


مضى علينا مئات السنين والبعض منا يسأل البعض الآخر بماذا ينفع الأدب علما بأن واقع عدم وجود إجابة عن هذا السؤال لن يثبط من عزيمة السائلين المستقبليين. ليس هناك إجابة ممكنة. أو هناك إجابات لا نهائية تفيد بأن الأدب ينفع للدخول إلى مكتبة ما والجلوس في المنزل، على سبيل المثال. أو للمساعدة على التفكير. أو من أجل لا شيء. فلماذا الحديث عن وجود ذلك المضمون النفعي؟


إذا كان لا بد من البحث عن معنى الموسيقى أو الفلسفة أو الوردة، فذلك يعني أننا لا نفهم شيئا. لشوكة المائدة وظيفة، لكن ليس للأدب وظيفة، وذلك على الرغم من أنه يمكن أن يفرج عن شخص ما ويسليه، على الرغم من أنه يمكن أن يدفعك إلى الضحك. ويمكن القول إنه لتأزيم الأدب يكفي التوقف عن احترام اللغة. هنا تبدأ المشكلة وهنا تنتهي.


هل تقصد عدم التخلي عن احترام اللغة وعدم خضوع الأدب للسوق؟


مسكينة هذه السوق، التي تتعرض للرضات والصدمات من كل ناحية وصوب. إذا كان الكتاب سلعة، فلا بد من بيعه. أين نفعل ذلك؟ في القمر؟


بالطبع. لكن ألا يستثمر البعض المصطلحات ويتلاعب بها ويكتب ما يباع عوضا عن بيع ما يكتب؟


يجب الحذر من الأفكار الجاهزة، على غرار تلك الفكرة التي تدعي أن السوق تفرض شروطها على المؤلف وتتحكم به، فذلك ليس صحيحا على الإطلاق، إذ أن السوق بوسعها إظهار تفضيل أنواع محددة من الكتب، من « الموضات»، لكن ذلك لا يجبر أي مؤلف على اتباع ذلك الطريق.


ونحن نتسبب بظهور حالة كبيرة من الخلط والتشويش عندما نتخيل أن المؤلفين متساوون فيما بينهم. فنحن نشغل أنفسنا على هذا النحو بافكار مبتذلة ولا ندرس الواقع كما يجب وننسى مرارا وتكرارا أن تلك الأسئلة ليست بريئة. وأنا يضايقني الكلام عن الأدب والسوق. الأدب إبداع وليس مهما ما يحيط به من تركيبات.


ثمة تجارة وثمة أدب. وهناك أشخاص يقرأون من أجل الفهم وأشخاص يقرأون لأنهم يتبعون الشركات. وأشخاص لا يقرأون أصلا. المهم، حسبما يبدو لي، هو التوقف عن الاهتمام بهذه القضايا التي من نافلة القول انها غريبة عني ككاتب.


ساراماغو في سطور


ولد خوسيه ساراماغو في 16 نوفمبر 1922في قرية « ريبينتيهو» البرتغالية في كنف عائلة فقيرة مكونة من العمال والحرفيين، وقبل أن يشق طريقه في عالم الإبداع الأدبي لم يترك عملا إلا وانخرط فيه من صناعة الإقفال إلى الميكانيكا وحتى النشر.


ظل مصرا على عدم نشر أي من أعماله حتى استعادت بلاده الديمقراطية في عام 1974 وحينها نشر روايته الأولى «أرض الخطيئة» التي حظيت بترحيب كبير في الأوساط النقدية وبين جمهور القراء عموما، لكن ساراماغو قرر، مع ذلك، البقاء أكثر من عشرين عاماً دون أن يعمد إلى نشر أعماله الشعرية والروائية تحت ذريعة مفادها أنه «ليس لديه شيء ليقوله» كما جاء على لسانه.


بيد أنه نشر بنهاية ستينات القرن الماضي ديوانين شعريين هما «القصائد الممكنة» و«ربما فرحة». ومن ثم جاءت أعمال مثل «موجز الرسم والخط» (1977) و«جبروت الأرض» (1980) لتضعه في صدارة الخارطة الأدبية في البرتغال.


لكنه لم يدخل إلى عالم الأضواء والشهرة على الصعيد العالمي إلا إثر صدور روايته الأسطورية «مذكرة الدير»عام 1982 والتي أعقبتها رواية «عام موت ريكاردو رييز» التي حظيت بتقدير غير مسبوق فاق كل التوقعات. حصل ساراماغو على جائزة نوبل للأداب عام 1998وهو أول برتغالي يحصل عليها.


أبرز أعمال ساراماغو


* ديوان «قصائد ممكنة» 1966


*ديوان «ربما فرح» 1970


* رواية «أرض الخطيئة» 1947


* رواية «موجز الرسم والخط» 1977


* رواية «إن نوماين دي» 1993


* يوميات «دفاتر لانزاروتي» في أربعة أجزاء، 1994 ـ 1997


* رواية «طوف حجر» 1986


* رواية «قصة حصار لشبونة» 1989


* رواية «الإنجيل حسب المسيح» 1991


* رواية «بحث حول العمى»1998


* رواية «كل الأسماء» 1998


* رواية «المغارة» 2001


* رواية «الرجل المنسوخ» 2002


* رواية «بحث حول الوضوح» 2004


* رواية «انقطاعات الموت» 2005


* يوميات «مذكرات صغيرة» 2006


* مجموعة قصصية «شيء تقريباً» ـ 1978




البيان
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6156888   Visitors since 7-9-2002