المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع كـلود شابرول

  

صحيفة النهار" تحاور كـلود شابرول لـمناسـبة صـدور "سـكرة الـسـلطة":
الـســــاســــة أيــــنــمـا كــــانـــوا يــنــتــهــــجـــون أسـالـيـب الـفــســـــاد والـطــــغـــيــان نــفــســــهــا
لأعــتـرف أنــي ارتــكــبـت حـمـاقـات وأخــرجـت عــدداً قـلـيـلاً من الأعــمـال الـرديـئـة
إذا فـشــل أحــد أفــلامـي أقــول بــئــس المـنــتج الأبـــلـه الــذي غـــامــر بــتـــمـــويـــلــه


باريس...
يحار راوي تجربة كلود شابرول من أين ينطلق في الحديث عن واحد من آخر عمالقة الفن السابع وأكثر رواد "الموجة الجديدة" نشاطاً وكثافة انتاجية. فالسينمائي البالغ من العمر ستة وسبعين عاماً هو اسطورة حيّة، عاصر الكبار وترك بصمات دامغة في تاريخ هذا الفن. ما ان دخل الصالة المظلمة ابن الصيدلي - المقاوم هذا، حتى أيقن ان القدر سينتهي به في حضن الصورة والحلم البهيّ، هو الذي كان مهيأ ليتابع مسار العائلة ويرثها، مهنة وافكاراً وانتماء. لعل خروجه من كليتي الاداب فالحقوق بعد فترة انتساب وجيزة اليهما ("كانت الاجواء لا تحتمل")، لم يكن الا برهاناً على ان ما من ميدان سيروي عطشه الفطري للسخرية واللؤم والمعاينة، سوى الوقوف خلف الكاميرا، وخصوصاً ان مصادقته الروائي بول غيغوف جعلته يتخلص من تربيته البورجوازية. في قرية العائلة النائية، كروز، التي لجأ اليها هرباً من الخطر المحدق بباريس ابان الاحتلال النازي، كان الهاً حياً، محباً، عطوفاً وطريفاً. هناك حثّ الناس على حب السينما. هناك تلقى صدمته السينمائية الاولى، فأدرك ان ليس كل ما يقال له صحيحاً، وان ثمة ملاذاً من دروب الواقع العادي والرتيب. بعدما عمل لفترة في مهن صغيرة، اهمها مسؤولاً عن العلاقات العامة لـ"فوكس" - فرع فرنسا، استفاد شابرول في السادسة والعشرين من ارث عائلي حصلت عليه زوجته الاولى، فأنتج فيلم صديقه اريك رومير "ضربة الراعي"، وانجز "سيرج الجميل" (في اقتباس اسلوبي لروسيلليني اضاءه مدير التصوير المعتمد لدى "الموجة" هنري ديكا) الذي حقق نجاحاً جماهيرياً، ثم "أولاد العم" في السنة التالية، منضماً الى حركة "الموجة الجديدة" الناشئة حينذاك، الى جانب فرنسوا تروفو وجان - لوك غودار وألان رينه واريك رومير، ضمن تجربة رائدة لطالما ارتبطت بتاريخ مجلة "دفاتر السينما"، وكان مخرجنا يساهم فيها ناقداً ومحللاً (1952 - 1957). لم تكن زمرة "الاتراك الشباب" تعلم آنذاك انها تقلب مفاهيم السينما رأساً على عقب، ورغم ان هذا اليساري النزعة سبق تروفو بأشهر قليلة، في زرع بذور هذه الموجة، فإنه لم يطعّم سينماه بأفكارها وسلوكيتها، بل كان لها دوماً في المرصاد مديناً تجاوزاتها وتعصبها. وظل سنوات طويلة الرابط الاساسي بين كل اطياف "الموجة" بحكم طبعه الحسن (الكل يجمع على ذلك) وجنوحه الى السخرية وعدم قبض نفسه على محمل الجد واللامبالاة الخلاقة، حتى ازاء حوادث ايار 1968، التي صارت سمة من سمات الشخصية الشابرولية واحدى علامات سينماه الفارقة. منذ بداياته، اهتم بالموضوعات المتصلة بنفاق الاثرياء وتدهور القيم لدى البورجوازية في القرى الفرنسية، جاعلاً من هذه التيمة شغله وهوسه، لكن بتنويعات مختلفة، على مدار ثلاثة عقود من الزمن. بعد "النساء الجيدات" (مع ستيفان اودران التي تزوجها لاحقاً)، اجتازت سينماه نفقاً مظلماً، اذ تراكمت الافلام الرديئة ذات الخيارات الفنية غير الموفقة والميلودرامات الغامضة، علماً انه كان يستعين بأسماء مهمة، وكان أورسون ويلز واحداً من الذين نُصب لهم الفخ القاتل. ثم جاء "الغزلان" ليشكل انعطافة في مساره: نجاح كاسح، نقدي وجماهيري، علماً ان الفيلم الذي صدر في خضم ثورة الطلاب كان خالياً من السياق السياسي. كرّت سبحة من العناوين الكبيرة المقتبسة، إما من سيمونون وإما من حوادث عرضية، وهذا كله عكس ميله الى ادخال عنصر الجريمة في أفلامه ("ابسط المواقف تتحول الى ما هو بالغ الدلالات عندما تحصل جريمة")، ومنها: "دكتور بوبول" مع بلموندو؛ "اشباح صانع القباعات" مع سيرو؛ "دجاج بالخلّ" مع بواريه؛ "قناع" مع نواريه. في "ليمت الوحش"، و"الجزار"، وكلاهما مع جان يان في كاراكتيرين كاريزماتيين، تجلت اسلوبية شابرول، سرداً وتفاصيل جمالية، جعلت منه أحد الابناء الروحيين لهيتشكوك، تشويقاً واعتناء صارخاً بالكادرات، مع نحت الذخر الانساني نحتاً قوياً في جسد الصورة. كان شريراً يلسع حيث الجرح، مظهراً ان كثرا من ابناء الطبقة الميسورة يسارعون الى انقاذ صيتهم، لا الفضيلة، عندما يدق الخطر بابهم. لم تستحوذ سينما القضية والرسالة والهدف النبيل على اهتمام شابرول، بل وقف مراراً على عتبة الفيلم السياسي حتى عندما قارب موضوعات ذات صلة بصراع الطبقات، كما في فيلم "عرس الدم" (مع بيكولي) أو لاحقاً "الحفل". هذا الفيلم يعتبر قمة في الفن الشابرولي وجاء ثمرة تعاون مع ايزابيل هوبير التي ادارها معلم السينما الفرنسية في سبعة أفلام، واستطاعت بكفاية لافتة ان تخدم نظرته اللئيمة الى المجتمع الفرنسي، وتجسد المرأة - الضحية، فأقحمته في مرحلة جديدة من مساره المهني انجز خلالها أفلاماً بديعة مثل "قضية امرأة"، وفي مرحلة لاحقة "مدام بوفاري"، فخرجت من اختبار تقمص بطلة فلوبير أكثر نضجاً، مما جعلها تحمل عمل شابرول الجديد، "سكرة السلطة"، الى أبعد ما يمكن حمله، اداء وحنكة تمثيلية، في دور مستوحى من شخصية القاضية ايفا جولي التي حققت في ملف "elf" الشهير. لم يكن الحصول على موعد مع شابرول لاجراء أول مقابلة له مع صحيفة عربية بالمهمة السهلة، بل تطلب اشهراً عدة من الاتصالات، ليس تكبراً منه على صحافي يأتيه من دولة نامية، بل لأنه كان شديد الانشغال عشية استعداده لفيلم جديد. رحّب المتذوق الرفيع وصاحب الاناقة الدائمة بفكرة اللقاء حول مأدبة غداء في مطعمه المفضل "ما بورغون" (ساحة فوش) للتحدث عن نحو خمسين عاماً من صناعة الصورة، انطلاقاً من تحفته الاخيرة "سكرة السلطة". اكتشفنا، خلف الصورة التي كُرّست له في الاعلام، رجلاً لا يزال يؤمن بالانسان، ويتصدى للحماقة التي يعتبرها اختصاص البشر، بقهقهة فريدة ترنّ في الاذنين الى الابد.
هل تعرف لبنان قليلاً؟
- لا، زوجتي هي "المجنونة" بلبنان. قبل سنوات عملت على تحضير فيلم لم يُنجز، وهذا ما جعلها تتعرف الى عاصمتكم الكريمة، ولها ذكريات مدهشة عن بيروت هذه، التي سمع عنها معظمنا، بيروت ما قبل الحرب الاهلية. تقول لي باستمرار "هيا لنذهب الى لبنان لفعل شيء ما".
هل تفرح اذا قلت لك ان الطبقة السياسية الفاسدة التي تصورها في فيلمك الجديد، "سكرة السلطة"، كأنك جئتَ بها من لبنان، اذ تتشابه الطبقات السياسية الفاسدة، اسلوباً وهدفاً وتقنيات؟
- (مقاطعاً بحماسة) ما استغربه استغراباً شديداً أني عندما باشرت اخراج الفيلم، قلت في قرارة نفسي: لا شك في انه سيفوز بفضول الجمهور الفرنسي، كونه مطلعاً على خفايا ملف "elf"، لكن مَن من المشاهدين في الخارج سيعني له هذا الموضوع شيئاً؟ الحقيقة، أن موزعين من كل بلدان العالم طلبوا الفيلم، مما يدل على أن الأحوال السياسية متشابهة الى حدّ ما، والساسة أينما كانوا ينتهجون أساليب الفساد والطغيان نفسها. اذاً، أكثر ما يسلّيني اليوم هو هذا الاهتمام في شأن الفيلم. لست احمق، فأنا كنت اعلم ان هذا النوع من المؤامرات موجود في كل الامكنة، لكن ما كنت اجهله، واطلعني عليه الآخرون، هو تشابه اساليب الاحتيال.
اللافت هو الاسلوب الساخر الذي تتناول به هؤلاء السياسيين، والذي يكاد يكون كاريكاتورياً عمداً. ونرى ان سخريتك هذه حريصة على تحويلهم دمى والاعيب طريفة.
- أن يعتبر هؤلاء انفسهم فوق القانون وفوق الآخرين وفوق كل شيء، يجعلهم يتصرفون كالاغبياء. وتالياً، تثير طبيعة سلوكهم التهكم والازدراء. ما اكتشفناه خلال اعمال التوثيق التي اجريناها، ان معظم المتورطين في هذا الملف، لم يكن يهمهم الا الذهاب الى باهاماس وعرض مؤخراتهم السمينة تحت أشعة الشمس كي تكتسب لوناً ذهبياً. ما لا افهمه هو: ما داموا يسرقون ويجمعون المال - طبعاً لن نطلب منهم التبرع لجمعيات خيرية - فليقوموا بنشاطات شيّقة.
اتهمتك قاضية التحقيق ايفا جولي بأنك انجزت فيلماً رجعياً ويرتدّ الى الخلف.
- يضحكني هذا الامر. ألم تتخلّ هذه القاضية عن الملف الذي كانت تعالجه؟ قل لي، ماذا يعني ذلك؟
بالتأكيد، تخليها عن الملف بالغ الدلالات. في "سكرة السلطة" تظهر ايضاً ان للسلطة دوماً تأثيرا سلبيا على من تمارس عليه نفوذها.
- ثمة انطباع عندي بأن طلاب السلطة يهدفون في بداية الامر الى الحصول على النفوذ للقيام بالاعمال الحسنة، لكن ما ان يجدوا نفسهم في موقع القوة، حتى يدركوا ان في مقدورهم تنفيذ أعمال لم تخطر في بالهم من قبل. هذا ما اسميه السكرة. فالسلطة مثل الكحول، قليل منها لا يعود عليك بالضرر، لكن ما ان يجري الافراط فيها، حتى تخرج الامور من دائرة السيطرة. في هذا الفيلم اردت أن اظهر ما الشيء الذي في امكان السلطة أن تمنحه لصاحبها، وما الشيء الذي في امكانها ان تأخذه منه. "سكرة السلطة" ليس فيلماً سياسياً. الشخصية التي تؤديها هوبير لا يسعها أن تفصل حياتها العامة عن الخاصة، مما يؤدي بها الى الكارثة.
في "سكرة السلطة" لم تعمد الى فصل اؤلئك الذين يمارسون السلطة عن الذين يخضعون لها، لكن "غرورك" السينمائي يصل الى حد التسليم بمنطق محاكمة النيات، في حين انك تستمر في خطابك المناهض لصراع الطبقات.
- لم ارد احالة هذا الفيلم على منطق المرافعة ضد حادث يعرفه الجميع. كان في ودّي ان اظهر طبيعة التداعيات التي يمارسها النفوذ على الطبيعة البشرية، والى اي مدى يستطيع هذا النفوذ ان يذهب بفريسته. تقريباً، جميع الذين نراهم في الفيلم اصحاب نفوذ. الطريف ان الشخص الذي يعطي الانطباع بأنه يترأس الجوقة ويحسن قيادة الاخرين، هو لا شيء. فالسيناتور، حامل السيكار، هذا الذي يتكلم بطاووسية، هو بورتريه لسياسي فرنسي معروف جداً (شارل باسكوا). نموذج لعجوز حثالة، لكنه يثير اعجابي، إذ اجده طريفاً وجديراً بالتصوير لروعته وبهجته. يسلّيني هذا المخلوق! من المفترض أن يخطط هذا الرجل لكل شيء، لكن في نهاية المطاف، لا ينجح في فعل أي شيء، لانه يسقط ضحية الافكار السيئة، شأنه شأن الآخرين، ويقع في الفخ المنصوب له. بالنسبة الى صراع الطبقات، أعيد طرح نظريتي القائلة ان كل منا هو "القائد الصغير" لأحدهم. ما يبعث على الفضول في وضع القاضية انها، نظرياً، تملك كامل الصلاحيات، لكنها في الواقع، لا تملك الا الصلاحيات المعطاة لها! نثمل عندما نعتقد انه ليس في امكان احد انتشالنا من السلطة التي اعطيت لنا.
من المستغرب انك واجهت متاعب مع القضاء من اجل فيلم يسلّم بحق القضاء في التخلص من آفة التسييس.
- أجل، هذا طريف. في المقابل، يجب عدم تضخيم المسألة. في الحقيقة، وضعنا حداً لها. هذا النوع من التعاطي مع المثقف يجب ألاّ نخاف منه. قد تستأنف القاضية الدعوى التي اقامتها ضدنا. لا احد يعلم. من جهة اخرى، اعرف ان الفيلم مُنع في النروج، حيث تقيم القاضية حالياً وتشغل منصب مستشارة الحكومة النروجية. هذا يضحكني كثيراً. أليس الامر مدعاة للهزء؟ بل هو كذلك. بئس هؤلاء، اذا لم يدركوا أنهم مادة للتهكم من الجميع.
قلت كلاماً مميزاً في شأن "سكرة السلطة" مفاده ان كل من يتعرف الى نفسه في الفيلم يكون يوجه الى نفسه اصبع الاتهام. في هذا المعنى، هل ينصب الفيلم فخاً للسياسيين؟
- هذا صحيح. اذا اعترف سياسي انه وجد شبهاً بينه وبين الشخصية، فمن حقنا ان نسأله، ما الذي يجعلك تعتقد ذلك؟ يلمح الفيلم الى امكان وجود بعض الذين قد يمكننا نعتهم بالحثالة، بين اصحاب النفوذ في فرنسا، وتالياً امتصاصهم بالـ"كارشر" (ملمّحاً الى التعبير الشهير الذي استخدمه وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي في سياق كلامه عن شباب الضواحي الذين قاموا بأعمال شغب احتجاجاً على وضعهم الاجتماعي المتردي في تشرين الثاني 2005).
تمضي في ادانة السلطة والإفرط في استخدامها عشوائياً، لكن ينبغي تذكيرك ربما بأنك، بصفتك مخرجاً، صاحب سلطة مطلقة على البلاتوه!
- من الاسباب الكامنة خلف الاستعانة بأفراد عائلتي في صناعة أفلامي انهم سيقمعون تجاوزاتي الناتجة مما قد تتسبب به السلطة من إفراط في سلوكي. ثمة دوماً ثلاثة أو اربعة اشخاص من المقربين يضعون حداً لتصرفاتي، قائلين لي: "هدىء من روعك". هذا يعيدني الى رشدي. لا شك في ان للمخرج هيبة تفوق الوصف. لا اعرف شخصاً يملك سلطة اكبر من تلك التي يمتلكها السينمائي. نفوذه، في كل حال، يتجاوز نفوذ بابا الفاتيكان. سأعطيك مثالاً على ذلك: في اثناء زيارة البابا لاحد المسؤولين الكبار، يخرج من الباحة المطلة على القصر الجمهوري، فيلفت انتباهه الحشيش المزروع هناك، فيقول: "لا احب اللون الاخضر، أليس في إمكانكم تلوين الحشيش بالاحمر؟". ينظر مرافقوه بعضهم الى بعض: "يبدو انه فقد عقله". ويقودونه الى الفراش ليرتاح قليلاً بعد أن يعتذروا من الرئيس لحالة البابا. أما أنا، فأصل الى مكان ما، واصرخ في وجه الحاضرين: "ما هذا الحشيش الاخضر؟ اريده احمر الآن". سرعان ما يأتي اربعة عمال ويدهنونه باللون الاحمر. لا يجادلون، ولا يعتقدون أني معتوه.
لكن ينبغي ان تكون شابرول كي تحظى بمثل هذه الامتيازات، أليس كذلك؟
- لا، رأيت مبتدئين يستخدمون النفوذ كيفما اتفق. وهؤلاء يقضي عليهم الإفراط بعد اربعة ايام من بدء التصوير.
في رأيك، ألا يحتاج بعض الموضوعات الى مسافة زمنية، كي تختمر الفكرة في رأس المبدع؟
-ـ لم أكن انوي معاينة ميكانيزم السلطة، كان في وديّ ان أظهر الى اي درجة هؤلاء الذين اختلسوا الاموال العامة، هم عديمو الذوق والفهم، وكم يثيرون الازدراء والشفقة. اما القاضية "المسكينة" فتعتقد اني اصنفها مع البقية. ما يدعو الى الغرابة انها عندما تتهمني بالشعبوية، لا تأتي على ذكر ما صدمها ولكن ما لم يصدمها. ثمة تناقض غير معقول في كلامها (...). لست قوّالاً (شانسونييه)، بمعنى اني لست مهووساً بالحوادث اليومية. أنا انسان شيوعي، لكن هذا لا يعني انه يتوجب عليّ انجاز افلام عن حصاد القمح.
في رأيك، لماذا يخلص التعاون بينك وايزابيل هوبير (من خلال افلامكما السبعة)، الى إنتاج يتسم دوماً بالقسوة ويغلب عليه طابع لئيم الى ابعد حّد؟ ما السر الذي يجعل عملية حسابية مثل شابرول + هوبير = فيلم شرير؟
- تعجبني لدى ايزابيل، قدرتها على لعب شخصيات متطرفة في لؤمها، لكن من دون ان تغفل جانبها الانساني. كثر هم الممثلون الذين يستطيعون ذلك، لكن هي تفعله بأسلوب جاف، اي اننا نجهل من اين تخرج النزعة الانسانية لدى الشخصية، لكنها تظهر للعلن. أقول لك بصراحة: كان يصعب عليّ انجاز هذا الفيلم من دونها. لا ارى من كان يمكنه تقمص هذه الطراوة الصلبة التي تتسم بها. كذلك، هي التي حثّتني على انجاز "مدام بوفاري" الذي كنت اطمح الى انجازه منذ سنوات، لكني كنت خائفاً. فجأة، قلت لنفسي: "هيا، صرت في الستين، اذا لم تنجزه الآن، لن تنجزه ابداً". غير اني نقيض برغمان: لست في حاجة الى ان اطارح ممثلاتي الغرام (ضحك). لا أحب الصخب على البلاتوه!
رحلتك السينمائية تتميز بالهبوط والصعود المستمرين. ثمة نوع من التواطؤ بين افلام شكلت محطات في تاريخك، وأخرى مرت مرور الكرام. أنت، نفسك، اعلنت ذات يوم انك صنعت بعض الافلام الرديئة.
- في نهاية الجولة، اعتقد اني اخرجت عدداً قليلاً فقط من الافلام الرديئة. أجد نفسي متسامحاً في تقويم الافلام التي انجزتها. لنقل اني ارتكبت بعض الحماقات، ونتجت منها خمسة او ستة أعمال سيئة، لكن حتى في هذه الافلام هناك ما يبعث على الضحك والتسلية.
نفسياً، كيف تعيش الفشل بعد النجاح؟
- لحسن الحظ، لم يسحق أيّ فيلم من أفلامي شباك التذاكر محطماً ارقاماً قياسية. من غير المستحسن ان ننجز فيلماً يلقى اقبالاً جماهيرياً ضخماً، لأننا، في المنظار التجاري، نعلم ان الفيلم التالي سيكون اقل نجاحاً. فهذا يضعنا في ازمة مواجهة مع انفسنا وعملنا، الامر الذي يزعجني اشد الازعاج. بحسب ارقام المركز الوطني للسينما، فأنا المخرج، الذي، منذ عام 1945، استطاع ان يكون له اكبر عدد من الافلام التي تجاوز مشاهدوها رقم النصف مليون. وهذا امر افتخر به. في المقابل، يؤلمني الفشل حين يطال فيلماً يعز على قلبي، لأن ذلك يولّد لديّ سلسلة تساؤلات من نوع: هل انجزته في الوقت غير المناسب؟ لماذا لم يفهمه احد؟ هل هذا ذنبي ام ذنب الآخرين؟ احاول ان اعالج المسألة، لعلني اتجنب الوقوع في البلاهة مجدداً. في المناسبة، يفرحني عندما يكون احد أفلامي التي لا احبها عرضة للفشل الجماهيري. أقول في قرارة نفسي: "بئس المنتج الابله الذي غامر بتمويله". ثمة موقف آخر اجد نفسي فيه احياناً على حين غرة، هو عندما يحظى احد الافلام التي لا احبها، بنجاح باهر. اشعر نفسي سارقاً!
تقول دوماً ان على المرء ان يعلم متى يتوقف عن فعل الحماقات.
- أولاً، يجب الا نخاف من الاعتراف بأننا ارتكبنا حماقة، وبعد أن نكون اقترفناها يجب معالجة الـ"كيف" والـ"لماذا"، وهذا يحدّ من امكان ان نكررها مجدداً. في الواقع، يبهرني الغباء أكثر مما يبهرني الذكاء الآدمي: ثمة حدود للذكاء خلافاً للحماقة. مراقبة شخص في منتهى الغباء تبعث فيك الثراء!
عندما يكون المرء آخر عمالقة الفن السابع وصاحب تجربة تمتد على نحو نصف قرن من الزمن وتحتوي جعبته على نحو 60 فيلماً، ماذا يريد من السينما؟ ما الذي يحرك طموحه في اتجاه هذا الفن؟ حب السينما وحده؟
- ثمة امران يجعلانني اكمل مسيرتي. الاول اني، ولسبب اجهله تماماً، اشعر بصحة جيدة حين اصوّر. عملية التقاط المشاهد اشبه بإجازة بالنسبة اليّ. كثر يصرحون بأن التصوير هو المرحلة الأصعب، اما انا فأرى انه الامتع لأن كل ما هو معقد ومزعج يكون قد ولّى عندما نشغل محرك الكاميرا. ما اود قوله انك عندما تكون منهمكاً في التفاصيل المهنية، لا تشعر بالالم الذي يصيبك، وهذا كله يختفي عندما تعمل جاهداً. اذاً، اقله بالنسبة الى صحتي، السينما هي افضل طبيب معالج. ويتجلى السبب الاخر في انه لا يزال عندي ما ارويه. في الواقع، لديّ حلم، مع انه يصعب تحقيقه، هو ان احوّل الكرة الارضية الى مكان، حيث الكل يعشق الكل. لذلك اظهر في افلامي ما يمنع تحقيق هذا الهدف. لهذا السبب افلامي رهيبة. لا اسعى ابداً الى تصوير ما ليس له وجود، بل اعالج اسباب عدم وجوده وأقول ان العالم هكذا. لذا، تراني "اقرص" في المكان الذي يؤلم.
كسينمائي، عرفت أزمنة أفضل من التي نمر بها الآن. كيف تعيش صعود الاصوليات وموجات التطرف في العالم كله؟
- لا اعتبر ان الاصولية الى تصاعد. سأبدو غريباً، لكني اعتقد انها تشهد تراجعاً لافتاً. في رأيي ثمة صعود لضعف البشر فحسب، ومن هم أقل ضعفاً يستخدمون قوتهم ضد الآخرين. اعتقد ان الانسانية تتقدم في الاتجاه السليم. مراحل الازدهار الكبرى تسبقها ازمنة شديدة العادية كزمننا. خلال خدمتي العسكرية، كان لي صديق جزائري، وبحكم اقترابي منه ادركت كم هو خاطىء الانطباع الذي يتولد عن البلدان غير الغربية. يا له من امر أبله ان نطالب بالحق في الاختلاف. ما يجب ان نطالب به هو حق التشابه بين بعضنا البعض. يحق لنا ان نتشابه، أليس كذلك؟ لكن، يبدو انه يصعب تحمّل هذا الامر، والناس يفضلون ان يتوافر امامهم من يعتبرونه مختلفاً عنهم، لأن هذا يفتح المجال لهم لكي يعتبروا الآخرين أقل شأناً منها. هكذا يولد التعصب والعنصرية. من بين الحكام الحاليين، لا استطيع ان اشير الا الى بوش كحاكم اصولي ومتعصب، مع انه يجب ان نكون سيئي الظن تجاه اصولية كهذه، لانها تنتهي عند حدود المال والنفط. انجرار بوش الى هذا النوع من الاصولية يجعلنا نعتقد انه لا يدرك الحماقات التي يرتكبها. هو في الواقع، يدركها جيداً، لكنه يعتقد انه على حقّ. على حدّ علمي، هو رئيس الدولة الوحيد الذي قال ان الله خاطبه (يضحك عالياً). لكن، رغم هذا كله لا أزال أؤمن ان هناك أملا ما لأولادنا. حسنا، اعتقد ان الوقت حان لتناول الغداء. ماذا تريد أن تأكل؟

..
هوفيك حبشيان
النهار اللبنانية

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6047451   Visitors since 7-9-2002