المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

سعدي الكعبي و ( حلم الرمال )

  
علي النجار
  
















القراءة الأولى(1)

عاش التشكيلي( سعدي الكعبي ) طفولة الرمال, فانثالت عليه اعمالا ملكت حواسه لعدة عقود من السنين. هذا الفنان القادم من مدينة( النجف ) لا يني يغوص في لجج رمال مدينته ولا ينوي مبارحتها أبدا, حتى في بداية الستينات حينما استلهم مسطحات الأهوار الجنوبية التي تسبح في خضرة وزرقة خفيفة ساحرة, ما لبثت رسومه أن اكتسحتها الرمال وطمست آثارها, وللأبد .
في تلك الحقبة(الستينات) كان هم طائفة من التشكيليين العراقيين البحث عن هوية ابداعية شخصية. تفرد أسلوبي, بنوايا إرساء وتأصيل تجربتهم. كانوا أيضا قساة بعض الشيء في الحكم على نتاج بعضهم, ضمن جدل حراك لا يبدو له من نهاية. من ضمن هذا الرعيل الفني الفنان التشكيلي(ألكعبي), الذي استطاع في وقت مبكر من العثور على صفة تفرده, باشتغالات على تكنيك جديد لبناء سطح لوحته المسندية. موظفا ميزة خشونة مواده المضافة و تعريتها وما تكسبه للعمل من قيمة بلاستيكية واضحة ومتفردة. ومما ساعده أيضا, في فترته الاولى تلك, على مواصلة مشواره الفني, انتمائه وجماعة من فناني جيله ( ضياء العزاوي و علاء بشير واخرين ) إلى( جماعة الانطباعيين ) التي اسسها وقاد خطواتها الفنان الراحل(حافظ ألدروبي). لقد ألهمتهم رابطة الجماعة وعرابها الدروبي على المثابرة وتقليب نتائجهم باقترابات حداثية, بحدود استيعابهم في ذلك الوقت, لكن, ليس بعيدا عن حوارية (التراث والمعاصرة) التي كات تروج لها النخب الثقافية في فترة زمنية كثر فيها الجدل ذاته, ولم تختفي اثاره بشكل مطلق لحد الآن.
ذهب الفنان( علاء بشير ) بعيدا في سبر اغوار منجزه ذي الصبغة السريالية الرومانسية, التي تحولت لسمات سياسية اجتماعية احتجاجية فيما بعد. بالوقت الذي واصل الفنان( ضياء العزاوي ) طروحاته الحروفية والتراثية الأثرية, بحس تصميمي ازداد وضوحا على مر الزمن, قبل تحولاته اللاحقة في لندن. بينما غرق(الكعبي) في رمال بيئته الصحراوية.

مثلما عشق( الكعبي ) رمال مدينته, بقيت ذاكرته على وفائها لاجوائها الروحية( هياكل أضرحتها المقدسة ) بما تزخر به من موروث تشكيلي ديني. زخارف التوريقات وأفاريز جدران مكتظة بآيات قرآنية, شكلت حروفها الرشيقة المتطاولة لخط(الثلث) الكلاسيكي معادلا لاستطالات شخوصه ورهافتها, وفي توظيفها في بناء تشكيل خلفية أعماله. حروف وشخوص وخطوط متوازية الأستطالات تندرج وتتماسك ظمن بناء نسيج العمل. صبغته, مادة بنائه ساهمت هي الأخرى في بناء هيكلية أعماله بموازاة هيكلية مناطق مصادر ايحائاتها. عمل متقن بحدود نواياه ودلالاتها. بناءات تتماسك وتتعرى, او تتهدم بما يناسب نظائرها.
صحيح أن بصمة الفنان واضحة في مجمل أعماله, إن لم تكن واحدة, لم تفارقه منذ الستينات(هو يقر بأنها منجز يجب أن يحافظ عليه) إلا انه في اعماله الأخيرة (1) التي طغى على مسحتها اللون الأبيض وتداعياته, استطاع أن يذهب بمديات حساسيتها الجمالية إلى مداها. ربما لكونه مارس حرية ادائية اكثر في تاكيداته الخطية (باللون البني) وبكثافة بنائية فاقت سابقتها وتحولت الى مقاربات لضربات السكين ومشارطها الحادة للحد الذي توحي باختراقات سطح العمل والغور عميقا في تداعيات مشهديتة المسطحة. بمعنى آخر اكتسبت شخوصه حسها التعبيري الملتبس و ذرات سطح العمل المقلقة, وخشونتها الخاصة بتفاصيلها الناتئة والغائرة. بالتأكيد الفنان في هذه الأعمال لم يغادر منطقة منجزه المعروفة, لكنه تحرر ولو بحدود دنيا من ضوابط ممارساته التشكيلية التقليدية. رغم ذلك بقيت شخوصه المؤسلبة سجينة سطع لوحته, تفنى في حسها الذاتي, محاصرة بمحيط هيكليتها الخطية كأثر سحيق مسحت ملامحه من اثر ما انتابه من عوامل تعرية متعاقبة, تدل على أن ثمة إحالة كرافيكية أو نحتية مسطحة. إحالة لم يستطع طوال مسيرته الفنية تجاوزها لمناطق أدائية أخرى.

لقد حقق الفنان ( سعدي الكعبي ) حلم انجاز اعماله التشكيلية منذ زمن بعيد وهو لا يزال يعيد صياغتها بنفس الإيقاع وباستمرار يقوده وله غريب. لقد تغربت شخوصه المشيئة عبر شساعة زمن منجزه. للحد الذي بات منجزه الاستيتيكي الثابت هو الاخر غريبا وسط كم تحولات وتقلبات وتغيرات مناطق وانماط وامزجة متغيرات التشكيل المحلي والعالمي. لكنه ليس غريبا ضمن مرجعية زمنه الحداثي.


القراءة الثانية ( 2 )

بما أن اي عمل إبداعي, ومنه التشكيلي, مما ينتج في زمننا الحالي, يحتمل قراءات متعددة, يقود معظمها الى استقراء بعض من دلالاته او متاهاته. بشكل خاص تلك التي يثار حولها جدل في اوساط الفنانين و المتلقين. من هذا المنطق, نجد ان اعمال الفنان (سعدي الكعبي) تشكل نموذجا مثاليا لهذا النمط من افعال الجدل.
هذا الفنان الذي حصل على شهرته داخل وطنه. استعصت أعماله على التقييم بما تطرحه من تقشف اسلوبي طوال مسيرته الغير قصيرة. فهو, وبهذا المعنى, فنان محافظ من طراز فريد. لا تستهويه مستجدات التجريب التشكيلي على صعيد الداخل والخارج ولأكثر من خمسة عقود من السنين. ما اكتسبه من تقنية اسلوبية وادائية في فترة بدايات تجربته الفنية, احتضنها وحافظ عليها بتشبث غريب طوال مسيرته الفنية المديدة. بقناعة مقتني أعماله الأولى. هي مكتسبات, كما اقرها هو, وعليه مداراتها ضمن ما توفر له من طرق تسويق ملائمة. بمعنى ما, لقد فقد الرغبة في مواصلة البحث والتجريب الا في حدود اطار مرسوم بصرامة, كي لا يفقد مكتسبا حسبه الأهم في مسار عمله التشكيلي. لقد بنا الفنان قناعاته على تقييمات لهذه المكاسب وفي مناسبات معينة يبدو انها رسخت نظام قناعاته المحافظة. لكن لم تكن هذه القناعة لوحدها, مثار اهتمامه.

كلنا نعرف بأنه ليس هناك من جزم في كل ما يدون عن القيم الجمالية, وحتى الدلالية ولو بنسبة اقل. فن( سعدي ) يبقى في حدوده القصوى رجعي الأثر بما يصاحبه من اغفال لكل مستجدات البحث التشكيلي, وما صاحب من تغييرات مستمرة بثوابت تشكيلية عقدية او جيلية. ومن إغفال ما استحدث من قيم مفاهيمية ودلالية لا تعد ولا تحصى على امتداد زمن تجربته المديد, التي تبنى بعضها مجايليه. هو بهذا الشكل يعد مثالا للثبات الأستيتيكي المنكفيئ على ذاتية متفردة.
فن (الكعبي) يمجد المكان, مكان نشأته الأولى بصحرائها الشاسعة بملمس رمالها الساكنة والمتحركة التي اثارت شجنه في زمن مضى, ما أن قبض على سكونيتها حتى استساغ الأقامة وسطها بشكل مطلق, كأن معجزة ما قادته اليها من اجل ان يبقى ملازما حدودها المفترضة, عصيا على الإفلات من تلابيبها. أو, حتى كسر اطراف حدودها الممكنة. ما دامت تبقيه مسترسلا او مسترخيا في مطلقها. من هنا يمكننا ايضا ان نوصف او نصنف فن( سعدي الكعبي) بالمتحفي أو ببعض من التصرف: بالأرشيفي, لما يحمله من سمات ثبات تحيلنا لفترة بداياته الأولى في الستينات. صفات منجز( سعدي ) العصامي هذا ليس فريدة في تشكيلنا العربي بشكل عام, لكنه يبقى نموذجا يكاد يكون فريدا في التشكيل العراقي, وذلك لما مربه هذا المنجز من تقلبات عوامل النجاح(صعودا) أو (انحطاطا) بسبب من ضروف البلد السياسية الصعبة.
هل هي لعبة استغمائية هذه التي يمارسها الفنان الكعبي علنا, إذ ليس من المعقول الا في حالات نادرة أن يستمر أداء فنان لأكثر من خمسة عقود زمنية بانسيابية لا تلتفت لهزات الخارج والداخل, إلا في حدودها الدنيا. رغم تشكل منجزه الدائم ضمن أزمنة متغيرة, لا ساكنة. تسودها صراعات لا حدود لها. العالم المادي القاهر هذا, ربما كان محل شجب من قبل سعدي. مما يفسر نأيه الدائم, ولو بنسبة ما, عن كل ما يعكر صفو ملامح أعماله التي ألفها لحد عدم استساغة محاولات تحولات قد تقوده لأرض بكر أخرى لا يود حرثها.


احالات :
( 1 )- دونت هذه الملاحظات في عام ( 1998) عن معرض للفنان في عمان.
( 2 )- دون هذا النص في السويد عام ( 2000).







 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6109825   Visitors since 7-9-2002