المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

 الروائي والشاعر العراقي إبراهيم سلمان لـ( القصة العراقية

  
 أنا لا أرى أصلاً الحواجز بين الأنواع الأدبية لكي أحطمها..
  
 حاوره : عدنان حسين أحمد/ أمستردام
  


لا يمكن الإحاطة بالتجربة الأدبية والفنية لإبراهيم سلمان ( الروائي الهولندي المتحدّر من أصل كردي عراقي ). فهو كاتب متعدد المواهب. جرّب الكتابة في مختلف الأجناس الأدبية والفنية ونجح فيها. ففي عام 1979أصدر أول مجموعة قصصية كردية باللهجة الباهدينانية، وكانت تحمل عنوان ( المنجم ) وفي العام ذاته نشر أول مسرحية كردية وهي ( المهرج يغيّر ملحمة مم وزين ). كما أعدّ مجموعة قصصية ثانية، لكنها لم ترَ النور بسبب هروبه من العراق. ولابد من الإشارة إلى أن إبراهيم سلمان قد درس التمثيل والإخراج المسرحي في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، غير أن ولعه بالأدب كان موازياً لتخصصه الفني إن لم يتفوق عليه قليلاً. لقد شارك في تأليف وإخراج وتمثيل العديد من المسرحيات والأفلام السينمائية نذكر منها مسرحية ( الخوف )، ( الدب )، ( يوم الأحد سوف تعرف كل شيء )، (ما بين جنتين )، ( ناثان الحكيم )، ( مم وزين )، ( مواكب الصيف )، ( الضابط الأبدي ). كما مثّل وأخرج العديد من الأفلام السينمائية أبرزها ( المسافر الصامت )، ( ثلاثة أشكال لرجل الجبل الذي يريد أن يصبح كلب البحر ) ،( إنارة في قطار أنقرة السريع ). إن ما يهمنا في هذا الحوار هو التركيز على تجربته الأدبية بوصفه روائياً وشاعراً، آملين أن نتوقف عند تجاربه السينمائية والمسرحية في حوارات أخرى. اصدر إبراهيم سلمان عمله الروائي الأول عام 2000 وكان بعنوان ( وانشق البحر نصفين ) وقد نالت هذه الرواية استحسان النقاد الهولنديين الذين كتبوا عنها دراسات نقدية مستفيضة رسخت حضوره في الساحة الثقافية الهولندية. وفي العام ذاته أصدر ديوان ( الحرية ماتت ) الذي لقي هو الآخر اهتماماً كبيراً من لدن القراّء والنقاد على حد سواء. وقبل أيام قليلة ظهرت روايته الثانية ( فكرت بجوزة الهند ) التي عززت من حضوره وهيمنته بوصفه كاتباً روائياً متميزاً، ليس على صعيد الكتاب الهولنديين المتحدرين من أصول أجنبية، وإنما بين الروائيين الهولنديين أنفسهم. وبمناسبة صدور روايته الجديدة، واحتفاءً بحضوره الإبداعي الأصيل إلتقيناه، وكان لنا معه هذا الحوار:
 استفزاز المخيلة

 في المقدمة التي كتبتها أنتَ لروايتك الأولى ( وانشق البحر نصفين ) يلمس القارئ بأن الفضل الأول في كونك كاتباً يعود إلى أبيك الذي قال لك ذات مرة: ( يا بني أن التعليم شيء مقدّس، وعليك أن تأخذ الأمر بجدية كبيرة لكي يكون بإمكانك أن تكتب عن مصائبنا لاحقاً ). منْ هم الآخرون سواء أكانوا أدباءً أم أناساً عاديين الذين ساهموا في تمهيد الطريق الذي فجّر لاحقاً موهبتك الأدبية؟

 هناك أشياء كثيرة لعبت دوراً مهماً في تفجير موهبتي الأدبية. ففي أواخر الستينات كانت الحياة صعبة جداً، لذلك إضطررت إلى العمل فضلاً عن الذهاب إلى المدرسة. ولم يكن لدي متسع من الوقت لكي أشبع رغبتي من القراءة. ومع ذلك فإنني انتبهت منذ وقت مبكر إلى تنشيط رؤيتي ومخيلتي. كنت أتأمل الناس وهم يتحركون في دوامة الحياة فتنطبع صورهم في ذاكرتي. هكذا استفززت مخيلتي وجعلتها ترصد الواقع، وتنهل من حركته الدائبة. كما أفدت من أحلامي أيضاً في كتابة بعض النصوص الشعرية. ولابد من الإشارة إلى أنني كتبت الكثير من القصائد في مطلع حياتي الأدبية، لكنني لم أقتنع بها، فمزقتها لأنني كنت أراها ساذجة ولا تنسجم مع طموحاتي الأدبية. في عام 1969 أدخلني المرض إلى المستشفى الذي مكثت فيه ستة أشهر وفرت لي فرصة نادرة للقراءة، إذ انكببت على قراءة كتب إحسان القدوس، ونجيب محفوظ، وما تيسر لي من كتب أخرى. إن هذه القراءات كانت بمثابة البوصلة التي قادت رغبتي إلى الطريق الصحيح. فضلاً عن الأحداث الكثيرة التي شاهدتها في طفولتي وصباي على صعيد العائلة والعمل والمدرسة. هذه الظروف الاستثنائية هي التي بلورت موهبتي لاحقاً، إذ كانت بمثابة المعين الدائم الذي يرفد ذاكرتي. أتذكر حينما كنت طالباً في الصف السادس العلمي انتبه إليّ مدرس اللغة العربية وقال: ( أتمنى أن أكتب إنشاءً مثل الإنشاء الذي تكتبه ) صحيح أنني لم أكن أتقن قواعد اللغة العربية جيداً، لكن مخيلتي كانت خصبة بما فيه الكفاية بحيث تلفت انتباه مدرس اللغة العربية، ويتمنى صادقاً أن يكتب مثلي، وهو الضليع باللغة العربية، لكنة لا يمتلك مخيلة أديب. عندما أنهيت المرحلة الإعدادية، تقدمت إلى أكاديمية الفنون الجميلة،واخترت قسم المسرح الذي ساهم بتفجير موهبتي الفنية، وفتح ذهني على آفاق جديدة من خلال القراءات المكثفة، والنقاشات المتواصلة مع أقراني التلاميذ، ناهيك عن إرشادات الأساتذة وتوجيهاتهم السديدة لقراءة الكتب والبحث في المصادر والمراجع المسرحية. لقد قرأت في هذه المرحلة تاريخ المسرح الإغريقي، كما قرأت المسرح الطبيعي، والمسرح الواقعي، ومسرح شكسبير وما إلى ذلك. كما شاهدت الكثير من المسرحيات التي كانت تقدم في أكاديمية الفنون أو على المسارح الكثيرة الموزعة في أنحاء بغداد. كذلك ساهمت خلفيتي السياسية والاجتماعية في الانتباه إلى أمور جوهرية. فأنا مواطن كردي هربت من قريتي ( زاويته ) التي تقع شمال محافظة دهوك إلى بغداد منذ اندلاع الثورة الكردية عام 1961. لقد عرفت معنى الاضطهاد منذ ذلك الحين، وأدركت معنى أن تعيش في مكان آخر غير مكانك، وان تتعلم لغة غير لغتك الأم. في فترة الدراسة الجامعية كتبت العديد من التمثيليات للإذاعة والتلفزيون الكرديين. وقد ساهمت هذه الكتابات المبكرة في تطوير موهبتي الأدبية. وعندما أستدعيت إلى الخدمة العسكرية قرأت الكثير من الكتب أيضاً، ومن بينها اغلب روايات دستويفسكي وتولستوي وبقية الأعمال المترجمة للأدباء الروس. ولابد من الاعتراف بأنني أحببت كتابات دستويفسكي وتأثرت بها كثيراً، فهو كاتب يمتلك قدرة كبيرة في التحليل السايكولوجي. كما أحببت الأدب الكردي الشفاهي. مع الأسف لم نتوفر على أدب كردي مكتوب وبالمناسبة فإن مجموعتي القصصية ( المنجم ) الصادرة عام 1979 هي أول مجموعة قصصية منشورة باللهجة الباهدينانية. كما أن مسرحيتي المعنونة ( المهرّج يغيّر ملحمة مم وزين ) الصادرة عام 1979 أيضاً هي أول مسرحية منشورة باللهجة الباهدينانية.

 ولكن هناك أدباً كردياً مكتوباً باللهجة السورانية. لماذا لم تطلع عليه؟

 نعم، هناك أدي كردي مكتوب بالسورانية التي لم أكن أتقنها جيداً. المرحوم إبراهيم أحمد على سبيل المثال كتب رواية جميلة في الخمسينات من القرن الماضي. وهناك نتاج كردي كبير بالسورانية.

 لا أحب الشكوى

 عشت في بغداد قرابة عشرين عاماً قبل أن تغادر العراق نهائياً، هل نستطيع أن نعتبر مصادرك ومرجعياتك الثقافية عربية أم كردية، أم أنها مزيج من الاثنين معاً. وما دور هذه المرجعيات في كتابة نصوصك الإبداعية؟

 كنت أقرأ باللغة العربية لأنه لم تكن هناك كتب بالكردية، غير أن تفكيري وخلفيتي الثقافية هي كردية. كنت أعيش الهم الكردي يومياً، وأشعر بوقع الاضطهاد على أبناء شعبي على مر العصور. ومع ذلك فان كتاباتي لا تخلو من السخرية والفكاهة رغم المرارة التي نعاني منها. كنت أرى المأساة بشكل دقيق، ولكنني كنت أستعين بالهزل والفكاهة لكي أخفف من وطأة الحياة علينا جميعاً. أنا بطبعي لا أحب الشكوى والبكائيات والحزن المستديم، ففي قلب الفجائع التي كتبتها ثمة مساحة من الفرح والمرح والأريحية. هذه الموازنة أراها مطلوبة في كتابة أي عمل أدبي سواء أكان قصصياً أو روائياً أو مسرحياً أو سينمائياً.

 شطحة خاطفة

 لم ترّكز على نوع أدبي معيّن في بداية حياتك الأدبية، إذ تنقلت من كتابة الشعر إلى القصص القصيرة إلى النصوص المسرحية، والتمثيليات وسيناريوهات الأفلام. كيف تفسر هذا التوزع والاهتمام بجوانب أدبية وفنية متعددة في الوقت ذاته؟
 أنا بطبيعتي لا أستطع أن أركز على شيء واحد. فعندما أشعر بالملل من كتابة قصة ما أنتقل فجأة لكتابة نص مسرحي. وعندما أشعر بالضيق في أثناء كتابة رواية ما أتوجه لكتابة سيناريو فيلم مثلاً، لكنني لا يمكن أن أكون في مكانين في آنٍ واحد. أعتقد أن هذا الانتقال من نوع أدبي أو فني إلى آخر يوسّع من خيالي ومداركي. أشعر أن كتابة جنس أدبي واحد يولّد في داخلي رتابة قاتلة. أنا عندما أتعثر في كتابة الرواية أذهب من دون حرج إلى السيناريو أو النص المسرحي أو القصصي، أما كتابة القصائد فأعتقد أنها تستطيع أن تتخلل هذه الأنواع من دون تعقيدات أو مصدات. فالقصيدة أعتبرها شطحة أو فكرة خاطفة ينبغي الإمساك بها وإلاّ فإنها سوف تضيع من يديك بسهولة.

 يعترف النقاد الهولنديون بأنك تكتب قصصك ورواياتك بلغة شعرية متفجرة. هل لك أن تتحدث لنا عن هذا المنحى الشعري في كتاباتك النثرية؟

 لقد ذكرت قبل قليل بأنني كتبت الكثير من القصائد، لكنني مزقتها لأنني لم أكن مقتنعاً بها. كنت أريد أن أكتب نصوصاً عميقة توازي تطلعاتي وأحلامي الأدبية. ويبدو أنني لم أستطع أن أحقق تلك الأحلام في ذلك الوقت. فلهذا كتبت القصة والرواية بأسلوب شعري. وهذا ما دفع النقاد الهولنديون للقول بأن إبراهيم سلمان يكتب نثراً شعرياً عالياً، بل أن أحدهم قال: ( إن رواية ( وانشق البحر نصفين ) هي ملحمة شعرية منذ البداية وحتى النهاية. ). إن الشعر بالنسبة لي هو شيء حلمي، وإحساس رهيف ناعم لا حد لعفويته وانسيابه. إن محتوى القصة أو الرواية يبقى نفسه، لكنني أضخ فيه الكثير من الصور الشعرية التي تشد انتباه القارئ، وتمنحه لذة من نوع خاص.

 نصوص تلقائية
 في كتاباتك لا حدود وفواصل بين الأنواع الأدبية. هل هذا نهج خاص بك يفضي إلى كتابة نص مفتوح لا يخضع للحواجز التي تفصل بين الأجناس الأدبية المتعارف عليها؟
 أنا لا أرى أصلاً هذه الحواجز أو الحدود بين الأنواع الأدبية لكي أحطمها. ثم أن وحدات الزمان والمكان وحتى الشخصيات والأحداث هي عرضة للتبدل المستمر. فالزمان يتحرك دائماً إلى أمام، والمكان يتبدل باستمرار، ويغير من ملامحه كل يوم. أنا مثلاً ولدت عام 1952 في قرية( زاويته ) التي تقع شمال دهوك 18 كم. هربت من هذا المكان بسبب اندلاع الثورة الكردية عام 1961. استقررت في بغداد ( كمكان جديد ) تسع سنوات، ثم عدت إلى دهوك ثانية، غير أن دهوك كمكان تبدلت كثيراً. وعندما أنهيت الإعدادية قفلت عائداً إلى بغداد التي اكتشفت أنها تبدلت أيضاً. إن الأمكنة والأزمنة متغيرة، وليس هناك شيء ثابت على الإطلاق. إن النصوص التي أكتبها هي نصوص تلقائية تتحكم فيها أحلامي أولاً، ثم يأتي دور العقل لاحقاً ليصحح هنا أو هناك بعض الأشياء. إن الأحلام ضرورية جداً للأديب المبدع. والمخيلة هي مهرب رائع من مرارة الواقع اليومي الثقيل. بالمناسبة أنا أحلم كثيراً، وكنت في السابق أدوّن أحلامي، وأوظفها في كتابة نصوصي الإبداعية، لكنني مع الأسف توقفت عن تدوين هذه الأحلام التي أعتبرها مادة مهمة في الكتابة. إن أول قصيدة كتبتها بالهولندية تحت عنوان ( الأم ) كانت مستقاة من أحد أحلامي. فبنية النص حلمية لكنها لا تخلو من اللمسات التي يضفيها أي شاعر على نصه بعد لحظات المخاض والولادة.
 نهاية صاعقة
 لماذا قسّمتَ ديوانك ( رقصة وطن منجمد ) إلى أربعة أجزاء. هل هناك ضرورة أسلوبية تقتضي هذا التقسيم؟ وما هي دلالة العنوان في مجمل أعمالك الأدبية؟
 لا أدري حقيقة لماذا قسّمت الديوان بهذا الشكل! ولكنه يتكون على أية حال من أربعة أجزاء وهي على التوالي: الوطن الأم، الوطن الأب، وطن منجمد، النهاية. أعني بالوطن الأم كردستان، والوطن الأب هولندا جرياً على المثل الكردي الذي يقول: ( من يتزوج أمي يصبح أبي ). وفي مفتتح هذا الجزء تطل علينا قصيدة بعنوان ( أورانوس ) وهو الأب الأول في الأساطير الإغريقية. وتجسد القصيدة كيف بدأ الأطفال يقتلون آبائهم . وكيف أصبح هذا القتل شريعة أو عادة متبّعة. وهناك قصائد ساخرة تقول بأن العالم قد نسي القضية الكردية. أما الجزء الثالث ( وطن منجمد ) فيبدأ بقصيدة قصيرة جداً بعنوان ( كآبة ) تقوم على عنصر المفارقة. بحيث ينتهي هذا النص نهاية صاعقة ينذهل جراءها المتلقي. ثم تأتي الجزء الرابع وهو النهاية. الديوان يحتوي على قصائد حب وغزل وحزن وسخرية. أعني أن هناك نوعاً من التوازن المقصود في الديوان. وهو نابع من الحالات المختلفة التي مررت بها خلال السنوات التي كتبت بها هذا الديوان.
 أحلام ممكنة التحقيق

 هل تميل إلى توظيف الإرث الأسطوري في كتاباتك الإبداعية، أم أن موضوعاتك مستقاة من الواقع الراهن؟ وأيهما أجدى وأنفع للأدب الكردي المراوحة والتنقيب في التراث أم الكتابة الحداثية التي تعالج الظواهر والمشكلات المعاصرة ؟ وأين تضع مسرحية ( مم وزين ) في خانة التراث أم الحداثة من حيث المعالجة وطريقة التناول؟
 نحن نميل في العراق إلى استخدام الرمز وتوظيف الأساطير والحكايا القديمة، والإفادة من التاريخ. في أعمالي الأولى استخدمت الأساطير، وحاولت الإفادة من القصص والحكايات الشفاهية القديمة، وخاصة ملحمة ( مم وزين ). أنا أعتقد أن الناس في العراق يميلون إلى الاندماج والتماهي في الشخصيات التاريخية والتراثية والخرافية، لذلك استخدمت الأسطورة كممر وعصا أتكئ عليها. أما الآن فإنني أحاول أن استلهم الواقع البسيط الذي يخلو من أي بطل أو أية أطروحة أو ملحمة أو شيء كبير. إنني أؤمن أيضاً بأن الذي يكتب أدباً بسيطاً وعميقاً في الوقت ذاته، يستطيع أن يدخل أعماق الناس بسهولة. تمعّن على سبيل المثال في الغناء الكردي فستجد أنه بسيط جداً، لكنه يحاكي أعماق الناس، ويلامس همومهم. أنا أظن أن إنسان القرن الحادي والعشرين ما يزال بسيطاً، وأن أحلامه ما تزال سهلة وممكنة التحقيق. وأنا أسعى أن أصنع من هؤلاء الناس البسطاء شخصيات عملاقة لا يقل تأثيرها عن الشخصيات الأسطورية التي تحدثنا عنها سلفاً.

 الوزير يبكي

 لماذا كتبت مسرحية ( مم وزين ) مرة ثانية؟ هل أنها إعادة إنتاج لما سبق إنتاجه؟ أم أن هناك ثيمة جديدة يمكن إضافتها للنص الأصلي.

 إن النص الأصلي ل ( مم وزين ) يعالج موضوعاً معروفاً، ولا فائدة من إعادة إنتاج موضوع معروف ومطروق ومستنفد. مسرحيتي التي تحمل عنوان ( المهرج يغيّر ملحمة مم وزين ). المهرج هنا هو ذات المهرج الموجود في مسرحيات شكسبير. وهو يعرف الكثير من الحقائق والأشياء التي يلفت من خلالها انتباه الناس إليه. أنا حاولت أن استثمر الواقع الذي كان مهيمناً آنذاك. ففي عام 1979 كان هناك خمسة وزراء أكراد يساهمون في الحكم، لكنهم في حقيقة الأمر وزراء كارتونيين نصبّهم النظام العراقي كواجهة فقط، فهم ليسوا أكثر من دمى بيد النظام، وهم لا يمثلون تطلعات الأكراد أبداً. ومن بين هؤلاء الوزراء الخمسة كان الأستاذ عزيز عقراوي ( يرحمه الله ). وقد صادف أن قرأ هذه المسرحية بالذات. وكان في وقتها وزير دولة. اتصل بي مدير الإذاعة وقال لي بأن السيد الوزير يريد أن يتكلم معي في أمر ما. فجأة قفز إلى ذهني لطيف نصيف جاسم، وانتابني هلع شديد، لكنني اطمأننت قليلاً حينما أيقنت أن الذي يري أن يتحدث معي هو عزيز عقراوي، وليس لطيف نصيف جاسم. وعندما ذهبت إليه اكتشفت أنه قد قرأ المسرحية جيداً، وأنه معجب بها جداً، وقد لمست تأثره من خلال عينيه الدامعتين. كان يبكي لأنه يشغل منصب وزير في حكومة النظام. فقلت له لماذا لا تهرب إذاً يا سيادة الوزير. والحمد لله فقد هرب لاحقاً وتخلص من عقدة تأنيب الضمير. مسرحية ( مم وزين ) التي كتبتها هنا سنة 1985 تمثل انفجاراً حقيقياً في ثيمتها وشخصياتها وفلسفتها التي تشبه إلى حد ما فلسفة كيركيغادر، الفيلسوف الدانماركي الذي كان يقول ( كل شيء أو لا شيء ). هذه الفلسفة لا تقبل بالركود أو الانحناء، لذلك وظفتها في مسرحية( مم وزين ) ووضعت اسمي فيها لأنها تمثل طرحاً جديداً. إنها باختصار فلسفة اللا إلتواء، واللا إنحناء واللا ركود. أو قل أنها فلسفة اللاءات الثلاثة. أستطيع أن أقول أيضاً أن هذه المسرحية لها علاقة بقصة مم وزين، وليس لها علاقة في الوقت ذاته. في مسرحيتي الأولى ( المهرج. . ) تبدأ من حيث تنتهي مسرحية أحمد خاني عندما تخلّص زين مم من السجن، ويشعلان نيران الثورة. أنا استخدمت كل الشخصيات الموجودة في ( مم وزين )، ولكن حكايتي مغايرة تماماً. لقد استخدمت مقطعاً من لوحة ( الجورنيكا ) لبيكاسو كديكور ورمز في المسرحية. وإلى جانب هذه الثيمة فقد ركزت على تجسيد الانتظار أو الأمل الذي لا يأتي الذي يشبه إلى حد ما فكرة انتظار غودو.

 كوميديا سوداء

 شكلت روايتك الأولى ( وانشق البحر نصفين ) نقطة تحول في مسار حياتك الإبداعية. هل تعدها رواية هروب أو هجرة، أم أنها رواية تشمل الغربة والمنفى والإقصاء عن الوطن؟ وهل حقاً أن البعض اعتبر قوتها كنص ناجح لأنها تناولت الظروف المزرية للاجئين العراقيين في هولندا؟

 لا يمكن القول بأنها رواية هروب أو هجرة رغم أنها تعالج هذين الثيمتين. لقد انبثقت هذه الرواية من حلم شخصي كنت أؤمن به قبل الهروب. كان عندي أمل كبير بأنني سوف أرى البيشمركة بأحسن حال، لكنني صُدمت عندما شاهدت الظروف المزرية التي يعيشها ليس البيشمركة فقط، وإنما الشعب الكردي برمته. قد لا تتخيل أن الظروف المأساوية، وشظف العيش، ووطأة الوضع المعيشي ربما تذكرنا بالعصر الحجري. وهم فضلاً عن ذلك بين المطرقة والسندان. لأنهم لا يستطيعون أن يتركوا أبناءهم البيشمركة من دون طعام، كما أنهم في الوقت ذاته ليسوا بمنجاة من السلطة التي تضرب بيد من حديد كل من يؤازر البيشمركة. بعدها بقليل اكتشفت عدم وجود مشروع حقيقي لتوحيد الشعب الكردي ليس في المنطقة، وإنما في كردستان العراق. كان التناحر بين الأحزاب الكردية واضحاً، كما كان التمزق بيّناً ولا يحتاج إلى برهان أو دليل. لقد تقوض حلمي الجميل الذي كنت أعوّل عليه كثيراً، وأصبت بالإحباط الشديد. وقلت في نفسي إذا بقيت هنا فإنني سوف أضيع تماماً مثل نملة. وفي الوقت نفسه كنت أشعر بتأنيب الضمير، فكيف لي أن أترك أبناء شعبي يواجهون هذا المصير الصعب من دون أن أفعل شيئاً . وبين الإقدام والإحجام قررت أن أغادر الوطن. إن هذا التضاد والتناقض والإزدواجية يمكن أن يلمسها القارئ في روايتي الأولى. وأن الحوارات في هذه الرواية لا تحمل أسماء شخصياتها، وكنت أبتغي من وراء ذلك الإيحاء بأن هناك انفصالاً، وتشويشاً، وانقطاعاً عن الجذور. هذا الموضوع يعتبر بعيداً عن الهولنديين، وهم عندما يقرأونه يشعرون بالانكماش. في هذا النص ثمة حلم وسخرية وكوميديا سوداء. في الفصلين الأخيرين صوّرت المناقشات الساخرة التي تدور بين اللاجئين. وهذه الحوارات والهواجس ليست من صنع مخيلتي، وإنما هي مأخوذة من قلب الواقع. صحيح أن المخيلة حاضرة بقدر أو بآخر، لكن استخدامي لها جاء بتحريض من الواقع.

 ثمة تطابق كبير بينك وبين ( شيرو ) الشخصية الرئيسة في الرواية. هل نستطيع القول إن الرواية هي سيرة ذاتية بشكل أو بآخر؟
 نعم، هناك تشابه في الخطوط العريضة للرواية. فأنا هربت من كردستان إلى بغداد في أثناء الثورة الكردية، ثم عدت إلى كردستان، وبعدها رجعت ثانية إلى بغداد، وبعدها هربت إلى كردستان، ومنها إلى إيران، ثم سافرت إلى سورية، وأخيراً استقر بي المطاف في هولندا. البطل شيرو يمر بالمحطات نفسها، لكنني أفدت من أحلام الناس الآخرين الذين يشاركونني في هذا الحلم الإنساني، لأنني أكتب عن الضمير الإنساني للبشر البسطاء الذين يريدون أن يروا وطنهم محرراً. وهذه أمنية إنسانية لا غرابة فيها، فكل إنسان على وجه الأرض يريد أن يرى وطنه محرراً لكي يعيش بسلام.
 ملحمة شعرية

 كيف وجد الهولنديون هذه الرواية. وما الذي أثارهم فيها؟ هل أعجبتهم البنية الروائية أم أدهشهم الموضوع؟ وما هي تصوراتهم عن أبطالك اللاجئين الذين تناولتهم الرواية؟
 أحد النقاد الهولنديين أكد بأن روايتي يجب أن تًقرأ من قبل الهولنديين. وقال إنني جعلت من نهر دجلة نهر الماس الذي يجري في هولندا. كما ذهب ناقد ثانٍ إلى القول: صحيح أن إبراهيم سلمان يكتب عن شخصيات بعيدة عن المجتمع الهولندي، لكنه يغوص في العمق الإنساني لهذه الشخصيات بحيث يشعر بها أي هولندي أو أوربي. ناقد ثالث قال بأن الرواية هي ملحمة شعرية منذ البداية إلى النهاية. ناقد رابع أكد على انهيار الآمال والأحلام لبطل الرواية الذي يعيش في مواجهة مستمرة مع ذاته ومع الظروف الاستثنائية للحركات السياسية لشعبه. ناقد خامس تناول موضوع الشعور بالذنب الذي ينهش في أعماق البطل. ناقد سادس ركز على تأثير السينما في هذه الرواية. ناقد سابع وجد هيمنة للتصعيد الدرامي فيها وتأثيرات المسرح على بنيتها الداخلية. ناقد ثامن أكد على سطوة الجانب الإيروتيكي في الرواية لأن مشهد المرأة المستحمة التي تغطي جسدها رغوة الصابون هو الذي لفت انتباهه. وقال إن الروائي لديه ولع وحب كبيرين للنساء، وهذا أمر طبيعي، فأنا إنسان ولابد أن أكون مسكوناً بهذا الهاجس. وفي النهاية فإن هذا النص هو مزيج من أحلام ووقائع يومية كثيرة لها مساس بكائن كردي أجبرته الظروف لأن يغادر وطنه، ويتقبل حياة المنفى على مضض.
 رؤية حلمية

 أنتَ مخرج تلفزيوني وسينمائي، ولديك الكثير من الأعمال التي أخرجتها. هل كنت تفكر بطبيعة المتلقي الذي سيشاهد أعمالك؟ أعني هل أخرجت هذه الأعمال للمشاهد الكردي أم العربي أم للمشاهد العالمي كونك تعيش خارج حدود الوطن منذ أكثر من عشرين سنة؟
 أنا في الحقيقة لا أفكر بأي مشاهد سواء أكان كردياً أو عربياً أو أوربياً، ولكنني أقول مع نفسي دائماً إذا كان عندي حلم جيدا، أو مخيلة جيدة أستطيع أن أروي من خلالها قصة ما توازي مخيلة المتلقي أو تتجاوزها بقليل فإنني أعد نفسي ناجحاً. إذاً، لا يعنيني أن يكون المشاهد من الهند أو من سيبيريا أو من أمريكا أو من أي بلد أوربي. فالمشاعر الإنسانية واحدة، وهي موجودة في كل أنحاء العالم. المهم أن تكون عندي رؤية حلمية، أو لنسمها شعرية، تستطيع أن تهزني أولاً، وتهز المشاهد ثانياً. اشتركت عام 1994 في مهرجان روتردام العالمي، وكان فيلمي أحد الأفلام التي تميزت على (450 ) فيلماً. وكان الجمهور أغلبه من الهولنديين، فضلاً عن العرب والأكراد، وقد صوّت أغلبهم لصالح فيلمي. بعض النقاد لأسباب ثأرية لم يتطرقوا إلى فيلمي لأنني انتقدت الصحافة الهولندية في مهرجان سينمائي في إيطاليا. لذلك لم يتناولوا موضوع الفيلم أو التقنيات المستخدمة فيه، ولم يتعرضوا إلى رؤيته الحادة، واكتفى بعضهم بالقول بأن هذا الفيلم ينبغي أن يعرض في كردستان ليشاهده الشعب الكردي صاحب القضية ذاتها. بينما في النرويج وإيطاليا كتبوا عنه بحيادية وتجرد ومن دون مواقف مسبقة.
 هل تعتقد أن اللغة التي كتبت بها نصوصك الأدبية تختلف عن اللغة التي يكتب بها الأدباء والمبدعون الهولنديون. أقصد هل هناك لغة ثالثة يكتب بها الهولندي المتحدر من أصول غير هولندية؟

 أنا يحلو لي أن أسميها لغة خفيّة، وهي تلك اللغة التي يجلبها معه الإنسان المهاجر أو المنفي من مجتمعة. أنا أعيش داخل المجتمع الهولندي، ولكنني متحدر من مجتمع كردي عراقي. إذاً أنا أحمل معي أحلاماً وأفكاراً مختلفة من ثقافات متعددة. إن الهولنديين أنفسهم يرون في كتابات الأدباء الأجانب إغناءً لأدبهم وثقافتهم الهولندية. إننا ككتاب أجانب لدينا أفكارنا وموضوعاتنا وأساليبنا الخاصة في الكتابة. أنا مثلاً لا أكتب بضمير المتكلم أو بضمير الشخص الثالث، بل بضمير المخاطب. وأعتقد أن الكتابة بهذا الضمير فيها شيء من الخصوصية. في كتاباتي يواجه القارئ الهولندي صعوبة في العشر صفحات الأولى، ثم يندمج بعد ذلك بالنص حتى تغدو القراءة عفوية لا يعرقلها جريانها شيء معين.

 قاموس أدبي
 منذ متى بدأت الكتابة باللغة الهولندية؟ وكم يحتاج الأديب اللاجئ من السنوات لكي يشرع بالكتابة باللغة الهولندية؟ وهل تواجهك صعوبات لغوية في التعبير عن فكرة محددة أو موقف أو حدث معين؟ وهل أنت راضٍ عن قاموسك اللغوي الآن أم مازلت تتعلم؟
 إن أية لغة هي بحر كبير، وكل يوم تكتشف فيه أشياءً جديدة. اللغة الهولندية هي ليست لغتي الأم، وكذلك اللغة العربية هي لغة ثانية بالنسبة لي. فلهذا كتبت باللغة الكردية الباهدينانية، ولكي عندما جئت إلى هولندا لم يكن عندي خيار آخر سوى الكتابة بلغة هذا البلد كي أتواصل معهم. أنا متمكن من اللغة الهولندية وقد كتبت أطروحتي للدراسات العليا بها، ولكنني ما أزال أخطأ فيها، بل أن الأدباء الهولنديين أنفسهم يرتكبون أخطاءً نحوية وصرفية. وبالطبع فأن قاموسي الهولندي لا يشبه القاموس الذي يمتلكه الهولندي المتحدر من أبوين هولنديين. إن قاموسي إن صح التعبير هو قاموس أدبي، لأنني عندما وصلت إلى هولندا كان عمري 26 سنة. وكان عليّ أن أواصل دراستي العليا في المسرح، وأكتب أطروحة الدكتوراه باللغة الهولندية وهي تأثيرات نيتشه على أعمال سترندبيرغ الأخيرة. والكتابة الأدبية كما هو معروف ليست سهلة وفي موضوع معقد مثل سترندبيرغ الذي مرّ بثلاث مراحل وهي مرحلة ما قبل الجحيم، ومرحلة الجحيم، ومرحلة ما بعد الجحيم. وفي مرحلة ما بعد الجحيم يرى النقاد أن ستريندبيرغ قد تبنى أفكار كيركيغارد والمسيح وترك تأثيرات نيتشه. أنا أوضح تأثيرات نيتشه، وأقول أنها كانت لا تزال قوية عند سترندبيرغ في مرحلة ما بعد الجحيم. أما سبب كتابة هذه الأطروحة فهو علاقة زرادشت بالفلسفة الكردية. أنا أتصور أن زرادشت كان كردياً. وقد وُلد في مدينة أرومية، لكن الأكراد أنفسهم لم يتقبلوا فلسفته، لذلك يمم وجهه صوب داريوش. وكما هو معروف فإن داريوش كان قوياً لذلك أرغم الأكراد على تقبل الفلسفة الزرادشتية. ويبدو أن التاريخ يكرر نفسه فعلاً. عوداً على موضوع اللغة الهولندية. أنا أقر كثيراً واهتماماتي الأدبية واسعة، وهذا الأمر يضطرني للقراءة في القصة والرواية والشعر والمسرح والنقد الأدبي والسينمائي. كما أشتغل أنا مع الهولنديين يومياً. في السنوات العشر الأولى كنت أشعر بالتحسن اللغوي الذي يطرأ على لغتي الهولندية، أما الآن فأنا لا أشعر بالتطور اللغوي الذي يحصل في لغتي. سابقاً كنت أستخدم القاموس كثيراً، أما الآن فقد خفت حاجتي للقاموس الذي أستخدمه في فترات متباعدة جداً. وهذا لا يعني أنني أعرف كل الأشياء في اللغة، كلا، فهناك أشياء كثيرة لا أزال لا أعرفها، وتحتاج مني جهد وقراءات كثيرة.
 انسياب النص
 كيف تقيّم تجارب الكتاب العرب أو الأجانب الذين يكتبون باللغة الهولندية أمثال عبد القادر بن علي، عبد الحفيظ بو عزة، مصطفى ستيتو، علي البزاز، سالي الحسني، نعيمة البزاز، عبد القادر عبد الله ، نيلكون يرلي وغيرهم؟

 إن معظم الكتّاب المتحدرين من أصل غير هولندي، ويكتبون باللغة الهولندية يتميزون بخصائص لغوية معينة يمكن ملاحظتها في أسلوبهم وطريقة كتابتهم. أنا عندما أكتب أنقل حقيقة مشاعري وأحاسيسي الداخلية، كما أنقل نكهة الثقافة التي جلبتها معي من الوطن الأم، لقد قرأت لأغلب الكتاب الذين ذكرتهم، غير أن مستوياتهم متفاوتة، ولكنني على العموم أراهم كتاباً جيدين، وهم يستحقون اهتماماً أكثر. عبد القادر بن علي قرأت له ( حفل زفاف على الشاطئ ) وهي رواية جيدة، لكن مشكلته أنه يريد أن يكتب بلغة هولندية أقوى من لغة الهولنديين أنفسهم. وهذا يعني أنه يريد أن يتبارز معهم لغوياً، في حين أن النص الروائي أو أي نص إبداعي يتطلب من كاتبه أن يكون عفوياً لكي لا تحد التعقيدات اللغوية من تدفق نصه. الكاتب ينبغي أن يكون مشغولاً بالتعبير عن أعماقه، ونقل حقيقة إحساسه، أما إذا انشغل في كيفية الإتيان بجملة معقدة في تركيبها وبنيتها فأنه سوف يتخلى عن انسيابية النص ودفقه وبراءته. قادر عبد الله قرأت له ( رحلة الزجاجات الفارغة ) وهي رواية جميلة، غير أن روايته الأخيرة مليئة بالحشو والتكرار، وهي أقل أهمية من أعماله السابقة. مصطفى ستيتو كتب قصائد جميلة أول الأمر، لكن نصوصه الأخيرة أقل جودة من بداياته الحقيقية التي لفت من خلالها أنظار الهولنديين إليه. لم أقرأ لنعيمة البزاز، لكنني قرأت لعبد الحفيظ بو عزة، كما قرأت كتابات نثرية لبن زكور وللكاتبة الصومالية ياسمينة ألس. هذا فضلاً عن قراءاتي الكثيرة للكتاب الهولنديين ومن بينهم أرنولد رنبرغ وأدريان فانديس.
 تراجيكوميدي
 هل لنا أن نتحدث عن روايتك الجديدة (فكرت بجوزة الهند ) التي سوف تصدر بعد أسابيع قليلة، ونتوقف عند الشخصية المحورية ( شاهين ). لماذا اخترت هذه الشخصية الإشكالية؟ ما دلالة العنوان في هذه الرواية؟ ولماذا تعتقد أنها سوف تًحدث ضجة إذا ما تُرجمت إلى العربية أو الكردية تحديداً؟

 روايتي الجديدة تنطوي على حس تراجيكوميدي. أنها رواية ساخرة تحمل بين طياتها عذابات شعب بكامله. وهي تتمحور حول طفل ساذج، خجول، يصاب بصدمة كبيرة في يومه الأول في المدرسة، وبالذات من معلمه الذي سوف يأخذ هو الآخر حيزاً مهماً في البنية الروائية. الطفل شاهين يردد بغباء ما يقوله المعلم. والمعلم يلثغ بحرف الراء. وحينما يلثغ شاهين يفقد المعلم أعصابه فيشبعه ضرباً أمام التلاميذ الأمر الذي يفضي به إلى عقدة نفسية تتنامى مع مرور الأيام بسبب معلمه. يتعرض شاهين للضرب ليس في المدرسة حسب، بل في الشارع والبيت فيتفاقم عنده الإحساس بالنقص والدونية حتى يشعر أنه هزأة حقيقية. وذات مرة يتغوط على نفسه أمام التلاميذ في الصف لأنه مصاب بالإسهال فيمعن الصغار بالسخرية منه، ويتحول إلى موضوع دائم للتندر والضحك وتزجية الوقت. عندما يشاهد شاهين بعض العساكر وهم ينهالون بالضرب على المعلم يتمنى من أعماقه أن يصبح عسكرياً كي ينتقم من المعلم ومن التلاميذ الذين يتندرون عليه. ينهي شاهين المدرسة الابتدائية عندما يصبح في العشرين من عمره. فجأة يأتي عمه الذي يشغل منصب رئيس ( جاش ) و ( الجاش هم الفرسان الذين كانت تجندهم السلطة ضد الأكراد مقابل شراء ذممهم وضمائرهم بالنقود ) ويقترح أن يجعل من شاهين ضابطاً. وعلى الرغم من إعتراضات الأب الموقن من غباء ابنه وسذاجته، يُقبل شاهين في الكلية العسكرية في بغداد. وفي أثناء التدريبات العسكرية القاسية التي يأكل فيها الضباط التلاميذ الفئران والجرذان والصراصير، وخشية من أن يتقيأ شاهين يتذكر أنه يأكل جوزة الهند لكي يتفادى حالة التقيؤ. هكذا يصبح شاهين ضابطاً، ويصادف أن يكون مسؤولاً عن معسكر لاحتجاز المهجرين الأكراد في الجنوب، وبضمنهم عائلة المعلم وابنته الجميلة التي يقع في حبها من طرف واحد ويطلب يدها للزواج. فيوافق الأب على مضض شرط أن يمنحهم إجازة لمدة شهر يزوروا فيها كردستان، يتم الزواج هناك. ثمة مفارقات ومواقف كثيرة لا يمكن إيجازها في هذا المجال. وفي ليلة الدخلة يرفع شاهين البرقع عن وجه زوجته فينذهل حينما يرى وجه رجل بشاربين كثين، ثم يتعرض للضرب والإهانة. كما يتهموه بالخيانة لأنه اصطف إلى جانب السلطة ضد أبناء شعبه. يتخذ مواقف كثيرة فينضم إلى البيشمركة، ويصاب بجروح عديدة، ويرسل إلى هولندا لغرض العلاج ويرتبط بعلاقة مع امرأة هولندية ويمارس معها الجنس ولكنة يرجع إلى كردستان لأنه لا يريد البقاء في هولندا، بل يريد أن يمارس نوعاً من المغامرة فيعود إلى كردستان. وفي الختام يقرر السفر إلى هولندا مرة أخرى، لكن المرأة هولندية تطرده بعد مدة قصيرة حينما تكتشف أنه عقيم. من هنا حقيقة تبدأ الرواية وتتداعى الأحداث عبر الإستعادات الذهنية، فهو مدعو من قبل أحد الأحزاب لكي يصبح وزيرا في الوزارة الأولى لكنه يتحول إلى هزأة أيضاً مرة أخرى بسبب ارتدائه بدلة أوربية وحذاء رياضياً، ثم يقرر العودة النهائية إلى هولندا، ويبدأ بمراجعة طبيب كردي لمعاينة وضعه الصحي.
 منعطف جديد
 بين مجموعتك القصصية الأولى ( المنجم ) وروايتك الثالثة التي تتهيأ لكتابتها الآن ما هو حجم الاختلاف في الثيمات والأفكار التي تتناولها الآن؟ أما زلت متشبثاً بالموضوعات القديمة التي تلح عليك؟ ألا تنوي التحرر من الموضوعات القديمة؟ وهل ستكتب عن المجتمع الهولندي الذي عشت فيه قرابة 22 سنة؟

 لابد من الاعتراف بأنني كنت مشغولاً طوال كل هذه السنوات بالقضية الكردية، ثقافة وتراثاً ووجوداً. إن أغلب الشخصيات التي كتبت عنها هي شخصيات كردية بعضها مستوحى من التراث أو التاريخ أو الأساطير الكردية، وبعضها الآخر مستوحى من الواقع، بل أن بعضهم أحياءً يرزقون. سوف أكتب عن المجتمع الهولندي، وهي مناسبة لبدء صفحة جديدة، وخوض تجربة مختلفة. فلقد درّست لمدة ثلاث سنوات في جامعة أمستردام ( قسم المسرح ). كما عُينت مستشاراً لوزيرة الثقافة والرفاه الاجتماعي، وعملت سنوات طوالاً مع مخرجين هولنديين. هذه التجربة تحتاج إلى عمل روائي مغاير أظنه سيشكل منعطفاً جديداً في تجربتي الروائية.
 اللاتمثيل

 تأثرت فقط بالمخرج العراقي سامي عبد الحميد، لكنك لم تتأثر بأي مخرج عالمي أو مدرسة أوربية حديثة. ما هو سبب نفورك من المدارس الأوربية؟

 كنت معجباً بتجربة الفنان سامي عبد الحميد لأنها تتطابق من رؤيتي الفنية. كما عملت مع المخرج جواد الأسدي وأحببت طريقته الإخراجية. وبالمقابل لم أتأثر بأية مدرسه عالمية. هناك مخرجة فرنسية نسيت اسمها الآن أحب أسلوبها الإخراجي. في هولندا شاهدت الكثير من الأعمال المسرحية الفرنسية والبلجيكية. بالمناسبة أنا لست من المعجبين بالمسرح الهولندي. أحببت المسرح الواقعي، وأحب المسرح الصغير، ولا أميل إلى المبالغة في الديكور. أخرجت العديد من المسرحيات في هولندا، وقد قلدني أفضل المخرجين الهولنديين عندما أخرجت مسرحية ( الدب ). لم أعجب بمايرهولد أو بيتر بروك أو غروتوفسكي، لكنني تأثرت بمدرسة ستانسلافسكي. أنا باختصار أحب اللاتمثيل، وأدعو لأن يكون الممثل طبيعياً، وصادقاً لكي لا يقع في مطب التصنع والزيف والانفعال المبالغ فيه. أنا أدعو إلى عدم التصنع في الحياة اليومية، وأتفق تماماً مع دعوة تشيخوف إلى اللاتمثيل.

 الروائي في سطور
 من مواليد دهوك/ العراق عام 1952.
 خريج أكاديمية الفنون الجميلة / قسم الإخراج والتمثيل بغداد عام 1976.
 دكتوراه في العلوم المسرحية والفلسفة/ جامعة أمستردام عام 1985. ( تحليل أعمال سترندبيرغ في ضوء فلسفة نيتشه ).
 في التمثيل والتأليف والإخراج المسرحي:
 الخوف، الدب، يوم الأحد سوف تعرف كل شيء، ما بين جنتين، ناثان الحكيم، مم وزين، مواكب الصيف، المهرج يغير ملحمة مم وزين، الضابط الأبدي.
 في الإخراج السينمائي وكتابة السيناريو:
 المسافر الصامت، ثلاثة أشباح لرجل الجبل الذي يريد أن يصبح كلب بحر، ضوء في قطار أنقرة السريع، ليس مضحكاً. كما أخرج خمسين فيلماً وثائقياً قصيراً.
 في القصة والرواية والشعر:
 المنجم،، وانشق البحر نصفين، فكرت بجوزة الهند، الحرية ماتت، رقصة بلد منجمد.


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6225865   Visitors since 7-9-2002