المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

التعبيرية العراقية

  
علي النجار
  












( 1 )

لم تكن نشوء الحركات أو المكتشفات الفنية التشكيلية بعيدة عن مجمل متغيرات العوامل الاجتماعية أو السياسية المتحركة التي تعم محيطها الحاضن. مثلما هي علاقتها الايجابية بالمكتشفات العلمية المتأخرة التي بات من الممكن توظيفها في خطابها الإبداعي. إن كانت أوربا هي المنشأ والحاضن الرئيسي لكل مستجدات الفن التشكيلي الحديث والمعاصر, سواء, في الفترة الحداثية, أو الحالية. وان كنا وكفنانين تشكيليين عراقيين وعرب, لم نغفل عن الكثير من مفاصل الحراك التشكيلي العالمي, سواء عن طريق الاطلاع, أو المشاهدة. وأحيانا المساهمة قدر استطاعة بعضنا في المعارض الدورية أو بعض العروض العالمية. فان السمة الواضحة في هذه العروض, هي في اشتغالاتها المتعددة بأكثر من منطقة أدائية
, وبالتزامن وحيوية الحراك التشكيلي العالمي. لكن إن أقصينا عن المشهد التشكيلي هؤلاء المشتغلين ضمن فضاء الحاضنة الأوربية الفنية المعاصرة, فان ثمة بروز ملفت لظاهرة جديرة بالإشارة إليها. وهي سيادة الأداء التعبيري التشخيصي( نسبة للمدرسة التعبيرية الأوربية) لدى العديد من التشكيليين العراقيين وبعض من العرب, بل وبشكل عام, حتى فناني الشرق الأوسط, ودول أوربا الشرقية(حسب اطلاعي). في وقت انحسارها عن أهم العروض التشكيلية الأوربية. حتى باتت تجارب غالبتهم تتناسل من بعض لبعض, في ظاهرة جديرة بالملاحظة والتقصي فبالوقت الذي تعم فيه فنتازيا الشيء واللاشيء في أوربا. نجد عل الضد من ذلك, سيادة الخطاب العاطفي التعبيري بكل تلاوينه هو السائد هنا.
في نهاية الثمانينات كنت منشغلا في أعمالي من بكيفبة الخروج من مأزق الواقع العراقي الثقيل بانكساراته. لقد وصل إيماني بالذات الإنسانية لحد الصفر. علما باني قبل ذلك كنت مولعا بتقصي الملامح الإنسانية, وخاصة الأنثوية منها, وإنباتها وسط حاضن بيئي خيالي, لكنه مزهر. ولم استثني الأسطورة المتخيلة من ذلك. لكن بعد خيمة صفوان ماذا بقى لنا. فتحولت الجنة عندي إلى كوابيس, لكن أعمالي, بالرغم من ذلك, لم تفقد ملمحها الفنتازي أيضا, ليس تورية لمروري من تحت خيمة رقابة السلطة. بل لنازع داخلي.كنت قد بنيت منجزي ذك كله من عناد الذات, مستعينات باحاءات من غرائبية ارث ماض. وكان بستاني مكتضا بكائناته الغريبة. الكائنات هي ايضا اداة المدرسة التعبيرية الحداثية(كما في في منشأ التعبيرية الألمانية, مابين زمن الحربين الكونيين). وان اشتركت بعض مفرداتي التشخيصية ومشخصات هذه المدرسة التعبيرية, ولو افتراضيا. الا أنني لم اكن فنانا تعبيريا كاملا. وبقيت مخلوقاتي ذات الجذر الخليقي من حيوانات وطيور ومسخ افتراضية سادرة لوحدها, وعامرة أعوامي التسعينية. ولم الحض لها مثيلا وقتها, ولو بحدود التأثر, في اعمال التشكيليين العراقيين. وبمعنى ما بقيت اعمالي تعوم في فضائها الخاص لوحدها. لكن يبدو انها كانت تنتظر زمنا قادما لتؤدي مهمتها التواصلية وتجارب فنانين آخرين.
الفنان المعماري طارق مظلوم لم يبتعد في مجمل نتاجه الفني عن دراسته للآشوريات في إخراج أعمال تشخيصية في الستينات, وما قبلها, سواء كانت رسوم أو منحوتات. لكنه لم يحاول ولوج منطقة التعبيرية الحداثية رغم احتواء المنجز الآشوري على مفردات تشخيصية تعبيرية متحركة فائقة, اعتقد أن افتتانه بواقعية خطوط الأثر التشخيصي الآشوري, كانت لصالح حدود قابلية أنمذجته, جعله يكتفي بمظهر هذا الأثر, دون البحث عن إخراجه بصيغ حديثة, كما فعلها العديد من رواد التشكيل الحديث العالميين المعروفين. فاستقصاء الأثر حداثيا, لا يتوقف على مجال الانبهار بمظهره, بل من خلال البحث عن صيغ تفكيكية جديدة له. والمنجز الحضاري يغتني بإعادة هذه الصيغ, لا تكرارها. مع ذلك, فان أعماله استقت فعلها التعبيري, من فعل الأثر نفسه, لما يخزنه من فعل تعبيري. في العديد من نماذجه التراجيدية, بشكل خاص.

الفنان الأحدث كاظم حيدر عمل على استنطاق أثره الميثولوجي التراثي, ومنه الديني في ملحمته عن الشهيد التي اشتغل عليها منذ بداية مشواره الفني. كاظم حيدر هو ميال إلى ترجمة النص الأدبي تشكيليا, سواء شعرا ميثولوجيا, كما في ملحمته. أو مسرحيا, كما في نظرته لمسرحة شخوص العمل الفني, بتأثير من دراسته الأكاديمية للديكور المسرحي , التي تتوافق أيضا وتجربته الحية في تنفيذ العديد من ديكورات أشهر مسرحيات الستينات والسبعينات العراقية. هو إذا يميل للعمل النصبي المعاصر, والكثير من رسوم ملحمته تنحى الى ذلك. رغم توفر الموضوع التعبيري الذي يهيئ لها تربة خصبة لمجال الحسية العاطفية العالية, التي هي من سمات المدرسة التعبيرية. أعماله إذا لم تفقد حسها التعبيري. ومن الممكن تصنيف عديدها ضمن خانتها. لكنها تعبيرية من طراز خاص. تحتفي بتشخيصاتها كأحياز مقننة ضمن فضاءات محسوبة, وليس منفلتة أو مفتوحة مدارات عبثية . كاظم حيدر وهو يصارع الـ(لوكيميا) في أواخر أيامه, حول رسومه شخوصه أوردة وشرايين. لقد كان التعبير عنده يمر عبر لحضات زمن يفر للمجهول, سالكا طرقا عبر تجاويف الجسد, وليس من خلال مظهره الخارجي. وهذه سابقة تحسب لمنجزه الذي لم يكن الا وفيا لسيرة التواريخ العامة والخاصة. مع محاولة لولوج المنطقة التعبيرية الفنية من زاوية غير مألوفة. و كان للحاضن الاجتماعي والبوح الشخصي نصيب في كل ما أنتج, ومنذ عمله عن واقعة كربلاء الأول, في خمسينات القرن الماضي.

كانت رسوم الفنانة ليزا فتاح حدث مر ولم ينتبه له إلا زوجها الفنان إسماعيل فتاح الترك. هي القادمة من المنطقة التعبيرية الأصل, خطوط رسومها دوما على هاوية الحافة, كما هي ثقل وكثافة شخوصها, سواء كانت بشرا أو حيوانا. في أواخر أيامها المبكرة, مهارة الرسم التعبيري لديها بمستوياتها العليا, تركت بصمات شاحبة على السطح الأبيض, لكنها تركت أخاديد عميقة على جسدها الذي حوله المرض الخبيث الى لوحا مركونا في زوايا المشفى. إسماعيل فتاح وحده من تعلم درسها, لكنه حوله لحقل تجارب مختلفة. لقد مرت الفنانة التعبيرية العراقية, الألمانية الأصل, الأمثل, دون أن تترك اثر يذكر على تجارب الفنانين التشكيليين العراقيين, كما اعتقد. ولنا عودة لتقصي أسباب ذلك. رغم عمق تجربتها الفنية.
إسماعيل فتاح الترك, وكنحات حداثي, مولع بالأثر العراقي, كما غالبية النحاتين العراقيين المعروفين. بسبب من سطوة هذا الأثر بحفريات أزمنته ومراحله الدنوية والزمنية المتعاقبة. لم تكن سومر بعيدة عن أعماله, كما لم تكن لأكد أو آشور بشكل من الأشكال هي الأخرى. . لكنه كان ابن عصر يحترم الجسد, خلقة وعاطفة مشبوبة, في رسومه المختلفة التقنيات, سواء الملونة أو الطباعية. هو ابن ثنائية الجنس التي لا يمل من محاورتها فنيا بعاطفة لا تود أن تغادر مصادر وهجها التعبيري التشخيصي وملونته الأكثر حسية. لقد تجاوز في أدائه التعبيري المتواصل أقرانه. لكنه ورغم كل ذلك لم يخرج من رداء النحات الذي كانه. وان استقى فنانو التعبيرية الألمانية مصادرهم التشكيلية من مسوخ الماضي القوطي. فان شخوص الترك كانت دوما تتمتع بهيبة نصبيتها, شخوص غير قابلة للكسر. وهذه الميزة بالذات, هي التي أقصتها بمسافة ما, عن هشاشة الشخوص التعبيرية الحداثية الأولى.
لا يمكن الحديث عن تأثير التعبيرية الأوربية على أعمال التشكيليين العراقيين دون المرور على منجز الفنان محمود صبري في مرحلته الواقعية الأولى, رغم إقصاء, أو حجب أعماله عن حاضنها العراقي, لأسباب سياسية. لكنه, مع ذلك كان حاضرا, ومما عزز هذا الحضور, حضوره شخصيا في عام(1973) الى بغداد, محاضرا في مشروعه الأشهر(واقعية الكم) رغم قصر إقامته في بغداد. لكن حضوره الخاطف لم يذهب سدى, بعد أن رمى حجرا في بركة التشكيل العراقي, التي لا يمكننا ان نقول عنها راكدة. عسر فهم ومواصلة مشروع واقعية الكم, أقصى هذا المشروع (التشكيلي ـ العلمي) عن منجز التشكيل العراقي العام. لكنه ضمن للفنان انتباهه أجيال احدث لتقصي ما ندر من رسوم مرحلته الواقعية التي لم تفقد سماتها المحلية التعبيرية, رغم تأثرها في فترة نضجها الفني بالخطوط العانية للإيقونة المسيحية الشرقية. مع افتراق مجمل أعماله عن الذاتية المفرطة للتعبيرية الأوربية الأولى. ولكونها أعمال فنية(اجتماعية). لكنها لم تفقد حسها التعبيري لتتقصي هيئات وخطوط ملامح الطبقة المعدمة من الوسط المحلي. فان ابتعدت عن الأثر التعبيري الغابر, الذي بإمكانه ان يدرج أعماله ضمن التعبيرية الفنية الحداثية, فإنها عوضته بحاضر تعبيري آخر, بقدر ما هو محلي المصادر, هو عالمي الإيحاء.


(2)

استيقاظ متأخر

- وقال جمع التكليف شمل الكون فلا تقل هذا حجر وهذا شجر فلا أبالي. غاية العين أن يعرفك الحجر والشجر والحيوان ولا تعرفهم إلا بعد كشف الغطاء ولا تقبل المعاذير.
ابن العربي. من كتاب الشاهد

في ليلة شتائية مثلجة من مشهد لفيلم دانمركي, يخرج بطل الفيلم, وهو فنان تشكيلي, من كوخه في الغابة متمهلا ثم ينزل تدريجيا في البحيرة المجاورة حتى يغطس جسده العاري كله ويغرق متعمدا. وان بدى هذا الفنان في مشهد غرقه هذا لا مباليا. إلا أن ثمة صراع ويأس مطبق سيطر على ذاته, وقاده لينفذ فعلته المأساوية هذه. وحشة الغابة في أصقاع الشمال الأوربي. ووحدته الاضطرارية بعد انقطاع السبل, وهو الذي تعود طيلة حياة نضجه العيش في متاهات مدينة باريس وحواريها, وصخب الصحبة الفنية الشيقة. انكسارات الذات هي الأكثر ملاحظة في شتاءات الشمال الاسكندينافية. هذه الانكسارات ووحشة وتوحش النفس, هي التي خلقت فن النرويجي(ادوارد مونخ) ملهم التعبيرية الألمانية الحديثة. مثلما هيأت التربة الخصبة لنتاج البلجيكي(جيمس أنسور), والهولندي(فان كوخ). دون استثناء المؤلفات المتأخرة للكاتب المسرحي السويدي(أوكست ستريندبغ).
لا ادري ان كان الألماني(نولده) وهو احد أعمدة التعبيرية, قد تأثر بأقنعة ونسور بما انه سابقه. فالقناع عند كليهما, هو مجرد لعبة أقدار تعمل في الخفاء, لطمر المكشوف, تحت حجب, غالبا ما تكون ذاتية المقاصد. ونسور في رسوم أقنعته يبدو متماهيا وتراجيديا الغياب الأبدي. أما أقنعة نولده فهي لا تفارق جذرها الطبيعي, رغم استعارتها وهج ألوان ونسور. و كلاهما متلبس بهاجس الإفصاح عن عمق الانفعال الذاتي, لا وهمه. رغم اختلاف منشأ هذا الانفعال. مثلما كان مسيح عمال المناجم( فان كوخ) يترك ذاته نهبا لورع مثالي, لا يبصر من خلاله الا مآسي أقرانه البشر في سلم حياتهم السفلي, قبل أن تغمر حواسه لهيب شمس الجنوب الفرنسي وتخطفه بنشوة لم تفارقه حتى الرصاصة الأخيرة التي اخترقت جسده الذاوي.
ان كانت الأداءات ووسائلها التعبيرية عند بعض الفنانين التشكيليين الالمان هي مجرد سلوك لنبش الجمر الداخلي. فهي أيضا جمر الخيبة والخذلان الحضاري للسنوات الأولى من القرن العشرين, وهي عاصفة الزمن الحرج في إثناء وبعد الحرب العالمية الأولى, واسى تداعيات خسارة حربها التي حصدت أيضا بعض من أرواح فنانيها (أغسطس ماكي, وفرانز مارك). لقد كانت أعوام القلق واللا يقين و الحرب غولا, ولم تخلف غير الخذلان, ومن اجل البحث عن غيلان مشابهة. وجد نولده وصحبه ضالتهم في رسوم(ماتياس غرونيفالد ـ (1475-1528) الكنسية, بخيالاتها الجهنمية و شياطينها الغوطية. ثم لم يخلو نتاج(ماكس بيكمان, اوتو ديكس, ماكس ارنست, فرانسيس بيكون لاحقا) من تأثيراتها. لقد كان للأسلاف ايضا دور في المنجز التعبيري الفني الحديث. مثلما هو اثره في المنجز العربي, ولو من زاوية أخرى. إن أردت ان تستعين بشياطين الخيبة والغضب والإحباط والريبة والخشية والقنوط, فهي موجودة دوما, كما في زمننا الكارثي هذا.



الغريب في التشكيل العراقي, إننا لم نلحظ أعمالا تشكيلية تنمنمي للمدرسة التعبيرية الحديثة بوضوح قبل عقدين, ربما. بالرغم من وجود بعض الأعمال التي مست الحدث مسا, على قلتها. وتحضرني هنا حادثة افتتاح مركز الفنون من قبل صدام حسين, وامتعاضه من لوحة للمرحوم كاظم حيدر التي كانت تمثل فاجعة الحرب (العراقية الإيرانية) وقتها, وطلبه إزالتها. لقد كانت اللوحة عبارة عن كدس من جماجم وأنقاض بشرية. تعيدنا هذه الحادثة إلى ما فعلة النازيون بالأعمال التعبيرية باعتبارها(فن منحط). لكن صدام لم يكن يفقه شيئا بدلالات ولا أهمية الفعل التعبيري. بل كان يفكر بمجده الخاص والذي ضيعه لاحقا, كما ضيع العراق في متاهات متناسلة, وبقيت محنة الضحايا من نصيب الفنان, ليعبر عنها بأدواته وبحسه الإنساني. و يبقى السؤال عالقا: لماذا لم يتناول التشكيل العراقي كارثة حرب الثمانية أعوام, وحرب(91)وبحجم كوارثها. وهو أمر بحاجة إلى إعادة استقصاء.
إن كان حصاد التشكيل العراقي لزمن حرب الثمان أعوام, وما تبعه من حصار مدمر, لم يطلق العنان لجذوة التعبير الفني بما يناسب الفاجعة. فان الاحتلال الأمريكي في عام(2003) وما تبعه من مآسي محلية, أدت إلى هجرة معظم التشكيليين العراقيين. هي التي فجرت ينبوع الألم المزدوج. الم القتل المجاني لمكونات الشعب, وحجم تناولها صوريا عبر وسائل الميديا. وألم الغربة, لنفوس انطبع الوطن في وجدانها إرثا وبيئة معاشة بتفاصيل تستحضر كل زوايا محيطها, لحد التباسه و فضاءات الغربة. مثلما في أعمال بعض التشكيليين الذين غادروا الوطن. والذين لم يغادروه. ومن جيل احدث.
إن حافظ معظم جيل التشكيل لما بعد الرواد العراقي على نمطية أساليبهم الأدائية, فجيل الحروب المتكررة لم يهتموا لذلك بقدر الإمساك بالواقع العياني وخيالاته, دراما كارثية. ولم يكن واقعهم ساذجا, إلا في بعض من ألأعمال الأقل قدرة على الإمساك بالتفاصيل الدراماتيكية. أو لمجرد اللعب على الفعل التعبيري لمعالجة جماليات وتفاصيل ابتذلت لكثرة ما تناولها تشكيليون عراقيون أقدم عهدا. ما يهمنا, هي التجارب التي أثبتت جدارتها التعبيرية كعلامات جديدة في فضاء التشكيل العراقي المتجدد. أعمال لفنانين مثل(سيروان باران, محمود شبر, صدام الجميلي) وآخرون, منهم(زينة مصطفى سليم, سنان حسين, فؤاد حمدي, كفاح عبد الجبار, احمد نصيف, امجد الطيار, عمر الشهابي, قيس السندي, محمد مسير, والشاعر سليمان جوني) وآخرون لا تحضرني اسماؤهم.

لنعاين باختصار ثلاثة منجزات تعبيرية تشكيلية مختلفة باختلاف هواجس كائناتها التشخيصية المتعثرة بتفاصيل صادمة هي أصلا من وحي صدمة الحدث العام والشخصي, إن لم تكن جزءا من مشهديته, ولو اختلط العام بالخاص في الحدث العراقي. ـ لم يكن الفنان (سيروان باران) وهو الفنان الذي نضجت تجربته الأكاديمية في نهاية الثمانينات. إن لم تخني الذاكرة. والتي بقيت مهارتها عالقة بمنجزه اللاحق ـ واستثمرها لعقد لاحق أو أكثرـ بعيدا عن مركز الحدث المأساوي. بتفاصيل سعى لان تأخذ حيزها في فضاء أعماله, إدانة لحوادث الانتهاك الصارخة التي تعرض لها أناسنا العراقيون لأزمنة ما بعد(2003) المتكررة. شخوص سيروان المأزومة ـ المجروحة تعوم في فضاءات معتمة, مفتوحة على جهات أربع, بتقشف بعض الإضافات الدلالية. كما في أعمال الايرلندي(فرانسيس بيكون). كما تبدوا متوحدة في انحيازها الحيادية, مكتنزة بجروح انفعالاتها الذاتية. وان تكن ثمة إشارة الى بيكون(وهي إشارة مجازية). فبيكون عبر في كل أعماله المعروفة عن هم انحراف شخصيته بميولها المثلية. على الضد من ذلك كان الانحراف العام الكارثي هو ما حاول التعبير عنه سيروان في احيازه الكابوسية المغلقة. سيروان اختار أدوات عصر احدث من زمن التعبيرية الألمانية الأول. موظفا أداته الأكاديمية في سبر موضوعة صراع الذات وانتهاك وجودها, لا كصور واقعية, بل لمسخ الواقع بما يعادل ما واقعية الحدث المتخلف من كم أشلاء الضحايا المتناثرين على أعتاب مدننا ودواخلها. ولم يستثني قطيع كلابها السائبة. وان كان الحيوان عنده لا يزال يتمطى في فضاءات ملتبسة. فوجوده لا يتعدى كونه شاهد, لا مشاهد. رسوم سيروان بمثل ما تحيلنا إلى أجواء الرسم الكلاسيكي بدرجات عتمتها واضاءاتها. هي أيضا لا تلغي انتماؤها لعصرنا الحاضر, وبشكل خاص في تجارب العديد من فناني الشرق الأوسط, وحراك تشكيلي شرق اوربا التي خبرت حدة التغييرات السياسية والاقتصادية, مع ما رافقها من حوادث دراماتيكية لم تخلوا أيامها من كوارث إنسانية.
ـ أعمال الفنان صدام الجميلي, مغايرة بشكل واضح لأعمال مجايليه من الفنانين الشباب. بشخوصها التي هي وليدة سيرة محيط محبط, فهي تبدو مغرقة بعدم يقينها الوجودي, ضمن فضاء إقصائي لا مجال فيه لتصالح الذات ومحيطها, إلا في حدود النزر اليسير. الذي ربما يهيئ لرغباتها الجوانية شروط الريبة, أو إقصاء الآخر, لحد مسخه, وهي رغبة تتاكلها, على ما يبدو, فخواء الذات الافتراضية, لا بد له من امتلاء تعويضي, كما في شخوصه المتقابلة أو المتعارضة ضمن حاضنها الرصاصي(الحيادي) , ولا مجال لتحييدها, ما دامت تبدو كدمى مسرحية معرضة للاهتراء. وان حاول الفنان مسرحتها ضمن أحياز ضيقة, أو لصيقة, ضمن إيحاءات لا تحبذ إلا الإفصاح عن ردة أفعالها الجوانية, وعن خيبات تتعثر بزوال أحلامها المستحيلة. أجساد متضخمة, ليس بحظوظ عافيتها, بل بخطوط حرث أزمنتها العميقة. فأي محنة صاغت يباب وقحط هذه الأجساد, رغم شساعة مساحتها. ليس للجمال, كما في الأعمال الصباغية للكثير من التشكيليين العراقيين, من مجال في هذه الرسوم. هي رسوم الفعل الغفل, الذي ضيعنا جيلا بعد جيل في متاهات الإقصاء والحروب العبثية, لحد أن بات الجمال يشكل عبأ في أعمال مثل هذه, وعند جيل تشكيلي عراقي جديد. ربما أشخاص الجميلي تقاوم رغبتها الشديدة في الانتحار يأسا, فهي تعلم بان زمن المعجزات ولى إلى غير رجعة. مثلما هو يقين صانعها. ولم تكن شخوصه الإنسية من تشاركه هذا اليقين فقط. بل حتى حيواناته باتت سادرة في عدم اليقين, تتبادل مواقعا, هي ليست مواقعها. ربما هناك مس سريالي في هذه الرسوم. والكثرة من الرسوم التعبيرية, هي الأخرى لا تخلو من هذا المس بما انه بعض من نفث جواني, لا يخفي مقاصده التعبيرية الإيمائية. في زمن باتت حوادثه لا معقولة.
الفنان الآخر. ومن جيل مقارب, والذي لا يمكن إغفال ما أنجز من أعمال جمعت مابين ارث التعبير المحلي والعالمي في آن واحد وبصياغات حافظت على فرادتها, ضمن حاضن الداخل التشكيلي. هو الفنان(محمود شبر). فنحن نكتشف في رسومه غالبية عناصر المدرسة التعبيرية التي لا تغفل استدعاء بعض من صور الأثر التشكيلي المحلي لعصور سابقة(كما درس التعبيري الألماني الأول). و ليس كما استحضرها جواد سليم, كجماليات تنتمي لأرث رسوم الواسطي, ولا تتنصل في نفس الوقت عن أداة الرسم الحداثي. محمود شبر لا يعنيه من الواسطي سوى أسطورته الشعبية, وهو يستعيدها بأداة تنأى عن الجمال ألتزويقي. فخطوطه الخشنة تنغرز في سطوح شخوصه وعوالم محيطه حفرا لاستجلاء نبض البداءة الأولى المفقودة. ولا تخفي في نفس الوقت استشرافها لطفولة مستعادة عبر رحلة لا يحدها استحالة المنال, رغم شحة الزاد, وتشتت الفعل. هو يلملم ما تبقى من تلك الازمنة, بما تبقى له من إمكانية استحضار ما يعينه على تنقية شوائب حاضر لا يزال مثقلا بكوارث لا معقولة. وكما كان( جان ميشيل باسكيا ) يعلم أزقة نيويورك الخلفية بعلامات حلمه الـ(هاييتي)تكون رسوم محمود شبر هي الأخرى مثقلة بعلامات أزقة وشوارع طفولته الافتراضية, وأحوال مدنه الحالية. كلاهما ينتسب للأخر في السعي لاستقصاء عصب الروح البرية المتخفية خلف قشرة الحضارة الحالية. وكلاهما فضل الحفر بقساوة أيضا في عمق الذات التي صرعتها أزمنة افتقدت لبراءتها الأولى, وسط ضجيج المدن وآلاتها المعدنية, وسماء تنأى كلما اقتربا منها. محمود شبر يعيد للتعبيرية العربية وجهها الأكثر بلاغة.
في كتابه(من الذي دفع للمزمار..الحرب الباردة الثقافية) تكشف مؤلفته(فرانسيس ستونر سوندرز) عن دور المخابرات المركزية, بعيد انتهاء الحرب الكونية الثانية, محاولتها الحثيثة للي عنق الثقافة والفن الأوربي لصالح أهدافها, بحجة مستترة(محاربة الواقعية الاشتراكية). وكان من نتائجها الإعلاء من أهمية أعمال التجريدية التعبيرية, والاهتمام بنتاج فنانيها المعروفين الذين استوطنوا الولايات المتحدة. وان كانت التجريدية التعبيرية ابتعدت أشواطا عن التعبير عن الجذوة الإنسانية الأعمق أثرا. فان نكباتنا, ونكبات إنسانية معاصرة أخرى مشابهة. أعادت لنا الفعل التعبيري المعبر عن واقعها الكارثي. وغريب آن تعيد لنا الكارثة ما فقدناه في مسالك تشكيلية سابقة مغرقة في عبثيتها.


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6111348   Visitors since 7-9-2002