|
|
| ط¸â€ڑط·آµط·آµ ط·آ£ط·آ®ط·آ±ط¸â€° - ط¸â€¦ط·آµط·آ·ط¸ظ¾ط¸â€° ط·آ³ط¸ئ’ط·آ± |
| |
في آخر زيارة ؟ ... |
| |
يرويها لكم : مصـطفى سكــر
- الليل ممتد السكون إلى المدى
لا شيئ يقطعه سوى صوت بليد
لحمامه حيرى ،
وكلب ينبح لنجم بعيد ...
من قصيدة ( القطار ) لنازك الملائكة
وهل هناك ثمة مايدعو للقول بأن العلماء قد إنشغلوا كثيرا بسلوكيات نحل العسل ؟ .. فالنحلة التي تبعد كثيرا عن الخلية تعود إليها مسرعة ولا تخطئها بغريزة ورثتها ، فقيل أنها قبل أن تغادر تدور حول الخلية كأنها تلتقط صورا ثلاثية الأبعاد تختزنها لتهتدي بها عند الرجوع ...
نحن أيضا لدينا ماهو غريزي ، فعلت أنا ذلك قبل مغادرتي الدار في قريتي ، ولدينا ماهو مكتسب نتيجة محاولات مضنية نقوم بها ، هذه المحاولات هى التي تضيف الجديد لحياتنا ، تمنعنا من الجمود ، لأن الجمود في حياة الإنسان هو عندما لا يقبل ولا يضيف لحياته شيئا جديدا ...
كان مدخلي لفهم هويتي وهوية المكان الذي أنتمي إليه هو المعمار وتخطيط المدن ، معمارنا في قريتنا حالة وكينونه ، بيوتنا مفتوحة لإستقبال الشمس في يوم الشتاء ، وضوء القمر في ليالي الصيف ، في البيت نسمع أصوات البهائم وصيحات الطيور وهى في رحلة الغدو عند أول الصباح وعند الرواح قبل أن يهبط المساء ...
أصوات الحمير وثغاء الجمال أصوات من خلفيات الوجود في حياتنا ، هى تشبه الأصوات الخلفية للموسيقى التصويرية التي تصاحب أى عمل فني ، لست معماريا لا بالدراسة ولا بالممارسة ، ومع هذا فأنا مسكون بالعمران ، عمران الزمان والمكان ، وعلاقتهما بعمار النفوس والوجدان ، أجسادنا بيوت ، تسكن فيها أرواحنا ، وكما لنا من أسمائنا نصيب ، لنا من أجسادنا بيوت تشكل حركة أرواحنا ، نحس بالإختناق لو ضاق البيت علينا ، كذلك الأرواح تقلق حين يثقل ويضيق الجسد بما يكبله ، نقول متأففين لقد ضاق خلقي ، لأن الروح صارت تضرب جنبات الجسد كما يضرب الجنين بطن أمه في الشهور الأربعة الأخيرة ...
أحيانا تسبح أرواحنا بحرية في عمار جسماني مثالي ، كما يقال عن الأولياء وأصحاب الأرواح العالية ، الذين تسبح أرواحهم حرة في أجسادهم فتجعله أخف من ريش الطيور ، وأثقل من جبال الهدا في ساعة الرقاد النهائي ، حين يصبحوا من رواسى الأرض ...
رحلتي من قريتي إلى فضاء العالم ، لم تكن حركة في المكان كما تبدو في ظاهرها ، وانما كانت حركة في الزمان ، حركة مترددة أشبه بحركة الطيور التي تغدو خماصا وتعود بطانا ...
رحلت في طلب العلم ثم في العمل ، غبت فيها سنينا طويلة ، لكن علاقتي بالقرية التي ولدت وعشت فيها ، رغم ربع قرن من التنقل بين بلاد الله ، ظلت مرتبطة بها وظلت روحي مستمرة في السياحة بها ، آكل من أكلها وأشتم رائحتها ، وكثيرا ما تلسعني نار عذاباتها ، وظلت مثل أهلي أؤمن بخرافاتها لأن فيها هواياتنا ...
وضمن هذه الرؤية ، لم تكن رحلتي التي طالت إلى الخارج نقلة هجرة ، لأني كنت موجودا في المكانين ، هنا وهناك ، ربما لبعض الوقت أو لمعظمه ، وفي تلك المساحة كنت أجد نفسي كسائق السيارة ، ينظر إلى الأمام حتى لا يصطدم بالأشياء ، ومن وقت لآخر يتطلع إلى المرآة العاكسة التي أمامه
ليرى مافاته من معالم ! ...
في آخر زيارة عقب غيبتي التي طالت ، كانت أختي الكبيرة التي بقت بعد أمى وأخوتي الأخريات ، تقص علينا قصصها الغامضة بلا توقف حتى القطرة الأخيرة من كأس الليل ، عيناها الرماديتان سابحتان في الضوء الضعيف ، تسكب رواياتها في الهزيع الأخير ، همسا حتى لا توقظ الأطفال النائمين في الغرف المجاورة ، كنا نقترب نحوها حتى نلتقط كلماتها لأنها بهمسها جعلنا نتخيل أنها تخاطب أحد ما غيرنا ، وحين نوقفها ونسألها ، إلى من تقصين الحكي ؟ كانت تتوقف عن الهمس ولا ترد لتشفي غليلنا بأى إجابة ...
كنت أستحثها على المضى قدما في الحديث ، غير آبه بمظاهر الرهبة التي ألجمت الآخرين ، فأيامي بينهم كانت خاوية ومنطفئة ، لذا كنت أجد سلواى في نبرات صوتها الحبيب الذي يعتقني من إحساسي بالخواء في القرية ...
وما زاد من جراءة إندفاعي بحثها على الكلام ، أني لم أكن مثل الآخرين ، أخاف من ظلام الليل ، أو أتوجس خشية من الإرتطام بكائناته الخفية ، التي تنفث في الصدور وساوسها المقلقة ، وتلعق وجوه النائمين بألسنتها الطويلة اللزجة التي تشبه ألسنة الحرباء ...
تؤمن أختي ومعها الكثير من أهل القرى المجاورة ، بأن التوائم من الأطفال والذين يطلق عليهم القطط أو البسس ، تغادر أرواحهم أجسادهم أثناء نومهم في الليل ، وتخرج هذه الأرواح على هيئة قطط سوداء بدون ذيل ، تتسلق حوائط البيوت الريفية وتتنقل في أرجائها بحثا عما كان يشتهيه هؤلاء الأطفال في صحوهم ، فيأكلون مما قد إشتموا رائحته أثناء النهار واستحوا أن يقربوه أو لم يدعو إليه ، وعندما ترجع الروح من جولتها تدخل جسد الطفل النائم ، الذي يصدر منه وقتها رعشة وحشرجة تشبه حشرجة طلوع الروح عند الموت ...
وقالت أن نسوة القرى يتحاشين الإقتراب من أى قط أسود أثناء الليل ، لإحتمال أن يكون روح إبن أو إبنة من أبناء الجيران في جولةليلية ...
إنسان مثلي خرج من القرية شابا وتجول في بلاد كثيرة ، وعاش بين شعوب متحضرة أغلبها لا يؤمن إلا بالماديات المحسوسة ، التي تشنف السمع وتنعكس على العين سيقول أن هذا الكلام لا يصرف في مصارف العقل ، لكن ماحيلتي وهذه الخرافات جزء من هويتي ؟
على أن أتجاوز هذه التهويمات ، ولن يتم ذلك إلا من خلال الإشتباك الإيجابي معه ، والتورط فيه ، حتى أتجاوزه ، لأنه لن تستطيع تجاوز
شيئ مالم تمر به ! ...
طرقت أصوات البهائم والطيور والأوادم بالخارج طبلة آذاننا ، بعد مضى ليلة حالكة لفها السكون ولم يكن يخربشها غير وشوشات حكاوي أختي ، ويبدو أن أختي حين غمر ضوء النهار أركان البيت ، وعلا صخب أحفادها لم تشأ أن تعكر صفو اللحظة المنتشية بزيادة تفاصيل أخرى ، سكتت ، ثم رفعت رجليها فوق الأريكة وتربعت ، فصارت كأنها ملكة تتربع فوق عرشها ...
من ناحيتي إعتبرت أن كلامها كان تسلية ، سواليف مشوقة تبرع فيها القواعد من النساء ، قلت لنفسي مبتسما كلام ليل ، وكلام الليل مدهون بالزبد حين يطلع عليه النهار يسيح ...
فجأة إقتحم مجلسنا مجموعة من الأولاد ، كانوا يتصايحون وهم يدفعون بينهم أو أمامهم طفلة في حوالي العاشرة ، حين وقفوا أمام أختي قالوا بأصوات متنافرة إسمعي ياجدة ماذا تقول سعدية ؟
رفعت البنت ذيل قميصها الطويل وهى تقول رجلي إنحرقت ياعمة في حوشكم من مشبكم الحار " الكانون أو التنور " ...
قالت أختى بإندهاش :
ـ " ياإبنتي لم يوقد أحد المشب اليوم ؟ " ...
قالت البنت ببجاحة :
ـ " لكنه كان مشتعلا أمس وظل حارا طوال الليل " ...
ردت أختي وهى تبتسم :
ـ " بيتكم بعيد عن بيتنا ياسعدية فكيف يلسعك مشبنا الحار؟! " ...
أجابت البنت بخجل :
ـ " لا أدري ياخالة ولكن هذا ما حدث " ...
تدخلت أنا في الحوار مسائلا أختي :
ـ " إبنة من هذه ؟ " ...
قالت أختي وهى تتغامز :
ـ " سعدية ويسريه بنتان توأم لجارنا أبو حمد ، فهمت يادكتور ؟ " ...
ـ " فهمت يا أختي ! " ...
جدة ، يوليو/تموز 2010 م .
|
| |
|
|