|
|
| ط¸â€ڑط·آµط·آµ ط·آ¹ط·آ±ط·آ§ط¸â€ڑط¸ظ¹ط·آ© - ط·آ£ط·آ³ط·آ¹ط·آ¯ ط·آ§ط¸â€ط¸â€،ط¸â€ط·آ§ط¸â€ط¸ظ¹ |
| |
نثار الحضرمية |
| |
ـ هل نأت حضرموت حتى تجاوزت أطراف الكون ؟ .......
حين دارت عجلات السيارة دوراتها الأولى قال سائقها :
ـ بيننا وحضرموت عشر ساعات ...
ها قد قطعنا عشرة قرون ولم تطأ أقدامنا أرض حضرموت ... هَمَتْ نقاط ضوء النهار وتقاطرت فوق رمال الصحراء الشاسعة ، فتطاول من ثقوب الأرض ظلام نشر عباءته الكالحة سريعاً .. غطى النجيمات التي حلمتُ أن أراها تحت فضاء الصحراء أشدّ بريقاً وأغزر تشكلاً .. ارتضى القمر محاقه ولبد في جوف مضطرب.. أَنَّتْ فقرات رقبتي فدرت برأسي دورتين .. تمتم الجالس الى جانبي :
ـ كل هذه الأرض يحكمها رجل واحد ؟... أعانه الله .....
طرد السائق تناومه ..
ـ شاسعة ... أليست كذلك ؟
وجه سؤاله لوجهي الغائص في عتمة الفضاء وهواجسي ..
ـ نعم ... شاسعة جداً ..
اجبته باقتضاب ثم غزل الصمت خيوطه العنكبوتية على شفاهنا فعادت عيناي الى الطواف حول العتمة التي لا يشقّها سوى خطان من ضوء مرتعش يغمد نصله في جوف العتمة ويواصل شجها لنجتاز خلفه ظلاماً يؤدي الى ظلام أشد ، ومرتفع يصب في منحدر ، وصحراء تغوص في صحراء .... وحضرموت ....... أنأى من حلم ..
التمع بصيصان من ضوء باهت في الأفق البهيم.. اقتربا .. ازدادا اقتراباً.. بغتة.. قذفت السيارة القادمة سيخين من ضوء باهر الى عيني فارتجفت سكينة بؤبؤاي، شعرت كأن ما اجتازني وهج صنعانية مشرشفة بالسواد تلتمع عيناها كلبوة جائعة .. طرقتْ حضرموت على جدار عيني .. شممتُ الغبار المتناثر خلف نافذة السيارة .. أمعنتُ النظر في انسحاب الطريق تحت همي مصباحي السيارة المرتعشين.. لاشئ يوحي بحضرموت ... سوى الوجه القمحي الفاتن المحبب .... التمع لؤلؤ أسنانها تحت ابتسامة فضفاضة .. انحدرت على خدي دمعة باردة التقطتها بأصبعي .. تذوقتها .. كان لها طعم الحضرمية التي ...................
ـ لماذا تراني أحارب نسيانها ؟
سألت طعم وجهها الذي تشربته قطرة دمعي .. فوخزت لساني ضحكة ساخرة .. كثرما حاولت أن أزفرها من رئتي إلاّ ان كل محاولة كانت تدفعني لاختناق أشد .. أدركت بعد حين انها غدت هواء رئتي ثم حاولت جذب ملامحها من بؤبؤي عيني فاكتشفت بأنها قد طوقتهما ولونت عيناي بقمح وجهها وعسل ضحكاتها الدوعنية .. لا فكاك .....
صدحت ضحكاتها في داخلي .. تلفتّ محاذراً أن يرى رفاق الرحلة صخب عيني.. كانوا نائمين بينما التصق السائق بمقود السيارة وصوت فيروز المردد بانثيال دافء ـ راجعين يا هوى راجعين ..
ربما يجب أن أعيد صياغة السؤال الى : هل نجحت في نسيانها ؟ .... لن أخسر الكثير من الوقت للبحث حول ( لماذا ؟ ) هذه ..فلها ألف إجابة وكل منها تغرز في أحشائي نصلاً ... لأفكر إذن في ( هل ؟ ) ....
ربما ... ربما ... ربما ... هذا ماكنت أردده قبل عام حين شطبت رقم هاتفها من أجندتي .. ومزقت ما سطرته من صفحات كانت الحضرمية كلماتها وحروفها .. ظننت اني محوتها تماماً .. لكن ... قطرة .. مجرد قطرة دم أنبأت بنزيف، جعلتني أدرك انها ـ ككل الصقور ـ غرزت مخالبها عميقاً في ذاكرتي .. تفتتت ممحاتي وازدادت مخالب الصقر غوراً .. حتى عدت لأبحث بين زوايا الركام عن رقم هاتفها وبقايا صفحاتها ..
قبل أيام قليلة كنت أوزع خطاي على جدار سد مأرب ومعبد عرش بلقيس .. شعرت بالروعة والعظمة .. اصطفت الأكتاف السبئية أمام عينيّ وهي تنحني باجلال وخشوع أمام الملكة بلقيس التي اتكأت على عمود شاهق من أعمدة المعبد .. نظرت الى وجهها بخشوع ثلاثة ألاف عام من الهيبة والتقديس .. وسرعان ما استعرض منتشياً قمح وجه الحضرمية الذي تلألأ كالغياب .. فتماها الوجهان .. تطابقا .. بلقيس والحضرمية .. سكبا قناطير الدهشة في عيني اللتين سرعان ما استسلمتا لعتمة الخوف والإضطراب .. أية روعة ؟ ....
أتراني سأفلح في نسيانها ؟ .... هل ؟ ........
هطل المطر على صنعاء فهطل نثار الحضرمية الذي ملأ الفضاء على رمل صنعاء وشوارعها .. كيف بعثرت ذراتها الهائلة على مدى فضاء اليمن .. اصطحبت كل قطرة مطر ذرة من نثارها وغرزتها في الجبال والسهوب والوديان والشوارع .. فوق وجوه الباعة وشراشف العابرات .. صرت أرى ابتسامتها الآسرة فوق الشوارع وبين ذرات رمال صنعاء .. أزهرت الأرض زهوراً سرعان ما تلونت بقمح وجهها وصارت تنثر أريجها الحضرمي مسورة خطواتي ... صدح صوت خطيب الجامع :
ـ عام خير ومطر .. أرضينا الله فأرضانا .. وخز المطر كل بقعة من أرض اليمن ..
ها أنذا أطوف حول بقاع اليمن فتبدين لي في المحويت ، ثلا ، بينون ،عمران، مأرب ، براقش ، عدن ، و ....... حضرموت .......... أنأى من حلم ..
من يطارد من ؟ .. أتطاردني الحضرمية بصلف حضورها .... أم ألاحق وهمها الآسر؟ ... كلا .. ليست وهماً .. انها امرأة بحجم اليمن..هكذا شاء ذرورها أن تكون.. امرأة بحجم وطن .. أتوق الى احتضانه فتعلن ذراعاي المتقزمتان عجزهما.. أخرس السائق صوت فيروز ليعلن :
ـ من هنا سيئون ....
سيئون ؟ ....... أنأى من حلم أبكم مغلف بالسيلوفان .. من عيون طفلتي التي لم تبك حين غادرتني ..
ـ بابا .. أريد أن أبكي لكني لست قادرة ...
حسمت أمها الأمر جاذبة كفها الطفلة ...
ـ ستبكين في بغداد ..
اتصلت بها هاتفياً بعد أيام .. لم أفهم من كلماتها التي كانت تشرق بالبكاء سوى ـ بابا ـ ....
ما الذي يجذبني لحضرموت ؟ ... ألم أحارب كيان الحضرمية التي تبرعم في داخلي كأخطبوط .. ألم أقرر نسيانها ؟ ... ألم أغتسل ألف مرة مما علق بي من تراب سيئون .. ما الذي يجذبني إليها جذباً هذه المرة ؟ ..
يطل الفجر برأسه الأصلع الكبير فتبدو انسحابات الطريق تحت نظراتي .. انسحابات منهالة الى خلف شاسع .. إلاّ انها ليست انسحابات الطريق الإسفلتي أو الرمال القمحية أو أعشاب الأرض اليابسة .. بل انسحابات الروح الى أمس غامض غاضب .. أتراني سأمتلك الشجاعة لأنطق الكلمات التي لاتني تضئ أمام عيني .. ( مامضى قد مضى .. نحن أكثر قرباً من سيئون .. لتغص ليالي الأمس المعتمة في انسحابات عتمة الطريق المؤدي الى سيئون ) ....
يبدو ان السائق قرر ازجاء الوقت في التحدث الى الراكب الوحيد الذي لم يستسلم لأسر الرقاد .. سألني :
ـ لماذا جززت شعرك حتى بدت فروة رأسك ؟
تمتمت شفتاي ببرود صفع السائق :
ـ استحالت الحضرمية ذروراً تغلغل بين شعيرات رأسي .. جززتها خشية أن تتغلغل بين طيات دماغي .. لم أعد قادراً على الإحتمال ..
فكر طويلاً .. وبعمق بالغ .. وقبل أن يرين للصمت تمتم منكسراً :
ـ هراء ... خدارة قات ...
تضاءل انتفاخ خدي بأوراق القات المتفتتة وأنا أتخلص منها قليلاً قليلاً عبر النافذة المطلة على الفجر الحضرمي الدافئ .. شعرت لوهلة بالحماس حين بدا وجه عجوز ازدادت ابتسامته عرضاً فضاعفت طيات غضونه .. فكرت : هناك من يبتسم للفجر إذن ؟ ... شعرت بأني أعشق طوافي لاهثاً وراء ملامح الحضرمية الهاربة .. نثارها الذي صار يدعوني للطواف حول أرض اليمن مرات ومرات ..
قذفتني حروب حمقاء الى حيث تمترست لخوض حرب أخرى لم أعلم بأنها ستكون الأشد ضراوة ... الغربة .... تنحصر نتائج الحرب عادة في القتل أو ..... القتل.... أو الأسر ..... لم تقتلني معركة الغربة لكنها أسرتني .. تعرت عن مفاتن أطاحت بدماغي المكدود فاستبدلته بدماغ آخر استجاب سريعاً لطرقات القلب الذي عشق آسره .. فكانت الحضرمية ... كائن شحيح حتى في إغراقي .. انه غرقي المحبب يا حضرمية .....
ـ ستنساني حقاً ؟
همستْ بغنج قبل عام .. فقلتُ مفتعلاً التماسك :
ـ هذا ما يناسب ماسوشيتي .. أن أفارقك تماماً ..
كنت عازماً على الهرب فهربت الدروب من تحت قدمي .. لذا صرت أدور في متاهة من جدران متقاطعة يؤدي أحدها الى الآخر .. وجميعها تؤدي الى متاهة .. تواجهني الجدران بملامحها الحالمة تارة .. والساخرة أخرى فأحترق شوقاً .. أمعن في ماسوشيتي .. أحارب وجهها القمري و صوتها المتدفق كرجرجات بحر ساكن .. أحارب نثارها الذي أستنشقه هواء فأسرع بإفراغ رئتي منه راضياً بالإختناق .. أغرق رأسي في حوض الماء .. أود أن أغرق آملاً أن يطرد الماء نسيمها من بين جدران رئتي الرخوة ..... الغرق ....
ـ أيهما الإستثنائي .. الحضرمية أم عشقي ؟ .. فكرت .. فكرت .. فكرت .. وصفعت حيرة رأسي بجدار قصر غيمان الصخري حين أدركت إني أزداد حيرة ..
توقفت السيارة أخيراً فغادرتها متلوياً مطقطقاً فقراتي التي أوشكت على التحجر .. بدت الأرض خدرة .. كسلى .. قررت أن أبدأ على الفور .. لكن ما الذي سأفعله بالتحديد ؟ ... أتراني سأدور حول ملامحها الحضرمية التي تناثرت شاسعة على مدى الأرض ؟ .. أيرأب صدعي مثل هذا الطواف .. أم .. ألملم نثارها لأشكلها مرة أخرى .. حضرمية أعشقها وأضحك ملء صدري حين تتماوج ضحتها المتقطعة البهيجة أمام عيني .. هذا ما أوده .. هذا ما أوده حقاً .. لكن .........
غرز المطر نثارها في أرض اليمن كلها .. أتراني قادراً على تشكيل ما تفتت مرة أخرى ؟
المكلا 25/9/2003
|
| |
|
|