المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





قصص عراقية -
 

سبع ومضات قصصية عن كوابيس جديدة

  
















1– نداء وأصوات مجهولة

- كل من هو وحيد بدون رب ، بدون معلم يكون ثقل أيامه مفزعا . ألبير كامي Albert Camus (1913 – 1960 )

مرت سنة بل أكثر منذ أن صمت ذلك النداء . عجيب أمره ، لا أعرف من أين ينبعث. كان له بضعة أصداء وليس في الرأس فقط بل في كل مكان فيّ. كما هناك تلك الظاهرة التي أتعبتني والأطباء. ظلال خفيفة بل تكاد تكون ممحية ، في الذاكرة. النداء رافقني لأمد أطول في مطلع الطفولة. بدا نوعا خاصا من الوحي . هكذا فسّر الأمر لدى أولئك الثلاثة من الساميين. لا أظن أن النبش في الماضي يعود ببعض النفع. في الحقيقة تمور شتى الأفكار في الرأس بلا أنقطاع. هناك فترات أستراحة قصيرة منها. خشيتي أن أفاجأ بعودة النداء. لا علاقة للأمر بالذاكرة التي كم من المرات أعانتني في الامتحانات المدرسية رغم أنها ليست بالخارقة. كما أني لست بالمتميز لا في الحياة ولا في التفكير. مجرد رجل يواجه شتى المشاكل التي يفلح في حل بعضها فقط ، فحل البقية ليس بيده.. بالطبع لغاية الآن لا أعرف كنه هذا النداء ولا الجهة التي أطلقته. لانقاش هنا بأنها جهة خيّرة. ففي كل كل مرة كان النداء ينقذني من خطرما...
كأن هذا لايكفي ، فقد صرت أتلقى أصواتا غريبة تماما لا تذكر بأصواتنا. تنطق بشتى لهاجتنا إضافة الى الفصحى. موضوعها المستقبل. قبيل المجزرة الكبرى انبعث أحدها : طشّار ... طشّار. ثم : جهنم هنا ... جهنم هنا ...
ليس لدي رغبة في أن أطيل الكلام عن هذه الظواهر الغريبة التي لا أعرف لم أختارتني كمتلق. في الأخير أرجعت الأمر الى خربطة مجهولة في الحواس ( هناك مخدر نباتي في منطقة الأمازون البرازيلية له مفعول أشعة أكس : اذا تناولته أشاهد ، بكل وضوح ، أحشائي وأوعيتي الدموية مثلا ).
لا أريد الانقياد الى هذا الجنون رغم أنه ليس بالكبير. مجرد نداء وأصوات وقد يختفي كل هذا. أنه أمل كبير رغم أن بعض الأصوات كانت نافعة. لكن كل هذا أضجرني وعليّ أن أعود كما هذا وذاك الى سكك الحياة . اليومية خاصة. فها أن الطبّاخ مسدود الأنابيب ، وفي كل يوم أؤجل صبغ الحمّام ( التقاعد لا يسمح لي بتأجير صباغ محترف ). هناك أيضا ( القنفة ) التي أبلتها مؤخرتني حين ابحلق كل مساء بالسيرك المحلي خاصة. بخصوص الطبّاخ تذكرت أن زميلي القديم ممدوح ( أبو حمدي ) يعمل ابنه الثاني في تصليح الانابيب. ليصلح الطباخ وأدفع على أقساط. لم ألتق بممدوح منذ سنوات لكنه سيتذكرني. سأسأله أيضا ان كان يعرف صبّاغا رخيصا. اما ( القنفة ) فهي أمرآخر. سأعثر ، بلاشك ، على من يدلني على مصلّح ، وفي أسوأ الأحوال سأشتري واحدة مستعملة أو جديدة بالتقسيط ان أمكن . كما يبدو هناك بعض المشاكل يمكن حلها. ولكم هي ثمينة و حكيمة بل من الجواهر النادرة في مثل هذه الحياة المستنقعية الحكمة الربانية : وما على الانسان الا ما سعى ...

*

2 – صور تكاد تكون غريبة

- لاتقطن في الماضي و لا تحلم بالمستقبل ، ركّز العقل على اللحظة الراهنة . بوذا Budda ( 583 – 483 قبل الميلا د )

حين أغمض عيني وأحاول أن أغفو أرى وجوها تتعاقب وكل واحدة تخضع لتحولات غريبة ، ففي اثناء جزء صغير من الثانية يكتسب كل وجه ملامح أخرى أو يتعرض لتشويه جذري. صورة لفتاة جميلة تفقد في البدء عينيها الجميلتين كي تتحولا الى نقرتين رمادتي اللون أو سوداوين. مرة واحدة شاهدت وجه جدتي ، كانت امرأة وسيمة حقا ، وها أنه يختفي وراء شبكة من التجاعيد العميقة. كان الوجه ساكنا لبضع ثوان ثم صار الفم مفتوحا عريضا وأخذ يهتز الرأس كله وهي تطلق ضحكات مرعبة. اعتدت على رؤية هذه الوجوه. اقنعت النفس بأني قدأعتبرها أجزاء من أفلام للرعب . نعم ، اعتدت عليها حتى أنها كفت عن أن تثير فيّ ولو قليلا من القلق أو الخوف. الانسان حيوان غريب ، ولربما ليس الانسان وحده ، يعتاد على كل شيء. أفكر غالبما بهذه الصورة : لنقل أن جدتي تظهر قبل النوم كما كانت : عجوز جميلة وذات صوت ساحر أيضا. الرائع هنا أني سأغفو على وقع ( جيت أسالك على الردة ، ليرة ومجيدي خدّه ... ). جدتي ترقص الفلامنكو برفقة جدّي الذي يعزف على القانون. أنتبه الى ملامحه البالغة الجد. هكذا كان يخفي وراءها عواطفا فوّارة. نروح جميعا الى أعلى ، الى أن تلامس رؤوسنا الغيوم البيض. بهذه الصورة يتحوّل الكابوس الى حلم ملّون. تختفي الجدة ومعها الجد فجأة . بدلهما ستارة سوداء . أمامها الخبّاز حيدر الذي يتكلم بعامية بصرية متكسرة. كنت أعمل في فرنه في اثناء العطل الصيفية. سمين لكنه ذو وجه وسيم. تغضبه الدارجة العربية ، فهو يريد أن يتكلم بطلاقة كما الفارسية. مرة واحدة رأيته ثملا لكنه كان يمشي بتوازن عجيب عندما فتح فمه كي يقول شيئا انداحت كلماته وكأنها من مطاط. غضب جدا حين أخذت أردد ( سكران بالك عنه فلوس العرك مو منّه ). ( ولللكككك زززعطططوططط الففللوووس ممنني ...). جاءتني رفسة من الخلف. كانت زوجته الايرانية ( تكبره بأكثر من ثلاثين سنة ). هي التي رفستني. قادته الى البيت . وبعدها هبط غراب بحجم مضاعف عليّ. كان حيدر وامرأته وحتى الغراب بلا عيون. غريب اني كنت أعرف جيدا بأن هذ كابوس سعيت الى تبديده بترديداغنية مصرية كانت شائعة في الخمسينات ...
استيقظت حين انتهى الترديد. اغنيتان في كابوس امتزج بحلم عذب حين أخذت جدتي بالغناء. قرار جديد : لابد في الصباح من أن أزور قبر جدتي وجدّي. ساشتري كم وردة وأنظف القبر من التراب. وسأسمع احدى بستاتها رغم كل ما يقال بأنه لا يبقى من الموتي سوى العظام ...

*

3 – كابوس عن عراك سياسي طويل


- كثير من أحلام اليقظة يصبح كوابيسا ، والخطر في أن تتحول الى واقع. لوغان بيرسال سميث Logan Pearsall Smith ( 1865 – 1946 )


كانوا كلهم وحتى الموتى منهم. غرفة ذات سقف عال و جدران كأنها استعيرت من الأبدية . كل شيء يلفه ضباب خفيف. أنا جالس في كوّة بدت كأنها محراب كنيسة قديمة. أمامي طاولة خرافية الطول. انهض كي أتفحص من هو جالس وراءها. يالله ! الحكام الحاليون والسابقون. انتبهت الى أن الموتى من الحكام جلسوا متجاورين. عدت الى كوّتي كي استمع الخطاب الافتتاحي الذي بدأه حمزة بعبارات التبجيل للرب وآل البيت. ارتفع صوته شيئا فشيء الى أن تحول الى صراخ ارتد من الجدران الى الاذان :
- يعني احنا شوكت نكون واقعيين . في حالة العكس راح نخسر كل شيء وحتى لو كررنا ( ما ننطيه ) من الصباح الى الصباح. ( أصبح وجه حمزه طويلا وتحول فمه الى فوهة كبيرة. صغر أنفه الى أن استوى مع الوجه. كما يبدو جاءته عادة جديدة : اخذ يلوح بيديه بينما عرف عنه لغاية الآن أنه يفضل المظهر الهاديء وحتى أن الابتسامة لم تكن تفارق وجهه ذا الشعر غير المحلوق منذ أيام ). لازم نسوّي شي ، لا زم من كبش فداء. يعني انتو فقدتوا البصر والبصيرة . الشارع يغلي ، وما تفيد هنا كل القوانات العتيكة. يريدون جم رمز للفساد. يابه اخذوا. الحجي بيناتنا ، تره انتوا هم مصّختوها. ملايين ما يخالف لكت مو ملياردات. كما يقال في لندن : الشهية تزداد مع الكل . موتمام ؟ اذن خلي نتداول ...
قاطعه نوري المسمى أيضا بالمختار :
- اخي ، لاتفقد أعصابك ! هناك ألف حل وحل . مثل ما تعرف بالسياسة كل شيء ممكن. بيدنا جم ورقة رابحة : القاعدة ، داعش ، السعودية ، الشيطان الأكبر ، كارثة طبيعية ، ارهابيون سيطروا على الشارع و الى آخره والى آخره ( صار وجه نوري عريضا الى أن اختفت العينين فيه وصارتا خيطين رفيعين. منظر قبيح و لا أمل في أن يستعيد طبيعيته ).
من ركن الموتى وقف أحدهم وصل رأسه ، فجأة الى السقف . أخذ يتكلم بصوت رفيع وكأنه رجل كان قبلها فتاة يافعة :
- آني أعرف قواناتكم كلها. طلعتوني من جهنم و نزلتوا عليّ بالقنادر مرة أخرى. شنو القضية ! الكل غير معصوم من الخطأ الا سبحانه وتعالى. الأوراق الرابحة في عب الكل، حتى هتلر ، حتى أبو لهب بيدهم شيء. أغاتي هذا بلد لايعرف الحكم الا بالحديد والنار. شنو ، احنا هنا لو بنيويورك ! عندي أكثر من نصيحة لكت الثمن السكوت الى أبد الآبدين عن فعلتكم معي...
عاد حمزة الى الكلام :
- هذه هي ملعنة السياسة . واحدنا يسمع و يسمع الى أن نصل الى فد حل من الحلول المرضية للجميع ، ولهذا اجتمعنا الآن و ...
نهض نوري والغضب يكاد يعصف بكل شيء فيه وزعق بصوت عرف عنه بأنه من الصنف الناعم :
- هذا شلون زمن نستمع بيه لواحد من ابن الكحاب.
عاد حمزة الى الكلام :
- أوي ، لا تبالغ ، كلنا سوينه سوايات هم مو زينة. الغرض من اجتماعنا أن نصل الى نتيجة والا نحن مضطرون الى القول وداعا لكل شيء.
واضح أن حمزه ميّال الى حلول وسط ، لكن نوري يجد أن خير الحلول هو المناورة والأخذ بالحلول القديمة. كان واضحا أن غضبه يتصاعد بوتيرة سريعة ، وها أنه نزع فردة حذائه اليسرى وقذفها في النافذة المقابلة له. أحدث القذف دويا هائلا...
أكيد ان في الكابوس كانت فصول أخرى ، وقد تظهر في كوابيسي المقبلة.

4 - سور أعلى من سور الصين


- انه كابوس المادية، التي حولت حياة الكون إلى لعبة سيئة عقيمة، و ليس في الماضي حسب بل لاتزال صحوة الروح في قبضتها. فاسيلي كاندينسكي Wassily Kandinsky( 1866 – 1944 )


كنا أثنين. الثالت قررالعودة الى بيته ومدينته في الشمال. في الأخير وجدنا أنها خير الحلول ( ترك هناك ثلاثة أطفال ، وزوجة شبه معوقة ). في البداية بقينا صافنين. سألني نعمان : والآن الى أين ؟ أجبته : الى بغداد حيث رأس الأفعى بانتظار القطع. لا أعرف كيف أنتقلنا الى هناك بسرعة البرق ( كلانا لم يعرف أنه في حلم ). قلت لعامر من باب النصيحة : أهم شيء أن لا نلفت الأنظار. ربما يحالفنا الحظ مرة أخرى وندحر المسافات بسرعة البرق. اتفقنا على أن نغمض عيوننا. بقينا ساكنين لبضع دقائق لكن لا شيء. اذن لابد من التوجه الى هناك . وقفنا أمام سور شبيه بسور الصين بطوله لكنه كان أكثر ارتفاعا منه. السور أملس ويصعب تسلقه. عامر نفض يده معبّرا عن يأسه ، لكنه قال بعد قليل : ربما نتسلل من أحد الأبواب حين تفتح. الظلام سائد الآن وسيسهل التسلل من هناك. لم تعجبني الفكرة ، فهذه مجازفة مميتة. فنحن نعرف أن في الساحة الرئيسية قد شنقوا أربعة من المتمردين. كنا في وضع صعب للغاية. فعلينا بكل ثمن ان نجتاز السور ونشعل التمرد بل شرارته الأولى فسيخرج الكل من البيوت للالتحاق بنا ، ولأن الكيل قد طفح من زمان . عامر هادي التفكير ،عادة ، اقترح أن نقترب من أحد الأبواب ونثير ضجة على أمل أن يفتحوه كي يعرفوا جلية الأمر، وحينها يسهل التسلل. حصل هذا الشيء بالفعل لكن ما افزعنا حقا أنه بدل الحراس هجم علينا سرب من الذئاب. كان حجمها الذئبي مضاعفا لعدة مرات. كانت هناك نقاط ضوء قوي بدل العيون. عامر أطفأ الضوء ولا أعرف كيف افلح بمثل هذه السرعة في أن يفقا هذا العدد من العيون. كانت الذئاب تتخبط وهي في اقصى الخبال. في الأخير وصلنا الى الساحة. أطلق عامر من مسدسه اطلاقتين. خرجت جموع كبيرة من البيوت ، و بدأت معركة حقيقية مع الجنود في أعلى السور. كانت الغلبة لهم في البداية لكن تبين أن جموع المتمردين كانت مسلحة جيدا أيضا. تحت أقدامنا كانت تتساقط جثث الجنود ، وكلها بلا عيون وأسنان. عامر كان ملطخا بدماء الجنود . وكان ينتظرنا الأسوأ : وصول جيش الطاغية الذي اشترى السلاح الفتاك من الأعداء والأصدقاء أيضا. وبدأت المعركة بقصف الساحة الرئيسية. لكن رجحت فجأة كفة المتمردين. فالمدافع صمتت ولم يتقدم جيش الطاغية صوبنا. ساد صمت مقلق سببه : لماذا لم يتدخل طيرانه لغاية الآن ؟ مرّ وقت طويل ، وكانت فرصة للمتمردين كي يستريحوا. أما أنا وعامر فبقينا يقظين.
غريبة هذه اليقظة التي دخلت في أخرى حقيقية من عالمنا الذي هو ، كما نعرف ، مألوف وطبيعي وعاد كما في خطة خالقه ...


5 - فلهارمونيا صامتة


- عاشت الالاف من دون حب لكن لا واحد عاش من دون ماء. و . ه . أودن W. H. Auden ( 1907 – 1973 )


كنت أعرف بأن هذا أمر لايصدق لكن الوعي كان نائما وترك المكان للآخر اللاوعي . هكذا يقول علم النفس . الأمر هو هذا التضخم السريع لحشرات صغيرة من نوع الفراشات. القاعة بدت كأنها مخصصة لعزف أوركسترا بل كانت تصلني ألحان معروفة من شتى المؤلفات الموسيقية الكلاسية. الغريب أن لا جمهور هناك رغم أن العازفين كانوا مشغولين بعملهم. توقف العزف حين أنتبه المايسترو الى عنكبوت يتدلى من السقف فوق رأسه. غيّر المايسترو مكانه قليلا وواصل القيادة رغم أن الفرقة كانت قد توقفت عن العزف قبل ثوان طويلة. لم ينتظر العنكبوت طويلا كي يحط على رأس المايسترو . في طريقه الى هناك كان يتضخم بسرعة. المنظر كله حجبته عني فراشات ملونة ملأت القاعة وشأن العنكبوت أخذت تكبر الى أن أصبحت بحجم كلاب من جنس معيّن . ما صدمني أن القاعة اخذت تمتليء بالجمهور مما دفعني الى التفكير : اذن كانت هناك استراحة توّجه الناس في أثنائها الى المقصف للشرب والأكل و التدخين.
ها أن القاعة امتلأت بدل الجمهور بكلاب تنبح.أما الجمهور فحشر نفسه في الشرفات العليا منتظرا تدخل الجهات الرسمية من شرطة وغيرها. لا أعرف كيف خمنت بأن كل واحد من هذا الجمهور مرغم على الانتماء الى هذا الحشد الكبير بسبب المشاعر المتضاربة التي تراوح بين النفور والعاطفة. وكان لديّ فائض كبير من الوقت مما سهّل عليّ مراقبة كل شيء في القاعة. هل سيتعايش الجميع أم ستنشب حرب صغيرة هنا وهناك في الشرفات العليا ؟ لكن المشهد تبدل فجاة ، وها أن الفرقة استأنفت العزف وأخذ المايسترو يقودها بعصاه الصغيرة . في البدء أرتفعت أصوات الابواق. كانت بالغة القوة مما ذكّرني بأبواق النشور. لا أعرف ما حصل بعدها، فقد استيقظت من هذا الكابوس غير المفهوم تماما لكني بقيت أفكر طويلا حتى الصباح باحتمالين : أما أن الفرقة واصلت العزف أو أن الشرطة ومعها فرقة المطافيء أخلت القاعة.




6 - الدخول في المتاهة

- الواقع هو مجرد وهم، وإن كان شديد الثبات. ألبرت اينشتاين Albert Einstein ( 1879 – 1955 )

جلس الأربعة يلعبون البوكر. وكان شاكر قد اقترح أن يرفعوا الرهان الى ما يعادل الدولارين. ثلاثة وافقوا على الفور أما الرابع أي سعدي الذي هو بالغ الحذر طيلة حياته أبدى الكثير من التردد الا أنه ، تحت الضغط الصامت من الثلاثة ، وافق في النهاية على الرهان الجديد. وزع صالح الورق وهو يدمدم بأغنية قديمة لفرانك سيناترا ( سترينجرز ان ذي نايت ). رابعهم وهو منصور جاري ( العرّاك ) الذي يناوب الضرب على امرأته وابنه المراهق ، خاصة حين يشرب كثيرا ، قد ضاعف الرهان بسرعة الى أربعة دولارات . انسحب سعدي على الفور. شاكر تردد قليلا ثم ضاعف الرهان الى ثمانية ( فهم منصور ان هذا التردد معناه أن شاكر لا يملك ورقا جيدا و كل ما فعله هو مجرد خدعة ). ضاعف منصور الرهان الى 15 دولارا . وهنا حدث أمرا لا علاقة له البتة بالواقع المعروف : تحوّلت أوراق اللعب الى تلك الأسماك المسطّحة ( كانت تسمى في مدينتهم : مزلك ). فوجي الأربعة بأنها أسماك حية راحت تتقافز هنا وهناك. واحدة فتحت فمها وبصقت بوجه سعدي. كان البصاق دما مما أرعب سعدي ( كان هذا موظفا في دائرة الكهرباء و يعتبر نفسه شاعرا سيبهر الجميع في القريب بموهبته ). كانوا جالسين تحت النافذة المفتوحة التي دخل منها فجأة باشق كبير أطلق صرخة مخيفة قبل أن يخطف السمكة التي بصقت دما. نهض شاكر بسرعة من كرسيه وأراد أن يغلق النافذة ، فكما قال الباشق طير ثمين. راح الأربعة يطاردون الباشق الى أن قبضوا عليه. غريب أن الباشق كان كارتونيا لكنه صبغ ونحت كي يكون نسخة طبق الأصل من باشق حقيقي. أكتشف صالح بأن في داخل هذا الطير محركا خاصا يضمن له الحركة والتحليق.
تبادل الأربعة نظرات الدهشة ثم أطلقوا ضحكات هستيرية استمرت الى أن استيقظوا في بستان شاكر. أدرك سعدي بأنهم بالغوا في الشرب ومن هنا كابوسهم المشترك هذا.

7 – نزهة صارت كابوسا



- لا تتجاهل الأحلام. فهي خط من الماضي إلى المستقبل. كل الكوابيس حقيقية. ماكس غلادستون Max Gladstone ( 1984 )


كان هذا من أفظع كوابيسي. أفكار عن انتحارين في بلد بعيد ومعركة بالسكاكين في محلتنا. ما أتذكره أن هذا البلد بقي لغزا الى نهاية الكابوس. ولأبدأ ب( مقدمة ) الكابوس :
نهار رائق حقا . أسير منذ ساعة في هذا الدرب الترابي الذي بلله وأشجاره مطر الليل. تصورت أن هناك سوء فهم ، أو سوء تفاهم ، مع هذه الطبيعة المحيطة بي ، فانا غير منفتح لها عموما وأحمّلها بعض المسؤولية على محني كانسان ومخلوق له كينونة في هذا السيّار النكرة. في الحقيقة لا أكترث لها اطلاقا ، فمعرفتي بأن مثل هذا الاهتمام و اللااهتمام لا يقدم ولا يؤخر في هذه المسألة. لكني مضيت هادئا تطرق رأسي الفكرة ذاتها منذ ساعات : كيف التخلص من المشكلة الأخيرة وهي الاسهام في لقاء مضجر عن الرواية العراقية. مضجر ولأني سأعرف مقدما بأنها ستدور كثورالناعور حول الحاضر الذي التزمت به هذه الرواية الى حد الانصهار به ! أعترف بأن الفكرة عكرت ، الى حد واضح ، صفاء وملائكية هذه النزهة. بالطبع حاولت ولأكثر من مرة ، طرد فكرة هذا اللقاء الا أنها كانت قد استقرت عميقا في الداخل. وقبل أن أواصل التفكير انبعث صوت بشري قوي ورائي. كان صوت رجل ودّع الشباب. قال بصرامة :
- لا تلتفت الى الوراء، فهذا أحسن لك من إرضاء الفضول ومعرفة من أنا. ستعرف كل شيء. ولنأخذ أمور هذا اللقاء وفق تسلسل وجدت أنه الأفضل. وقبل أن أنسى كان كلا الانتحاريين الأكثر شهرة في القرن الماضي. اجتمعت صفات كي تجعل منهما هكذا. انتحار امرأتين احترفتا الكتابة . كلتاهما في منتهى الذكاء والموهبة. لا أظنك عرفت بأنهما المقصودتان في تلك الفكرة التي كانت تدور في رأسك قبل قليل. أما معركة السكاكين فهي بمنتهى العادية وتحصل عندكم وليس في هذاالحاضر فقط. اذن لنترك الانتحارين والمعركة، ونقوم بتصفية الحساب مع الكثير من أفعالك التي تبدو ، في الظاهر حسب ، في منتهى البراءة. سأسعى الى أن أكون في غاية الموضوعية. لدي هنا ملاحظة وهي لصالحك. عدد لاباس من هذه الأفعال اعترفت بنفسك بأنها لا تلقى القبول مني ولا من معظم الناس. عدا قبول المارقين بالطبع . أنت شأن الكثيرين تظن بأن كل عقاب من السماء هو مؤجل دائما والى درجة أن الجحيم نتاج افتراضي من عالم افتراضي ، وقد يكون هناك بعض الحق مع سارتر حين قال بأن الجحيم هو الآخرون. بالطبع هناك من اعتبر مثل هذا الأقوال مجرد عملية غسل دماغ ، فوفق هذا اللاجنتلمان الفرنسي كل ما حدث و يحدث على هذه الأرض هو شيء كاف كي نشطب على فكرة الجحيم. لاتعيد الكرّة وتحاول الالتفات الى الوراء ، ولأن لا فائدة من ذلك. فأنا قادر على أن اسمعك صوتي فقط. اذن ، لنعد الى افعالك. أوه ، القائمة طويلة ولا أعرف أن لقاء كهذا يكفي للتفكير بمسح الذنوب ، وعلى الأقل بعضها ... انتظر بضع ثوان . سيبقى صوتي معك ، وأنا قررت أن نتصفح سوية فصلا أو فصلين من التأريخ. التصفح ليس بالكلمة المناسبة بل المسرحة هي مناسبة أكثر. سترى وتسمع وتتفاعل مع بعض ابطال ذلك الفصل أو الفصلين . و لنبدأ بالآبابيل :
بعد مضي تلك الثواني المشؤومة اهتز كل شيء حولي وفي داخلي وتحت قدمي. بدت لي الأرض وكأنها عجينة لينة أو خشب منخور أخذ يتنائر في فضاء لانهاية لها. الهواء صار كثيفا وحصل شيء خارق حقا : انشطرت السماء الى نصفين ، الأول مضاء بأشعة تعمي العين حقا ، والنصف الثاني ظلام حالك. ظهرت فيلة أصابها فزع لا يوصف. كانت ظهورها تحترق ولهيب النار يتصاعد الى أكثر من متر. فكرت سريعا : اذا لم تسحقني الفيلة فسأكون طعاما للنار. فضلت الموت تحت اقدام الفيلة ، فهو سريع . اذن وقفت أمام الفيلة الهائجة ، المفزوعة . لا أعرف كيف حصل: التفت خرطوم احدها وقذفني عاليا . وما أتذكره قبل استيقاظي من الكابوس أني شاهدت من ذاك العلو كيف أن الحياة في عنفوانها في مدينة الألعاب التي افتتحت قبل ثلاثة أيام وكنت جالسا في احد دواليبها وعلى اذني سماعتي الموصلة بالمسجل الصوتي . غريب أني خرجت من الكابوس على وقع تلك البستة التي كانت شائعة في طفولتي ( واكف على العشار يقرا الجريدة ) ...

أستره بارك – تشرين الثاني 2015
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6109873   Visitors since 7-9-2002