المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





قصص مترجمة
 

قصص قصيرة جدا

  
فرانشيسكو بيكولو
  
ترجمها عن الايطالية هلال حميد
  












(1)

في العام الماضي ، مدّت الي زوجتي علبة صغيرة ملفوفة بورق ملون ومربوطة بشريط في شكل عقدة مذهبة : هديتي لعيد الميلاد . في البداية ، حاولت فك العقدة وازالة الغلاف الورقي عن العلبة الصغيرة بكل رقّة وهدوء ، ولكن لم يكن ثمة وسيلة لفتحها ؛ إلا بعد فترة طويلة ، وأنا متوتر الأعصاب جدا ، مزقت الورق بأظافري وأسناني . كانت زوجتي تحدق في عيني بنظرة ترشح بالقلق والاستطلاع – كما وكانت خائفة ايضا من ذلك العنف - لأنها كانت تنتظر ، نافدة الصبر ، متلهفة لتعرف مااذا كانت الهدية تعجبني .
فتحتها ونظرت اليها ، وافتر فمي عن ابتسامة عريضة جدا ، وقلت : شكرا .
_ هل تعجبك ؟ قالت هي .
_ جدا . قلت أنا .
لكنني لم أفهم ماذا كان ذلك الشىء في داخلها .
كان شيئا غريبا ، ذو ألوان جميلة ، وشكل خاص ، ولكن لم يكن من الممكن ان نفهم ماذا يكون . وفيما كنت أعرضه على الاخرين ، كانت هي تسألني : هل فهمت مافائدته ، هل حزرت ؟ اما انا فكنت أجيب :
نعم ، بالطبع ؛ لكن حيرتي كانت تزداد دقيقة بعد دقيقة . وفيما بعد كنت اسأل الاخرين ايضا لمعرفة مااذا كانوا قد فهموا ، على أمل سرّي في ان يجيب احدهم ب نعم ، وباقتناع تام ، وهكذا اكون قد شرحته لنفسي اخيرا ، ولأقول فيما بعد كما لو كنت قد فهمته مسبقا : برافو ، لقد حزرت .
ولكن لم يكن لدى اى احد ادنى فكرة عما كان ذلك الشىء . وماهي فائدته ؛ لأنه كان يجب ان يكون مفيدا
لشىء ما . أو كان يمكن ان يكون ايضا مجرد تحفة أو زينة توضع فوق الاثاث ، أو شىء ليعلّق على الحائط ، او الاحتفاظ به في المطبخ ، او فوق الكومودينو . ولكن حتى هذا لم يكن واضحا .
بعد ذلك ، في الليل ، ونحن في السرير قلت لزوجتي مؤكدا بان الهدية أعجبتني جدا ، ولكن كان يجب ان اعترف لها بشىء ما : انني لم اكن قد فهمت ماذا كان ذلك الشىء . ثم اسرعت أضيف بأن هذا لم يكن له شأن
بالموضوع ، لأن الهدية كانت جميلة ، كان لها الوان جميلة ، وشكل خاص . انما هذا هو المهم ، ولا يهم اذا كنت لاافهم ماذا يكون ، ذلك ان حتى الاخرين لم يفهموا ، ولا اى شخص اخر الذي عرضته عليه . وهكذا ، في حميمية الليل وألفة السرير ، استطعت ان اسألها ،محاولا السيطرة على الحنق والاستياء في صوتي :
اذن ، ماهو ذلك الشىء ؟ مافائدته ؟ ، لكن زوجتي في حميمية الليل وألفة السرير ، اعترفت لي بانها لاتملك ادنى فكرة عما يكون ذلك الشىء . بل ، كانت تأمل كثيرا - لما رأيت الهدية وقلت لها انها جميلة - في ان اقول لها في تلك اللحظة ماذا كان ذلك الشىء . لذلك ظلت تسألني عن ذلك . لكنها كانت قد رأته في المحل ، ولما رأته فكرت بي انا على الفور ، لقد تصورت بانه سيكون قد اعجبني ، واشترته . ولم اسألها لماذا فكرت بي لنا على الفور ، لم اسألها لأنني لم اكن اريد معرفة ذلك .
بعد ذلك ، انتظرنا يوم افتتاح المحلات التجارية ، وذهبنا هنالك حيث كانت قد اشترته . ولكن حتى صاحب المحل كان لايعرف كيف يجيب على سؤالنا ، بل ، كانت اجابته متعجرفة متغطرسة : اذا كان يجب علي ان اعرف فائدة كل الاشياء التي ابيعها .....
لكننا لم نستسلم لليأس . عثرنا على عنوان البريد الألكتروني للمعمل ، وكتبنا بما فحواه : اشترينا الشىء الذي ينتجه معملكم ، وجدناه جميل جدا ، ولكن ماذا يكون هذا الشىء ؟ .
من المعمل ، اجابوا بسرعة وباسلوب لطيف مهذب . شرحوا لنا بأن هذه هي فلسفتهم ، وهي تتطابق مع الميول الخاصة للزبائن فيما يتعلق بهدية عيد الميلاد : اذا كانت جميلة ، واذا كانت تعجبكم ، فلايهم ماذا تكون .
استعملوها كما تشاؤون وكما يحلو لكم . في الواقع ، لقد شرحوا لنا ، اولئك في المعمل ، واقع ان عدم معرفة ماذا يكون ذلك الشىء لم يمنع صاحب المحل من طلبه وعرضه للبيع ، ولازوجتي من شراءه (لأنها فكرت بي انا على الفور ) ، ولا أنا من استلامه وإبداء الاعجاب به .
ان هذا المنطق بدا لنا مقنعا الى حد ما . لاسيما ، وانه حاسم نهائي . لم يبق لنا سوى الشك في انه ما كان يمكن ان يكون الا وسيلة رائعة لتبرير واقع انهم لم يفهموا ، حتى هم انفسهم ماهو ذلك الشىء . لكن هذا كان مجرد شك ، لااكثر .
ومنذ ان توقفنا عن التحقيق ، احتفظت بهديتي دائما في متناول اليد . واذا كنا لانسطيع ان نفتح وعاء ما ، او اذا كنت اريد ان ارى وجهي في المرآة ، او فك البراغي اوشدها ، او اشعال سيجارة اوغسل سلطة ، عندئ كنت أقول لزوجتي لنحاول بواسطة ذلك الشىء الذي اهديتني اياه في عيد الميلاد لكنه لم يكن صالحا لكل
ذلك . وعلى مدار السنة حاولت استعماله بشتى الطرق ، حتى لغسل السيارة ، او لطباعة فايل ، او ان اصطحبه معي الى الفراش حتى يشارك معنا في حياتنا الجنسية ؛ او استعماله بمثابة علبة للبسكويت ، او فرن ميكرواوندة ، حاولت ان ارى مااذا كان سينهض ليرد على التلفون ، لقد طبخته مع الرز ، سكبت الماء
عليه ، وضعته فوق المدفأة ، او فوق رأسي تحت المطر . حتى اشتريت له علبة طعام جاهز للقطط ، لاادري لماذا . و ، هذا بديهي ، حاولت ايضا ان اتركه على احد الرفوف ، او معلقا في الدهليز .
ولكن لاشىء من كل ذلك قد عمل وادى وظيفته .
بعد ذلك ، جاء عيد الميلاد الجديد . و زوجتي مدّت الي علبة صغيرة ملفوفة بورق ملون وعقدة مذهبة .
وأوصتني : على مهلك ، يمكن ان تنكسر . كانت تريد ان تقول بذلك انهما ماكانتا لتسمحا – لا هي ، ولا
الهدية – بنوبة عصبية اخرى كتلك التي انتابتني في العام الماضي .
حاولت ان افتح الورق ، العلبة ، العقدة بكل الوسائل المتاحة ، ولكن دون جدوى . عندئذ جربت هي ، ثم كل الاقارب والاصدقاء . ولكن دون جدوى ايضا . كانت زوجتى ماتنفك تقول بغير انقطاع : على مهلكم .. على مهلكم افتحوها بلطف لأنها يمكن ان تنكسر . عندئذ قلت انا : لم لانحاول فتحها بواسطة ذلك الشىء الآخر . لم يفهم الاخرين ماهو ذلك الشىء الاخر . هي نعم .
ذهبت لأتناول هدية عيد الميلاد للسنة الماضية واستعملتها بكل لطف وهدوء لفتح هدية عيد الميلاد لهذه
السنة ، وتمكنت من فتحها بكل سهولة .
اعترف لكم فيما يتعلق بهدية هذه السنة ، بأنني مازلت لم افهم ماذا كان ذلك الشىء ، ولا كيف يمكن الاستفادة منه ، ولاسيما لماذا كان يمكن ان ينكسر .
لكني شعرت بالارتياح لانني فهمت فائدة الهدية الاخرى : لفتح هدايا عيد الميلاد .
أنا لا اعرف ان كان ذلك الشىء قد أخترع لهذا الغرض . لكننا الان نستعمله هكذا .


(2)

عندما أتصل هاتفيا بزوجتي ، هي تفعل شيئا لم يفعله شخص اخر في هذا العالم : هي تجيب ولكن
لاتقول : ألو ؟ ، كما يمكن ان يقول اى شخص اخر ؛ او ايضا : فل لي – بما انها تعلم بانني أنا الذي يتصل .
لا .
هي تبدأ بالحديث ، مباشرة . تقول اين هي ، او ماذا تفعل ، او متى تعود الى البيت ، او كيف انتهى اللقاء مع صديقتها ، تروي لي قصة سبق وان سمعتها من اخرين .
وبمجرد ان سنحت لي الفرصة بالكلام ، اسألها على الفور : ولكن من الذي اتصل ؟ أنت أم أنا ؟ .
أنت ، تجيب هي .
اذا كنت انا الذي اتصل ، أفلا يجب عي انا أن اتكلم ؟
انت يجب عليك ان تقولي : ألو ؟ وانا اقول لك بانني اكون انا ، وانت تقولين لي : اخبرني - او : ماذا
هنالك ؟ - او : ماذا تريد ان تقول لي ؟ - او ايضا : هل كل شىء على مايرام ؟ .
ولكن اذا اتصل انا ، فأنا الذي لدي شىء ما لأقوله لك ، وليس انت لتقوليه لي .
واذا كان لديك شىء ما لتقوليه لي ، اضغطي أنت على رقمي واتصلي بي .

(3)

تلك المرة التي قالت هي لي : انا استطيع ان اتصور الحياة بدونك ، اما انت فلاتستطيع ان تتصور الحياة بدوني .
(4)
حتى الان لم استرد صحوي ، منذ ان كانت احدى صديقاتي ، في ذات مساء ، قد نطقت كلمة : صيام .
قالت : هلا نريد ان نبقى صائمين ، هذا المساء ؟ .
(5)

عندما يقولون لك : كان بامكانك ان ترتدي ملابس افضل من هذه . وانا كنت ارتدي افضل الملابس .

(6)
هذه السنة مرت بسرعة .
هكذا يقال في كل سنة ، في نهاية السنة .
اني لاتسائل كيف هي السنوات التي تمر ببطء ، التي لاتمر ابدا . لأنني لم ارها ابدا .

(7)

أشعر دائما ببهجة عظيمة عندما يقهر الضعفاء الاقوياء ، في تلك اللحظة . لكنني لم البث ان اشعر بحزن عظيم على الاقوياء ، الذين يعانون اكثر من الضعفاء عندما يخسرون .

(8)

متى يجب علي ان اجلس في المقعد الامامي في التاكسي .
(9)

عندما تتصل عاملة التنظيف لتقول انها اليوم لاتستطيع المجيء .

(10)
أنت على أل "وات ساب " ، ترى الاخر " انه بصدد الكتابة " انه الان يجيب عليك ، تنتظر ، ولايصلك
شيئا .
لقد عدل عن فكرته .
(11)
الاحتمال ، حتى وان كان ضعيفا ، في ان يفجروا حقيبتي في المطار ، اذا ابتعدت عنها .
(12)
الاسماك الحمراء في الكيس الشفاف . ولكن ليس للاسماك الحمراء .
(13)
المطاعم ، التي بعد الإسم ، تكتب : " من 1972 " أو " من 1983 " .
وانا كنت قد ولدت . واحيانا كنت قد كبرت .
(14)
عندما تفتح صندوق الحذاء الجديد ، والرباط على حدة .
عليك ان تربطه أنت .
مثل ذلك مثل إهداء الالعاب الى الاطفال دون بطاريات . ترى الطفل متحمسا ، وأنت تلف وتدّور اللعبة بين يديك وتقول :فيما بعد يجب علينا ان نشتري البطاريات .
(15)
" اترك الحمام نظيفا بعد الاستعمال " ، الصفيحة المكتوبة في بعض الحمامات العامة .
(16)
عندما يقولون لي في البيت لاتستعمل ذالك الشامبو ، معنى ذلك انه فاخر جدا على ان يكون لي .
(17)
اقدم هدية . أقول : اذا كانت لاتعجبك فيمكنك ان تبدلها . يجيب علي : ولكن ماذا تقول ، تعجبني كثيرا ، انه بالضبط اللون الذي افضله ، ولكن كيف لك ان تحزر ذلك ؟ في اليوم التالي يذهب لتبديلها .
(18)
عندما تجلس الى المائدة ، واحد اصدقاءك يستل كمية كبيرة من الحبوب ، ويبدأ في تناولها ، وهو في هذه الاثناء يثرثر ويطلب الطعام . ولايقول لماذا يتناول الحبوب ، وانت لاتعرف مااذا كانت مجرد فيتامينات او انه يعالج نفسه من مرض خطبر .


*


فرانشيسكو بيكولو Francesco Piccolo ولد في مدينة كاسيرتا جنوب ايطاليا عام 1964 . وهو مؤلف ومن احد كبار كتاب السيناريو في السينما والمسرح والتلفزيون . حاز على عدة جوائز واهمها " جائزة ستريجا 2914 " .
صدرت له عن دار نشر ايناودي " الطلاق بين الذكور " ، "لحظات سعيدة لايؤبه لها " ، " الرغبة في ان تكون مثل الاخرين " ، " لحظات تعيسة لايؤبه لها " . ومجموعة اخرى من القصص القصيرة جدا .

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6333676   Visitors since 7-9-2002