المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في مصّورات هيثم فتح الله. شفرات ( الفوتو - رسم ) وتدشيناته

  
عادل كامل
  














[1] رهافة
قبل أن يرسم (تيرنر) رذاذ أمواج البحر، وأطيافه، وقبل ظهور الانطباعية الفرنسية، وقبل اختراع آلة التصوير، كانت بعض رسومات الكهوف، قد اكتشفت توا ً، وهي لا تتحدث عن حساسية الأصابع ـ البصر، ولغز تقنياتها فحسب، بل عن ذلك الرذاذ/ الأثير/ الذبذبات المتصلة بين نهايات المساحات اللونية، والفضاء الخارجي. ففي الرسم ـ منذ تداخلت الرهافة بالإتقان المختبري ـ ظهرت مهارات تقنيات آلة التصوير الفوتوغرافي، في زمن الحداثة ـ وما بعدها، لاستعادتها، ولكن على نحو سيجعل من الغائيات أكثر اندماجا ً بالخصائص المستحدثة. فثمة علاقة متوارية ـ ومتداخلة ـ وخفية بين: العين/ الأصابع، والنص التشكيلي، وثمة علاقة مماثلة بين النص الجديد، والعين/ الأصابع التي صورت الجمال في ذروته: الحساسية. إن نصوص هيثم فتح الله (مصوّرات/ جالري الاورفلي للفنون/ عمان ـ 2009 )، كما نوه الفنان في إشارة له حول (الصورة التشكيلية)، تخفي أسئلة لم تندثر، في سياق البراغميات، ومنها الجديدة، التي دفعه بالمنفعة إلى الإمام، تاركة (المثل/ القيم) جانبا ً، أو أبعدتها تماما ً. فرسومات الكهوف (وكان الرسام قد منح الكهف علامة مشفرة لمختبره، ولكل ما سيغدو مولدا ً، مع صناعته لأدوات الصيد، واقتران وعيه بالسحر) حملت ازدواجيتها بين المهارة، والوظيفة من ناحية، والمعنى ورهافته من ناحية ثانية. فالمهارة المبكرة سابقة بزمن بعيد مفهوم التقنية بإشكالها الحديثة، لا لأن العين ـ الأصابع، كلاهما صاغا أسفار الإنسان فحسب، بل لأن الخبرة كانت قد منحت اليد ـ البصر عملا ً آليا ً ـ لمهارات مضادة للإلية ـ أو الميكانيك. إنها إشكالية توقف عندها (ديكارت)، وتوقفت فلسفة الحداثة عندها، في محاولة للعثور على جدلية بين النهايات ومقدماتها: المحركات وما تضمنته أشكالها من علاقة بها. فليس ثمة (لغز) إلا في حدود نتائج العمل في محركاته الكلية. وهيثم فتح الله، في إشارته لعلاقة الرسم بالفوتوغراف، يحفر في مقدمات: تقنية البصر ـ اليد، في بناء النص التشكيلي، وما يتضمنه من اعتراف أن التراكم ( في الخبرة) والتحول من العشوائية إلى التخصص ( والى النظام) كان السبيل للبحث عن مهارات عالية، كتمثل الرهافة في النص، إن كانت مباشرة أو رمزيةً. فليس ثمة رسم خالص، أو يمكن عزله عن آليات تطور الخبرة، إن كانت ايكولوجية، أو حتمية، أو ذات صلة بالوعي (الدماغ). فالنص القديم لم يخف ما سيؤول إليه مصيره، ولا نهاية فن التصوير عن مقدماته البكر: الضوء ـ وباقي العناصر، بوجود حواس لم تكتف بما هو وظيفي ـ حتمي ـ بل بتقصي كل ما سيخص ذروته: الجمال، بما يمتلك من تدشين وسحر ودهشة.

يقول هيثم فتح الله " اليوم وبعد دخول عالم الصورة الرقمية وتحديات البرمجة الالكترونية أصبح للصورة مفهوم آخر يختلف عن السابق "، انه اعتراف يسمح بالحفر في الحواس، والبصر في المقدمة، بما يمتلكه من قدرات تجعل الأبعاد غير المكتشفة، قيد التدشين. فالعين ليست آلة، لأنها لا تعمل آليا ً، مع أنها، كالدماغ، لا تسمح للتأويل بالذهاب بعيدا ً، الأمر الذي جعل الثنائية حلا ً منطقيا ً (وجدليا ً) يسمح للخبرة بصياغات مفاهيم تنتجها تقنياتها المتقدمة. فرسام الكهوف لم يكن يمتلك عينا ً تؤدي ما تؤديه هذه الحاسة عند باقي الكائنات. إنها، منذ عملت مع الأصابع، وباقي الحواس، وثبت لتتميز ببناء الذاكرة. فهل كانت ذاكرة إنسان الكهوف، من صنع الخبرة، أم كان للرهافة/ الحساسية، في الاستجابات، قد دفعت بالوظيفة إلى الأقاصي: التأمل ـ التجريد، وكل ما سيشكل مفهوم التركيب، اعترافا ً بدور الوسائل، في ما تسعى إليه الذاكرة/ الوعي، بأدوات كالبصر واللمس والتذوق و ..الخ

إن هيثم فتح الله لا يقفز فوق تاريخ الرسم، مثلما لم يفصل عمل تقنيات آلة التصوير عن تاريخ طويل لم ينتج إلا وسائله، إنما ـ في النظام الانتقائي هذا ـ سيحفر في مصادره التي لم تغير: رذاذ الماء/ ولغز مكونات أشعة الشمس/ وومضات العناصر بما تبثه من أطياف، وأمواج، ومديات. فالرسم القديم، بعد أن جرى ـ بحسب افتراضات مؤكدة ـ دخول الألوان في الرسومات التي أعقبت مرحلة اللون الواحد، ليس إلا ثمرة ثورة رقمية/ عددية، جعلت الصفر (اللا رقم ـ الموازي للعدم عند البابليين) مفهوما ً فلسفيا ً للتأمل: لأن الخبرة، لم تخف ما لم يدرك فحسب، بل أعلنت عنه، بما امتلكه من دوافع لتفكيك الانغلاق، والثوابت، نحو ما هو ابعد من محاولات التفسير النفعي، أو العملي. لأن التجريد، منذ وقت مبكر، سهل مهمة التحري في البحث عن اللامرئيات، في المشهد الواقعي. فكان الماء، في لغزه، يماثل الضوء بعمله في باقي العناصر. وعندما راحت العين تحول المراقبة، إلى مدوّنات، رموز، وعلامات، شرعت بجعل (الاكتشاف) موازيا ً(للصياغة). فالعين لا تصنع، بل تمسك بكل ما بدا كامنا ً خارجها. ذلك لأن ما هو خارج الجدل، بين: الصورة والمثال، وبين: المخفي والمتحدث، وبين: اللا مرئي والمرئي، وبين: النفعي والجميل .. الخ سمح بمراقبة لمساحة لم تنفصل ذروتها عن أسبابها البكر: العين بصفتها عملت، كعمل الضوء، كلاهما تميزا بالحفر، لكن ليس في العدم، بل للاحتفاء بما هو ابعد من لغز الاندثار. وجلية هيثم فتح الله عزيزة، في هذه النصوص الفوتوغرافية ـ التشكيلية، استمدت بنائيتها بالعثور على جسور من: الآلة إلى العناصر، ومن الأخيرة، عبرها، نحو ذروتها وقد غدت علامة متجانسة: التركيب (التشكيل) الذي جمع روافده منذ انشغل البصر بما وراء الأشكال، ومنذ كانت الأشكال، والأبعاد، تخفي طاقتها على الانبثاق. فالفنان لم يعمل بالمرور، بل بالإقامة في الاشتباك: استقصاء طاقات لا تنتمي إلى العدم، بل لجعل الأخير قراءة تكونها الرهافة، والخبرة، فضلا ً عن استحالة استبعاد كل ما كان كامنا ً في العناصر، في جذورها، أوفي حركتها، كأشكال أو كعلامات.

[2] مشتركات وفواصل

ما المشترك في نصوص المصوّر: هل هو 1ـ الانتقال من آلة التصوير إلى التشكيل؟ 2 ـ أم ترك البصر يتحرى عن أكثر العناصر إثارة، كالرذاذ، وأطياف أشعة الشمس، وما تمثله الحياة في صخبها وسكونها؟ 3 ـ أم تحول النصوص إلى معادل بين الذات ـ والعالم؟ 4 ـ كي لا تغيب (الهوية) بصفتها الأثر الذي يتضمن باثاته، والنص الذي يستحيل عزله عن قوانين الديمومة والاندثار؟ 5 ـ أم أن المعادل بين العين ـ وآلة التصوير، سمح للتكوين (التشكيل) الإفصاح عن انشغالات: تأملية جمالية/ لا علاقة لها بالسرد، أو الرواية، ولا علاقة لها بالوصف (التصوير) كحياد، وإنما لمنح (الفن) أكثر أبعاده رهافة؟ 6 ـ وهل ثمة، في هذا المسار، اثر ما لحرفة التصوير، ومهارات المصوّر، وتقنيات الأجهزة الحديثة، في استبعاد (العفوي) أو ما تتضمنه المشاهد من مخفيات، ومشفرات، أم العكس: أن الفنان لم يجعل من موت الفن، إلا استجابة لتأملات وازنت بين التقنية ـ والتعبير، ووازنت بين الذات والعالم الخارجي، وان الفنان، في الأخير، عمل على منح النص الفني رهافة لا تتحدث عن مهارات، وتجريد، بل عن: تصوير عالم كونته ديناميته، لكن، بانشغال مضن ٍ في التشذب، ومنح الحساسية ذروتها: فلسفة ليست مضادة للفلسفة، أو عملت على إحياء أفكار (مالارميه)، مرورا ً بفاليري، وصولا ً إلى عصر موت الفلسفة، وموت الإنسان؟
هذه المداخل، تلخص، ضمنا ً، ما لم يرد في الذهن، أي: هذا الذي يكمن في النصوص: لغز الفن ـ وليس موته. فالفنان استبعد مفهوم (السلعة) نحو: الكائن نفسه. ذلك لأن (السلعة) بدءا ً بالإنتاج/ التداول/ والاندثار ـ لا تخفي قانونها: ديمومة الزوال ـ في انبعاثها. وهو المفهوم الذي سمح بتجدد أقدم الأسئلة: ما الذي م يندثر في الأثر .. في رسومات المغارات، أو ما نقش فوق الأواني، أو حفر على الشواهد؟ هيثم فتح الله، يوظف مهاراته، وحساسيته، للحفر في لغز: هذا الذي يغيب: أو الومضات/الأثير / ورذاذ الماء في الأشياء، وفي الذات، وأخيرا ً: في النص الفني. ما هذا الذي لا يمكن فصله عن نظام (البذرة): جدلية الغائب بما يترك من حضور، والحضور الذي لا يمتلك إلا ديمومة زواله؟
المشترك في مصوّرات هيثم فتح الله (2009/ عمان/ قاعة الاورفلي) يكمن فيها ـ بداهة ـ لكن مهمات الكتابة، لا تعمل، إلا في حدود ما تذهب إليه هذه المصوّرات، وضمنا ً: ما تخفيه؟ ومهمة الكتابة ـ ولا أقول النقد أو التأمل أو التأويل ـ هي الأخرى، تنشغل في حدود الكلمات، إنما، ليس في حدود الأشياء، بل في ما تمثله من باثات. وهنا تغدو ثمة (صلة) ما بين النص المصوّر، والكتابة: صلة لا تخفي أن شيئا ً ما لا مرئيا ً ترآى كطيف وقد كدنا نلمسه؟! أهذا ما كان قد شكل عمل هيثم فتح الله، منذ سبعينيات القرن الماضي، حتى يومنا هذا: ومضات يرجع قانونها إلى لحظة تحول العالم إلى: صورة .. ولحظة تحول الصورة إلى: لغز.

أولا: بداهة، العين، لم تكن مشفرة بالفن. لكن من الصعب دحض أي نظرية ت أو أي احتمال ـ ما إذا كانت محض آلة! إما بعدم وجودها، ليس لدينا ما نتكلم عنه. هيثم فتح الله، هنا، لا يجعل العين آلة تصوير، ولا يحول آلة التصوير إلى عين. انه يوازن بينهما في عمل مستحيل: اكتشاف (الفني) في الفن. هذا الانشغال بالذهاب وراء عمل الآلة ـ العين، أو العين ـ الآلة، نحو الإقامة، حتى لأجزاء تقع على تخوم أجزاء اللحظة ـ في النص: صناعته بما يمتلك من عناصر، وما يمتلك من مخفيات، كالزمن ذاته بصفته غدا الصفر في وجوده العنيد. فالعين لا تعمل عمل آلة التصوير، ولا آلة التصوير تعمل عمل (العين)، إنما هناك شيئا ًما له حضوره، بفعل آليات عمل العين وقد بلغت ذروتها في آلة التصوير، وفي آلة التصوير وهي لم تتخل عن مكونات العين الأولى.
ثانيا ً: هل ترك الفنان بصره يذهب حيث لم يمتلك قدرة إهمال أكثر العناصر إثارة: الضوء .. أم كان للضوء (ومساحته المشغولة بالعلامات) قوة جذب الفنان ومنحه طريقة ما للتدوين؟ بمعنى: هل وجد السكن للإقامة .. أم لم يكن للإقامة حضور إلا بفعل الساكن؟ نصوص تجاربه الفنية، تتحدث عن وحدة نائية ـ ومباشرة ـ بين الضوء الكامن في البصر (وفي عملية الاستبصار) وفي ما تمتلكه الأشياء (الذرات في مكوناتها) من باثات. إن الفنان يعيد للمشهد تدشيناته، بحدوده، وبحدود عمل العين، إنما ثمة ما تريد العين أن تراه، في المخفيات، وقد تجسدت بأبعادها، ودرجاتها الضوئية، وعددها، وحركاتها، وعبورها نحو ما سيغدو غائبا ً.
ثالثا ً: أم أن الفنان، كما في كل نص توفرت له توازناته، بين المحركات والأشكال، المرئيات ومخفياتها، المعلن والمشفر، المباشر والمرمز ..الخ هو الآخر، لم يعمل إلا على انجاز أقاصي العلاقة بين العناصر وما ستشكله، بدوافع الذات، هوية للنص الفني. ذلك لأن (المعادل الموضوعي) الذي تحدث الشاعر الانكليزي (ت.س. اليوت) عنه، ليس شرطا ً، بل مدرجا ً لمعادل يقع خارج نطاق الكلمات، يخص الأثر .. والذبذبات، والأطياف.
رابعا : إن هيثم فتح الله، لا يقدم نصوصا ً فنية بمعزل عن نسق أنها تتضمن اندثارها: جذع شجرة مكسور.. صخرة تعرضت لعوامل التعرية ..طيور في حالة نشوة .. بيوت مكتنزة برائحة سكانها .. الخ إنما لم يغفل أن أكثر الأسئلة استحالة على الإيضاح، لا تكمن ي النص الذي تضمن موته، بل في الموت الذي تضمن استحالة حدوثه: الومضات، مرة بعد مرة، تسمح للزمن أن يشكل علاماته.
خامسا : لا اثر للذات في نصوص الفنان، إلا كتدخل الأثر في مكواتها. ومرة بعد أخرى، سيشتغل (التوازن) في البحث عن مفتاح. فالتوازن ليس معادلا ً كلاسيا ً حسب، بل هو وحده سيقود التوازن إلى المغادرة ـ والدحض. فهيثم فتح الله لا يصوّر، المكان المتفرد، أو ما يبهره، بل ـ هو ـ لا يصوّر، إلا عندما تشتغل ذاته الجمالية، في إعادة صياغة ما سيغدو نصا ً فنيا ً، يضع المتلقي إزاء ديمومة توازنات شُذبت، وصاغت كيانها بفعل هذا الجدل: نفي الثابت، ونفي الحدود، بحثا ًعن الضوء الآخر، الكامن في الإضاءة. فالتوازن ـ هنا ـ خلخلة، وسلسلة فجوات: حركة تذهب ابعد من علاماتها، إنما لن تجعل من الديمومة، أو الامتداد، إلا استقصاء ً لمؤشرات ـ الحركة، وعلامتها: رذاذ ماء اكتنز بمخفيات الذات.
سادسا ً: الإشارة الأخيرة، تسمح لتعريفات التقنية أن لا تنغلق: ما التقنية؟ تقنية العين ـ الدماغ.. وتقنية آلة التصوير، ومهارات المصور .. وتقنية النص الفني وعناصره، ثم أسسه في التركيب والبناء والتشفير .. الخ فالديمومة لم تشغل الفنان إلا بما تتضمنه من آليات عمل تجعل المعنى خارج حدود التعريف، لا نسبيا ً ولا في المطلق، بل جعله يتوحد ـ وينفصل أيضا ً، بينه وبين ما ينجزه. فهو يمتد من ذاته نحو الموجودات، وفي الوقت ذاته، سيسمح للموجودات المصورة، أن تمر عبر (ذاته) نحو نصوص لا تقول ولا تتكلم، إلا كي تتضمن ذروتها: الفن. فالتقنية هنا مغايرة لمفهوم الحرفة، لا لأنها تريد أن تذكرنا بكل ما لم يدشن، أو يرجعنا إلى العصور البدائية، بل، نحو: بدائية تجعل كل ما لم يدشن، علامة مهارة مشفرة خارج تقاليد الحرفة وعاداتها. انه انشغال بالتحري عن إنسان أوجز نهاياته بمقدماتها، وجعل من تدشيناته البكر مدرجا ً للمغادرة، بعد أن صوّر الفنان علامات لفلسفة لم تنتظر من (يدفنها) أو يعلن عن (موتها) بل عن: انفتاح للإقامة في ذروتها: كيف تتكون فلسفة الصورة ـ تشكيليا ً ـ وقد كفت أن تكون (شيئا ً) أو (حيادا ً).

[3 ] الماء/ الضوء/ والتراب: مجد البرية/ أو الحلم المستعاد

باستثناء ملامح محيا ـ لراقصة باليه ـ في طريقه إلى التواري، تجنب هيثم فتح الله، إقامة علاقة مع الوجه. فليس ثمة تصوير للشخصيات، في هذا المعرض، بل لا وجود للجسد أيضا ً. إنها ليست مصادفة، محض، فالوجه، الذي غاب في رسومات عصر الكهوف، وفي الدمى، وفي تماثيل الأم، سيتخلى عنه الفنان بما يتضمن من تعبير فائض، وربما لا يسهم حضوره إلا بجعل عناصر الخلق، فائضة أو بلا اثر. على أن غياب الإنسان، جسدا ً أو وجها ً، من ناحية ثانية، قد يفسر ما للوجه (المعاصر) من دلالات تمت معالجتها عبر السينما، والفنون التشكيلية، وصولا ً إلى العمل الوثائقي المقترن بالأحداث، عبر التلفاز وشبكات الانترنت .. الخ، فالوجه ـ والجسد ـ والكيان برمته، أصبح أكثر قطيعة لا مع جذوره، بل مع مستقبله! فهو ليس فائضا ً، بل غدا أكثر حضورا ً فيجعل الغياب (والزوال) يستحدث عنفا ً يتقاطع مع فلسفة الفن، وجمالياته، عند هيثم فتح الله. وهذه الإشارة ستحرض حالا بالعودة إلى قفاها؛ فالإنسان، وليس غيره، مسؤول بالدرجة الأولى عن تاريخ الحاضر: عنفه وازدهاره معا ً. فلماذا لم يلفت نظر ـ وفكر ـ الفنان؟ وهل تكفي عودته إلى الطبيعة: الأم بما هي شاملة على الديمومة وألغازها، لسد فجوه حضور الوجه أو الجسد؟
إن منهجه في هذا المعرض، كما يخّيل إلي ّ، استند إلى انشغال مغاير: فالضوء/ والماء، إضافة للريح والتراب، كلها شكلت نسيج النصوص ووحدتها. فثمة انشغال بما هو اقل تعرضا ً للانسنة ـ والتلوث، مع أن الحياة البشرية تتقدم نحو حتفها، بطغيان الاستهلاك، وزيادة الملوثات. فالفنان عمل على قراءة، حلل وفكك وصهر وشفر فيها ما بدا له يتمتع بعفوية لم تدمرها حداثات التراكم ولا جنون المستقبليات: صخور وطيور وورود ومياه وريح وأشجار كلها تمتلك سر بذور خلقها، داخل الزمن وخارجه، بحضور البشر وبغيابهم.فهو مادة الذاكرة، وليس الإنسان فيها إلا علامة انشغلت بمحو العلامات، عبر موته وبعثه، إنما لم تفقد أبدية اللامرئيات (المكونة للأشكال ونبضات الحياة) عملها بمعزل عن: الشاهد/ المراقب/ الراصد لها، أو الذي هو جزء من دورتها الكلية، عبر التحولات. فثمة (توحد) بلغ ذروته في اللا فعل: في الإصغاء إلى رفيف ذبذبات مرور الأزمنة ـ عبر العناصر ـ تاركة أطيافها تسكن ذاكرة إنسان لا يمتلك إلا آلة راح يوثق بها هذه الوحدة: اندماج البصر بالعناصر وقد أصبح الإنسان جزءا ً من كل، ليس إلا .. لأن الفجوات ليست مسافات قائمة بين العين والمشهد الخارجي حسب، بل فراغات تخص الذات بالدرجة الأولى. وفي الوقت نفسه أصبحت الطبيعة ـ هي ـ التي تمتد، عبر العين، لتدوّن اللغز المشترك عبر: حركة بنيات، كيانات، تتضمن سرديات المتكلم، أو حتى صمته.
إنها نصوص كونّتها عناصر، وخامات بكر، نسجها المصوّر بما هو لا مرئي من صلات بينها. فهي عملت كعمل المشفرات في الحفاظ على برمجة دورة الموت والميلاد. الطبيعة بما هي عليه: لا تكرر ذاتها إلا عبر تنوعها اللا محدود، ببنيات لها ملامسها ومساحاتها وألوانها وتشذيباتها وكل ما سيجعلها مبرمجة ذاتيا ً. وإذا كان الفنان قد وجد فيها ـ كموروثات ترجع إلى أصولها ـ كل ما لا يمكن الاستغناء عنه، فذلك لأنها لم تترك الإنسان يذهب خارج حدودها. فهي الموت وقد امتد كعلامات زاخرة بالتنوع، وبالحياة وقد صاغت للكائن طرقا ً في الحفر، والاكتشاف، وليس طرقا ً في الهدم.
هيثم فتح الله، لا يصوّر، ولا يرسم، نصوصا ً مصنعة أو مركبة بدافع إعادة صياغة الطبيعة، أو تمجيدها، أو الثناء على ما تمتلكه من بذخ ولغز للتجدد وقدرات توليدية، وإنما لأنه وجدها تمتلك قدرات لا محدودة تمتد حيث الأعماق ستشكل هويتها معها، وليس بعيدا ً عنها. فتحديثات الفنان، في عصر العولمة، تسمح للضوء، وباقي العناصر، أن تستعيد عصر براءتها أبدا ً. هل حقا ً أن الطبيعة تمتلك هذا الذي جعله يذهب ابعد من الجسد ـ والوجه ـ والإنسان، حيث رذاذ الماء، كومضات ذرات الصخور، وأثير أشعة الشمس، وباقي مصادر الإضاءة، وباثات خلايا التراب، والنبات، والهواء، كلها، مع الزمن، تحكي لوعة ليس لجمالها إلا ذروته: حافات الرهافة، وصفاء التأمل.
[4] تقنيات وفن
ما الذي يمكن أن تقدمه التقنية الحديثة ـ وما بعدها ـ للفنان، عدا أنها وسيلة لغايات محددة، وأخرى، لا تعزل عن بنيتها؟ في الواقع، يمكن قلب السؤال: ما الذي قدمه الإنسان ـ وليس أي كائن آخر ـ للتقنية، كي تسهم بخلق نزعات ـ هي الأخرى ـ أما متجذرة فيه، أو مضافة؟ والمضاف، في التقنية ـ منذ صناعة الفأس وصولا ً إلى علوم الهندسة الجينية وعلوم الفضاء ـ راح يعدل، أو يظهر، أو يستحدث غائيات حولت أحلام الماضي إلى مستقبليات، هي بمصاف المعجزات. على أن (التقنية)، كعلامة، هي الأخرى، كالإنسان ذاته، لم تعمل باتجاه واحد. فمع انها راحت تعمل بالمخيال الأبعد،في التقدم الحضاري، نراها في مجالات أخرى، حملت إشارة مدمرة لبذور هلاكات لا تحصى.
ومع أن هيثم فتح الله لم يخترع آلة التصوير، ولا اعتقد انه عمل على تطوير تقنياتها، إلا انه ـ بفعل رهافته ـ لم يستبعد ما ستقدمه ـ له ـ في رؤيته، أو على صعيد تركيب النص، وبناءه.
هذه الإشارة، ونحن في عصر ما بعد الحداثة، ودول العالم في أنظمة، اقتصادية وأخلاقية ومعرفية، هي الأخرى، تكرر سؤال الحداثة ـ وما بعدها ـ ما إذا كان الطريق قد بلغ نهايته (كما وضعنا نيتشه، وفيما بعد، هيدجر، إزاء المجهول)، أم انه، ليس إلا ما كان متضمنا في خلايا الخلق الأولى؟
إن مصوّرات هيثم فتح الله، تعمل في جوهر الإشكالية. فالفنان لا يصنع أسئلة، مثلما لا يصنع (صورا ً) طبق الأصل، أو ذات أهداف تاريخية، تخص الأحداث أو الشخصيات. لكنه لم يصبح (فنانا ً) إلا لأنه عمل بفلسفة [ما]، من الفلسفات، مثلما راح يحقق فلسفته عبر تحويرات وتعديلات وإضافات لم تعزل العين عن حداثة تقنيات الفوتوغراف، ولم يستبعد التقنيات عما تخفيه العين، بصفتها ( لا تنفصل عن نظام الدماغ وعمله) كي تنتج وعيا ً، في عالم لم يعد بستانا ً أو حديقة، أو فردوسا شفافا ً.
في هذا الإشكال، يستنطق الفنان أقدم منجزات (العين) كعلاقة بين التقنيات الفسلجية المعقدة، وبين علاماتها: رسومات الكهوف، أو النقوش فوق الأواني، أو في الدمى ذات الأبعاد الثلاثية .. كي لا يغادرها! بمعنى أن لغز (العين) لم يدع حداثة التقنيات تعمل منعزلة عن تحقيق: تصوير ما لا وجود له في الطبيعة، إلا عبر وجوده في الذهن ـ وعي/ دماغ/ وأصابع ـ الفنان؟ فالصلة شائكة حد أن فاتحة الأسئلة، ستصاغ، مرة بعد مرة، مع نهاياتها. فموت (الفن) ليس ذريعة لخلق بشرية يتحتم عليها الانفصال عن مقدماتها. لأن تحول (القيم/ المثل) إلى (سلع) ليس خاتمة للانفصال عن الطبيعة، وعن ما هو بشري ترجع أصوله إلى: الماء.
مصوّرات هيثم فتح الله، لا تقارن بالموسيقا الالكترونية، أو برسومات الحاسوب، إلا بما تتضمنه من نزعة جمالية لم تنتجها القطيعة مع (البشري/ الإنساني) بل لإحياء أقدم الشفافيات والرهافات التي دشنتها أصابع الإنسان، وإرادته. انها ليست نزعة فلسفية أصولية، أو ارتدادية، أو محافظة، بل، على العكس، انها نزعة تتشبث برؤية هذا الذي لم يعد يتسلل إلا عبر عصر تصنعه التسارعات، والتراكمات، والاندثارات. فالذي يغيب، والذي لم يعد مرئيا ً، أو يلفت النظر، غدا دافعا ً لانشغالات الفنان وفلسفته: رذاذ شلال/ بقع ضوء فوق العشب/ سكون صخرة منعزلة/ وردة تتفتح/ ريح تعصف بالأشجار/ حافات جسد يرقص .. الخ انها ليست لقطات هاربة، أو قيد الاختفاء فحسب، بل لقطات تسمح لاستذكار تقنيات لا تجعل من الجمال إلا علامة ديمومة، وليس علامة تراكم. فهذا الذي يغيب، ليس هو الزمن، وليس هو الفن، بل هو الإنسان الكامن في الإنسان.
فالمصوّرات، ليست أدوات، مثلما لم يحولها الفنان إلى (سلع)، والفنان لم يكونها ـ يركبها ـ ويبنيها بصفتها استثناءات، أو تفاصيل نادرة، أو تمثل أهداف الوثيقة، بل لأنها لم تفصل عمل الخبرة، والتقنية في ذروتها، والمهارة عن تمثل اعقد ـ وأقدم ـ انشغال لم يدع (الزمن) يتوارى أو يغيب، إلا ليتكون، كتكون الأسرار، في انبثاقات لغزها: هيثم فتح الله، هنا، لم يصنع (مقدسات) وثنية، أو سلعا ً نادرة، بل عمل على هدم أكثر العادات متانة: وثنية المقدس، وقد غدا راسخا ً. فلم يوظف حداثة (التقنيات) إلا للحفر في هذا الذي لم تعد العين تراه، إلا مجهولا ً: الرهافة وقد بلغت ذروتها: حيث سينقب عن الشعري ـ في الشعر ـ وليس في أنظمة الكلام ـ أو الكتابة: انه الشعري الذي تكون مع (البصر)، وقد غدا لغزا ً في ذروة تقنيات الحداثة: منح المدى أن لا يغيب، كما في عمليات الإنتاج ـ الاستهلاك، وإنما أن يحافظ على ديمومته، كرهافة، هي الأخرى، أظهرت قدراتها على عدم التواري، أو الاندثار.

[5] جسور الإقامة: الكل والأجزاء

ليس بدافع استقصاء العلاقة بين التفاصيل والكل، أو بدافع العثور على جدلية بينهما، ينوع الفنان النص افني، تارة بترك العدسة تتسع للمشهد باتساعه، وتارة يقترب حد محاولة للامساك برذاذ مكونات اللا مرئي، فحسب، بل لأن الزمن ذاته يعمل بأبعد من عمل الغوايات، بين التفاصيل والكل. فعمليا ً لا ترى العين إلا بحدود ملكتها على تطوير مهاراتها في الذهاب ابعد مما تراه العين (الجمعية) نحو وثبات، في الغالب، شكلت معنى الفن وبنيته. فالتوقف عند الأجزاء، أو عزلها عن سياقها الكلي، لا يمثل، في التذوق، ما يتضمنه الكل، مثلما الأخير، سيبقى يخفي ذراته المجهرية، الأمر الذي منح الفنان، حرية العمل بروح الجسور التي عبرت عليها الأزمنة: الانتقال من الملموس نحو نهاياته، والبدء من السراب بحثا ً عن تصوير حافاته. فالمرور، هنا، ليس عزل الحدود (البنيات)، أو دمجها، بل الإقامة في المتحرك (في ذروته) للثناء على جهد تكاملت محركاته فيه: المدى اللا محدود، والذات، والوسائل. فالنص الفني، ككل علامة، لا يتوقف عند حد من الحدود؛ لا عند المشهد الكلي، ولا عند جزء من أجزاءه، ولا ما سيقوم المصور ببنائه حسب، وإنما ببذل جهد شبيه بعمل سحرة المغارات، في العصور السابقة على زمن الوعي، والكتابة، والسلعة، والعملة .. الخ في جعل الفعل مكتنزا ً بديمومته. فالساحر، كعالم الفيزياء، لا يعمل إلا بمخيال ناء ٍ، لأنه لا يمتلك إلا العمل بالمستحيلات. فاينشتاين كان يرى أن اللامعقول وحده يغدو منطقيا ً، مثل أسلافه، سكان الغابات، كانوا يقيمون أعيادهم مع من سكن الأشجار، أو أقام في الريح، أو اختبأ في البذرة! فالمنطق الفني يمسك بزمام مقود لا يقل غموضا ً عن المجهول الذي يذهب إليه، بعد أن غدا غير قابل للانغلاق. هيثم فتح الله، هو الآخر، يذكرنا بالسومري وهو يرتفع عاليا ً في السماء ليرى النهر خيطا ً، والقرية نقطة، بعد أن كان قد لامس ماء النهر، وسكن المدينة. ذلك لأن الفعل السحري للتقنيات الفنية، في النص الفني، تتمتع برؤية الجسور، الشبيهة بعمل سلاسل خيوط الشمس غير المرئية، أو عمل المشفرات الهندسية للموروثات في برمجتها الكلية للحياة والموت: كلاهما ـ الشمس والمشفرات الجينة ـ لا ينفصلان عن الإضافات، والتعديلات، في الإمساك بما هو بحكم المستحيلات. في الفن، لا يتكرر الأمر، بل يعمل بالاستحالة ذاتها: لا تقول الأجزاء ما يريد أن يقوله الكل، ولا يقول الكل ما تمتلكه الأجزاء. فثمة فجوة بين زمن وزمن، كالتي تراكمت هنا، وهناك، في الذاكرة، أو سكنت الخامات، أو في الطبيعة، صلات تعمل عملها، كعمل هيثم فتح الله، وهو لا يدع مشهده الكلي وقد انفصل عن مخفياته، كما لا يتوقف عند الأجزاء التي بهرته، بل يسمح لبصره وأصابعه ـ عبر تحديث الوسائل ـ في تقصي عوامل البناء، وليس في التفكيك. انه المشي في الدروب القادمة من المجهول، وليس من المؤكد أنها ستنغلق خلف باب لا تنتظر يدا ستدير المفتاح في قفلها، وإلا ما مغزى الجسور، إن كانت للعبور حسب، وليس للاحتفاء بإقامة ابعد. وهل لمستقبل التصوير الفوتوغرافي، والرسم ـ أو كلاهما ـ عند فنان شرقي، معذب بالحساسية، والجذور، والشفافيات، غير أن لا يكونا فائضين، في سياق (عولمة) تكاد تجهز على تفاصيل حياة، برهنت أنها لن تتوقف عند عشوائيتها.

[6] ليست خاتمة

في حداثة مطلع القرن العشرين، مثلما في أقدم رسومات المغارات، ثمة نزعة عمل عليها اللاوعي ـ بفعل تقاليد تخصصات مستحدثة تماما ًـ منحت النص (أو ما ينتسب إلى الفن) اختزالات دفعت بالفنان إلى معالجات ينفرد فيها النص، بعيدا ً عن ضرورات الشرح، أو الإيضاح. إنها تماثل صناعة أدوات تضمنت شيئا ً آخر، غير الضرورة ـ النفع أو الاستعمال ـ تخص ملكة (التذوق) ضمن عمل ملكة (الإدراك). انها ليست نزعة (شكلانية) أو إشارة لنزعة (الفن للفن) أو العناية بإسرار الحرفة لصالح فن (النخبة) كأسرار أو مشفرات لمعالجة قضايا غير عامة؛ كأنظمة السحرة، أو كهنة المعابد، أو خاصة بحاملي مفاتيح العرش، أو المكلفين بحماية مشفرات الأسلحة الكبرى .. الخ إنما، على العكس من ذلك تماما ً، بمنح (النص) قدرات لمعالجة كل ما سيشكل لغز عمل: البذرة. انها ليست محاولة لشرح دورة ما منغلقة، بل للعمل على فك مغاليقها، حيث المضامين تبلغ ذروتها ليس في الاختزال، بل في التجريد، الأمر الذي يمنح (النص) ديمومة غير متوقعة، يتوارى فيه الصانع، كي يشتغل بنظام لا يخضع للمزيد من الإيضاحات أو الشرح.
في موضوعات الحداثة، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، ظهرت نزعة حذف التسميات، والاكتفاء بـ: تكوين/ تجريد/ موضوع .. الخ لا إغفالا ً للمحركات، أو تعاليا ً عليها، بل لاقتراب كثرا ً منها دون تدميرها بالإفاضة. ذلك لأن (المتلقي) سيتبنى دور فك المنجز بما يحمله من معان ومعالجات، هي ملك عام للنوع البشري.
والأمر ذاته ينسحب عل رسومات عصر الكهوف (مع إننا لا نمتلك أدلة تؤيد ذلك) بما تمثله تلك الرسومات من أنظمة مازالت تعمل خارج المتحف.
هيثم فتح الله يعنون معرضه بـ (مصوّرات)، هذا إذا استثنينا شرحه لجدلية الفوتو ـ رسم، واستخدام البرامج المتقدمة في آلة التصوير، فان (مصوّراته) تختزل، وتشذب، وتجرد، الموضوعات، بما تمتلكه من معالجات.
فالموضوع المعالج في نصوصه، لا يمثل إلا ما سيبقى يعمل على إيصاله. لأنه ليس: وثيقة/ أو حركة/ أو مكان/ أو دعاية/ أو مهارة حسب، بل لأنه الذي يواجه المشاهد ـ المتلقي ـ برغبة الحفر في النص ـ ومكوناته، بما لا يعلن عنه. إنما لا ينغلق النص باستبعاد واقعية الموضوع ، ورمزيته، بل يعمل على تلافي الانغلاق، باستعادة جذور تعمل عبر (الفن) في حساسيته، وبجدلية تضافر: الرهافة ـ والخبرة، نحو: هذا الذي سيبقى متصلا ً بالأعماق.
إن هيثم فتح الله لا يعمل خارج المفهوم الذي أسس (الانطباعية) ـ مع عصر تأسيس آلة الفوتوغراف ـ ولكنه ليس انطباعيا ً إلا في اختيار لحظة يجدر أن لا تغيب: لحظة باثات وردة/ انكسار غصن/ أو عصف ريح في الأشجار/ أو ذبذبات رذاذ ماء/ أو تكوين لتجمعات طيور .. الخ لحظة تغدو جسرا ً متحركا ً من اللقطة نحو المتلقي، ومن النص إليها. فالفنان يهمل ترليونات اللحظات كي يحدد اللحظة التي سيتحكم فيها عمله ألمختبري ـ بعد ذلك ـ لجعلها تتضمن عبورها الدائم: بثها كإرسال لا يخص موضوعا بذاته، بل بما يمتلكه من صياغة له، كلفت نظرنا لعنايته ليس بالمجسمات ثلاثية الأبعاد، بل بعمل السينما، والزمن، حتى يغدو النص مختبرا ً لكيمياء جمالية قائمة على منطقها الواقعي تماما ً.
فثمة: ضوء/ وماء/ وريح/ وتراب، كلها لا تعمل بمعزل عن بعد: الزمن. فالأخير، لا يعمل خارج إشكالية الذات ـ منذ كان إنسان الكهف يتعلم الرؤية بأصابعه، كأعمى، وصولا ً إلى البصر، والطيران ـ بصفتها لا تنتج (علامات) للعمل، بل للتأمل. وربما سيكون (عمانوئيل كانت) وحده مبتهجا ً لتطبيقات تجعل من الميتافيزيقا علما ً، لكن هيثم فتح الله، لم يسمح للأشياء في ذاتها، إلا وقد غادرت انغلاقها، كي تعمل مصوّراته باكتشاف دروب تحمل تدشيناتها وهي تسكن الزمن عبر عالم لا يمكن رؤيته إلا باستعادة جذور تبدو انها غادرت الذاكرة: جذور تؤدي الذات فيها مفهوما ً مضادا ً للتراكم ـ أس التصادم ـ نحو سكينة مكثت شاردة لا يمسك بحافاتها إلا من ذاق مرارات لا يفكك انغلاقاتها إلا من سكنها: وليس دينا عدا ما ينسحب إلى الفن، منذ أول عمل قامت به الأصابع، وصولا ً إلى التصوير اليوم، للبرهنة على أن الفن لم يكن مشفرا ً، إلا بما تمتلكه الذات من أدوات ـ مضادة لعملها ـ نحو: ما لم ير، ويكتشف، ويدشن، إلا عبر تلمس مرور الزمن، في خفايا العناصر، كذرات، وومضات سكنت ـ بعد أن منحها الفنان شرعية الإقامة ـ النصوص، لا لتخفي عملها، بل لتجعله، في كل جزء من أجزاء المرور، يبتكر إضافة توازي لغز بذرة وقد نسج الزمن معها ـ في ذات الفنان ـ امتدادا ً للديمومة، وليس للعماء.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6111250   Visitors since 7-9-2002