المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

لقاء مع اسماعيل غزالي

  
حسن البقالي
  











كل انخراط في كتابة قصة هو بمثابة توقف إزاء مفترق طرق، يترتب عنه ممارسة اختيار محفز حكائي بدئي ينفتح على اختيارات أخرى كلما تقدم السرد أماما باتجاه النهاية.
إنها لعبة مفترق الطرق التي مارسها اسماعيل غزالي بحرفية، وهو يفتح مسارب مختلفة للرؤية رافقناه من خلالها إلى المنتجعات السرية للحكاية، حيث الفن يجاور الطبيعة ويغترف منها، والرائي مرئي بدوره ضمن ما يمكن اعتباره مظهرا للأثر اللامتناهي، وعلبة اسقمري تعري الملمح الدائري للحياة والحبكة السردية، وحيث يبدو فعل القص أحيانا شبيها بتنضيد قطع مربكة لا محيد عن رص كل كلمة في الثغر الملائم لها على جدارية المحكي كي تشتعل الدلالة.
لا يسمي إسماعيل غزالي شخوصه في جماع نصوص المجموعة. وأذكر أنه في مجموعته الأولى ألح على تسمية كل شخصياته النسائية باسم موحد (شامة). ولعل كلتا الستراتيجيتين الحكائيتين تفضيان في النهاية إلى نفس النتيجة.. إنه يعيد شخوصه إلى زمن ما قبل اكتشاف الأسماء والتمايزات الدقيقة للهوية، إلا ما كان من تلامحات أساسها التوصيف. فذاك حصاد أشعث، وذاك أصلع أول فثان فثالث..وتلك عجزاء أو قصيرة بصدر جامح، أو سمراء نحيلة أو فلجاء الأسنان...شخوص يتنفسون الحياة وسط مظاهر طبيعة بكر تميز الأحياز الجبلية الرائعة للأطلس المتوسط، وكأنما يعيد "إميل" إلى الطبيعة والفن إلى بدائيته الأولى.
كما أن الفن والحلم طريقان ملكيان للحب.وفي طريق مماثل لا يحتاج الشخوص إلى أسماء، بقدر حاجتهم إلى نزع ملابس النوم والسرنمة عبر جسر طويل ومغر من لغة وصنعة حكائية. "
* " اثنتا عشرة ساعة قبل سقوط صنوبرة" . كما لو أنك نقشت هذه القصة على مسلة فرعونية، فإذا حافر يوقع خطواته في دم القارئ هو الزمن الذي نكاد نلمسه في تعاقبه وتدرج الشمس نحو التعب.. سيتخذ الزمن قياسات متعددة خلال المجموعة ولن يقل تطاولا ولو تلفع بعشب الكناية في " النائمات على العشب".
هذا التدقيق في الزمن مرتبط – لا شك - بتدقيق في هندسة المحكي، حيث الأثر الواضح للصنعة في تدبير المحمولات وتوجيهها شطر لحظة التنوير الأخيرة.. فهل القصة لعبة أم هندسة أم هي ملء ما يبدو أنها فراغات تتركها الحياة للمعنى؟

- القصة القصيرة ، سيدة الشؤون الصغيرة هذه ، معنية بجراحة الدقّة في هندسة احداثيات العدم داخل فضاء أحدّ من محدود . العدم هنا هو الغياب الذي تروم آلة الكتابة تأثيثه بحضور في صيغة وجود أنيق .
والزمن هنا للتدقيق المضاعف ، ثلاثي الوجود ، زمن الحكاية وزمن الكتابة وزمن القصة القصيرة . وأما تدبيره الأساسي المضغوط والمركّز في النص لايلغي صنوه الفيزيائي : المكان . وهما معا ( أي الزمان والمكان ) إن شئنا الدقة الأكثر جسارة ، يصيران في سياق خاص بالمغامرة السردية في هذا النوع من الكتابة المراوغة ، بالنظر الى مكر القصة القصيرة ، أداتين من أدواتها في تدبير ممكنها ومستحيلها معا .وليس فقط كبنية مزدوجة مندمغة في فضائها كما هو متعارف عليه ، غير أن الذي يعنيني في نظام الأشياء الخفية داخل كينونة القصة القصيرة ، هو الزمن العمودي ، الذي يلحم التناقضات والأشلاء المتنافرة في أشد لحظاتها توترا .
القصة القصيرة قطعا ، ليست لعبة وفقط ، كما ليست هندسة وحسب ، ولا ملء فراغات تصدقت بها الحياة لفضيلة المعنى كي تحشوها آلة القص ببراغيها وانتهينا . هي أكثر من ذلك مهما وكيفما تجاسرنا على ضرورة التقويض و مجازفة التحديد و جسامة التعريف . وبعيدا عن فعل المجاسرة هذه ، لابأس من الوقوف عند هذه التخوم التي يقترحها السؤال العلائقي :

القصة القصيرة في المبتدأ والخبر ، لا يمكن أن نطبق عليها بقبعة ما ( سواء نقدية ، نظرية ، أو بشهادة وتجربة و بيافطة اشهارية الخ ) داخل سماء الادب ، وان افترضنا ان الادب صناعة خيال ووهم ولذة . فهذه الصناعة غير مشروطة الا بحريتها حيث الكتابة غير مدينة الا لجنون الهتك والهذيان . هتك الماضي والحاضر والمستقبل . والكتابة تكون أصدق لروحها لما تلغي في طريقها غير المعلومة كل تصور بدئي للمغامرة وبالذات لما تلغي الظلال التي يمكن ان تسبقها أو تتبعها وتثقل مشيها المرح ، ظلالها أو أغلالها هي حينما تشرط حريتها بالمجتمع والايديولوجيا والتاريخ والواقع أيضا . وانحلالها المغناج عن كل هذا الارتباط الخشن ، وانكشاف مزاجها الشائك وابتهاج رقصها المدوي هو في انصرافها الكلي الى قيمتها الأثيرة ، وفضيلتها الحميمة ، بل جوهرها السديمي ( وان يصعب القول بوجود جوهر في الأصل ) إن صح التوصيف : اللعب . أجل اللعب . وبدهي أن يكون لعبا جادا للتأكيد العميم .
والكتابة التي تحتكم الى هذا الجوهر السديمي : اللعب ، لابد أن تكون القصة القصيرة في معترك إيمانها ، لعبة أثيرة جدا .
ولا أحتاج هنا أن أحتكم الى نماذج كتاب ومفكرين أقدر مني على هذه التأصيلات والتخطيطات ، ولا بأس أن أكتفي بالاشارة الى ما وقف عنده بارث مثلا بملء المكاشفة المرحة ، والثقل المعرفي الباذخ ، في كتابه المغامرة السميولوجية ، بصدد مفهوم النص : النص لعب وعمل .
وهي مقولة فذة تحيل بصدد القصة القصيرة ، على مقولة ثانية يكشف فيها بورخيس عن معادلة مركبة وسديدة إذ يفصح : أكتب بجدية الطفل الذي يلعب . وخيط هذه المعادلة الرفيع إن تتبعنا توقده عند أعتى الكتاب والفنانين ومنهم كتاب القصة القصيرة بالذات في كل العالم ، سنقف بقوة على ما يعزز قيمة اللعب المهمش والمنسي والمهمل في تاريخ الكتابة وسيرورتها . هذا وجه أولي ولابد منه كمستند للوجه الثاني من المسألة ، مسألة اعتبار القصة القصيرة لعبة ، هي كذلك بالضرورة كجنس دامغ الخصوصية ، يرتكز على قوانين حاسمة في تدبير اللحظة المارقة للوجود . أي القبض على أثر اللحظة في حيز صغير لايتيح الا تبئيرا للقول القصصي وتوليفا منمنما لمجمل عناصر فنيته المشروطة بالكثافة المصغرة والتخييل الحاد .
لعبة لآنها قصة أولا ، وقصيرة ثانيا ، وقصة قصيرة ثالثا ، أي أنها بهوية مراوغة ومركبة والوعي بهذه التمفصلات والحدود التي يستمزجها شكلها الغادر ضروري . لعبة لأنها تشبه هذا الأمر الغريب :
هدم عمارة بطوابق لامحدودة من أجل الاحتفاظ بغرفة واحدة صغيرة .
لعبة لأنها تتمثل باغتباط قسوة الشيء المنفلت ، محتكمة في ذلك الى لعبة الحياة والموت . لعبة لأنها تقتضي الصرامة البهيجة التي لاتلغي استعذاب الملهاة . لعبة لأنها فن محفوف بخطورة ، والخطورة مؤكدة في رهان استيفاء كمالها لشروط النقصان .
هل أزعم إذ أقول انها اللعبة الوحيدة التي استاثرت بغرام الطفل الآثم الذي يسكن بداخلي . هل يعني هذا أنها تعويض سافر عن الحرمان من اللعب الذي لم يتح لي وأنا صغير ؟ هل أعني أنها اللعبة التي كنت أود أن تُهدى لي أو أكتشف لها نظيرا في غمرة جموح والتباس الطفولة ؟
لا أظن ذلك دقيقا ، ما أود قوله في الغالب ضمن سياق اخر مجازف ووارد ، هو انها اللعبة التي يمكن ان توقظ فيك الطفل النائم أو تصنعه من جديد . أجل ، غرابة اللعبة هذه في امكانيتها الطريفة ، امكانية يمسي بفضلها صنع الطفولة راجحا لمن لم يعشها من قبل .
بعبارة ادق ، هي اللعبة التي تتيح للانسان ، أن يملأ فراغات طفولته ويؤثث سماءها بغيمات ذاكرته الاولى .
وبهذا المعنى المحتمل ، يراها الطفل الآثم الذي استأجر أول غرفة بداخلي ( قبل أن تُشيّد الغرف الاخرى ) ، آلة فاسقة للقبض على سراب الفراشات .
واما عن الهندسة ، وهندسة المتاهات بالذات ، فلا يروق لي مزاج الكتابة الا بقيافة الملغز واتباع أثر المعضل إذ أن الغامض والمحير والمجهول واللامعلوم واللامفكر فيه واللامسمى محض غوايات للتخييل المفتوحة على سؤال الابداع الحق الذي يعنيني ويعني مس الفن الذي يقلق هنيهتي في معبر الوجود الصارخ .
والهندسة هنا لايمكن أن تقوم على أنقاض اللحظة الميتافيزيقية للموهبة وتوتر اللمعة الغامضة لفعل الكتابة ، أي لا تجافي إرادة النص في خلق فضائه اللاشعوري ، إذ أن الخلفية المعرفية والمرتكز النظري والوعي المسبق لا يمكن باي حال من الاحوال أن يكون حاسما في تشكيل القصة ، فلا وجود لابداع ذهني خالص مهما تمّ زعم ذلك وإن بدا ميكانيكيا . الهندسة واعية بطبع ماهيتها وأدواتها ، لكنها في لحظة كتابة النص القصصي تتخلق أيضا وتندلع من صلبه بشكل لاواع .
وإن كانت الهندسة الماقبلية للنص القصصي ضرورية ومهمة للخلق الفني البصير والحقيق ، فلا يمكن تجسيدها كما هي في التصور القبلي ، بل تمكر بها تخطيطات النص العملية أثناء طقس الكتابة الغريب . هي ازدواجية مندمغة بمزاج الكتابة تتأرجح بقوة فيما بين قصص تتخلق معها هندستها لحظة انجازها وبين قصص تمّ انجازها وفق تصور ومتخيل وسيناريو مفترض مسبقا وان ليس وفاء له بالكامل . ورٌٌٌُبّ هندسة تحترم شروط أناقتها ، حيث مطلب التناسق الرفيع ، داخل ايقاع مضمر ومستبطن ، يراعي بهوس ومراس في آن ، التقنية كفلسفة وجود والمهارة كرؤيا والتقاط الفكرة الشقية ومتتبعات موضوعها المبتكر كحادثة جليلة للوعي وخدشا لطمأنينة المشهد ثم اللغة كمحفل أركيولوجي واستبزاغ بصري واستغوار شعري .
وأما الفراغات التي تتركها الحياة للمعنى من أجل أن تملأها القصة القصيرة ، فهي الفراغات نفسها التي تتركها القصة القصيرة ، لمعنى ثان من أجل أن يرتقها حضور الآخرين . وهي تماما تشكل اللاقصة في فضاء القصة القصيرة ذاتها ، بالنظر الى ما يسميه أنطوني تابوكي بالثغرات المتعمدة وأضيف الثغرات الفصيحة اللابد منها ، تلك المدسوسة كفخاخ غير مرئية و التي يجب أن تحدسها وتنبش عنها مخيلة القراءة ثم تخيط أثلامها عمليا بدل أن تسقط في نسق خدعها .



موقع حسن البقالي
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6227146   Visitors since 7-9-2002