|
|
| ط¸â€ڑط·آµط·آµ ط·آ¹ط·آ±ط·آ§ط¸â€ڑط¸ظ¹ط·آ© - ط·آ§ط·آ³ط·آ¹ط·آ¯ ط·آ§ط¸â€ط¸â€ط·آ§ط¸â€¦ط¸ظ¹ |
| |
حدائق الشموع |
| |
- لا أظن ارضا رويت بالدم والشمس مثل ارض بلادي. مظفر النواب
اذكر في سنتي السابعة ، بدأت لعبا طفوليا بريئا ، ربما كان في وقته أسلوبا وجدت نفسي منقادة اليه دون وعي , ربما كان تحايلا للحصول على قليل من الاهتمام بعد إن عانيت سنينا من اهمال امي ,.
كنت أقص لاثغة إحداثا ووقائع جرت وانا في تكويني الجنيني السابع ، كنت في حقيقة ألامر قد سمعتها ورسخت في ذاكرتي ولكني كنت أبرع في سردها بطريقة مشوقة وكنت أنجح في جعل امي وجدتي تندهشان لما ارويه ايما اندهاش , تتبادلان نظرات غامزة يغمرهما فيض من سرور يسرقهما للحظات من دوامة الحزن الغارقتين فيه فأوغل في لعبي الصبياني رامية إلى تحقيق المزيد من الاهتمام بي والى بث روح من الفرح أراه مرتسما على وجهيهما , وجه امي التي أهملتني على وجه الخصوص .
كان ذلك يجعلني مبتهجة أنا آلأخرى دون حدود , لكنني فيما بعد عندما كبرت وأصبحت في الصفوف المتوسطة صرت اخطط للمزيد من ذلك الطقس ألتوحدي البهيج ، أمارسه في عزلتي بعيدا عنهما عن إدراك ووعي . وكان ذلك ينجح معي أيضا , يفتح لي مغاليق لم أكن اعرفها من قبل , كان نوعا من مخيال دافق يفرد لي أجنحته ، يحملني و يسافر بي إلى تخوم بعيدة أجد ضالتي فيها واشعر بين جنباتها بمغريات بهجة لا تقاوم تبعدني عن العالم المأزوم ساعات طوال .
كنت أقول لهما ، لأمي على وجه الخصوص :
كنت اراك أماه وكانت الدنيا باردة والسماء ترسل علينا مطرا يبللنا ، أنا وأنت ، أنت بملابسك الثقيلة وأنا في داخل بطنك ، تذهبين إلى بيت جدي لإنجاز اعمال البيت ،وفي طريقك تمَرين على كنيسة السيدة العذراء القريبة من الدار ،تخرجين من جيبك شمعة صغيرة بيضاء وعلبة ( ثقاب )، تقتربين من مغارة يقف في بطنها النبي ( المسيح ) ، تشعلين عود الثقاب تضعينه على خيط الشمعة فتنشعل ، تسقطين قطرات من الشمع ، تلصقين الشمعة عليها فوق ما يشبه الصخرة امام فتحة المغارة قرب لعابة ذهبية جميلة لأم النبي التي كانت فاتحة يديها لك ، وكنت ارى شفاهك تتحرك وصوتك يخرج من فمك : ايتها السيدة النقية الطاهرة كقطعة بلور ، يا أم عيسى المسيح ، جاهك عند رب العالمين كبير ، زوجي اريده سالما يعود .
كانت أمي تأخذها دهشة مغلفة بأطراقة طويلة تغشى وجهها فيبدو لي ذابلا بشكل غريب قبل ان ترد عليَ :
نعم ، نعم كان ذلك في الشتاء ، شتاء العام المنحوس ، تصمت قليلا ثم تأخذها دوامة من اسى تجعل عينيها تبحران بعيدا عني ، فأستغل فرصة صمتها وانشغالها لأوغل في لعبي الصبياني غير مبالية بما كنت اسببه لها من حزن كبير !
كنت أبصر عينيك اماه من خلف أغشيتي الجنينية تبكيان وكنت أتألم لذلك ألما كبيرا أقول مع نفسي ، لمَ تفعل أمي بنفسها ذلك ، لمَ ، تذرف عيونها الحلوة الكثير من الدموع ثم أراك بعد ذلك تنسحبين رويدا رويدا لتكملي سيرك نحو بيت جدي ، تستقبلك جدتي هناك وهي تستدل على طريقها إلى حديقة الدار بصعوبة بالغة ، كنا نراها انا وانت تبحث عن دلو الماء المعلق على شجرة التوت ، اسمعها تقول لك حالما تراك ، بنيتي حنان جئت في وقتك ،ساعديني الدلو يكاد يفرغ من الماء ، فترفعين يدك ، تنزلينه لها من الغصن ، تملأنه سوية ، انت تملئينه وهي منحنية عليك تتابعك حتى يطفح الماء من جوانبه ثم تمد يدها الى يدك ، تعيدان تعليقه على ذات الغصن . كنت اسمعها تقول لك بصوت غريب بان أخاك ينقلب كل يوم خميس حمامة ، لا لم تكن تقول حمامة ، طيرا اخضر كانت تقول وهي تحرك يديها في الهواء حركات واهنة مقلدة حركة اجنحة طير هده طيران طويل ، يحوم فوق الدار تقول ، يدور حول الأشجار ثم يهبط ليروي عطشه من ماء الدلو وكنت أسمعك تردين عليها بحزن : بلى أماه ولكن انتبهي إلى صحتك , فأنت لم تعودي تحتملين البرد, عليك إن تحسبي حساب الرطوبة التي تهيج آلام الروماتزم ، و كنت اسمعها ترد عليك بصوت كسير لكنه حاسم ولايقبل النقاش : وماذا تكون الآم ركبتي وعظامي قياسا إلى ألامه التي عاناها غداة التصاق الشظية بقلبه الصغير.
جدتي االرائعة الآخرى أم أبي كانت أيضا تندهش وتزر عينيها وهي تسمعني أحدثها عن زيارتيهما هي وأمي وانأ في عمري الجنيني الثامن ، في شباط من العام 1986 إلى مزار خضر الياس عند ضفة النهر حين احتدمت المعارك في مملحة الفاو ، حين كانت طوابير التوابيت تأتي على هيئة ارتال مترادفة من هناك , حين امتلأت مساحات الجدران بيافطات الموت السوداء . كنت اقول لها : كنتما تذهبان أنت وأمي كل مساء تسيران في شارع اسفل جسر ، الشارع ينحدر بكما الى الضفاف ، حتى تصلان حافة النهر , تشعل أمي شمعة ، تضعها على قطعة مقوى بيضاء وتدفعها بهدوء في ماء النهر الكبير , كنت تقولين مثل قولك في الكنيسة أماه , مازلت اذكر حرقة قلبك وأنت تبسبسين ولم يكن يسمعك احد سواك الاي انا لأنني كنت في داخل بطنك : ( سيدي أيها الخضر الجليل أيها العبد الصالح المطلع على احتقانات القلوب جاهك عند رب العالمين , أريد حبيبي يعود إلي سالما دون خدش .)أنت أيضا ياجدتي بثوبك الرافل ورائحتك الطيبة التي كنت أشمها بعمق كنت تهبطين النهر ترسلين دعاء اشم فيه رائحة حريق : ( الهي ها انا واقفة على باب من ابواب رضاك , لا يحسن من لطفك رد ام خائبة , لا يليق بجودك طردها كئيبة قانطة , ولدي اريده منك سالما , ثم اراك تعطين للنهر قفاك لتواجهي القبة الخضراء تهزين ذراعك في الهواء تعاودين الدعاء : يامن أنت باق إلى ابد الدهر , يا مطلع بقدرة صاحب العزة على الغيوب أحرف الأذى عن ابني واعده سالما غانما إن لم يكن من اجلنا نحن الكبيرتين فمن اجل هذا الجنين الذي يوشك على الخروج إلى رحبة الحياة . )
فتندهش جدتي للتفاصيل الدقيقة التي أرويها ، وتحاججني بأنني شيطانة حقيقية بخيال جامح وأني أعيد عليهما ما كنت أسترقه من سمع لأحاديثهما حول تلك الايام .
فأقول لها بعناد طفولي إذن أسمعي المزيد ! حتى تحكمي هل كنت فعلا أرى من خلف بطن أمي ؟ أم أنا مجرد لصة أسترقت السمع ؟ !
لم تكونا لوحدكما تتضرعان عند ضفة النهر في تلك الايام ، كانت معكما افواج من نساء كلهن متلفعات بعباءات سود ، وكانت اصوات تأوهاتهن تصل الى مسامعي كخلية نحل تدوي قرب المياه
كنت أرى الشموع تضيء صفحة المياه في منظر جميل وكنت ابصر بعضها تمضي في النهر كزورق صغير من نار ، فيرسم رواحها في الماء فرحة ذابلة على الوجوه لكن اكثرها كان ينقلب او يعود فيترك دكنة قاتلة وعبوس .
شمعتاكما أنت وأمي كانتا من ضمن تلك الشموع التي كانت تتوقف ، لاتقبل المضي في ماء النهر , كانت موجة صغيرة تخرج من بطن النهر تصعد عليهما تقلبهما و تعيدهما إلى اقدامكما المنغرزة في طين الجرف , وكان ذلك يجعلكما تغرقان في حزن ثقيل تتحسرون وتبكون بكاء كثيرا .
يجعلك أنت على وجه الخصوص ، التفت نحو امي ، ترتجفين من الهلع و الخوف فتكررين المحاولة مع شمعة ثانية وثالثة ويحدث للشموع نفس الشيء فتتركين المكان وانت تلعنين الحظ ، لتأتين في المساء التالي خلسة لوحدك ، كنت تغافلين جدتي وتأتين النهر ، تسحبين نفسا طويلا وتتمتمين بأدعية وسور كثيرة قبل ان تتجرأي و تنزلين بيد مرتجفة شمعة اخرى في الماء ، لكنما النهر ظل كما هو اماه ، بقيَ قاسيا بشكل غريب ليس في تلك الامسية فحسب أماه بل في كل مساءات التضرع التي تلت ، ظل محتفظا بقلبه الحجري وهو يمسك بشمعتك الطافية , شمعة أبي يؤرجحها في مسارب مائه يأبى الانطلاق بها , يعيدها باصرار عنيد إلى اذيال ثوبك المبتلة بالمياه .
تضرب جدتي كفا بكف وتصفعني على وجنتي برفق ، تصيح بي وهي تبادل أمي نظرات باسمة ، انظروا الماكرة ، تريد لي أن أجن في أواخر عمري ، ياناس ، تريد أن تقنعني أن جنينا في أحشاء أمه يمكن له أن يرى ويسمع كل شيء ؟
*******************
أمل ...جدتي الرائعة التي افتقد وجودها الى جواري الان كما لو كنت ظمأى تائهة في بيداء دون انتهاء وبيدها جرعة الماء , جدتي العظيمة تلك اصرت بعد ان داست على احزان قلبها بصبروعزم لا تمتلكه الا القديسات الصالحات على تسميتي هكذا في مفارقة عجيبة بعد ان بقيت مهملة دون اسم , ثلاثة أيام بنهاراتها ولياليها الطويلة القاسية على مولود صغير بقيتها مهملة , ملقاة على الارض كتلة شوهاء اشفقت فيها جميع الانظار علي الا انظار امي ويداها اللتان رفضتاني بشدة بعد ان حملتني دون ذنب وزر التصاق الشظية بقلب ابي في تزامن غريب ومقيت لم يكن لي في حدوثه مترافقا مع اطلاقها اياي للحياة اي ذنب او خيار .
لو تضعيها على صدرك ياأبنتي ؟! تكاد المسكينة تنفق من الجوع . قالت جدتي بنبرة متوسلة ، وأيدتها أصوات عدة أنطلقت من أفواه النسوة المحيطات بأمي متشحات بالسواد في ثالث أيام العزاء ، وحملتني زوجة عمي وألقتني في حضن أمي وأنشغلت بأزاحة فتحة الثوب عن صدرها ووجدت الطريق الى حلمة ثديها ، تلقفتها وتحركت شفتاي وارتويت ، والتفتت جدتي الى زوجة عمي وقالت
غدا ، سجليها في سجل المواليد وبيان الولادة بأسم أمل ، ولم تعلق أمي كانت غافية فوق يافوخي ، تنصت باهتمام لمسرى حليبها في عروق الصدر وتشعر بعشرات من آلأبر الدقيقة تنغز برقة في داخله .
كانت امي تراقبني في ايامي الاولى من بعيد كتلة مجعدة مصابة باليرقان تستدر الشفقة لكنها لم تكن مهيأة لذلك الشيء الذي اسمه الحنان , كانت غيوم الحزن مدلهمة تغطي سماوات قلبها لا تعطيه اية فرصة كي يرف , لكنني حين كنت اغفو مهملة في المهد الذي اشترته جدتي واغمض عيني كنت ابصر من وراء اجفاني المنطبقة خيالا يأتي خلسة نحو المهد ينحني علي يمسح عن فمي قطرات الحليب ويعدل من وضع القماط كنت اعرف من الرائحة التي تهب على انفي الصغير انها هي التي تأتي خلسة دون ان تعلن عن نفسها , لذلك كنت اغلق عيني بقوة , لا افتحهما البتة حتى لا اباغتها , امنحها الفرصة كاملة , اترك لها الوقت الكافي لتتعرف علي لتدرك انني ابنتها التي شاءت لها الاقدار ان تأتي هكذا متوافقة مع لحظة رحيل , كنت امنحها الوقت اللازم لانقشاع الغيم عن سماء قلبها ثم ببطء غير محسوس افتح عيني وارسل نحوها نظرات طافحة بالشوق وابتسم , ابتسم ابتسامة متذللة مرحبة واحرك يدي تحت القماط ازقزق مثل عصفور صغير لكنها تشيح عني في اللحظة الاخيرة وجها متألما غارقا بالدمع .
****************
تلك كانت جدتي التي تذل لصبرها الجبال الراسيات , لقد غادرتنا منذ سنوات بعد ان تركت بصمتها على الجميع , رحلت بعد اشهر قليلة من اجتياح القوات الاطلسية للبلاد في حرب اخرى مذلة وقاسية , مضت ذات ظهيرة قائضة غير اسفة على شيء , حينها كانت دوامات من رياح مغبرة صفراء تتصاعد في الفضاء المسكون بالترقب والخوف .
حين احست بدنو اجلها املت علي ابنها الطبيب ان يحملها الى هناك , حيث البيت الكبير في مدينتها الجنوبية الذي لم يكن ليفارق ذاكرتها ابدا , كانت دوما تحن اليه وكانت في اوقات كثيرة تحدثني عنه بخشوع حتى انه صار بمقدوري وصف حجراته حجرة حجرة كما لو كنت قد عشت فيه , لم ينفع معها ابدا التعلل بصعوبة المواصلات ومخاطر الطريق وانتشار الجنود الاجانب في زوايا البلاد , اصرت ان تكون رحلة مغادرتها للحياة من هناك مثلما كانت رحلة بدئها من احدى حجرات ذلك البيت ,
رحلنا جميعا الى هناك ، بدت بغداد في ذلك الصباح الغارق بالحزن ونحن نخترق شوارعها بسيارة عمي الطبيب قاسية موحشة ، مهجورة كزهرة وحيدة وسط حقل من الرماد ، كانت الرياح تذرو في شوارعها النفايات والاكياس السوداء ، تطيرها على ارتفاع خفيض لتحط بها بعد حين على الارصفة كخفافيش نحس سود ، كانت سماؤها الرحبة الزرقاء قد اختفت وراء غيوم من دخان ، كان الجنود الاجانب يباغتوننا في كل زاوية ومكان بعجلاتهم الثقيلة ووجوههم المختفية خلف نظارات سوداء سميكة ، كانت رائحة الحرائق تملأ الساحات والمنعطفات ، رائحة صوف محترق ، رائحة شواء ، وبين الفينة والفينة ونحن نمر امام احدى البنايات الكبيرة تخطف امامنا مجاميع من اللصوص والسراق ، رجالا واطفالا ونساء يحملون على رؤوسهم قطعا من الاثاث واجهزة التبريد والتلفاز والحاسبات وكل ما تقع عليه ايديهم ، كانوا يجردون تلك البنايات من موجوداتها ويتركوها جدرانا وسقوفا خاوية بعضهم كان يشعل النار خلفه .
انتم تسرقون بيتكم !
صرخ عمي على مجموعة من الصبيان الصغار كانوا منهمكين بحفر الارض واستخراج ( قابلو كهرباء غليظ )
اجابه احدهم ضاحكا ببلادة مطبقة : إن لم نأخذه يأخذه غيرنا ، نحن أولى به !
صبي أخر كان أكثر شراسة من صاحبه زعق بوجه عمي بعنف وهو يخرج مدية من تحت قميصه ظل يتلامع نصلها امام عيوننا
وفر نصائحك لنفسك ولاتتدخل فيما لايعنيك ، لو كنت لوحدك لرأيت ما كنا سنفعله ولكن بختك أنقذك ، معك نساء !
أستعر عمي من الغيظ فرفعت جدتي يدها بذبول وندهت عليه بصوت خائر ، متألم
دعهم ، بني دعهم ، أتعتقد انك ستجعلهم يرعوون ؟! لا تجادلهم ، سيبح صوتك ولن تفلح في تحقيق شيء انت من طبقة مختلفة بني ، فعلام التعب ، استحلفك بروح اخيك ان تغمض عينيك وتمضي في سبيلك كأنك لم تر شيئا !
صمت عمي على مضض وهو يغلي من القهر ثم ما لبث ان أشتكى بعد دقائق قليلة من عدم كفاية الوقود اللازم للوصول الى العمارة ، بدا الحصول على محطة تعبئة حلما عسير المنال ، في نهاية الامر وجدنا صبيا على جانب الطريق يعرض وقودا في حاويات بلاستيكية كبيرة ، توقفنا عنده ، كان السعر الذي طلبه أضعافا مضاعفة للسعر المتعارف عليه ، رضخ عمي لما طلبه الصبي من سعر خيالي لقاء خمسين لتر من البنزين .
قال له متأففا :
سأعطيك المبلغ الذي طلبت شرط أن لاتكون قد غششت الوقود بالماء !
أقسم الصبي بروح أمه انه لايسترزق من حرام !
سمعت عمي حينها يغمغم بألم وهو ينظر صوب السماء
الهي اية قوة غاشمة صنعت جيل النهابين هذا ؟ اية سنين قاسية جردتهم من حبهم لبلادهم وزرعت فيهم روح العبث والدمار ؟
كم سيبقى هؤلاء ؟ كم ستدوم جرثومة السلب والحرام في دمائهم تدور ؟ من المؤكد انها ستنتقل الى ذريتهم ، اية قوة واية عزم تحتاج هذي البلاد كي تربي فتيتها القادمين على العفاف من جديد ؟
خرجنا من بغداد ، اجتزنا طرقا خارجية خاوية الا من أرتال العربات العسكرية الاجنبية وكنا نضطر للمسير وراءهم ببطء قاتل مثير للاعصاب حتى ينعطفوا نحو مرابضهم حينها نتنفس الصعداء وينطلق عمي بسرعة فائقة ، مررنا على مدن وقصبات يلفها الصمت حتى وصلنا العمارة عند الظهر ، لم تكن افضل حالا من بغداد ، كان الجرح واحدا والتركة ثقيلة !
ادخلنا جدتي غرفتها الباذخة المفتوحة على امتداد اخضر من بساتين النخيل , وسدناها فوق اجنحة سريرها المصنوع من خشب الصاج القديم بقيت ليلتين تتنفس رائحة الماء والطلع بهدوء حزين , طافت فيهما باجنحة من حرير فوق ارجاء حياتها الشاسعة استرجعت اطياف الاموات والاحياء , طيف ابيها مفوض الشرطة الملكي , اعتذرت منه على انقيادها لاهواء قلبها , ومخالفتها له . استرجعت انوار ايامها المتلالئة يوم كانت تميس جذلة فخورة بكونها اول طالبة في المدينة ثم موظفة بريد تحمل شهادة الابتدائية بقوام اهيف وثوب مليء بالزهور وعباءة مضمخة بالعطر رأت وجه زوجها يعود في مشهد فضي ازرق يفتح لها ذراعيه يؤشر لها نحو مكان ما اخيرا قبل لحظة الانطلاق نحو سماء الله الواسعة اتجهت عيناها نحو طيف اخير ظل يبتسم لها وهو يدنو من بعيد , شهقت بلوعة محترقة وهي ترى عوده يتموج مبتسما امامها كما لو كان خلف سطح ازرق من زجاج اتسعت عيناها حتى غشيتهما دوائر شوق , نادته بهمس حنون , اياد , ولدي الجميل هاأنذا قادمة اليك .
شيئا فشيئا ارتخت اجفانها , انزلقت فوق عينيها حتى غيبت الالق الحبيب , لم تنس في لحظتها الاخيرة وهي تنزلق رويدا رويدا في المياه الوادعة لابحارها الابدي ان تومأ لي مودعة بصمت .
بكى عمي بصمت , نشجت امي بحرقة بالغة فيما اشحت انا بوجهي بعيدا في فضاء الغرفة الثقيل .
جدتي الرائعة ، اناديك الان من كوني المدلهم ، من لحظتي الكابية , اقول لك انا اسفة
لم اقل لك يوما اني احبك وانك جزء من روحي اهجسه الان ينثلم لذكراك ، جدتي لم نحن نفتقد القدرة ونحن على قيد الحياة ان نقول لبعضنا البعض انا احبك ؟
لم ندفن مشاعرنا وراء اقنعة حديدية ؟ ليست اللغة ما تعوزنا للتعبير عن ذلك بل هي اكوام الرماد التي توارثناها جيلا عبر جيل حتى غدت جبالا لم يعد بمقدورنا عبور سفوحها لكي نتنفس و نعيش ببساطة تليق بكائن سماوي اسمه الانسان .
لم مع الموت فقط تتفتح قرائحنا وتنفجر دملات اتراحنا ونقول ما لم نقله ونحن احياء ؟ اناديك الان بكل الحزن الجاثم على قلبي بكل اللوعة التي بدأت استعيد مشاهدها مشهدا مشهدا انا افتقدك الان ، لو كنت معي لتغيرت الكثير من الاشياء , لكنت قد تناديت كما هو دأب روحك الطيبة الكريمة ، وداعا جدتي والى الابد .
|
| |
|
|