المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الباحث العراقي د . عبدالله ابراهيم

  
عدنان أبو زيد
  













يرى الناقد والأستاذ الجامعي المتخصّص في الدراسات السردية والثقافية د . عبدالله ابراهيم ان ظاهرة المثقف او الاديب المتشرد الذي لا يٌخضع نفسه لانضباط سلوكي او ابداع ممنهج ،أصبح ظاهرة خاصة في الثقافة العراقية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، إذ بدا وكأنه بطل وجودي متمرد ولكنه ضائع في قلب بغداد الشمولية كما هو الحال مع جان دمو، ويضيف ابراهيم هذا النزق المطلق هو فضح للخنوع العام عند المثقفين العراقيين في حقبة الاستبداد، ويعتبر في متن الحوار الاتي الجو الاجتماعي الليبرالي المتنوع غذّى هذه الجماعات الأدبية بآمال عراض لكتابة مغايرة، وممارسة حياة جديدة، وكانت كركوك مفعمة بالروح المدنية حتى نحو نهاية سبعينيات القرن العشرين.

* بدايةهلاّ حدثتنا عن جماعة كركوك وتأثيرها على الخطاب الثقافي العراقي بشكل عام؟

-في الحقيقة لم أعاصر جماعة كركوك الأولى كلها، فجميع أفرادها ينتمي إلى الجيل السابق لجيلي، وقد غادر معظمهم كركوك باستثناء جان دمو وجليل القيسي، اللذين ارتبطت بهما بعلاقة وثيقة منذ حوالي منتصف السبعينيات حتى وفاتهما، الأول في 8/5/2003 والثاني في 27/7/2006 لكنني عشت مفعما بالمعايير الأدبية التي رسختها الجماعة في المدينة، وربما في الوسط الثقافي العراقي بشكل عام، وحيثما يجري الحديث عن جماعتي كركوك الأولى والثانية فينبغي الامتثال للاعراف الثقافية في تكون الجماعات الأدبية الحقيقية، وهي الاشتراك في رؤية شبه موحدة للعالم، والاتفاق العام على دلالة الأدب ووظيفته، ثم الهدف الذي تريد الجماعة تحقيقه، وطبيعة العلاقات التي تربط أعضاءها، ومجمل السلوك الثقافي والشخصي الذي يلتزمونه في علاقاتهم، ثم موقفهم من الأدب السائد، ورغبتهم في تغييره، واقتراح أنماط تعبيرية بديلة، وحينما تُمزج كل هذه المعايير معا، وتُصهر فإنها تدمغ الجماعة الأدبية بمسمّى خاص بها، وهذا هو المحدّد العام لظهور جماعة كركوك الأولى، ولكن ينبغي الالتفات إلى أمر مهم، فحال كركوك وسم الجماعات الأدبية فيها بهويتها الثقافية المفتوحة عرقيا ودينيا وثقافيا، وهو ما يندر توافره في المدن العراقية الأخرى حيث يسود شبه صفاء عرقي أو ديني أو لغوي، وحينما نتحدث عن تلك التنوعات في كركوك فإنما لأنها أثرت الجماعة وأغنتها، فالتقى أفرادها في منطقة المشتركات الكبرى حيث نزعت عنهم هوياتهم الضيقة، ومنحتهم هويتها المفتوحة، فجعلتهم ينتمون إلى هوية ثقافية مركّبة تتداخل فيها أطياف المدينة بأجمعها، وذلك هو الذي جعل الأدب الذي كتبته أدباء كركوك يتنزّه عن التعصّب والتطرّف والعنصرية، فلا وجود لنبرات التعالي أو الشعور بالدونية في وسط جماعة تتحدر من خلفيات متنوعة، وإلى تلك السمة المشتركة الجامعة أعزو أهمية الجماعات الأدبية في كركوك.
غذّى الجو الاجتماعي الليبرالي المتنوع هذه الجماعات الأدبية بآمال عراض لكتابة مغايرة، وممارسة حياة جديدة، وكانت كركوك مفعمة بالروح المدنية إلى حوالي نهاية سبعينيات القرن العشرين، ولم تحم في أفقها التحيزات الأيدلوجية المتعصبة أو تخدش تنوعها، ومادام التوازن الثقافي متحقّق فيها بنحو طبيعي وليس بالعنف، فقد دفعت بأجيال من المثقفين الحيويين العابرين لأعراقهم وأديانهم إلى معمعة العمل الثقافي، وجلّهم تلقّى تعليما جامعيا أو عاليا مكّنهم من الاطلاع على الثقافة العالمية وتياراتها الفاعلة، وفي مقدمة ذلك الماركسية والوجودية، وكانت مكتبات المدينة تتوفر على تلك الأدبيات بغزارة. ولعل تلاشي الشعور بوجود جماعة ثقافية غالبة ترك أثره في رسم الحدود العامة لنشاط تلك الجماعات. ولم يشذّ أحد من جماعة كركوك عن هذه الأعراف الضمنية السائدة في المدينة. وقد تخطّى التأثير الأدبي لبعض أدباء جماعة كركوك الأولى والثانية المحيط الثقافي للمدينة إلى بغداد وسائر مدن العراق، بل وامتد ذلك التأثير إلى الثقافة العربية، فشكلوا اتجاهات متميزة في السرد والشعر والنقد، وترجمت كثير من أعمالهم إلى اللغات العالمية الحية، وبالإجمال فقد اسهموا في التجديد الأدبي حيثما كانوا ".

*طيب هل تحمل من ذكريات عن جماعة كركوك الاولى؟
-نعم. فقد ربطتني صلة شخصية قوية ببعض أفراد جماعة كركوك الأولى، ولكن فاتني، في الوقت نفسه، التعرف إلى آخرين منها، أما لأنهم غادروا العراق مثل سركون بولص، أو لأنهم كانوا يعملون في بغداد مثل فاضل العزاوي، ولعلي اختار الحديث الاستعادي عن جليل القيسي وجان دمو لاستمرار علاقاتنا الثقافية والشخصية مدة تزيد على ربع قرن. كان القيسي أحد أعضاء الجماعة الأولى، لكنه نأى بنفسه عن الجماعة الثانية بسبب عزلته، ومعظم أفرادها يعرفه جيدا وتربطه به علاقة لكن اللقاء به شبه متعذّر؛ لانزوائه وعدم قدرته على التواصل الجماعي. وقد تعرفت إليه في شتاء 1977 حينما كان موظفا في إحدى دوائر شركة النفط، حينما زرته في مكتبه، ووجدته في غرفة صغيرة جدا قيل إنه ورثها عن نجيب المانع الذي كان يعمل في المكان نفسه. وكنت قرأت مجموعته القصصية "صهيل المارة حول العالم" ثم مجموعته الأخرى "زليخة..البعد يقترب" فضلا عن مجموعته المسرحية "غيفارا عاد افتحوا الأبواب"، وبعد هذه المرحلة نشرت أعماله الأخرى. ولكن علاقتنا توثقت طوال الثمانينيات، وبخاصة بعد أن تفرغت لدراستي العليا في مجال السرديات، وأصبحت اقامتي في كركوك متاحة قبل أن انتقل بسكني إلى بغداد، ثم التحق أستاذا بالجامعة المستنصرية، وقد قرأت معظم أعمال القيسي القصصية والمسرحية، بما فيها رواية قصيرة مخطوطة أظنها لم تنشر إلى الآن، وغرقت في عوالمه الرمزية والفنظازية التي لايشاركه فيها أحد في الأدب العربي الحديث. وبقيت علاقتنا مستمرة بالمراسلة خلال التسعينيات وأنا خارج العراق، وحينما عدت في صيف 2004 سارعت إلى زيارته في بيته، وقد فوجئت به شيخا شبه منكسر غير الذي عرفته من قبل. وقد المّت به الأمراض التي أتت عليه بعد سنتين، وحينما وافاه الأجل كنت أقيم في الدوحة بقطر،ولا يفوتني ان اذكر ،هنا، انني تعرفت الى القيسي قارئا ممتازا، وعاشقا للموسيقا الكلاسيكية، وذائقته مرهفة، ويحب العزلة، ولا يرغب في أن يقتحم حياته أحد إلا الأصدقاء الحميميين، ويمارس رياضة المشي عصر كل يوم مدة ساعة تقريبا، يعتكف بعدها في البيت للقراءة والكتابة. واتذكر أنه في إحدى أماسي الخميس في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر1986 هاتفني، وأخبرني بوصول محيي الدين زنگنه من ديالى، فتوجهنا بسيارتي في اليوم التالي إلى السليمانية قاصدين زيارتها ولقاء الأصدقاء فيها. كان الجو باردا، لكن الشمس مشرقة، وقد وجدنا شوارع المدينة مزدحمة، ودُعينا ليلا إلى أحد النوادي الاجتماعية بحضور بعض المثقفين الأكراد، منهم القاص رؤوف بيگرد. بدأنا الحديث عن الأدب الكردي، ثم الأدب في أميركا اللاتينية الذي كان قد عرف لتوّه في الثقافة العربية، وانزلق بنا الحديث إلى الماركسية وتطبيقاتها الأيدلوجية في الاتحاد السوفياتي والصين وبعض البلاد العربية، فسخن الحوار وتقاطعت الآراء وتعالت الأصوات، وفجأة أنقذنا القيسي من تلك الغمغمة الفوضوية، حينما ترنّم بـ"الخوريات"التركمانية، وهي رباعيات غنائية تعتمد الجناس، ولها في الثقافة التركمانية مكانة "المقام" في الغناء العربي في العراق. شهق، وتضرّع، وهو يقفّي، ويورّي، ويتوجّع، ويئنّ، فشُحنتْ الجلسة بلذة الخلود، والمتعة الباهرة، فالتقط بيگرد نهاية إحدى "الخوريات" وعلا صوته بأغانٍ فارسية عميقة القرار، فهِمنا في لذة الإصغاء، وأسرفنا في الأنين. ذهلتُ للجو الغنائي الذي محا السجال الأيدلوجي الفارغ، فتمايلنا معا أخوة في المتعة منذ بدء الخليقة. وانعقد أمرنا حول بيگرد الذي انسجم مع نفسه في التلذّذ بعمق الآهات، والترجيعات، وصدى الأنات التي يصدرها صوته الساحر، ورنين الرغبة الجارفة في أعماقه للذوبان في ألحان فارسية انبثقت لتوّها في وسط عالمنا، فقد سرى مفعول تلك الأمسية في رأسي كالترياق، كأنني برفقة عمر الخيّام، ولم أخمّن إن كان ترياق شفاء أم هلاك. وقد تكررت كثيرا زيارتنا المشتركة الى السليمانية وأربيل وبغداد .

*طيب وماذا عن تجربة الشاعر الراحل جان دمو ؟
- تعرّفت إلى جان دمو إثر عودته من بيروت في عام 1974، وهو أكثر أفراد الجماعة الأولى تأثيرا فيّ في بداية حياتي الأدبية، وقد جمعتنا المكتبات التي كنا نطوف فيها، ثم أدمنّا اللقاء كل مساء في المقاهى، وانتقلنا بين أكثر من مقهى، وسرعان ما تبلورت الجماعة الثانية من جان دمو وحمزة حمامجي وإسماعيل إبراهيم وعواد علي وخاجيك كربيت آيدنجيان، وأنا، فهولاء كانوا متلازمين ويلتقون في معظم أيام الأسبوع مدة تراوحت من نحو أربع سنوات، وبين وقت ووقت يحلّ بيننا محمد البدر ورمضان محمد الحديدي، ثم فاروق مصطفى- الذي أصبح فيما بعد شبه مؤرخ للجماعتين الأولى والثانية وأصدر عنهما كتبا عدة-. وكانت لنا صلات فردية مع عدد آخر أدباء المدينة، مثل مرشد الزبيدي، وهشام القيسي، وعادل غضبان، وطارق الجاف، وعبدالله السراج، وآخرين يزورون المدينة أو يعملون فيها مثل هاتف الجنابي وكزار حنتوش، لكنهم لم يداوموا على اللقاءات شبه اليومية التي كانت تضم الجماعة التي ظلت متلازمة واشتهر أمرها في كركوك.

حين استعيد تلك الحقبة الذهبية من حياتي في كركوك أجد أن جان دمو هو القطب الجاذب للجماعة، فقد كان يشدّنا إليه بسخريته ويأسه ولامبالاته وجرأته وعبثه، بل وحتى بإفلاسه، فضلا عن سعة اطلاعه الذي كان مثار عجبنا جميعا، وجان دمو نموذج للكاتب المتشرّد الذي تعرفنا إليه في تاريخ الأدب العالمي، وفجأة وجدناه بيننا في يتسكع شوارع كركوك. كنت مذهولا منه وهو يلوك أسماء كبار الشعراء والروائيين، ويقدم أراء خاطفة عن هذه الرواية أو تلك من عيون الأدب، وبسرعة بالغة يضفي قيمة عليا على هذا الكاتب، ويجرد ذاك منها، فأحكامه سريعة، ولا يكلّف نفسه تعليل ذلك، وهو عارف بالكتب الجيدة والرديئة على حد سواء، وكان يسطو على المكتبات بلا كلل ولا خوف، ولم تسلم منه أحدها في كركوك، ولاحقا في بغداد، ومع أنه يتأبط دائما عددا من الكتب فلم أره يشتري كتابا على الاطلاق، فالكتب غنائم، والمكتبات أرض غزو يباح له فيها ما يباح للغزاة من نهب وسلب. وكان يبيع ما يسرق من كتب الى أصدقائه بسعر زهيد بعد قراءته، وهو يرتدي في الشتاء معطفا طويلا مبطنا بجيبوب سرية يخبّيء فيها غنائمه، ويبتكر طرقا أخرى للاستيلاء على الكتب في فصل الصيف. وفي تلك الفترة لم تكن لديّ أحكام أخلاقية واضحة بخصوص سرقة الكتب، فلم تكن أفعال جان مستهجنة، وكانت الحدود بين الملكية الفكرية والملكية الشخصية شبه غائبة، فمادام الهدف هو قراءة الكتاب فلم يكن من الضروري التدقيق في كيفية الحصول عليه، وتلك ذريعة أضفت شرعية على ما كان يقوم به. وحينما انتقل إلى بغداد في عام 1977 أقام في غرفة شبه مخرّبة تحت السلم في بناية عتيقة في منطقة "الحيدرخانة" خلف مقهى "البرلمان" وكنت أجد أرضها مغطاة بكتب دار "التقدّم" المعنية بنشر الأدبيات الماركسية، وكلها صغيرة الحجم بغلاف أحمر، ومع أنها رخيصة الثمن، وتوزع مجانا في بعض الأحيان، فلا استبعد أن بطانة معطف جان كانت الوسيلة لاخراجها من مكتبة متخصصة بها تقع في ساحة التحرير، أما مطبوعات "بنجوين" الانجليزية، فقد صممت، بحجمها الصغير، لتطابق طريقة جان دمو في الحصول على الكتب، ولطالما ضبط يمارس هوايته تلك في مكتبة متخصصة بالكتب الانجليزية في شارع الرشيد قبالة مبنى الاتصالات يُرتقى إليها بدرج ضيق، ومع ذلك فقد كان يفلت غالبا بغنائمه على الرغم من المراقبة المشدّدة التي كان يخضع لها. وجان دمو في ذلك نظير لعبد القادر الجنابي الذي وصف في سيرته الذاتية تلك الرغبة التي لا تقاوم في السطو على الكتب في بغداد ولندن وباريس، ولم أفهم الحوافر السرية لتلك الممارسة الا بعد أن قرأت كتاب "تاريخ القراءة" للكاتب الارجنتيني "ألبرتو مانغويل" الذي خصص فصلا شائقا لموضوع سرقة الكتب.

وكان جان في كركوك يشعل فتيل الأحلام الكبيرة فينا، لكنه كان يوقد أيضا جذوة الفوضى في عقولنا. وقد اعتاد الافلاس، ولم يجد فيه أية مشكلة في ذلك، فالآخرون هم المسؤولون عن دفع ثمن شايه أو قهوته، وفيما بعد ثمن خمرته حينما انتقل إلى بغداد وأصبح مدمنا، وهي حال لازمته حتى آخر أيامه. وما وجدته يوما يتشكّى من الافلاس، فأصدقاؤه يتكفّلون بأمره. ولجان دمو الفضل الأول في غرس حب الرواية في نفسي، وذلك الحب هو الذي قادني عالم السرديات فيما بعد. وقد قرأتُ أغلب ما كتبَ، وترجمَ، فلم أجد فيه قيمة أدبية جديرة بالذكر، والومضات النارية التي كانت تصدر عنه سرعان ما تنطفئ، قصائده مثله تتنازعها اليقظة المدهشة السريعة، والتثاؤب الدائم الطويل.

لكن ينبغي التأكيد على أن جان دمو أصبح ظاهرة خاصة في الثقافة العراقية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين؛ إذ بدا وكأنه بطل وجودي متمرد ولكنه ضائع في قلب بغداد الشمولية. وبنزقه المطلق فضح الخنوع العام عند المثقفين العراقيين في حقبة الاستبداد، وأحسب أن كثيرا منهم كانوا يشعرون بأنه ينطق نيابة عنهم، لأنه تجسيد حيّ لما أخفقوا هم فيه. يبدو مشرّدا لكنه حرّ، وناقم، ومحرّض بصورة معلنة، فيما سقط معظمهم في هوة الخوف، وانقادوا للسلطة مذعورين. تكمن قيمة جان في الطريقة التي اقترحها لحياته وليس لانتاجه في مجال الشعر أو الترجمة، وكلما استعدت علاقتي به طوال أكثر من عقدين من الزمان أجد أنه أيقونة عراقية هشّمتها أزمة أخلاقية وأيدلوجية".

*وكيف توطدت علاقتك بالشاعر الأرمني خاجيك كرابيت آيدنجيان ؟

- تعرفت إلى "خاچيك گربيت آيدنجيان" حينما التحق بجماعة كركوك الثانية، وهو شفاف، ونقي، ورائع. كان يعمل موظفا في شركة نفط الشمال. وكان يسكنه حنينٌ هوسي إلى أرمينيا، وقد استلهمتُ جانبا من شخصيته في قصتي "مارثون الليل" بعد خمس عشرة من لقائي به وبعد رحيله عن العراق، وظهر في القصة باسمه الكامل. كتب خاچيك مطولات شعرية ركيكة استلهمتْ تاريخ أرمينيا كما يعرفه هو، ثم دبّج ديوانا نثريا يعجّ بالاخطاء اللغوية بعنوان "الحشرة الأفيونية" لكنّ منضّد الحروف لم يكن يفرّق بين حرفي الشين والسين، فصدر بعنوان "الحسرة الأفيونية" وقد سرّتْ الجماعة بالعنوان المبتكر الذي حسبناه كناية عن حسرة الشاعر على وطنه. وتخيلته في قصتي وقد وشم ظهره بملحمة أرمينية. وفي مطلع الثمانينيات غادر إلى ألمانيا تاركا زوجته وابنه. وشقته العتيقة تقع في نهاية زقاق ضيق مغلق قبالة سينما الحمراء في قلب كركوك. علمتُ بعد ربع قرن أنه قضى نحبه في بلاد الجرمان، ولم يكحّل عينيه بجبال أرمينيا التي ارتحلتْ منها أسرته مطلع القرن العشرين. وظل، إلى النهاية، يراهن على أن الزمن سيجعله، في يوم ما، الشاعر الملحمي للأمة الأرمينية، شأن هوميروس عند الإغريق, والمتنبي عند العرب، والفردوسي عند الفرس، فيمّم وجهه شطر وطنه وحيدا، وعنيدا، لكن السبل تقطّعت به، فقضى قبل الوصول إلى أرض الأحلام. ولست متأكدا إن أحدا من بلاد الأرمن عرف بأمره".

*وماذا عن تجربتك الادبية والثقافية منذ سبعينيات القرن العشرين ، ومارافقها من تحولات مهمة في حياتك الأدبية؟

في الظاهر توجد فروق جوهرية، ولكن في العمق تنامت تلك النزعة المتبرمة بالعالم، وتطور الارتياب به، لك أن تطلق على ذلك تمردا، أو سخطا، وربما ازدراء، لكنها جميعها صاغت نزوعي الدنيوي في عدم الامتثال لمعايير جاهزة. من الصحيح أنني انزلقت كليا إلى المنطقة الاكاديمية وأخضعت نفسي لانضباط منهجي وسلوكي، لكنني في العمق أثريت صلتي بالعالم عبر الشكوك والتبرم، والكتابة، وعالجت ذلك بالارتحالات الكثيرة في أرجاء العالم، وقد حملت معي عالمي القديم وغذيته بتجارب سرية مكنتني من اظهار التوازن في مجتمع شبه خامل في تقاليده وأعرافه. على أنه ينبغي الاعتراف بأن جماعة كركوك قد أسهمت في تغيير نظرتي إلى نفسي وللعالم، وفي صوغ ذائقتي الأدبية، فقبلها بها كنت شابا حائرا أعيش في سديم غامض. حقيبتي المدرسية ملأى بالدواوين الصغيرة، وما عرفتُ تمثّل الشعر، وبمخالطة جماعة كركوك تعرّفت إلى الشعر المترجم، فشغفت بالرومانسيين الإنجليز. ثم اقتحمني الرمزيون الفرنسيون فتناثر تماسكي القروي، ودفعت إلى تقمّص شخصية الشاعر الغامض متأثرا بمالارميه. على أن رامبو غزاني في مراهقتي، فتخيلته شيطان التمرّد، والدنس، والمغامرة. ثم ضربتني الوجودية في الصميم ولم أجد أي ملمح أثق به في العالم، وأبدو متبرما بكل ما في العالم. لم تكن لي بوصلة، أقرأ فرويد فاهتم بتفسير أحلامي التي تضاعفت في تلك المدة، أقرأ سارتر فأقلّد "أنطوان روكنتان" ، وأقرأ كامو، فأتخيلني "مرسو"، وأقرأ رامبو فأحاكي تمردّه. وحينما قرأت "اعترافات" روسو أدعيت بأن لي حياة سرّية أكثر غنى من حياته، وأنني في سبيلي للإدلاء باعترافاتي المذهلة، فانطباعاتي الأولى كانت جزءا من إحساسي الداخلي بالمبالغة، والمباهاة، والمحاكاة. كنت أضفي قيمة مختَلقة على الأشياء لأبرز أهميتي. والآن لم يبق من كل ذلك سوى النسغ الحي في المنطقة النائية من أفكاري، أما سلوكي العام، وعلاقاتي الاجتماعية، وأدواري الثقافية، فكل ذلك تعرض لتغيير كبير، ذلك أن عملي الجامعي، ثم المسؤوليات الأكاديمية والثقافية التي توليتها خارج العراق طوال عشرين عاما رسّخت في حياتي انضباطا يغبطني كثيرون عليه، وربما كان السبب وراء اكمال المشروع الثقافي الذي عملت عليه طويلا، لم أفرط بالوقت وأرهقت نفسي بعمل كتابي متواصل مدة ربع قرن، ولكن منذ سنوات قليلة رحت أخلد للراحة والاستمتاع، وحتى أسفاري إنما هي كشوفات ثقافية وتاريخية وجمالية دوّنت تفاصيلها في يومياتي. شغفي القديم بالعالم السري مازال قائما لكن طريقة اكتشافه اتخذت شكلا مغايرا لما كان الأمر عليه في أيام الصبا. يغريني الماضي الذي عشته مع جماعة كركوك الثانية باعتباره بؤرة جاذبة تذكرني بنزقي وعدميتي وحيرتي وكل ذلك أعيد انتاجه الآن بصيغ مركبة فيها من التكتم أكثر بكثير مما فيها من الجهر".

*

يذكر ان الدكتور عبدالله إبراهيم ناقد وأستاذ جامعي من العراق متخصّص في الدراسات السردية والثقافية، أصدر 22 كتابا وأكثر من 40 بحثا علميا في كبريات المجلات العربية. نال درجة الدكتوراه في الآداب العربية عام 1991 من جامعة بغداد، وشارك في عشرات المؤتمرات والملتقيات النقدية والفكرية. عمل أستاذا للدراسات الأدبية والنقدية في الجامعات العراقية، والليبية، والقطرية منذ عام 1991 لغاية عام 2003. وخبيرا ثقافيا في وزارة الثقافة بدولة قطر، ثم منسقا لجائزة قطر العالمية من 2003-2010. ويعمل حاليا خبيرا ثقافيا متفرغا بالديوان الأميري في الدوحة، وهو باحث مشارك في الموسوعة العالمية (Cambridge History of Arabic Literature).


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561291   Visitors since 7-9-2002