المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

بنجامين آيفري يحاور سيوران *

  
  

آيفري : تكتب مجلة " باري – ماتش Paris – Match "أنك يا سيدي تحتفظ في عمر السابعة والسبعين ب" ملامح فتى لم يتخط العشرين من العمر ، و طريقته في الكلام ومظهره ".
سيوران : أكيد أنها مبالغة معيّنة.
آيفري : كتبتَ يا سيدي بانه ينبغي التعلم من الطغاة : “ العالم بلا طغاة يكون مملا مثل حديقة حيوان بلا إبن آوى ".
سيوران : هناك طغاة يطاقون وطغاة لايطاقون. هناك طغاة كلبيون بلا أيّ وازع ، وهؤلاء لايمكن تحملهم. إذا تعلق الأمر بتشاوشيسكو Ceausescu ليس هو تراجيديا بالمصادفة. إنه محروم من الإحساس بالفوارق الرهيفة nuances . وهذا بالضبط شيء يصعب تفسيره. الرومانيون هم الشعب الأكثر شكوكية والمحروم من الأوهام . وعلى الدوام بمكنته الرضوخ للأمر الواقع إلا أن تشاوشيسكو لا يعرف تلك الفوارق. يريد الهيمنة. كانت هناك مواقف أبدى فيها تشاوشيسكو تعقلا معينا - مثلا لم يقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. الطغاة هم عارفون كبار بالبشر. ليسوا هم بلداء : يعرفون كيف يحتالون و يعاملون الناس كادوات ويدركون الحدود الممكنة لتصرفاتهم. الطاغية الأحمق لاوجود له. الطغاة هم ناس يقومون بتجارب ، وطيلة الوقت يمضون الى الأمام والى النهاية ، الى اللحظة التي ينهار فيها كل شيء. التأريخ في ثلاثة أرباعه تأريخ طغاة وعبودية الناس.
الرومانيون هم شعب خاسر لاغير. أميركا غير آبة بهم . تشاوشيسكو يملك شيئا من نوع الذكاء. يعرف بأنه طالما يعطى الروس كل شيء يمكنه البقاء. الآن وصل الى النقطة الحرجة. و الشعب المحطم أخلاقيا وصل الى نهايته. البيولوجية ايضا. شحة الغذاء بالغة لدرجة أن آلاف الأطفال يموتون بعد الولادة مباشرة ، وأن على االآباء الإنتظار خمسة أسابيع كي يبلغوا بوفاة أطفالهم.
الرومانيون شعب مهشم على يد التاريخ. وشكوكيته هي موروثة . الآيدولوجيات تتطلب الإيمان بالأوهام لكن الرومانيين لا يملكون اوهاما.
تشاوشيسكو مدعوم من قبل الروس . في رومانيا يموت الناس جوعا لكن65% من اللحوم تذهب الى روسيا. تشاوشيسكو يعلم أن غورباتشوف يسنده. في رومانيا لايوجد حليب للأطفال، كل شيء يرسل الى روسيا. الرومانيون إجتاوزا عتبة اليأس. و يعذبهم سؤال واحد :” ماذا نأكل اليوم ؟ " . كان نظام تشاوشيسو النظام الوحيد الذي أيده الغرب. لكن لا أحد يعلم ماذا قد يحدث. وهذا المخلوق الذي كان جماهيريا في زمن ما أصبح طاغية. وكانت خيبة أمل رهيبة. بعد الحرب ظهرت الشيوعية ك" مستقبل ". حينها كان الوهم أمرا ممكنا لكن سرعان ماتبخر الحلم. تشيكوسلوفاكيا تملك تقاليدا ديمقراطية ووضعا إقتصاديا ليس بالسيء. الرومانيون لايملكون تقاليدا ثورية . إذن لايملكون هم الحرية.
في رومانيا لم يكن هناك حزب شيوعي ذو بال وليس كما في هنغاريا حيث يملك الحزب مثقفين. في رومانيا هناك خوف كبير من روسيا. و هذا الخوف من روسيا حال دون أن تحقق الشيوعية عندنا النجاح.
في رومانيا ، البلد المتشكك ، لم تكن قبل الحرب تقاليد ثورية . رومانيا تحالفت مع ألمانيا. وحين خسر الألمان قررت رومانيا التحالف مع روسيا. في رومانيا التي يقطنها عشرون مليون ، كان هناك 700 ألف قتيل. الروس أرسلوا دائما الرومانيين الى الخطوط الأمامية لجبهات الحرب.ولذلك لم يتمكنوا من الهرب. بعد الحرب كان الرومانيون منهارين. وإستطاع تشاوشيسكو أن ينتصر ، في الوقت الذي لم يملك فيها لشيوعيون قوة .
آيفري : أقدم صديق باريسي عندك هو يوجين إيونسكو.
سيوران : جئت الى باريس في عام 1934. و إذا كان على المرء أن يخسر حياته فمن الأحسن في باريس وليس في مكان آخر. ينبغي إختيار المكان الذي يخسر الإنسان فيه الحياة. تعرفت على إيونسكو ي أعوام الدراسة . و كان يجذبه الدين دائما. ليس هو بالمؤمن لكن الإيمان يغريه. لديه هاجس الموت وهو لا يستطيع تقبل حقيقته. إنه يشطب على فكرة الموت. ليس ممكنا هنا عمل أي شيء. إنه إنسان قلق . وهذا القلق هو مرضه. القلق في قلب كل ما يكتبه. إنه أكثر دينية مني أنا الذي لم يغره الإيمان أبدا. أما إيونسكو فهو مفتوح دائما على الإيمان. وحين كان شابا كان ملؤه القلق.
آيفري : وبيكيت صديقك أيضا.
سيوران : بيكيت بالنسبة لي هو إنسان مختلف تماما ويكون نموذجا مناقضا تماما للنموذج البلقاني. إنسان كتوم ُوهِب حكمة من نوع خاص. إنه مسيطر من جميع النواحي. وينحدر من طرف أوربا الآخر. قلق لكنه يملك حكمة ما. بيكيت وإيونسكو كبشر ٍ، هما على طرفي نقيض . صاموئيل بيكيت يسيطر دائما على النفس أما يوجين إيونسكو فيتفجر. مزاجان مختلفان جدا. وظاهرة بيكيت نشعر بها على الفور حين نكون في حضرته. هو لايظهر أيّ شيء من دواخله لكننا نشعر بأنه شخص ليس بالعادي. للوهلة الأولى يبدو إنسانا قلقا لكنه مسيطر على النفس . إنه طراز غير البلقاني : مشهد جميل لواحد مليء بالقلق لكنه مسيطر على النفس . إنه ظاهرة إستثنائية phenomenon .
رغم أنه يسكن بصورة دائمةفي باريس لم تلق فرنسا الفكرية بتأثير عليه. بقي أجنبيا رغم أنه يعيش هنا منذ أمد طويل. ليس هو طرازا لاتينيا بل آخر رصين.
آيفري : هل صديقك وإبن وطنك ميرسيا إلياده Mircea Eliade لم يحاول أبدا "هدايتك " صوب " القدسي sacrum “ ؟
سيوران : كلا ! هذا من المحال ! لدى إلياده يكون الدين مهنة . قبل رحيله كتبت مقالا متقلبا الى حد كاف. كان هو مسحورا بالدين لكنه في الأساس لم يكن عقلا دينيا. إهتم بالأديان أي بصيغة الجمع و ليس بالدين. أصدقاؤه أعتبروا مقالي متقلبا و مغرضا وغير لائق.
تعرفت على إلياده في أيام الدراسة . هو أمر أن تكون مؤمنا و آخر أن تكون مسحورا بجميع الأرباب ، يجميع الأديان. إذا كنت يا سيدي متدينا فلن تتجول حول العالم كي تقتنع بما يؤمن به الناس في آسيا. الإنسان المتدين يكفيه رب واحد أو ربّان كحد أعلى. إلياده إهتم بها كلها. وأراد الكلام عنها جميعا . الغيبيون الكبار لا يهتمون بكل أرباب العالم. الدين ليس شيئا من نوع الميزانية balance . إلياده قال في مقابلة بأني مخطيء. في الأخير ربما كان محقا في نهاية حياته لكن لو كان مؤمنا حقيقيا لما كتب تأريخ الأديان.
آيفري : يقال بأنك أفضل كاتب أقوال مأثورة " شذرات " بعد نيتشه.
سيوران : نيتشه أخذ يكتب شذراته في بداية جنونه حين نشأ فقدانه التوازن. لدي كان ذلك علامة للإجهاد. ولأي غرض التفسير والإظهار ؟ لايجدر عمل هذا. أنا ألقي بقول فإذا اعجبك يا سيدي فبها و إذا لم يعجبك فعليك بالسكوت يا سيدي ! الأقوال المأثورة كتبتها و لأن النفس إشمأزت من كل شيء آخر. أنا نقيض البروفسور. لا أطيق الإيضاح وخاصة أيضاح النفس.
آيفري : تقول يا سيدي : “ لماذا قراءة إفلاطون طالما أن الساكسفون ينقلنا أيضا الى عالم آخر ؟ ".
سيوران : هذه مبالغة معيّنة ، مفارقة رخيصة بعض الشيء. هي ذائقة بلقانية الغرض منها كان الإستفزاز.
آيفري : “ إذا كان هناك أحد يدين لباخ بالفضل على كل شيء فهو الرب "
سيوران : بدون باخ لكان الرب أصغر. بدون باخ يكون الرب هيئة من الدرجة الثالثة. باخ هو الشيء الوحيد الذي يمنحنا اليقين بأن الكون ليس بعمل مغلوط. فكل شيء لدى باخ عميق ، واقعي وليس من أجل التظاهر. بعد باخ يكون فرانز ليست لا يطاق. و إذا كان هناك وجود للمطلق فهو باخ. إن مثل هذا الإنطباع لا يمكن أن يمنحه العمل الأدبي و لأنه عند باخ لا توجد اللغة. في الحقيقة هناك نصوص لدى باخ لكنها ليست بالجيدة. الصوت هو كل شيء . باخ يمنح الدين معنى. ويجهد في تصور ذلك الجانب كعدم. ليس كل شيء وهما حين يستمع المرء الى مثل هذا النداء. لكن باخ هوالوحيد ، باخ فقط يفعل هذا كله، وفي الحياة كان إنسانا عاديا . ولولا باخ لكنت عدميا مطلقا.
آيفري : لزمن طويل كنت تأمل بأنك قبل أن تودع الحياة " سترى مشهد إنطفاء الجنس البشري ".
سيوران : كنت منقادا للشعور بالعظمة . مضيت بعيدا جدا. كنت عجلا. في تلك اللحظة لم أملك الشعور بالإضحاك. حين يكتب المرء لا يملك الشعور بالإضحاك. المرء يتطابق مع ما يكتبه وبعدها ببضع دقائق ينتبه الى الأمر. أثناء الكتابة ينبغي التصرف كما لو كان هذا الكاتب وحيدا في العالم ، جزءا من المطلق ، وإلا لماذا الكتابة ؟
آيفري : بعد عام 1992 حين تنشا الولايات المتحدة الأوربية هل تتوقع التوحيد الفلسفي للأوربيين ؟
سيوران : هذا أمر لن يحالفه النجاح. نحن مستهلَكون [ بفتح اللام ] ، متدهورون ، وأوربا لا تملك الحيوية . إنها حضارة قديمة . الحضارة الفرنسية عمرها الآن الف سنة. إنكلترا أيضا. ألمانيا لم تنفد قواها بعد. لا بد لكل شعب من أن يستهلك طاقة جنونه الى النهاية. فرنسا فعلت ذلك عبر الثورة ونابليون . وحين تنتهي الحروب الهجومية سنصبح حينها متحضرين. المانيا صارت مدحورة لكنها لم تستهلك طاقتها بعد. وفي الأخير إعتمدت دراما الألمان على انهم لم يملكوا دكتاتورا ذكيا بل مجنونا. هتلر أسرع في سقوط اوربا . لو لم يكن هتلر لقدرت أوربا على أن تهيمن لبضعة قرون. و بعدهتلر ليس بقدرة أوربا أن تكون مركز فكريا وفنيا. وبالنسبة للمستقبل تملك هي أهمية ثانوية . أنا أؤمن بمستقبل أميركا اللاتينية و أكثر من إيماني بمستقبل أوربا. هناك وحتى لو كانت الأنظمة فظيعة ثمة حيوية ما. تلك الشعوب ليست مستهلَكة [ بفتح اللام ]. أوربانا حطمت نفسها بنفسها. وهتلر أسرع بحلول الكارثة.
آيفري : الإنتحار هو عقدة مهمة في كتاباتك.
سيوران : الإنتحار هو شيء فائق الأهمية. حين يزورني الناس الذين ينوون الإنتحار أقول لهم : “ إنها فكرة إيجابية ! بإمكانك يا سيدي أن تنتحر في أيّ لحظة ". الحياة من دون معنى ، نحن نحيا فقط كي نموت. لكن أن تعرف بأنه ممكن قتل النفس متى تشاء هو أمر مهم جدا. وهذا الشيء يهدئنا و يمنحنا القناعة. المشكلة محلولة والكوميديا مستمرة. قبل المسيحية كان الإنتحار يعتبر عملا طيبا ، عملا من أعمال الحكمة بل حتى أنه مرغوب فيه. إذا كان أحدهم يائسا يمكنك يا سيدي أن تخاطبه : تستطيع أن تقتل نفسك متى أردت. لكن لا ينبغي الإسراع بذلك. الحياة هي عرض محروم من المعنى لكن واصلها الى متى ما تشاء فليس هنا من حدود ". وما يجعل الحياة تطاق هو فكرة أنك تستطيع الخروج منها. ثمة إمكانية للإنتهاء منها متى ما تشاء ، وهذا هو السبيل الوحيد لتحملها. فكل بليد يستطيع التخلص منها.
مرة إلتقيت في دار السينما بإمرأة أرادت أن تنتحر . قالت أنها تريد إنهاء حياتها. قلت لها : “كما تشائين ". أجابت: “ إذا فعلت هكذا فلن أنتحر ! “.
إن هذه الإمكانية في التصرف بحياتنا هي الفعل الوحيد الحكيم حقا ، الفعل الذي لا يستسلم لليأس في هذه الحياة. إنه عنصر مأخوذ من مشهد إستعراضي لكن ... فكرة الإنتحار تجعل الحياة ممكنة الإحتمال. و للاشخاص الذين يترنحون ويصرخون أقول: “ لديكم حل. لديكم المفتاح لكل شيء ".
بعمر الثامنة عشرة -العشرين وقفت على حافة الإنتحار. كان الأرق يعذبني . إنه أسوء مرض. ليال بكاملها كنت أجوب طرقات المدينة . أبواي كانا يائسين . وفكرت بأنه حان الوقت كي أنهي حياتي لكني قررت الإنتظار. الصحة هي شيء أعجوبي. وحينها زالت على الفور فكرة الإنتحار.
آيفري : هل هو أمر جيد أن يقرأ الساسة الفلاسفة ؟
سيوران : المفروض على الساسة أن يقرأوا الفلاسفة . في الأزمان القديمة كان الساسة فلاسفة . وأن تصوغ أثرا ما كتابيا في إشكالية. ميتيران Mitterand لا يقرا الفلاسفة ، هو أديب . إنه إنسان كلبي الى حد كاف ، بدون عقائد عميقة . فرانسوا ميتيران ليس رجل اليسار ، فهو يميني سابق. لكنه بارع ، شكاك ، متفلب مثل الحرباء : إنه يعيش اللحظة، الحاضر. فرانسوا ميتيران إنسان ثقافة ، وهو الوحيد بين ساسة المنظومة الأوربية من يهتم شخصيا بمعشر الكتاب. أنا افضل تماما شخصا من طراز فرانسوا ميتيران الذي يبدل آراءه ، على آخر ٍ آيدولوجي. الكوارث في التاريخ يصنعها الناس ذوو المعتقدات المفرطة في القوة. على المرء أن يعرف كيف يتراجع . وعلى قائد الدولة أن يملك قناعات مرنة.
فرانسوا ميتيران ليس رجل أفكار ، فبالنسبة له يكون الوضع ا لقائم الآن هو الشيء الوحيد الذي يحسب حسابه . وكل شيء هو أمبيريا empiry . حدة المراقبة لا تسمح بإمتلاك معتقدات يمكنها أن تكون خطرة وتقود الى التعصب. هتلر كان حالة باثولوجية . هذا المعتوه كان مؤمنا بأفكاره.
آيفري: أحببت َللغاية يا سيدي التانغو الأرجنتيني.
سيوران : أنا عاشق كبير للتانغو. وهو ضعفي الحقيقي. حضرت إستعراضا للتانغو الأرجنتيني في باريس لكني لا حظت أن التانغو قد تدهور. في أثناء فترة الإستراحة بعثت برسالة صغيرة الى المخرج كابديت رايي فيها : على التانغو أن يكون أكثر ميلانخولية . والآن ليست الروح كما كانت. فالأحلام الخائرة إكتسبت دينامية. هكذا يبدو ضعفي – حب اميركا اللاتينية. في وقت ما كان ذلك أعمق و أكثر خصوصية. وكان شغفي الوحيد والأخير هو التانغو الأرجنتيني.

* ملاحظة المترجم : ظهر هذا الحوار لكن بصيغة أقصر ، في الطبعة الأوربية لمجلة نيوزويك الأميركية في الرابع من كانون الأول 1989. وجاءت الصيغة الأطول في الكتاب الفرنسي الذي جمعت فيه الحوارات مع سيوران :
Entretiens , Gallimard , Paris 1995
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6339263   Visitors since 7-9-2002