المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقالات ونصوص أخرى
 

مكتبة بابل بين بورخيس و أمبرتو أيكو

  
اسماعيل غزالي
  















ثمة حضور دامغ لبورخيس في أعمال أمبرتو إيكو، بل يكاد يكون القطب الأساس لاشتغال إيكو الخرائطي بورخيسيّا في العمق. بصوغ آخر ثمة وجه بورخيسيّ بشكل مضاعف يمكن العثور عليه في مرآة سرية من مرايا غابة أمبرتو إيكو. بالذات في أعماله التخييلية، ولا نعدم هذا التمثل في بعض الأعمال النقدية بما فيها الأكاديمية.
أمبرتو إيكو ألمح إلى هذه الخلفية المتشعبة لتداخل عمله ومنجز الأرجنتيني صاحب المرايا والمتاهات في أكثر من حوار (إلى جانب جيمس جويس). ولا يحتاج قارئه المتخصص إلى قدرة إمعان جبارة ليتضح له بأن الكثير من الاستعارات التي أسّس عليها صاحب اسم الوردة، معمار نصوصه المتاهيّة، استنبتها بألمعيّة من فلك بورخيس، ومنها استعارات المتاهة والمكتبة والغابة إلخ...
ورخيس.. الكون مكتبة
الكون مكتبة، تلك هي الفكرة الزرقاء التي يضرم بها بورخيس فتيل الحكي في مبتدأ قصته الشهيرة «مكتبة بابل». القصة التي استوحاها من مناخ عمله كمساعد أول في مكتبة بوينس آيرس البلدية وفق ما صرح به في سيرته، وكان بالكاد معروفا عند الموظفين (1). غير أن البناء المدهش لمكتبة القصة سيستعيره من شكل البرج الأسطوري المعروف ببرج بابل المنسوب إلى عهد النبي نوح.

أغلب النصوص التاريخية اتفقت تخييلاً على غرائبية فكرة هذا البرج الذي تتباين طبقاته المرصوصة. وغرائبية البرج هنا هو حجر الزاوية الذي تستند إليه قصة مكتبة بابل لبورخيس (2) التي تضفي على البرج سحرية مضاعفة بجعله لولبيا ومتاهيّا.

القصة تستضيف عجائبية شكل البرج، وتشعباته الدوارة، وتجعل منه الصورة الأمثل لهندسة المكتبة (إن الكون الذي يسميه آخرون المكتبة، يـتألف من عدد غير محدد، وربما لانهائي من القاعات السداسية الزوايا وقد توسطتها مناور واسعة للتهوية تحيط بها... من كل هذه السداسيات نبصر الأدوار السفلى والعليا بلا انتهاء). هذا التوصيف الداخلي لبنية المكتبة يقف عند مشيّد مركزي لحلزونية السلم الذي (يغور أو يرتفع على مدى النظر). ثمة مرآة أيضا تضاعف من انعكاس الأشياء لكن بأمانة وإن كان الناس المحدقون فيها يظنون عكس السارد بأن المكتبة محدودة. بينما يؤكد هو بالقطع (إني أؤكد أن المكتبة لانهاية لها). وعن الشكل السداسي للقاعات ذات الزوايا الثلاثية يراه المثاليون وفق السارد شكلا ضروريا للفضاء المطلق.

إنها مكتبة غرائبية يضاعف من غموضها السحري طبيعة الكتب التي تزدهر بها الرفوف، فهناك كتاب بحروف لا تشير إلى ما تقوله الصفحات، وهناك كتاب اكتشفه أب السارد يضم حروف mcv المتكررة بصورة مضللة من أول سطر إلى آخر سطر وكتاب عبارة عن متاهة خالصة من الحروف صفحته الأخيرة تعلن (أيها الزمن أهراماتك). إنها في المجمل كتب غامضة وعصية على الفهم مؤسسة على كتابات مشفرة وهذا ما يعزز حقيقة المكتبة الموجودة منذ الأزل (هذه الحقيقة التي تتمثل نتيجتها الطبيعية المباشرة في أزلية العالم المستقبلية) وأما عدد الرموز الإملائية الخمسة والعشرون فبالاستناد إليها حاول الكثيرون صوغ نظرية عامة للمكتبة بحل الشفرات المفضية إلى (الطبيعة المشوهة والفوضوية لجميع الكتب). فجميع المتجولين من المولعين بحل الشفرات أكدوا: (ليس في المكتبة الشاسعة، كتابان متطابقان).

المكتبة إذن كلية، وسداسياتها تستوعب كل الكتب، والحلول للمشاكل الشخصية. وهو ما يفسر تزاحم الرحالة على سلالم المكتبة وفي الممرات إلى درجة القتال. وأما اللغز الذي منّوا النفس كي يجدوا له حلا نهائيا فهو: أصل المكتبة والزمان.

كل مرتادي المكتبة محققون ومفتشون مولعون بالتحري والكثير منهم فقد أثره لأن ثمة سلما بلا درجات... والكثير من الكتب طالها التخريب بتوصية من طوائف بعينها. أما الكتاب السحري المستأثر بلغز المكتبة ككل هو (وجود كتاب هو مفتاح كل الكتب الأخرى وموجزها الوافي) وسداسيته التي تأويه مجهولة.

أما الذي يضاعف من مناخية السحرية في المكان فهو تعرض المكتبة أحيانا لظواهر الحمى فيصيب التحول مجلداتها كأن تثبت كل شيء وتنفيه في آن، شيء طريف جدا أن نتصور مكتبة تهذي. غير أن هذيان المكتبة هذا ينجم عنه خطر الفوضى لكن السارد ينتهي إلى خلاصة مطمئنة هي أن الفوضى المتكررة يتخلق عنها النظام ويمهر القصة بحل نهائي للمشكلة مؤكدا (المكتبة غير محدودة ودائرية).

يمكن استيضاح التقاطعات ذات الاستعارات المتحولة أو المتطابقة بين قصة مكتبة بابل لبورخيس ورواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والخاصة هنا تحديدا بشكل المكتبة البابلية.

إيكو... العالم متاهة


بداية ليس محض مصادفة أن يجعل أمبرتو إيكو من بورخيس نفسه شخصية روائية ضمن روايته «اسم الوردة» بجعله حارسا للمكتبة وفوق ذلك أعمى، عن ذلك يقول إيكو في حاشية على اسم الوردة: (الكثيرون تساءلوا لماذا يحيل جورج (Jorge) من خلال الاسم على بورخيس، ولماذا كان بورخيس شريرا؟ ولكني لا أعرف. لقد كنت أبحث عن أعمى يكون حارسا للخزانة (وهو ما كان يبدو أنه يشكل فكرة سردية جديدة)، وفي هذه الحالة، فإن الخزانة مضافا إليها أعمى لا يمكن أن تحيل إلا على بورخيس (...).

عندما وضعت بورخيس في الخزانة لم أكن أعرف حينها هل سيكون هو القاتل. لقد قام بكل شيء من تلقاء نفسه إذا جاز التعبير. (ص 45).

الزج ببورخيس في اللعبة من طرف كاتب مولع بالرموز أمر له قصدية غائرة تتكشف بالتدريج عبر الإمعان في قراءة وتأويل الكون الدلالي للرواية ككل. بالإضافة إلى وجود بورخيس كشخصية روائية هنا لها علاقة رمزية بفكرة المكتبة من جهة وفكرة حارس الكتب من جهة ثانية، هناك حضور ضمني مزدوج غير مصرح به، يتعلق بطبيعة تصوّر المكتبة أولاً، وشكلها المتاهيّ ثانيا، في رواية اسم الوردة. المكتبة التي تحتل حيزا رئيسا في المتن الحكائي والفضائي للنص.

شكل المكتبة في الرواية وإن كان ينفرد بهندسة خاصة بها ينبغ إيكو في رسمها بإحداثيات رياضية دقيقة، فهي لا تبتعد ولا تنزاح كثيرا عن شكل المكتبة التي هندسها بورخيس في قصته مكتبة بابل بتمثل البرج الأسطوري الذائع الصيت: فرغم أن الرواية تومئ إلى أشكال مكتبية تاريخية قديمة كمكتبة بغداد والقاهرة وطرابلس، إلا أن الهندسة الداخلية لصرحها الغريب والمريب، يتواشج رمزيا في المضمر مع صورة البناء السحري لقصة مكتبة بابل.

في مفتتح رواية إيكو يدور حوار بين غوليالمو وأدسو، يشير فيه الأول إلى أن الكون عبارة عن كتاب:

«يا عزيزي أدسو. إنني منذ أن بدأنا الرحلة وأنا أعلمك أن تقرأ الدلالات التي يكلمنا بها العالم وكأنه كتاب كبير. لقد كان ألّانو ديلي إيزورلي يقول: كل كائنات الدنيا هي لنا كتاب ورسم، يتجلى في مرآة». وكان يعني الذخيرة التي لا تنفذ من الرموز التي يكلمنا بها الرب، من خلال كائناته، عن الحياة الأزلية» (ص 41 ،42)، وهذا يشبه افتتاحية قصة مكتبة بابل التي تبدأ الحكي بإثارة صورة الكون كمكتبة، وفي مناطق أخرى من القصة نجد تعبيرا مطابقا للعالم ككتاب.

مكتبة إيكو يحتويها دير مشيّد إلى جبل ينتصب كصرح، وتعتليها أربعة أبراج شاهقة، وهندستها المتاهية يتخلق عنها عمليا الفضاء المرعب للجرائم التي شهدها مسرحها وتتقاطع مع مكتبة بابل في البنية الحلزونية واللولبية والمضللة، وفي المعمار المتاهيّ الذي اشتهر به بورخيس حدّ التماهي.

تختلف مكتبة إيكو في بعض القياسات: «تحتوي المكتبة على ست وخمسين قاعة، منها أربع قاعات مسبعة الاضلاع واثنتان وخمسون شبه مربعة ومن بينها أربع دون نوافد بينما ثمانية وعشرون تفتح على الخارج وست عشرة على الداخل! ويحتوي كل من الأبراج الأربعة على خمس قاعات لها أربعة جوانب وواحدة لها سبعة جوانب. لقد شيدت المكتبة حسب انسجام سماوي يمكن أن تنسب إليه معان مختلفة مدهشة». (ص 241).

سباعية الأضلاع في قاعات مكتبة إيكو تتماهى بشكل دال مع الأيام السبعة التي تستغرقها زمنية الرواية. عكس سداسية أضلاع مكتبة بورخيس وقاعاتها اللانهائية، وأما الخزانات وترفيف الكتب وتشعب الممرات والسلم اللولبي بالإضافة إلى المرآة – سيتضح للقارئ توظيف إيكو لتكنيك المرايا البورخيسية خاصة الواردة في كتابه المرايا والمتاهات - والبئر وكوّات الترويح فشبه متطابقة مع تباين أكيد في الأحجام والاتجاهات بين المكتبتين - البئر في قصة إيكو تعادلها الهاوية في مكتبة بورخيس - ويشتركان أيضا في الرصيد الغفير لثروة الكتب.

مع انفراد مكتبة بورخيس بلانهائية الكتب، بل استيعابها لكل مخطوطات العالم. وهندسة المكتبة والدير معا استغرق قرونا في تخييل رواية اسم الوردة:

(عمل رجال أتقياء لمدة قرون، متبعين قواعد صارمة جدا. لقد أنشئت المكتبة حسب رسم بقي غامضا للجميع عبر القرون ولا ينبغي لأي راهب أن يعرفه. حافظ المكتبة وحده تلقى السر من الحافظ الذي سبقه وينقله بدوره إلى مساعده وهو على قيد الحياة، حتى لا يباغته الموت فتحرم المجموعة من تلك المعرفة. وشفتا كليهما مختومة بذلك السر. وحافظ المكتبة وحده يمكنه بالإضافة إلى معرفة السر، أن يتجول في متاهة الكتب» (ص:57). وهذه السرية هي نفسها التي يستأثر بها أمناء مكتبة بورخيس وإن كان القليل جدا منهم من يستأثر بحكاية بعض الكتب الملغزة.

فضلا عن التحقيق الذي يجري في الرواية حول لغز المكتبة وحول ملابسات الجريمة بغرض كشف هوية القاتل. وهو ما يؤكد هوية الرواية البوليسية التي يقول إيكو عن فانتازيتها المتاهية في حاشية على اسم الوردة:

«إن متاهة المكتبة التي تصورتها هي متاهة مصطنعة، ولكن العالم الذي يدرك فيه غيوم أنه حي مبني على شكل جذمور: إنه قابل للبنينة ولكنه ليس مبنينا بشكل نهائي أبدا» (ص 75).

ويعني بالمصطنعة: «إذا وضعتها بين يديك فإنك ستحصل على ما يشبه الشجرة، على بنية في شكل جذور بممرات مغلقة. لا وجود إلا لمخرج واحد ومن المحتمل أن تضلوا طريقكم. أنتم في حاجة إلى خيط أريان لكي لا تضلوا، إن هذه المتاهة هي نموذج من سيرورة المحاولة والخطأ». (ص 76)

والجذمور يعني به «الشبكة أو ما يسميه دولوز و غاتاري بـ الجذمور (Rhizome 27). والجذمور مصنوع بكيفية تجعل من كل سبيل قابلاً لأن يرتبط بسبيل آخر. فلا وسط له، ولا محيط أيضا ولا مخرج له، لأنه افتراض غير نهائي. إن فضاء التخمين فضاء يشبه الجذمور.» (ص 76).

قصة مكتبة بابل أيضا تجري فيها التحقيقات والتحريات حول كتاب غامض يختزل كل الكتب من جهة «يشبهه الكتاب الغامض المسموم المفقود في رواية اسم الوردة – الجزء الثاني من كتاب أرسطو – وأن يكون موجودا في قاعة أقصى إفريقيا ربما يمكن تأويله بأمرين: سحرية الكتاب القاتل جزء من سحرية الطقوس الإفريقية، وأن يكون المنتهى هو إفريقيا التي ينكشف فيها اللغز، وارتكانها المقعر في خلفية كل القاعات والبوابات، يشبه حقيقتها الكامنة في أزلية البدايات الكونية»، ومن جهة أخرى هناك ذكر للقتال الذي يدور بين المتجولين في مكتبة بورخيس وفقدان بعضهم عبر سلم بدون أدراج. وفي هذا إشارة لرائحة الجريمة بصورة من الصور التي تدور خفاء في ظلام المكتبة البابلية. وهذا يعزز التكنيك البوليسي الخفي للقصة.

بالرجوع إلى الرموز التي تعتلي بوابات القاعات في مكتبة الرواية والتي حاول غوليامو أن يستعين بتأويلها عبر فك شفراتها كي يكشف خارطة المتاهة، فتشبه في صورة من الصور الرموز الإملائية الخمسة والعشرين في مكتبة بابل، فبالاستناد إليها حاول الكثيرون صوغ نظرية عامة للمكتبة بحل الشفرات المفضية إلى (الطبيعة المشوهة والفوضوية لجميع الكتب).

و أما عن الحكم المطلق الذي يختتم به بورخيس قصته حول دائرية المكتبة ولانهائيتها، فهو يتماهى مع شكل المتاهة المغلقة لمكتبة رواية إسم الوردة الملمح إليها سابقا.

تقاطعات

ليس القصد من الرصد المقارن لهذه النماذج من التقاطعات بين رواية اسم الوردة وقصة مكتبة بابل، الوقوف عند خلفية التطابق الأكيد بين هندسة المكتبتين فهذا سيكون فهما ساذجا وإنشائيا للمسألة، بل القصد الملمح إليه في كل أطوار هذه الملاحظات، هو الكشف عن رمزية التماثل بين الفكرتين واستعارية التجانس بين الشكلين، مع تأكيد الاختلافات البائنة بين العملين.

من الطرافة بمكان أن يجعل إيكو بورخيس في الرواية هو القاتل المسؤول عن الجرائم المميتة، عبر أداة الكتاب المسموم (القتل بالكتاب المسموم فكرة موجودة كحكاية في كتاب ألف ليلة وليلة: الليلة الخامسة من الجزء الأول / ملاحظة المترجم)، وهكذا تكون أداة الجريمة هي كتاب، فضلا عن التدبير الماكر للنهاية بإحراق المكتبة وهو ما يذكرنا بحريق مكتبة الإسكندرية (الحريق المنسوب فعله إلى يوليوس قيصر).

تلك هي مكتبة بورخيس المضاعفة في رواية اسم الوردة التي نسقط في فخ غوايتها، يستدرجنا إليها الشغف باكتشاف الكتاب السرّي ظاهريا في مكتبة بابل وفك ملابسات الجرائم استبطانا في مكتبة الدير، وهو ما قد يعرضنا للموت في المتاهتين معا، سواء من طرف بورخيس نفسه كما في الرواية، أو سواء من التيه المميت في القصة (هاوية السلم اللاأدراج له)، لكن سبيلا وحيدا للنجاة من التيه المميت قائم وهو التشبث بخيط أريانا إسوة بدليل المتاهة الإغريقية، ولا سبيل للنجاة من حيلة الكتاب المسموم في متاهة إسم الوردة إلا أن تكون بطل الرواية نفسه (مفكك الرموز الغامضة).

وغير ذلك، فهناك مخرج أمثل على سبيل مقترح لاذع النباهة يذهب بالأشياء إلى أقصاها، وهو ما يذيّل به أمبرتو إيكو حاشية على اسم الوردة:

«سنوات بعد ذلك، اكتشفت أن شارلستون كانت لديه فكرة شبيهة بهاته، ويبدو أن مجموعة الأوليبو قد قامت حديثا ببناء خطاطة لكل الوضعيات البوليسية الممكنة واكتشفت أن ما تبقى هو كتابة كتاب: كتاب يكون فيه القارئ هو القاتل. (ص 102).



الاتحاد

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6225941   Visitors since 7-9-2002