المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع علي النجّار

  
أجرته هدير البقالي
  


ألم التغيرات الطبيعية الفسيولوجية للإنسان (المنفى-الحنين)، والأشد من كل ذلك ألم المرض حينما يتآكل أعضاء الجسد، وليس هناك من عزاء إلا الرس والتحول من لوحة إلى أشكال نمطية تركيبية أخرى، هي حالة انتقال.
هذا ما يراهن عليه التشكيلي العراقي علي النجار المقيم في السويد. فعالم الفن بالنسبة له كالتحريض على النسيان والتناسي، وبالتواطؤ مع خطابه الجدلي الىمتناهي حتى بعد تقدمه لسن السبعين، ما زال يبحث في عموميات التشكيل، فاللوحة أخذت فصولا من حياته ومن أوطانه، كما أن الظروف التي يمر بها في صراعه مع المرض، تأخذ منعطفا آخر بسبب بعض الإرباك والعطب الأدائي والذهني، هذا ما قاله لنا التشكيلي السبعيني النجار، الذي تخفف اليوم من العديد من أثقاله ويرغب في خوض تجارب ما بين الرسم والتجميع، مختلفة مناطقها واداءاتها.

برأيك هل الفن يتغير أم الإنسان هو من يتغير بعد سن الــ70 سنة؟

ـ يتغيرالاثنان. فالإبداع الفني وعلى مدى العصور يخضع لشروط عدة منها التراكم الثقافي بتنويعاته والمناخ والجغرافيا والتسويق بشقيه الحاضن الرسمي(المؤسسة الرسمية الكهنوتية والمدنية) والسوق الديمقراطي والاحتكاري. وتغيرات الذائقة بتعاقب حقبها.. والفنان في السبعين ليس كما هو قبل عقد او عقدين أو ثلاثة أو أربعة.وان لم يبدو أي تغيير يذكر في نتاج بعض الفنانين العرب وغير العرب. فهذا لا يعني إلا ان ثم قصور واضح في أداءهم وبما يناسب تغييرات أزمنتهم المتعاقبة فخلال السبعين سنة أو لنقل الأربعون سنة من نضج أداءهم(افتراضيا) حدثت تغييرات أسلوبية مدهشة وبالذات بعد تسلل الأساليب والأنماط المفاهيمية ومنها الافتراضية بصورها المتعددة منذ الستينات من القرن الماضي . صحيح ان الفنان التشكيلي العربي تماهى كثيرا ومنجزه الشخصي ضمن مساحة ضيقة لا تتعدى اللوحة المسندية والمنحوتة ومقارباته الكرافيكية ومألوف الفخار ومنه المزجج والخط العربي الذي زحف كثيرا
على منطقة الرسم ولم يوفر لنفسه فسحة من الوقت لتقليب نتائج الآخرين كما هو نتاجه وكما فعل الرواد
في زمنهم. مع كل ذلك ورغم التغييرات أو التحولات التي يمر بها نتاج الفنان السبعيني فان ثم ملامح أدائية او مشهدية تبقى لصيقة نتاجه بعد كل تحولاته
التراكمية أو القطيعية.

ألا تشعر بأن آن الأوان للعودة إلى وطنك؟

شروط العودة مرهونة بتوفر الظرف المناسب لي صحيا وعمليا خاصة بع
التغييرات الأدائية التي حدثت لتجربتي في الأعوام القليلة الماضية. واعتقد ان غياب المؤسسة الثقافية الحاضنة والمدركة ليس لتجربتي بل لعموم التجارب العراقية المهاجرة يشكل المانع الأول والمهم. فبعد فقدان آثارنا التشكيلية والمؤسسة المتحفية وبقية مستلزمات حياتنا الحيوية, من الذي يفكر في توفيرها لنا وسط الزحمة السياسيةـ السياسية, وليست الثقافية. هذا أولا. وثانيا أنا هنا في أوربا استطيع العمل بحرية وبما يناسب قناعاتي الثقافية والهم العراقي ولقد قدمت في السنة الماضية فقط تجربتين تجميعيتين مختلفتين عن الوضع لعراقي المأساوي كما أراه, في كل من السويد وسان بترسبورغ الروسية. وبذلك تكون تجربتي أكثر فاعلية إضافة لتوفر الرعاية الصحية لي من قبل الدولة السويدية وأنا بحاجة لها
للطوارئ

هل مازال المرض متأصل بك أم تعافيت؟

العمل هو الذي يزحف على منطقة المرض ويزحزحها أو يؤجل مضاعفاتها والعطالة هي المرض الحقيقي, ومادمت اشعر بذاتي من خلال ما اصنعه فإنني غالبا ما اقمع خباثة منغصات المرض. على كل حال أجدني أفضل من غيري ممن تعرض
لما تعرضت له وبفضل سعادة التواصل وعوالم الفن والكلمة.
• كيف ترسم بعين التشكيلي الذي يبحث له عن حراك ببصره، وعن التشكيلي الذي يقاوم مرضه بالألوان

ـ ما دمت وسط حاضن ثقافي واسع ومتغير, فان الكثير من عدم القناعة أو الثبات الاستاتيكي طوح بي يمينا وشمالا. وما دمت قد تدربت سابقا وسط حاضن تشكيلي عراقي مولع بالرسم وحراك مدارسه. فقد تسلل لنتاجي شيء من هذا وشيء من ذاك. وان كانت وسائطنا محدودة فقد وسعت وسائطي بما يناسب خطابي وحاضنه وكلفته.. أما المرض, فقد نحيته جانبا بعد انجازي مشروع عنه مابين(2001)و(2002). وبات من ماضويات أعمالي.

لم كل أعمالك الفنية متشابهة بالمحور الذي تدور حوله؟

ـ من اجل توضيح ذلك لابد أولا ان انوه باني اشتغلت في منطقتين مختلفتين بعض الشيء. الأولى هي ما معروف عن مألوفية مفرداتي التشكيلية التخيلية وبتقنيات مختلفة. والثانية هي التشكيلية المفاهيمية التي اعتمدت فيها أفكارا ومواد وتصورات مختلفة في أدائها. وعلى سبيل المثال اشتغلت على الحرب العراقية مابين عام 2003 إلى عام 2008 بثلاث رؤى: فعل الحرب, وفجائع الحرب ومسبباته, والبيئة. وعرضتها جميعا في أوربا. ولكل عمل تجميعي من هذه الأعمال صيغته ومفرداته المختلفة. فان اشتغلت على العملين الأولين بمقاربات تشخيصية وإدراكية, فإنني اشتغلت رمزيا(لون البيئة في ثلاث مناطق وثلاث متغيرات) فاللون نقيا ولوحده كان حاضرا في العمل الثالث. فان كانت أعمال الرسم عندي تستمد طاقتها من الهام مستحضر بفعل آني . فان الأعمال الأخرى تستدعيها الفكرة والقصد الأدائي. وأنا استعد الآن لتنفيذ فكرة من مواد عضوية فقط تناسب حاضنها البيئي البري الذي سوف تنفذ فيه وبذلك أكون أكملت دورة فعلي ألمفاهيمي. مع كل ذلك فان خيطا سريا يشد أعمالي لبعضها, ربما مصدره مجموعة الواني المفضلة ووسائلي ووسائطي التنفيذية والحس الوجداني الذي يتلبسني زمن التنفيذ. والعمل الفني بشكل عام هو أداء شخصي لا ينفصل عن طباع وذات الفنان وبذلك يعلن
انتسابه له.


أتستنزف كل قدراتك في اللوحة، بمعنى ما يجول بخاطرك، وما يكدر نفسيتك؟

أحاول جهدي ان ابتعد قدر الإمكان عن إرباك النفس في زمن تنفيذ رسوماتي وادع خزيني الثقافي الصوري السري يزودني بهيئاته التي تكتمل بمجرد ان اللامس اللون. ولم يكن اشتغالي التشكيلي عناء بل سياحة في مسارات الضوء. لذلك فانا موجز بقدر استنفاذ هذه الطاقة ولا اعرض نفسي للإجهاد الذي يخرب عوالمي. ولقد حفظت الدرس مبكرا وهو متى أتوقف.

• ماذا عن المنفى أليس هو موضوع كائن بنفسه خارج الفن، كما هي الكائنات التي تتنفس بأعمالك؟

ـ المنفى!, اختبرناه نحن العراقيون بصور شتى. وكان المنفى الداخلي في العراق بالنسبة لي أقسى. والفن بطبيعته لغة عالمية ونحن الذين امتهناه نجد أنفسنها على تخوم العالم وأين ما توفرت لنا فرص الاشتغال على مشاريعنا الفنية التي تحقق ذاتنا او بعض منها نستوطن أمكنتنا سواء كانت بديلة أو أصيلة. وصحيح ان الاستيطان ليس كما الوطن. لكننا نعيش في زمن البدائل وحراك الجغرافيا واختلاط الأجناس. وإنا في مدينة تحتوي جالية عراقية كبيرة أجدني ضمنهم استعيد بعض تواريخ وطني الذي تركته أو تركني ولا افقد حفاوتهم بي. وان اتسمت بعض أعمالي بافتراضية ملغزة. فقد شكل الوطن لنا لغزا كثيرا ما فقدنا حل عقدته التي هي أمانا مرتجى. وما بين افتراضية الوطن والفن سوف تنقضي أيامي القادمة ولو بمجهولة افتراضاتها. وما هو مؤكد فان مساحة وطننا سوف تكون بحجم مساحات ومسامات اشتغالاتنا.
*
في عبارة أشرت إلى مشاعرك التي تحدثت عنها قائلاً "أحسست عندئذ باني احبس انفعالاتي وهواجسي بقيود التشكيل الذي أصبح عندي موضوعا جاهزا لا يثيرني"،
هل بالفعل الفن لا يثيرك؟

هذا قول لي لا أدريه متى ولكنه مابين عام (1977) و (1978). وبعد اطلاعي على تجارب فنية في كل من بولونيا وفرنسا وايطاليا في تلك الفترة, أحسست كم هي تجربتي التشكيلية فقيرة وإنني بحاجة لتغيير أسلوبي التجريدي الذي شعرت به أصبح وصفة جاهزة رغم كل تنويعاتها بعد اشتغالي عليها لما يقرب السبعة أعوام. أحسست بأنني افتقد الدفء الإنساني اشتغالات عمت مساحات واسعة من الفن التشكيلي العالمي في تلك الحقبة الزمنية. وربما هي أيضا صحوة الولع الثقافي الذي دربت نفسي في رحابه والذي يتعدى الولع التجريدي لملموسات الأجساد أفكارا. ثم بدأت تتسلل إلى رسوماتي تفاصيل كحائية ملغزة. أما عدم الإثارة فلم يكن مصدره الفن بل فقد الوسائل التي تتجاوب ونبض الذات الفنية وتاريخها وجغرافياها. وهضم أو فهم هذه الشروط ليس معناه الاشتغال على صورها المألوفة بل بما يساعد على ابتكار حكايا صورية مقاربة بقدر ما تستكشف الماضي تحيلنا إلى مجهول أيامنا القادمة او انقراض مخلفاتنا .
هل خذلتك اللوحة يوماً، كما الإنسان؟

ـ بالتأكيد ليست كل الأعمال بنفس القيمة الإبداعية. فللإبداع شروطه الخاصة, منها
القدرة الافصاحية (ليست بمعنى الوضوح المطلق) و بما يتجاوب ونبض النفس وقدرة التصور الآنية والمقدرة الأدائية وأحيانا الخلفية الثقافية. وبتوفر هذه الشروط, وليست هي جاهزة دوما, ربما يكون الفنان جاهزا لأداء مهمته الفنية. وكأي كائن بشري فان الفنان معرض لخروقات الداخل ـ خارج(الذات والمحيط) وأدائه مرهون أحيانا بظروفها. لكن وبشكل عام لم يخذلني حدسي ما دمت أعوم وسط منطقة تصور مفتوحة على الشكل وتأويله التي انغمرت في رحابها لأكثر من عقد من السنين. ولا زالت ثمة مناطق فارغة بإمكاني ريادتها بسبل ووسائل متعددة. وان كانت ظروف المرض القاهرة وأحيانا ما تسبب لي عطبا ذهنيا وإرباكا أدائيا. إلا أنها وبعد الإحاطة بمنغصاتها وتجاوزها تفتح لي ثغرة في الدماغ لإعادة مشهدية الحياة بنصوع أكثر. هذه اليقظة الفيزيقية استفدت منها, ليس فقط لإعادة صياغة تداعيات المرض إبداعيا, بل تجاوز ذلك للانفتاح على عوالم الحياة الأرحب وإعادة السيرة بمحفزات أكثر إثارة. وان تساوى هم الداخل العراقي والهم الشخصي لدي أحيانا. فإنني حاولت الإفصاح عن كل ذلك أحيانا وتجاوزها أحيانا أخرى بمغريات استعادة عوالمي التي فقدت بعضها واستجابة لنداء الحياة الغض الذي يسكنني. وليس في الأمر من مقاربة ما بين خذلانين ما دمت أقصي خروقات الآخر عن عملي وللحد الذي ابحث أو أكتشف تعويضها في رحابه.

* ماذا عن اتجاهك بالفن والتحول من مرحلة التجريد إلى الميتافيزيقية؟
ـ أول من نوه عن هذا التحول في بداية الثمانينات من القرن المنصرم الفنان والناقد العراقي المعروف (شاكر حسن آل سعيد) وأرجعه إلا تبدل القناعات الدراماتيكية لفناني الشرق الأوسط. واعتقده على صواب في ذلك, رغم تحفظي على إطلاق ذلك بشكل عام, وكما أشرت سابقا فان زخم التشكيل العالمي وبالذات الصوري منه كان له سطوة على نفسي للحد الذي أقصت فيه العناصر التجريدية الخطية الاستيتيكية من رسوماتي للفترة السابقة. وان كانت تجريدياتي حصيلة تجربة ذاتية نأت عن التأثر بمناطق التجريد الغربية. فان مشخصاتي هي الأخرى مارست نفس النأي وأسست لمنطقتها الخاصة التي حركها موروث ثقافي اثري كان للنص الملغز دور ما فيه. وفي العقد الأخير من تجربتي تسللت عناصر ثقافية وأدائية وباستثارات المحيط المتبدل او المتنقل واستثارات السياسة أيضا ونحن كعراقيين في البؤرة منها. وأجدني وأنا في السبعين من عمري امتلك حريتي الأدائية أكثر من السابق ولا اخضع لظروف السوق أو النأي عن إبصار تجارب الآخرين ومحاورتها بما يغني تجربتي. ولم اعد خاضعا لشروط الميتافيزيقيا بالشكل المطلق كما لم اعد نفسي بالنأي عن منطقتها.
* الفنان ينهي بقية عمره وهو يرسم، مكون له مخزون وفير من اللوحات، والكلام هنا ماذا بعد ذلك؟
ـ لا شيء بعد ذلك فالفنان منذور دوما لدوره وعليه ان يستمر في أدائه ما دام متلبسة. وهنا حيث أقيم يتقاعد المرء بعمر الخامسة والستين وليتفرغ لإمتاع نفسه بعد كل أتعاب العمر الماضي. وغالبا ما يخاطبني او يذكرني ولدي الكبير بذلك فأجيبه بان متعة الفنان في استمرار عمله وحينما يتوقف يشعر بان الموت يغزو روحه وهذا ما لا أريده لنفسي. وكما ذكرت فالخزين او التراكم بحاجة لإظهاره كمنتج قابل للمعاينة المستجدة بحافز فعاليته الأدائية. والتراكم تجميع صور ومعارف وطرق أداء مختلفة توفر للفنان ممارسة حريته الأدائية أكثر من ازمنته السابقة. وهو إذ يتابع حلمه الذي تلبسه منذ نشأته الأولى, فان هذا الحلم سوف يرافقه كظله حتى نهاية مشوار حياته.
* إلى أين تسير الآن ونحو ماذا؟
ـ اشعر ان لدي الآن وضوحا أكثر لاتخذ قراراتي التشكيلية. بمعنى منطقة الاشتغال. وعلى سبيل المثال فاني قررت العام الماضي ان أتوقف عن الرسم ألمسندي بمادة الزيت. ونفذت في ذلك العام العديد من المشاريع التجميعية بتصورات ومواد مختلفة ورسومات أحبار عديدة. وخلال تنفيذي لأحد المشاريع, والذي عرضته في مدينتي وضمن جمهوري المشغول له. وكان علي ان اهدمه واركمه جانبا بعد العرض. مما دعا احد المشاهدين والذي هو ناقد وأستاذ جامعي وساهم أيضا في تقديم العرض لتوجيه سؤاله لي عن مصير هذا العمل بعد تفكيكه وخاصة وهو غير صالح للاقتناء بأجزائه البنائية العديدة وبمحتواه التحريضي الإنساني. فأجبته بان العمل أدى مهمته التي أدخلت المتلقي في عوالمه كما المشهد المسرحي. لكنه يبقى صورة ضمن أرشيفي التشكيلي، والأرشيف التشكيلي معظمه صور. وما بعد الحداثة أو (الحداثة الفائقة) أشاعت هكذا صور ونصوص وأداء جسدي. وهذا هو ما متوفر في هذا العمل. ومع ذلك فبالإمكان إعادة بنائه من جديد وفي موقع آخر وربما باختزال او بإضافة وحسب ما توفره مساحة ومشهدية المكان وكما حدث لأعمال أخرى لي في أمكنة عروض متعددة. وأخيرا فانا الآن أحسني متخففا من العديد من إثقالي وارغب في خوض تجارب ما بين الرسم والتجميع مختلفة مناطقها واداءاتها ومن اجل اكتشاف مستجدات ذاتي والمكان. فنحن نعيش في زمن محاذاة واختلاط إنتاج الثقافات وخاصة الصورية منها.

البلاد البحرينية

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6227312   Visitors since 7-9-2002