المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

عن التشكيل العراقي ومحنه . قراءة أولية

  
علي النجار
  
















يحكى عن حكمة عالم النمل, والحكاية موثقة, بان أي عائق (فجوة) يعيق سيرهم , سواء كانوا في طريقهم للهجرة, أو الرزق, أو أي ظرف طارئ أثناء تجوالهم, ومن أجل تجاوزه
, فإنهم يعملون جسرا من أجساد بعضهم ليمر عليه الآخرون بسلام للجانب الآخر. جسر متقن الصنعة يضاهي صناعة الإنسان لمعمار جسوره صغيرها, أو عظيمها, وربما أفضل. بذلك لم تستطع هذه الموانع من عرقلة مسيرة حياتهم. الفجوة هي انقطاع, وهي مشكلتنا القديمة, والجديدة, أو المستجدة, في علم الاجتماع والثقافة العامة والتخصصية. ونحن كفنانين مخضرمين وجدد وجدنا أنفسنا وسط هذه الفوضى المستجدة, بدون ردم الفجوة, ولا من سند يسندنا.
لم يكن متحف الفنون(مركز الفنون البغدادي) الا وثيقة فنية زمنية بعمر حركة التشكيل العراقية الحديثة. لكن بعد اختفائه, فقد الدليل الذي يدلنا على اثر قرن كامل. إن لم يكن أكثر بقليل. خلف هذا اليتم ألفجائعي, يتم وثائقي أيضا. فما هو دليلنا على ما يطلق من أحكام, أو آراء مجتزئة من قبل بعض المشتغلين في الحقل التشكيلي الجدد, والذين هم ليسوا على دراية كاملة بواقع الحراك التشكيلي للقرن المنصرم. اليس في إقصاء تجربة ما, بدون المعرفة بظروف تشكلها العامة والخاصة, تجنيا. فكيف التجاوز على منجز أي جيل من الأجيال. وبشكل خاص في ظروف فقدان الأثر الأصلي. لقد كانت جولة واحدة في أجنحة مركز الفنون كافية للتقييم, وردم الخلل المعرفي. من دون الاضطرار للجوء الى إطلاق الأحكام التخمينية.
في مقالة سابقة, قبل عدة أعوام, استشهدت بمقتطف من سيرة الشاعر الشيلي المعروف نيرودا, المعنونة(سيف اللهب), ذكر فيها بما معناه, أنه في إحدى زياراته لفنان شيلي يعيش في باريس, اكتشف بأن هذا الفنان لم يكن يعير أية أهمية للسياسة. وكان همه منصبا على عمله الفني فقط. ولم يكن مقتنعا بموقفه ذك. ليكتشف متأخرا بان هذا الفنان الذي سخر منه سرا, والذي ذهب ضحية للنازية, كان فنانا عظيما, بشهادة وجود اثر له في أفضل المتاحف العالمية. مما يعني بان للسياسة خطابها المباشر الخاص, وللفن خطابه الآخر. وان إقحام الخطاب السياسي في العمل الفني لم يكن صائبا. فهل نحكم على أعمال أجيال فنية كاملة(وهي من ضمن أجيال الثقافة العراقية) بأنها مؤدلجة سواء لليسار أو لليمين أو أية أدلجة أخرى, لمجرد أنها عاشت هذه الفترة الزمنية أو تلك. نحن كفنانين تشكيليين لا يمكن فصلنا جزافا عن جغرافيتنا, أو عن تاريخنا الثقافي, فنحن بعض من نتاجه. لكن هل نفصل التقنية عن العمل الفني, وهل نفصل الوازع الإنساني, والإلهام كحبل سري للتاريخ الفني والشخصي. الم يكن مثلنا الذي استشهدنا به تقنيا, بما أن الفنان رسم مجرد تفاحات في صحن, لا أكثر. كما, الم تكن معظم الأعمال التي تدعى فنا والتي نفذت بشروط إيديولوجيا الدولة الحاكمة, سواء صور شخصية أو تعبوية,لا تشكل شيئا في تاريخ التشكيل العراقي.
لم تكن رسوم شاكر حسن آل سعيد عام(1966) مثل قبلها. واقعية أعماله السابقة هي بعض من واقعية جواد سليم, أو زمنه, مع اختلاف أساليبهم. واقعية محلية عراقية بجذر أوربي, وإسلامي أقدم. ولم يكونوا بعيدين عن تأثيرات أساتذتهم الأوربيين, ولا الفترة الكولونيالية. التي عالجها الباحث الجمالي شاكر لعيبي, في بحثه عن جذر الفن التشكيلي العراقي الحديث. فما الذي غير منطقة بحث آل سعيد, هذا الفنان التشكيلي الإشكالي بأطروحاته الفنية التي أثرت على الأجيال التشكيلية الأحدث. فهل كان نتاجه الجديد نتاج الذات العارفة التاريخية فعلا , أم سقوط الايدولوجيا. في زمن إيديولوجي إشكالي.

بما أن استلهام الدرس الصوفي. والذي هو درس تاريخي مفصلي من دروس التاريخ الإسلامي. فهل كانت نتائج آل سعيد صوفية فعلا. بالنظر لاختلاف السلوك والخطاب الصوفي المدون الملغز, عن الخطاب التشكيلي الصوري. أسئلة تضعنا على المحك من تاريخ التشكيل العراقي الحديث(لما لهذا الفنان من دور فيه). وهل كانت أعماله حروفية فعلا, أم أنها تجاوزت أطروحات اقرأنه من الحروفيين العراقيين والعرب. وهل كان يضمر شيئا
في دعوته للبعد الواحد. رغم كون البعد الواحد ألحروفي ليس جديدا كل الجدة, حتى في التشكيل الغربي. كل هذه الأسئلة أو الإشكاليات كانت مخبوءة خلف نتاج جماعة البعد الواحد السبعينية. ومن اجل الخروج من مأزقها(الذي بات سهلا متاحا) تعدت اشتغالات آل سعيد للحرف الى آثار السطح المهمل(رغم كون أعماله السابقة لم تخلو من اثر منه). لكن, لم, لم يكن الأثر اشتغالات على الجسد الإنساني و أجساد الكائنات مثلا. فهل كان سقوط الايدولوجيا(مثلا) الا فخا إيديولوجيا آخر, كما في الفوضى الخلاقة. في زمن ضييق فيه على مساحة الحرية المتاحة للفنان.
هل بالإمكان إلغاء التقنية كعامل تراكمي له دور كبير في تميز أعمال آل سعيد في تحولاتها منذ منتصف الستينات حتى وفاته, وهل هي مفرغة من تأثيرات فنانين أوربيين آخرين, اشتغلوا ضمن المنطقة نفسها, دون إنكار ,تميزه الشخصي, كما في أعمال بقية التشكيليين العراقيين أو العرب المبرزين. إن كان ثمة صلة, وهي موجودة. فان التشكيل العراقي هو جزء من صيرورة التأثر والتأثير بنتاج الاخرين. هو أيضا لا ينفصل عن مراحل التشكيل الأوربي الا في توقيته الزمني المتأخر أحيانا, والمتزامن أحيانا أخرى. ولأسباب معروفة. بما أن مصادرنا التشكيلية معظمها أوربية, سواء الخامة أو طرق التنفيذ أو التأثر(وهو مشروع) بدون إغفال الأثر المعرفي و المتحفي التاريخي. وما يضفيه من مسحة لا تخطئها عين المتابع.
ربما أمكننا أن ندرج أعمال العديد من التشكيلين العراقيين, وخاصة منذ السبعينات وحتى بداية القرن الحالي, ضمن سطوة اثر البعد الواحد وما تبعه من تغييرات. معظمهم الآن يتواصل و الحراك التشكيل الأوربي المعاصر في بلدان المهجر, مع اثر لا يزال عالقا من تاريخهم الفني السابق. لكن يبقى السؤال يلح على الكثير, وهو, هل التشكيل العراقي واكب التغيرات السياسية في العراق إنسانيا, وهي كارثية كما نعرف. اعتقد أن الكثير من الأعمال الفنية ولأجيال فنية متعاقبة, اشتغلت على ذلك, ضمن أساليبها وأطروحاتها المتعددة. وما يقدمه الآن العديد من التشكيليين المغتربين(اضطرارا) من مشاريع تشكيلية تعكس وجهة نظرهم لما يتعرض له وطننا من محن, سواء في عروض شخصية أو ضمن عروض مشتركة. بغض النظر عن العمر والجيل, وحسب ما متوفر من مساحة الحرية, أو ضيقها.
الثغرة التي تكلمنا عنها في بداية المقال هي من حجبت عنا تقصي اشتغالات فنانينا عيانيا. ما عدى ما تتيحه القنوات الاتصالية من مجال لمعاينتها, رغم ان معظم ما نشاهده في
هذه القنوات, لا يتعدى اشتغالات جديدة, ونتف من صور أعمال قديمة لا تغني ولا تشبع في مجال البحث عن شواهد لأعمال كرست الهم الوطني للحقب السابقة. فبعض العروض لم تخلف أثرا أرشيفيا. وبعضها الآخر مجرد قصاصات ذهبت مع الريح, أو مجرد ذكريات تسكننا. عن معرض مناهض للديكتاتورية الشيلية في السبعينات. معرض للبوستر السياسي, معرض عن التمييز العنصري, ومعرض عن صبرا وشاتيلا , وعن الدفاع عن الدول العربية المستعمرة والمضطهدة. معرض عن ضرب المفاعل النووي. معرض شخصي عن قضية الحسين, معرض شخصي ضد العولمة المتوحشة. عمل عن السجن السياسي, وهكذا. ما عدا الأنصاب النحتية المعروفة. إذا لم يخلو التشكيل العراقي من شواهد لمناسبات وطنية أو تحررية. ولم تخلوا أعمال العديد من الفنانين من تفاصيل أو إيحاءات في هذا المجال. فلم التشكيك أحيانا بجيل فني معين بأنه لم ينتج شيئا في هذا المجال. أو لم ينتج فنا يستحق الاستشهاد به. لنردم الثغرة معا, ولنعبرها الى أفق أوسع. ما دامت لا تزال باقية كما هي.
أخيرا إن كان العمل التشكيلي عملا شخصيا, خاضع لاجتهادات شخص الفنان ومقدرته الأدائية والثقافية, وخاضع أيضا للحراك الزمني واكتشافات المناطق الأدائية والتقنية المستجدة. وكصورة وتصور, وضمن واقعنا السياسي الغير سوي. اعتقد علينا احترام أية تجربة جادة مع المحافظة على سمعة التشكيل العراقي. بعد تخلي مؤسسات وزارة الثقافة عن دورها الريادي, فان مبادرة ردم الهوة بشكل جاد. باتت بيدنا. والانتقاص من تجربة احدنا اعتقده غير مبرر. ربما لإسقاطات السياسة العرجاء والخلل المجتمعي المستجد, دخل في بروز هكذا اجتهادات.اعتقد ان علينا نعتز بمنجزنا التشكيلي كما هو,والابتعاد ونبذ مصطلح فناني الداخل وفناني الخارج. فكلنا أبناء هذا البلد الممتحن. وكل منا أدلى بدلوه, وحسب مقدرته.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561468   Visitors since 7-9-2002