المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





أخبار
 

أدباء المغرب يحتفون بكتاب عن حضارة العراق

  



تطوان ـ من رضوان أعيساتن



عقد اتحاد كتّاب المغرب لقاء في مدينة تطوان احتفاء بصدور كتاب " العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق " (1) للدكتور علي القاسمي الكاتب والباحث العراقي المقيم في المغرب. وقد أدار هذا اللقاء الناقد الدكتور محمد المعادي، وشارك فيه الروائي الدكتور محمد عز الدين التازي، والشاعر الدكتور أحمد الطريبق أحمد، والناقد الدكتور محمد الشدّادي، بحضور مؤلف الكتاب، والشاعر رضوان إعيساتن، الكاتب العام لفرع اتحاد كتّاب المغرب في تطوان.

في بداية اللقاء، تحدّث مُسيِّر الجلسة الدكتور محمد المعادي عن مكانة المؤلف بوصفه مثقفاً بارزاً متعدد الاهتمامات وفاعلاً نشطاً في المشهد الثقافي المغربي والعربي، ما فتئ يرفد المكتبة العربية بدراساته الجادة ومؤلفاته القيمة. فبالاضافة إلى أعماله المعروفة في اللسانيات والمصطلحية والمعجمية مثل " علم اللغة وصناعة المعجم " و " المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق " و " معجم الاستشهادات " التي صدرت عن مكتبة لبنان في بيروت، فإن له إسهامات في الكتابة الإبداعية إذ ظهرت له حتى الآن ثلاث مجموعات قصصية هي " رسالة إلى حبيبتي " و " صمت البحر" الصادرتان عن دار الثقافة بالدار البيضاء و " دوائر الأحزان " الصادرة عن دار ميريت بالقاهرة، كما أنه ترجم عدداً من روائع الأدب العالمي خاصة من الأدب الأمريكي، فقد صدرت ترجمته الجيدة لرواية إرنست همنغواي " الوليمة المتنقلة " عن دار المدى في دمشق، وكتابه " مرافئ على الشاطئ الآخر : روائع القصص الأمريكية المعاصرة" من دار إفريقيا الشرق في بيروت. ويأتي كتابه " العراق في القلب " استمراراً لعنايته بالثقافة العربية وامتداداً لكتابه " مفاهيم العقل العربي " وغيره من مؤلفاته الأخرى.

وقدّم الروائي محمد عز الدين التازي في اللقاء قراءة نقدية للكتاب جاء فيها:

" العراق بلد عزيز على كل العرب، وكل ما يكتب أبناؤه أو يُكتب عنه عزيز على القراء العرب، لا من حيث العاطفة التي تحرك الوجدان كما تحرك الأخيلة تجاه بلد عريق في الحضارة والثقافة والفكر والإبداع وحسب، ولكن أيضا لأن حفدة سومر وآشور وبابل هم ورثة لكنوز ثقافية إنسانية لا يمكنهم أن يتنازلوا عن قيمها ليكتبوا وكأنهم بدون تاريخ، بدون جذور، وبدون خلفية حضارية وثقافية فاعلة في الفكر والحضارة، بل إنهم عندما يكتبون، يسترجعون كل قيم الأصالة من حيث هي وجه آخر للمعاصرة، فتحديث الفكر والثقافة والإبداع، لا يتم بمعزل عن قيم الماضي بما هو تراث محلي يرقى بنفسه لأن يصبح تراثا إنسانيا، وهو ما يجعل تلك القيم الأصيلة ممتدة إلى عصرنا."
وأضاف الدكتور التازي قائلاً: " كُتاب العراق وشعراؤه وفنانوه الكبار هم صانعوا ثورة التحديث الفكري والثقافي والإبداعي، من خلال إنجازات وأعمال في الفكر والشعر والرواية والتشكيل والترجمة، كإسهام قوي في ثورة التحديث التي يعرفها العالم المعاصر، كما أَصَّلُوا لتراثنا العربي الإسلامي وتراثنا الشعبي، سواء بسواء. لذلك ينشغل كتاب الدكتور علي القاسمي: " العراق في القلب" بهذا الجدل، وعبر دراساته التي تحركت في مدار قراءة أصالة العراق، ومعاصرة العراق، عبر عمق استراتيجي لمفهوم الثقافة ومفهوم الإبداع، يرى في الأصالة معاصرة، وفي المعاصرة استشرافا لقيم أصيلة جديدة."

وتحدّث الشاعر أحمد الطريبق أحمد عن الكتاب فوصفه بأنه " نابض بحرارة القلب، حبّاً لطمي الرافدين، وتعلّقاً بجداريات بابل، وحنيناً إلى مجالس الرشيد، وشطحات الحلاج، وتنهدات النواسي، وتقديساً لأقواس النجف الأشرف، ومزارات الجيلاتني، والحسن البصري، بل تكريساً لمظاهر العقلانية التي ترعرعت بين جنبات بغداد والموصل والبصرة والكوفة... أضف إلى ذلك كله ربط الذات الكاتبة بأبجديات القيم، وشرائع القانون، يوم كانت الأرض، أرض الرافدين، مهداً ومهاداً لحضارة العِلم، وإشعاع الحرف، وطهارة التشريع، إلى أن طلعت أهلة الحضارة الإسلامية، ثم بزغت شموس المدنية الحديثة، والعراق يتردد على كل لسان شاعر بعظمة هذه الأرض الماهدة."

ونوه الشاعر أحمد الطريبق أحمد بمقدمة الكتاب وعنوانها " هذا بلدك العراق يا ابنتي"، التي عبارة عن رسالة وجهها المؤلف إلى ابنته الصغيرة علياء، فوصف الدكتور الطريبق هذه المقدمة بأنها " استوعبت فصول الكتاب وغاياته، بلغة غاية في الدقة ومنهى الروعة والجمال، بالبيان والمثال، ومراعاة الخطاب." وأضاف قائلاً : " حين يُترجم هذا النص إلى أية لغة، فإنه لا يفقد قيمته التوجيهية، وطنياً وإنسانياً. ويجب أن يأخذ هذا النص موقعه داخل الكتب التربوية وعبر الخريطة العربية. وبذلك يكون صاحب الكتاب قد حقق إيمانية الخطاب بحب الأوطان."

وتناول الناقد الدكتور محمد الشدادي فتلكم عن العلاقة التي تربط المؤلف بموضوعه، أي بوطنه، فقال:
" أن هذه العلاقة الوجدانية التي تجمع الذات بالمكان لا يمكن فهمها وفق النظام المؤطر لآليات الارتباط الزمني بين الكائن ومحيطه الجغرافي. ومن ثم ، أهمية وضع الفاعلية النحوية المنتظمة لعناصر العلاقة الاسنادية ( العراق في القلب..) على محمل التأويل العمودي الذي يعتبر العنوان علامة دالة على مجموع الكتاب ؛ فعبر تركيب مجازي بسيط ومركز يوطن الكاتب الروح المتنفذ في ثنايا الكتاب والمشع عبر صفحاته في بيته الرمزي المنتصب على أعمدة الجملة الاسمية على نحو ما يتسع القلب الإنساني لاحتضان المطلق بفعل المحبة.
وهذا يعني أن تلك العلاقة الوجدانية تستغرق الذات المتماهية مع موضوعها وجودا ومصيرا ، لأن النسق الوجودي الموجه لوعي الذات متخلق من روح الموضوع ومن عمقه الحضاري الذي تتشكل عبر غناه المتنوع ممكنات ذلك الوعي وتتمفصل على مستوى تكامل المعرفة الإنسانية المشرعة في تخفيها على لاتناهيها الحر.
فلا غرو أن تتسع بنية الكتاب لتشمل حضارة العراق في عمقها الروحي عبر جملة من تمظهراتها الفكرية والإبداعية ، انطلاقا من العراق القديم زمن السومريين مع قوم نوح – كلكامش – عشتار ، وقوفا عند بعض تجليات الشخصية العربية الإسلامية في أبعادها التنويرية مع الإمام أبي حنيفة النعمان – صاعد البغدادي – صلاح الدين الأيوبي ، وانتهاء بالحديث عن نواحي الإبداع في الترجمة مع عبد الحق فاضل ، وفي القصة مع عبد الرحمان مجيد الربيعي ، وفي الشعر مع أحمد الصافي النجفي ، ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي.
وفي كل هذه المجالات العلمية التي تجمع إلى جانب وضوح الرؤية وصرامة العلم موسوعية الفكر ورشاقة اللغة ، يطل علينا د. علي القاسمي في سموقه المعرفي مجليا سمات الحداثة والتفرد على طول المحطات الثقافية التي تتمفصل عبرها بنية الكتاب على نحو ما يقوي نسق التكامل والتناغم في مبدإ الوحدة لتنظيم تلك المحطات الثقافية الكبرى الممتدة في الزمان ، وتكثيفها في المكان ، فتبدو أمداء المتباعدات المنبجسة عن رؤى متباينة في طرائق التناول والمعالجة دوائر متراكزة تتعاضد في شفوفها الروحي لتجعل من " الحضارة جملة الثقافات التي توجد بينها روابط معينة ".
على أن للكاتب تصورا واضحا لمفهوم الحضارة عنه يصدر في وسم انشغالاته داخل الكتاب ، وبه يستظل في فضاء العنوان ( دراسات في حضارة العراق ) . ولذلك نجده يميز بين الحضارة والمدنية آخذا برأي الأنثروبولوجيين المعاصرين ، فيعرّف " الحضارة بأنها طريقة الحياة التي تختص بها مجموعة بشرية ، وتشتمل على أنماط السلوك المكتسبة التي يفرزها الفرد والتي يتوقعها الأفراد الآخرون المنتمون إلى تلك المجموعة البشرية ويقبلونها . أما المدنية فهي نوع متقدم من الحضارة يشتمل على استعمال الكتابة ، ووجود المدن ، والتنظيم السياسي الشامل وتطور التخصص المهني . فالمدنية هي حضارة مجموعة كبيرة من السكان استمرت لفترة طويلة وتوفرت لها تلك العناصر ".
وفي نهاية اللقاء تحدث المؤلف عن الدوافع والظروف التي حدت به إلى نشر الكتاب الذي كان في الأصل عبارة عن دراسات نُشرت في دوريات مختلفة وفي أوقات متفرقة. وأكد إيمانه العميق بأن العراق، إذا كان مهيض الجناح اليوم، فلا بد للجرح أن يندمل غداً، ولا بدّ للصقر أن يحلق ثانية في أجواء العلا والمجد والسؤدد. قائلاً: " سينهض العراق غداً من بين الأنقاض مثل عنقاء آشورية تنتفض من رمادها وتحلّق في أعالي السماء. وستقوم عشتار بخفّة تنشر الحُبّ والخصب والنماء."




(1) الدكتور علي القاسمي، " العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق ( بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004 )
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6227049   Visitors since 7-9-2002