|
|
| ط¸â€ڑط·آµط·آµ ط·آ¹ط·آ±ط·آ§ط¸â€ڑط¸ظ¹ط·آ© - ط·آ¹ط·آ¯ط¸â€ ط·آ§ط¸â€ ط·آ§ط¸â€ط¸â€¦ط·آ¨ط·آ§ط·آ±ط¸ئ’ |
| |
كلام عن نهاية العالم وغيره |
| |
- لاشيء ، في الأساس ، ميئوسا منه سوى الكلمات التي تربطنا بعدم الأمانة. جورج باتي G. Bataille
- الأفكارهي أشياء أيضا. مقولة لسحرة جزر هاواي
البارحة ، ماذا أقول ! قبل ستين سنة أجروا في المستشفى المحلية التي كان موقعها يقبض النفس حقا : مقابلها السجن ، والمقبرة ليست بعيدة عنها ، عملية إستئصال الزائدة الدودية لعبير. لاتزال هي ، أي عبير ، حيّة إلا أن بياضها صار يميل الى اللون البرونزي . أتكلم معها بالسكايب مرة في الشهر. تبدو سعيدة رغم أنها لاتتحمل برد الشمال. أنا مضحك حقا. فكلما أشعر بوجع في الجانب الأيمن من بطني أتذكر تلك الدودة. شاهدت رسوم البطن في النت. منظر قبيح حقا. شعرت بالصغر لكوني أملك مثل هذه النفايات تحت الجلد. أنا أغمض عيني حين أتغوط أو أغتسل. عدا اليدين ، لكن ليستا بالكامل بل الأصابع فقط ، والرأس لا أحب أي جزء من جسمي. الرأس لا أراه إلا في المرآة لكن جزئيا ، ومن هنا إمتيازه في أن يكون مجهولا. منظر نموذجي : أصابع ورأس. صورة غريبة جدا ، لكن في هذا الصباح حين رتبت غطاء فراشي عادت الصورة نفسها : سهوب شاسعة جليدية أعقبت الإنفجارات في سيبيريا. الغطاء مطرزة فيه خطوط متكسرة زرقاء اللون ، لون مريح حقا ، تمتد هي من طرف الى آخر. لو قرّبت عيني من الخطوط لصارت أوقيانوسا أزرق. في الأسبوع الماضي كان بياض الغطاء سحبا بيض على أوقيانوس أزرق. أهو خداع بصري أم أني كمخلوق ناقص ومحدود الإمكانيات بل قبل كل شيء ذي حواس ليست بتلك النموذجية – الربانية ، قد رأيت أوقيانوسا وسحبا بيض في فراشي ؟ أردت أن أقول هذا لزوجتي عند الفطور ، بالضبط حين كانت تدهن قطعة الخبز الأسمر بالزبدة ، إلا أنها سبقتني بالكلام :
- أظنك تعرف أن نهاية العالم ستكون ، وفق تقويم المايا ، في العام الثاني عشر ، أي قريبا. طيب ، ما العمل ؟
أكيد أن تعبيرا للحيرة قريبا من البله إرتسم على وجهي الصباحي لكن سرعان ما إستعدت حكمتي :
- عزيزتي لا أظن بأني سألجأ الى الصلاة ، فالنهاية هي النهاية ولا أحد سواء هنا أو هناك – اشرت الى أعلى – سيقدر على إنقاذنا. أليس كذلك ؟
أردت أن أضيف ناصحا بأن لا عليها أن تفكر وتقلق. فأمور مهمة أيضا علينا بتسويتها. ذكرت مثلا واحدا : مراجعة مرّكب الأسنان لكن قبلها ينبغي قلع هذين السنّين المتأرجحين – أردت أن أقول : مثل مهد النغل - كلما أمضغ شيئا. كما ذكرتها بأحد المواعيد القادمة :
- لا تنسي أن بعد خمسة أيام لديك موعد عند طبيب العيون. أكيد أنه سينصحك بخفض ساعات البحلقة في التلفاز وإستبدال النظارات بأخرى أكثر دقة ورونقا أيضا ، هه ، ستكون الكلفة ليست بالصغيرة ، لكن هل لهذا من أهمية طالما أن العام الثاني عشر ليس بالبعيد جدا. كلا ، أنا أمزح فقط ، فنهاية العالم ظاهرة فريدة ولاتحصل كل يوم .
وجدت نفسي محرجا ، فلاعلاقة لنظر الزوجة بنهاية العالم. هكذا أنا - ينبعث ، كما في البراكين ، دخان أولا ثم ينفجرغيظي من كل شيء تقريبا. مالا حظته أنه غيظ لا يخلو من بعض الخبث. كما أنه من غير المقنع أن أبرر بالعمر الغيظ والخبث. ففي الحقيقة هما رافقاني منذ الصغر. والآن لا يرجى صلاحي ، وإلا كيف ؟ في مثل هذا العمر المهلهل مثل ثوب متسوّل زقاقنا القديم ؟ إذا لم تخني الذاكرة كنا نناديه سلبوح. طويل ، نحيف ، جلد أسود مزّرق مثل ( السِيان ) ، رأسه كان صغيرا بهيئة ( المكوار ). إختفى السلبوح فجأة ، لكننا وجدنا تفسيرا لذلك. فمرة جاء يترنح من شدة السكر ويجر قدميه بالكاد. دمدم بلغة غير مفهومة. الصغار فشخوا رأسه بكم حجارة ثم إنتابت الحيوية ساقيه وإبتعد عن الزقاق بسرعة. أعود الى موضوع نهاية العالم. زوجتي تبحث عن الإثارة في كل مكان. لا أظنه الملل التقاعدي. فأنا متقاعد أيضا ونادرا ما عثرت على إثارة في شيء أو فعل هو طبيعي للغاية. أكيد أن مشاغلي أكثر من مشاغلها. بعض مشاغلي مثير حقا لكني لا أطبّل ولا أزمّر بأنها هكذا. لنأخذ مثلا المصادر التي جمعتها حول ظاهرة البؤس في بلادي التي أنا بعيد عنها الآن. الغريب أن زوجتي لم تجد أيّ إثارة في كلامي عن المصادر التي تبين بكل وضوح أنها مؤامرة مثيرة حقا في الإبقاء على البؤس عندنا. كلامها لم يخل من المنطق والتفسير الصحيح ، رغم أنه كان صعبا عليّ أن أستمع بهدوء الى الحقائق التي جاءت على لسانها. أعترفُ بأنها غالبما تهزمني في النقاش. فأنا من الناس الذين ينفد صبرهم بسرعة كما أنه من الصعب طرد أيّ فكرة من رأسي إذا كانت قد إستقرت فيه. في الأسبوع الماضي تناولت إحدى أفكاري ، وكانت عن الوضع في البلد القديم ، أثناء عرض التلفزيون لفلم قديم عن مصاصي الدماء ، بالقول :
- هؤلاء المصاصون مساكين ، فهم يكتفون بضحية أو ضحيتين ، بينما في البلد القديم هناك نوع مخيف من المصاصين ، هم يجلسون على كراسي الحكم و يقتلون ويسرقون ويرهبون وحتى أنهم يأكلون لحوم البشربهذه الصورة وتلك...
زوجتي أبدت ، بشكل واضح ، النفور من كلامي. رجتني أن أسمح لها بمشاهدة هادئة لما يفعله مصاصو الشاشة. شعرتُ مرة أخرى بأني محرج بل مهان الى حد ما ، لكني سكت خاصة أني كنت واثقا بأنه ستسنح لي في القريب الفرصة للكلام عن المصاصين في بلدي القديم. كذلك لابد لي هنا من القول بأني أجهد ، وليس منذ اليوم ، في أن أحتفظ بالهدوء مراعاة لحالتي الصحية ، فخطر حدوث نزيف دماغي هو فعلي حقا. والدا الزوجة ، أي لينا ، ماتا بسبب مثل هذا النزيف. أسبابي ستكون مختلفة لكن ليس تماما ، فأنا أتجنب الدهون والعمل المجهد أيضا. هذان الوالدان كانا غيرمكترثين ، شأن الباقين في هذا البلد ، لأخطار الدهون والتغذية غيرالرشيدة عموما. قد يكون معهم بعض الحق ، ففي مثل هذا المناخ القاسي يصعب مقاومة إغراء الدهون وسعراتها الحرارية العالية. نعم ، الإعتدال فضيلة لكن منو يسمع كما كانت تقول المرحومة أمنا ، فلا أعتدال هنا في أمور كثيرة ، في مقدمتها الدهون والكحول والغش. ها أني عبرت السبعين منذ سنوات، و ليس في نيتي تلوين مثل هذه الصورة الكالحة. حسنا فعلت عبير حين تركت بلدنا القديم الخايس. لم يكن بمثل هذه الخيسة قبل عقود طويلة. ومن بقي فيها منا غير نبيل الإنطوائي ! قد يكون سعيدا داخل قلعته التي بناها بنفسه. لا أقول بأنه معماري غير موهوب ، لكن العلة في هذه الإنطوائية التي غمضت أسبابها. الأب كان يقول إنها بسبب الكبرياء ، والأم كانت تدافع عنه على طول الخط : يمّه أخوكم رقيق وحسّاس. كلام طبيعي ، فهو كان الأقرب الى روحها وقلبها. لامفر من أن أطرد ، وبقوة ، شبهة أني وعبير والأب كنا غيورين وحسودين. فأنا محاسب ماهر ، وعبير معلمة ذات مهنية عالية حقا. أما الأب فرغم حكمه على أخينا كانت العلاقة بينهما نموذجية ، ولولا الإنطوائية لصار نبيل الأقرب الى روح الأب وقلبه أيضا. لينا هادئة وتسيطر دائما على أعصابها و تصرفاتها. وهذا شيء جيد ، فهو يعوّض عن قلقي ونرفزتي لأتفه الأسباب. لكنها لم تخف دهشتها ، بل كانت قد فوجئت تماما ، حين أطلعتها على ما نشره نبيل في موقع إنترنتي إسمه ( الوطن المجهول ). موقع غريب حقا. ينشر لكل من يغرد خارج هذا السرب وذاك. في الحقيقة أنا أتجاوب معه. فكبيرة هي أحوال نرفزتي وإشمئزازي من خيسة الوطن غير المجهول. لينا شاطرة جدا. قاطعتني حين بدأت أسرد عليها ما كتبه نبيل في ذاك الموقع :
- لا تتعب نفسك. سأقرأ بنفسي ما كتبه عزيزنا نبيل. قلت ُمرة بأنه يذكرني بزوج أولغا بنت عمتي. فهو معماري ومن النوع الصامت أيضا. أن يمارس نبيل الكتابة أيضا هي مفاجأة سارة حقا ...
بعد الغداء جلست لينا أمام الحاسوب وقرأتْ مرتين ، كما إنتبهتُ ، ما كتبه نبيل بإسم مستعار :
( في البيت وخارجه لكن ليس بعيدا )
قصة ناقصة كتبها نجم عبدالله
صرت منذ الإنقلاب الأخير للخارج ، لا أفكر بالتوقعات وأيّ كانت - فبعد العملية الجراحية الفاشلة من قبل أسبوعين رحلت زوجتي. كانت العزيزة رغم طباعها وأمزجتها. أبنائي الثلاثة غير مخلصين. لا أعرف ، ربما أنا أطلب منهم الكثير. أكبرهم أعطيته إسم جدي من جهة الأم : عبدالصمد ، قد يكون عقوقه الأقل. يزورني من وقت الى آخر للسؤال عن أحوالي لا غير. يشبه أمه الى حد كبير. إلا أنه ذو طبع هاديء وكتوم الى حد مقلق ، لكنه أفضل من أخويه. أناديه ب( صمد ). نوع من التحبب وإشعارالإثنين بأنه الأثير. هما يفقهان جيدا لم شعوري هذا إتجاهه. الأصغر إسمه نمير ، هكذا أسميناه للسهولة والحلاوة أيضا. نمير لايسمع أحدا ومن هنا متاعبه ومشاكله وورطاته. الأوسط أسميناه سلام وللأسباب نفسها. يملك الحد الأدنى من الأخلاق. أكاذيبه تثيرالغضب حقا. مجنون حقيقي لايعرف السدود ولا القيود أمام ما يريد الوصول إليه. أما أنا فإسمي سعد. هذه معلومات أساسية طالما عزمت على الكتابة. بالطبع يهمني للغاية أن يكون لي اصدقاء كالذين كانوا : محسن مات في العام الماضي ، وجميل هرب من البلاد ، أما رحيم فتزوج من زمان وإنتقل الى مدينة بعيدة. غالبما أفكر بأني في واقع الحال وحيد ، فالروابط مع الأبناء شكلية ومتعبة ولا تفيدني كثيرا. وهذا شيء دفعني أكثر من مرة الى السؤال : أيّ جدوى كانت من تأسيس عائلة كهذه ؟ للعلم أنا معماري ومغرم بالموسيقى والغناء الأوبرالي والمطابخ الأوربية والأخرى من الشرق الأقصى والتي تكثر فيها الخضراوات ، فكبدي المريض لا يتحمل لاعقلانية مطبخنا مثلا. وأيّ كانت الظروف أشاهد كل يوم أحد الأفلام الجيدة. من هذا وغيره ينتج أني من شواذ بغداد ولا أستبعد أبدا أن يكسر بابي فتيان مسلحون وإلى آخره. بهذه الصورة مسخوا الحياة كي تصبح إنتقالا من مكان الى آخر في سيارة عمومية لايعرف متى تنفجر القنبلة الموقوتة التي وضعوها فيها. لاحاجة الى القول إنه بلد ميئوس منه : كان راقدا منذ زمن آخر الأنبياء في علبة باندورا التي صاروا يفتحونها كل يوم. إلا أني أخذت أصرف التفكير عما يحدث خارج بابي ، فهناك أكثر من قوة عمياء تعربد في جميع الأمكنة. وكل هذا حصل ويحصل حين إكتشِفوا هذه الإحتياطات الهائلة من البترول. ثروة ملعونة ، فلو لم تكن لما فكر أحد بأن يعيد البلاد ، على مراحل ، الى العصر الحجري ، ولكفتنا الزراعة والسياحة مثلا. منذ الحرب الأخيرة لست الوحيد الذي يفكر بان النفط شطب وحتى على مستقبل الحد الأدنى. هذه الدوامة السوداء ستهدأ مع نضوب البترول. أما الآن فلا فائدة من الإثنين : الديمقراطية والعادل المستبد. كلاهما سراب في زمكاننا . بسبب هذا كله قمت في العام الماضي ببيع بستانين ورثتهما عن عمي محفوظ ، وقررت البقاء في البلاد وضرب طوق متين من العزلة. الناس يفكرون ، عادة ، بالحاضر فقط سواء إذا كان خطرا أو آمنا ، وهم يفلحون في مناورته أوالتخفيف من ضرباته. أما أنا فصار لي إمتياز فاخر بعد بيع البستانين : خيار بين التفكير بالماضي و المستقبل. فالحاضر عندي مجرد أداء روتيني ، أماالماضي فهو ميت تماما ، ومن هنا إغراء المستقبل. في الحقيقة التفكير بهذا المجهول دافعه الفضول وإلا ما شأني به في مدينتي التي صارت ثلاثة أماكن حسب : مسلخا ومزبلة ومقبرة ، وأنا لست بحاجة الى هذه الثلاثة ، لذا أنا باق في عزلتي الى النهاية. ثمة بضعة إحتمالات تنهي العزلة. أولها مرض يداهمني وينقلني الى مستشفى أو أن ينهي أحد الأبناء الثلاثة عزلتي ، أو أن إحدى السلطات تقتحمها بإحدى الحجج التي توفرها لها القوانين الحالية ، أو أن أجيء بإمرأة الى البيت كي تجرني الى الحاضر. مفهوم أني أريد أن أمنح حياتي معنى ما ، هكذا نحن البشر : يبحث واحدنا دائما عما يسعده أو يميّزه. أعرف أن أحد المعماريين صار مشهورا بفضل مهنة الكتابة. أما أنا لما أردت مثل هذه الشهرة التي تجعلني في مثل هذا البلد رهينة مغرية لشتى الجهات.
عندي مخرج واحد فقط : أن أكتب للنفس وليس للآخرين. ولم لهم طالما أني أعيش في مثل هذه العزلة التي لا يقنعني أحد بأنها لم تصبح الآن مطمح الملايين. ولأبدأ بهذا الخارج ، خارجي الصغير:
جار أظنه تخطى الخمسين من العمر رأيته عبر النافذة يحطم فجأة كل ما يقع تحت يده. أخمن بأنها كانت مجرد نوبة وعي بالعبث الذي أخذ يضيق الخناق من جديد. نحن الإثنين نعرف أيّ عبث هو المقصود. لكن الفارق بيننا قد يكون أني إحدى النعاج الجرباء ، المعزولة والعزلاء ، في هذا القطيع الكبير الذي يقودونه كل يوم الى المسلخ. بعد المراقبة الدقيقة عرفت أن هذا الجار يحيا مثلي في عزلة. قرأتُ مرة أن مثل هذه العزلة ، وهي حنين العقل الذي أصبح يتيما ، محسوس بها في كل مكوّن من مكوّنات الكون الحيّة. الكون حيّ. أنا أؤمن بهذا تماما كإيماني بأن لكل شيء نفسا ولأنه حيّ، أما الكون فهو وحدة حيّة ذات عقل واحد. لولا بعض الإعتبارات المأخوذ بها لطرقت باب جاري وأبديت رأيي بالموضوع. هناك أيضا خشيتي من أن يعاملني كمن أصابته لوثة في هذا الزمان الذي هو ملتاث أيضا. في الأسبوع الماضي جاءني حلم قصير : كنت مختفيا وراء ستارة في قاعة إجتماع لعمالقة الإقتصاد الأميركي. إتفقوا على التخلص النهائي والأكيد من الساسة الذين رغم إخلاصهم لا يعرفون كيف تجنب المواقف والأوضاع التي تعود على معابد النقود بالضرر. لا حظ المجتمعون أن كل الساسة حمقى ، ويكونوا أشد حمقا حين تستيقظ فيهم نزعة أخلاقية أو دينية يكون من المتعب التحكم بها. إذن لنستنسخ ساسة مطيعين تماما. ولتكن أعمارهم قصيرة مثل عمر النعجة دولي. واضح أن لاوعيي غاطس ، ولربما عميقا ، في مثل هذه الأطراف من العالم الخارجي. جنرال أميركي يبتز الرئيس بأنه سيفضح بعض جرائمه السياسية والأخلاقية إذا لم يعطه بلدا ، وليكن صغيرا، كي يجرب عليه صاروخا ذا رأسين : نووي وآخر وفق تطبيقات برنامج فاليس ( VALIS - Very Active Living Intelligence System ) . أصبح كل شيء - اللغة والسياسة والإقتصاد والعلم وغيره ، كيانا واحدا ، مؤامرة لكن يصعب الإنتباه إليها إذا حصل التخصص في أحد الميادين. واضح أنه حتى فظاعة العالم صارت مضجرة. يكفيني أن أفكر بالمجازر المسماة ثمن ( تطور التأريخ ) ، كي أسدل الستارة على النافذة وأديرالمفتاح في قفل الباب. لم أعثر على مخرج في مثل هذا النفق الصغير ، ولذا بقيت فيه ، لكني لا أشكو هنا من العطالة : أدفن كل يوم عقلي وحواسي وتأريخي بل تأريخ جنسي كي أظل لوحدي مع اللاتأريخ واللامعقول واللاطبيعي. صارت هذه الرفقة متعتي الوحيدة. فقد منحتني حرية جديدة بعد تخلصي من زبالات الماضي والحاضر. أخطأت بشأن المستقبل الذي لا يمكن أن يكون وجهتي الوحيدة. لم أكن دقيقا. إذ يصعب رسم الحدود بين الأزمنة الثلاثة ، كلا ، الرسم ممكن لكن الحدود ستكون شكلية الى حد بعيد. هنا أكثر من أسطورة لا تعود الى الماضي وحده ، فهي لاتزال حاضرة ، يقظة ، آمرة في رؤوس الكثيرين بل الأكثرية الساحقة. هل عندي طموح في نشر ما سأكتبه ؟ لا أعرف. قد أفعل هذا الشيء ، فالنفس أمّارة بالسوء. صرت أقرأ روايات وقصص مكتوبة ومنشورة في مدينتنا. رغم ألوانها القاتمة ثمة فرح مبطن فيها ، فرح صبيان بأنهم نجحوا في ممارسة إحدى ألعابهم. بالطبع هم لم يبتكروها بل يمارسوها حسب. لمثل هذه اللعبة إغراؤها. هل أجرّبها وأكتب عن جاري من البيت المقابل مثلا ؟ لا أظنها فكرة جيدة. أكيد أني سأهرّب فيها ، وكما يفعل أي مهّرب ، ما أفكر وأشعر به وأحكم عليه. بإختصار، أليس من النزاهة أن أكتب من دون تهريب وتمويه ؟ قد تكون لجاري أزمته أو دراماه أو فجيعته أو متاعب دائمة مع جسمه. كما قلت أنا أعيش وحيدا. أدبّر معيشتي جيدا. أخرج مرة في الأسبوع لشراء ما أحتاجه ( صاحب “ ماركيت “ صغير ، وهو من معارفي القدامى يوفّر لي الكحول أيضا ). رغم أن جدارين في الحديقة يفصلاني عن الجيران أسمعُ الأصوات وضجة المطبخ وغيره مما يعني أني لست وحيدا تماما. ( الفضل ) يعود هنا الى الفيزياء التي تحكم البشر والعالم. قيل إن الكتابة عند بعضهم مثل الذئب الجائع المقرورالذي تكثف كل وجوده من مكائن بيولوجية وغيرها ، في عدم إضاعة أثر الفريسة. جوع ينهش مثل الجرذي خلايا الجسم الذئبي. هناك البرد الذي دخل في حلف شيطاني مع الجوع ويشوّش على ذئبنا كل خطة للوصول الى الفريسة – اللحم – الدم - الدفء - الشبع – السير الذي كله طمأنينة. لكن لا خوف على الذئب الذكي ، فهو يحقق الإنتصار النهائي ... هذا كل ما كتبته لغاية الآن ، أي منذ حوالي الشهر. سأحاول أن تكون الكتابة قصصية بحتة وليس كتابة يوميات أو مذكرات أو خواطر. السرد هو السرد ، والجديد كله في إعطاء هذه العجينة هيئة أخرى. طيّب ، أنا لست مرغما على القيام بمثل هذه الكتابة ، وقد تكون فكرة جيدة إذا عدت الى وضع التصاميم المعمارية لهذه المدينة رغم أنها مدينة من الواقع الإفتراضي. هذه مجرد فكرة بعيدة عن زمكاني تماما. لكن الحال هي هكذا دائما ، فإذا إلتصق الواقع بي مثل حشرة سامة يكون رد الفعل التلقائي : كيف التخلص من هذه الحشرة ؟ لا ، هي فكرة محرومة من القيمة العملية أن أعود الى عملي كمعماري. الكتابة مخرج جيد لتليين هذه الوحدة ، وقد تمنحها ألقا ما : عزمت نهائيا على أن أكتب عما أتفق على تسميته بالسرّ. فخارجه محض وهم حقيقي. إتفق بعضنا ، ولا يهم هنا من وأين ومتى ، على أن هذا يسمى خيرا وذاك سوء ، وإسم هذا أحمر وإسم ذاك أسود ، إتفق هؤلاء على أن نحترم تأريخنا ، على أن من الحكمة أن يستر كل واحد أغراضه الحقيقية - إستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. كل ما في الأمر أن بعضنا إتفق على هذا وذاك. بالطبع ليس غرضي الستر بل السرّ الذي يرفضه العقل حين يعجز عن أن يستشف كنهه أو عن تكييفه وحشره في داخل حدوده الضيقة. بعضهم ، وجد أن السر هو أجمل الأشياء التي يمكن للبشر معايشتها. أكيد أنه مصدر كل علم وفن. الجثث وحدها تعجز هنا عن الإندهاش .هكذا قال آينشتاين. معماريّ مثلي يضع رجله في الغيبيات ! في الحقيقة أنا ضائع في متاهات الباراسايكولوجي والسايكوترونيك وحقول الحياة الألكترو - مغناطيسية ، والبيو بلازما ( أكيد أنه إصطلاح علمي جديد. وهنا لأبتعد قليلا عن رغبتي في أن تكون كتابتي سردية الى حد مقبول ، وأقول شيئا عن هذه البيوبلازما التي لاتزال تثير أكبر فضول عندي : العلماء يذكرون أربع حالات للمادة : الجسم الصلب ، السائل ، الغاز ، البلازما. الأخيرة هي غاز لكن جميع ألكتروناتها إنفلتت من نواة الذرة. هي موجودة في العالم المحيط بنا إلا أنه يمكن إنتاجها مختبريا في شروط حرارة مرتفعة جدا. كما معلوم كل كيان عضوي هو نظام يبث طاقة وينشيء حول نفسه حقولا هي ( مملكته ) الخاصة. لكننا لا نعرف إلا القليل عن عمل الشبكة الطاقوية للجسم الحيّ وخاصة أثناء التخاطرحين يؤثر جسم على آخر رغم البعد القائم بينهما ) ، وهناك الحدود بين الباراسايكولوجي والبارا فيزياء والهندسة حين تجابه القوى التي تتشكل في الطبيعة ، أو إعادة إكتشاف الأثير في الفيزياء ، أو الحقل المسمى طاقة الهندسة الجديدة ، أوالعلاقة بين السايكوترونيك والجاذبية البيولوجية أو الحدود بين البارساكولوجي وفيزياء الكم ، أوالطاقة المُشفية وغيرها من المجالات التي سأبدو مضحكا في عيون قرائي المفترضين حين أعيرها شيئا من الإهتمام. هناك وسيلتان لتفادي مثل هذا الإضحاك : إما الأخذ بسبل السحر بعد طرد العلم الرسمي بعيدا ( أنا معجب بماقاله كارل غوستاف يونغ عن أناس الغرب الميالين الى فصل الأشياء وعزلها : نحن نرى ، وفق قانوننا حسب ، الشجرة ولا نرى الغابة مما لا يعني نفي فعلية الأشجار لكن هل يعني هذا حرمان الغابة من الفعلية ؟ ) ، وإما الخروج ، وليكن قصيرا ، من البيت لجسّ هذا النبض الجنوني لمدينتنا. لكن أين ؟ الى جاري الذي يواجه العبث ؟ الى صاحب الماركيت الصغير ؟ الى الحاجة أم هيثم صديقة جدتي والتي لا زالت حيّة لكنها فقدت أكثر حواسها ومعها الذاكرة ؟ الأكثر سهولة هو الذهاب الى الجار شبه الغريب ، لكنه كما لمستُ يعرف جيدا أوضاعي منذ السنة الأخيرة ، أما قبلها فقد كنت غارقا في الأشغال. قدرعلمي هو وحيد وأرمل مثلي وأولاده هربوا ( بعيدا )... قررت وخرجت من البيت بعد مكوث إستغرق حوالي الأسبوع. فتح الجار الباب ودعاني الى الداخل. صدمني منظره. فقد تقدم في العمر بسرعة. صارت حركاته بطيئة ونظراته ساهمة وغير مكترث لما يحيط به. الحالة نفسها بعد رحيل زوجتي. لكنه تصرف بأدب. أخبرته بإستقامة لماذا جئت : بسبب نوبة التحطيم الذي شاهدته من نافذتي. أضفت بأنه قد يحتاج الى مساعدة و( من منا لا يحتاجها في هذا الوضع الأكشر ). ظهرت إبتسامة شاحبة على وجهه الوسيم وهمس: ( آني متشكر ). بعدها تحدثنا بهذه الصورة :
- سيد عادل شنو القصة ؟ - إبني مختطف. خطفوه بعد يوم واحد من وصوله. من كندا. وصل بالليل وما طلع من البيت. منين عرفوا ! - هناك إشاعة : بعض موظفي المطار يقدمّون المعلومات. إذن وصلنا الى هذا الدرك. - يريدون فدية كبيرة. سأبيع كل شيء. المسكين عنده زوجة بكندا. هيّه حامل. - سيّد عادل. التأني مقبول والحيطة أيضا. لازم تعرف قبل كل شي هل إبنك سالم حيّ. هذوله أوباش ومجرمين محترفين وقتل الإنسان عدهم شيء عادي. أحيانا المخطوف يعرف بالصدفة بعض أسرارهم ثم يتخلصون منه قبل قبض الفدية...
واصلت بلاغتي ، لكني إنتبهت الى أن الأمر الأهم : كيف إنقاذ الإبن. فكرت بعلاقاتي السابقة مع الناس. أكيد أن هناك من ينقذ الجار. عدت الى البيت وشعور غريب ينتشر في الخلايا : أهي نهاية العزلة والعودة الى كوابيس بغداد ؟ لا أظن أنها مجرد نوبة إنقاذ شبيهة بنوبة التدمير التي إنتابت الجار. بالفعل عثرت على عنوان زميلي القديم عبدالأمير ك. الذي عرفت قبل أشهر بأنه أصبح وكيل وزارة لكن أيّ وزارة ؟ المهم أن العنوان موجود. هاتفه قديم الآن. أخبرت الجار وذهبنا الى دار الوكيل الذي تعرف عليّ فورا رغم أن آخر لقاء بيننا كان قبل سنوات. المهم أنه أبدى بالغ الإهتمام بالأمر، كما تفهم خشية الجار من الذهاب الى الشرطة. وعد بالسؤال والمتابعة. بعد عشرة أيام حصلت المفاجأة : عاد الإبن الى البيت لكن بشرط أن لا يخبر أحدا وحتى الأب بما حصل له. أما أنا فشعرت بإستيقاظ ما كان فيّ من صلات مع الآخرين قبل رحيل الزوجة. إلا أن كل هذا إختفى مع أول نشرة للأخبار شاهدتها في التلفزيون. أدركت حينها بأن عزلتي هي المخرج الأمثل. لغاية الآن لم أختر مكانا معيّنا للبحث عن السرّ الذي كنت أعرف أنه موجود في كل مكان. خشيتي أن هذه الحقيقة قد تحبط مسعاي وتجعل من عزلتي جوزة خاوية. لا أظن أن الحال ستكون هكذا رغم أني لا أعرف متى الخيار. هناك أمر مهم آخر: أنا أكتب ببطء شديد ولأني أكتب بصورة رديئة ومرغم على أن أعيد الكتابة مرات عدة ، أن أصحح وأزيل الصياغات البالية وغيرها من عكازات الكتابة. سأكون في غاية القناعة إذا حققت المتوسط هنا. كان تصوري عن الكتابة خاطئا. إنها مهنة أكثر مهنية من المعمار. فتصميم مبنى وتنفيذه لا يعنيان سوى أن تكون عارفا وممارسا ، أما الكتابة فتعني ، وخاصة في زمننا هذا ممارسة أكثر من مهنة واحدة. بالطبع كل هذا لايعني إنصرافي النهائي عن الكتابة المكرسة ، وكما قلت ، للسر. أعترف أيضا بأني خائف منها ولأنها تعرية مجانية. بالطبع لا أريد أن أناور وأدلس كأن أتكلم عن الآخرين ساردا مقاطع من حياتهم أو لحظات منها ، رغم علم الجميع تقريبا بأني أكتب عن النفس أو عن أفكاري إلخ. لكل هذا سأكف الآن عن الكتابة. وسأواصلها حين أكشف ، لكن الى حد مقنع ومرض ، عن أحد الأسرار...
*
بعد أن قرأت لينا ما كتبه نبيل فوجئت تماما بقولها إنه كاتب أصيل. قلت لها إن ما كتبه لا يعدو كونه مقدمة ، وقد لا تخلو من الإثارة ، لما يعزم كتابته وفق أحد المناهح السردية. وهنا إختلفنا مرة أخرى. فلينا تجرفها ، أحيانا ، رغبة لاتقاوم في الطرح الإستعراضي لآرائها تماما كما لو أنها تحرّض جموعا كبيرة على القيام بتمرد مدني ضد السلطة القائمة ! هكذا هي جميلتي. أظنها تستغل هنا بصورة مبالغ فيها رشاقتها وشعرها الطويل بتموجاته الساحرة ، كما هناك براعتها في الكلام وطريقة حملها نظارتها الطبية. أنا عاجز تماما خاصة أنها لم تقل بالصورة المباشرة إني جاهل بما يحدث الآن في مملكة الأدب عامة والسرد خاصة. قلت لها :
- عزيزتي ، أنت لاتعرفين نبيل جيدا. إهتمامه بالأدب ضعيف ومن هنا دهشتي بأنه قرر الكتابة.
- قدر علمي صلتك القريبة به مقطوعة منذ سنوات قد يتحول أثناءها راقص الباليه الى عالم كيميائي ، أليس كذلك ؟
لم أجب لا بالإيجاب ولا النفي. كنت متنرفزا ومغتاظا من جديد. لم أعرف سبب ذلك. أهو منطق لينا المفحم أم عجزي عن التدليل على أن مواهب نبيل لاتشمل الكتابة أيضا. في الأخير سيطرت ُعلى توتري وإقترحت العودة الى الكلام عن نهاية العالم وفق تقويم المايا الذي لا أعرف عنه إلا القليل. لينا أشعرتني بأن ليس لديها أكثر مماقالته سابقا ، وبمعنى آخر :
- عزيزي ، قل بصراحة أنك لا تريدنا أن نتكلم عن نبيل ، فحينها لم تكترث كثيرا لما قلته عن نهاية العالم.
الغريب أنه لم تداهمني هذه المرة النرفزة ولا الغيظ مما أدهش لينا التي كانت تعرف مثلي بأن نهاية العالم هي محض إحتمال ولو أنه قد لايكون بعيدا. وهكذا وجدت نفسي أقول :
- عزيزتي ، دعينا لانتسرع في الحكم النهائي على قيمة ما كتبه نبيل ، ولننتظر القصة كاملة.
وعلى غير عادتها لم تعقب لينا على كلامي. ثمة إحتمال بأنها لم تسمع ما قلته ، فقد لاحظت بأنها كانت تحدق ساهمة في تلك الرقعة من السماء المضاءة والتي ترسمها في نهارات الصحو نافذة غرفة الجلوس.
* إيضاح من كاتب القصة : لا أعرف تماما أيصلح النص أعلاه كمطلع لقصة عن رجل من بغداد إستطاع أن يفلت لغاية خاتمة القصة - بالأحرى يبتعد قليلا - من كامل عبث هذه المدينة الدموي. هناك سؤال أيضا : ماهي الوجهة بعد هذا الإفلات الذي هو نسبي بالطبع ، وكسب نجاح ملموس في مراوغة كوابيس مدينته ؟ هل أعمل منه واحدا من تلك الشخوص السردية التي هي على حياد تام إزاء أبعاد الحاضر طالما سبق أن قال : الماضي ميت تماما ، ومن هنا إغراء المستقبل ؟ بطلي هذا إنتزعته من واقع بغداد ، بعبارة أخرى هناك مثل هذا المهندس الذي بحكم طبيعة مهنته يعاني كل يوم بسبب الخراب المادي الذي لحق بمدينته ، إلا أنه أعزل ويائس ، فنهاية القوى التي تتحكم بالحاضرلا تبدو قريبة. وحتى إذا تحققت معجزة هذه النهاية فلابد من ظهور أخرى قد تطرد بضعة كوابيس لاغير. فكل واحد مؤهل ، بالأساس ، كي يخلق الكوابيس لنفسه أو للآخرين. طيّب ، لن أخسر كثيرا إذا أوقفت الرجل عندعتبة مستقبله بعد موات الماضي وتحنّط الحاضر. وفي الأخير ملاحظة صغيرة : لا أظنها مناورة سردية مفضوحة حين دفعتُ البطل ، أي نبيل ، كي يسعى صوب الكشف عن كنه أحد الأسرار رغم أني واثق تماما من أن ليس هناك من سر يمكن كشفه كاملا. أما زوج لينا فهو محض كومبارس أو شخصية مرغوبة لخلق التعارض بينه وشقيقه ، ومن الواضح أني وقعت هنا تحت تأثير تلك النماذج الأدبية ، وفي مقدمتها بالطبع دون كيخوته وسانشوا بانزا...
- باندهولم ، حزيران 2010
|
| |
|
|