المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع فيليب ديسكولا

  
كارولين برون و شارل جيول
  
  ترجمة حميد زناز
  

"فيليب ديسكولا" هو مدير مخبر الأنتروبولوجيا الاجتماعية وأستاذ في "الكوليج دو فرانس"، يشغل كرسي ’أنتروبولوجيا الطبيعة ’. قضى ثلاث سنوات كاملة مع قبائل الجيفاروس في الأمازون الإكواتوري وروى تجربته الدراسية تلك في كتابه" حراب الشفق" سنة 1993. كما أصدر سنة 2003 "ما بعد الطبيعة والثقافة". ويعتبر من أهم الأنتروبولوجيين الفرنسيين في الوقت الحاضر ومن أكبر العارفين العالميين بثقافة الهنود الحمر. 
 
 
- هل طرحت الشعوب كلها مسألة أصل العالم؟
إطلاقا، فعلى عكس مما هو شائع، المسألة ليست كونية. و في كل الأحوال، يشكل ’سفر التكوين’، ذلك التصور المسيحي-اليهودي القائل بفكرة خلق العالم انطلاقا من العدم استثناء أكيدا في تاريخ الحضارات. لا ينبغي النظر إلى فكرة الخلق عبر النظارات الغربية! تتميّز فكرة الخلق هذه بمركزيتها البشرية إذ يلعب البشر دورا كبيرا في مسار الخلق هنا بينما هم مجموعة من بين مجموعات أخرى في أساطير مُؤسِّسة أخرى. نفس الشيء بالنسبة للفكرة التوراتية القائلة بإله صانع ماهر و خالق و هي الفكرة العزيزة على كل عالم البحر المتوسط، إذ هي أبعد من أن تكون فكرة تتقاسمها كل الشعوب التي تسكن الأرض أو التي سكنتها من قبل. من جهة ينظر إلى الخلق كأنه صنع، قولبة المادة حسب مخطط مسبق: و هي استعارة الخزاف صانع الفخار التي نجدها في العهد القديم كما في ’تيماوس’ أفلاطون. أما في جهات العالم الأخرى فغالبا ما نجد فكرة التوالدات العارضة أو التطورات التلقائية.
- ما هي النماذج الأخرى لنظرية نشأة الكون التي أحصاها المؤرخون والأنتروبولوجيون؟  
بادئ ذي بدء يمكن أن نذكر النظريات ’الدورية’ أو الحلقية كتلك التي جاءت بها الحضارات ما قبل الكولومبية. فحسب الأزتيك تم خلق عدد من العوالم الواحد بعد الآخر من طرف الآلهة و لكن تم تدميرها بواسطة الكوارث الطبيعة قبل أن يرى عالمنا النور. و قد ذهب الإنكا من جهتهم حتى إلى الاعتقاد بلا نهائية دورات الخلق و التدمير إذ يقضي دمار على العالم كليا كل ألف سنة و يتبعه خلق جديد للعالم و هكذا دواليك. و تصور كهذا يستبعد بالطبع فكرة التقدم اليهودية-المسيحية، والمصير التاريخي لشعب أو حضارة. و هو ما أطلق عليه ميرسيا ايلياد ’أسطورة العود الأبدي’. يعود أصل النظر إلى الزمن على أنه كالسهم إلى سفر التكوين في العهد القديم: إنه موجه نحو غاية مرغوبة و متوقعة. في التصور الدوري للعالم نحن أما احتمالين إما لا يوجد هناك نهاية أو نحن أمام تجدد أبدي. 

- فيما يتعلق بتصور الأصول، ألا يوجد فرق كبير بين الغرب على وجه الخصوص والشعوب الإحيائية و الأمازونية؟ 
بكل تأكيد و لو أن هناك هوة عميقة أيضا ورغم القرب الجغرافي، تفصل بين شعوب الأمازون و شعوب ’الأندان’، ورثة الإنكا. ليس هناك تصور لخلق العالم بمعنى الكلمة لدى الأمازونيين. و إن وجدت لديهم أساطير تروي كيف وصلت الكائنات الحية – الإنسان، الحيوان، النبات – إلى شكلها الحالي، فإن العالم في تصورهم كان قد تكوّن قبل ذلك.
- هل يمكن أن تحدثنا أكثر عن هذه الأسطورة الخاصة بالثقافة الكولومبية؟ 
ينبغي تصور كائنات تقترب بشكل ما من الإنسان، كانت تمارس كل فنون الثقافة – تطبخ، تعزف موسيقى، تشيد منازل – و لكنها سرعان ما تتحول نتيجة لحادث فريد إلى نبات أو حيوان لم يكن موجودا من قبل أصلا. و تكون هذه الشخصيات حاملة مسبقا لاسم النوع الذي ستكونه قبل أن تملك شكله بعد. و هكذا فميثولوجيا هنود أمريكا الحمر هي نوع من أنواع تاريخ الطبيعة، مجموعة من المحكيات لا تعرض كيفية تكوّن الأنواع و إنما تصف تجددها. يمكن أن نذكر أمثلة عديدة من هذه الأساطير الهندو- أمريكية المخصصة لطائر السُبَد*. فالأحداث التي تتولد عن إثرها تلك الأنواع طارئة غير متوقعة تنم عن خيال خصب لا حدود له. هي حكايات صغيرة و ’إنسانية’ للغاية لا علاقة لها ببعضها البعض و بالتالي فهي لا يمكن أن تكونّ حكاية كبيرة واحدة.
- هذه الاعتقادات تذكرنا بتلك الخاصة بسكان أستراليا الأصليين.. 
نعم.. و لكن مع فرق بسيط إذ أن مع سكان استراليا الأصليين يصبح الأمر هذه المرة نمطا طوطميا و ليس إحيائيا. تخرج كائنات من أعماق الأرض حسب حكايات الأستراليين الأصليين، و بعد رحلات طويلة تساهم خلالها في إعادة تشكيل المشهد الطبيعي، تهب الحياة إلى مجموعات من بشر و نباتات و حيوانات تكون مرتبطة أشد الارتباط فيما بينها ومنضوية تحت طوطم واحد، هو اسم الكائن الأسطوري الذي تنحدر منه. يحتل "زمن الحلم" - وهو الاسم الذي أعطي لهذه القصص الباحثة عن العلل- مكانا مركزيا في الثقافة الأصلية الاسترالية. فــ " كائنات الحلم" حاضرة حتى اليوم وعلى الخصوص من خلال مواضع كالصخور و نقاط الماء و المشاجر..و التي تعتبر شواهد على مرورها فوق هذه الأرض. و من هنا أيضا و لهذا السبب بالذات لا يمكن أن نتحدث عن تكوين أو نشأة إذ لا يعود خلق العالم إلى ماض بائد و إنما إلى شكل من الأبدية منقوش في المشهد الحياتي. 
- يمكن القول إذن أن عبر هذه الأساطير تصف الشعوب الإحيائية والطوطمية العالم و تضفي عليه مسحة شعرية بدل أن تبحث عن تفسير لأصوله؟

 تفسير العالم هو بالفعل عكس ما أسميته بأنظمة الفكر ذات ’النزعة التماثلية’. أشير بهذا إلى الحضارات المتوسطية العتيقة و كذلك حضارات إفريقيا الغربية. فالدوغون في إفريقيا على سبيل المثال يعتقدون أن كل العناصر التي يتكون منها العالم من كائنات و ماهيات و حالات و أوضاع..هي فريدة من نوعها. و كي يمكن تصور عالم متباين بهذا الشكل و يحتمل العيش فيه، يجب الوصل بين هذه العناصر الشديدة الاختلاف لإقامة تبادلات بينها من طراز: النهار لليل كالمذكر للمؤنث. و من هنا تأتي أهمية التماثل في هذه الكوزمولوجيات (علم الكونيات). و الحالة هذه، فإن تفسير العالم يعني أيضا تبرير الوضع المهيمن لأفراد معينين. في الحضارات ذات النزعة التماثلية، تكون الكوزمولوجيا غالبا عرضة لهيمنة طبقة متخصصين،تقوم بعمل نسقنة (من نسق). فبإقحامهم للبعد الكرونولوجي أو تسلسل الأحداث في هذه المحكيات، وربط تذكار الأبطال المؤسسين بالذرية اللاحقة، تنزع تلك الشخصيات إلى إضفاء شرعية على امتيازات بعض الأفراد و العائلات. هناك تأسيس لسلالة السلطة بشكل ما. 
 
- تعكس أساطير الأصول التنظيم الاجتماعي لكل جماعة إذن؟
يبدو ذلك جليا حينما نبدأ في مقارنة المنظومات ذات النزعة التماثلية من جهة والمنظومات الإحيائية و الطوطمية من جهة أخرى. لا يمكن أن نعثر مطلقا في أساطير الإحيائيين و الطوطميين على ما يدل أن سرد تاريخ وأصل نوع أو مجموعة طوطمية هو تبرير لاحق لهيمنة طائفة أو نوع أو شعب. إن سرد أصل حيوان، تتبع مثلا تاريخ البقع الثلاث الموجودة على ظهره هو بمثابة ممارسة فكرية قبل كل شيء. يعود الفكر إلى ذاته و هو مجرد لعب. و ليس لهذه الأساطير نزعة لكي تنتقل في صيغ ثابتة إلى الأجيال اللاحقة، فهي على العكس تتغير شيئا فشيئا ومع كل جيل جديد. ليس لدى الهنود الحمر الأمريكيين ذاكرة سلالية، خاصة بالنسب و تسلسله. فليس لهم حاجة لتلك السلاسل الطويلة من الأنساب التي تربط الأحياء بالأسلاف أو الأبطال المؤسسيين مثلما هو الشأن في الغرب و في جزء من الشرق أو إفريقيا. و هكذا فلا أسطورة من هذه الأساطير جامدة إلى الأبد. وانطلاقا من هذا المنحى التجديدي للنسق الأصلي، فمسألة الأصل في حد ذاتها تصبح ثانوية. 
 
* طائر السُبَد: بعاداته الليلية ومنقاره الضخم الذي يسمح له بالتهام كل الحشرات التي تكون في متناوله، طائر السُبَد الذي يوجد منه حوالي الـ 60 نوعا في أمريكا الجنوبية أثار دائما المخيّلات الأمازونية. و هناك أساطير كثيرة حاولت الوقوف على أصوله، و هي أساطير خصص لها ليفي شتراوس فصلا كاملا في كتابه ’ الخزافة الغيورة’. و نجد من بين هذه الأساطير واحدة باللغة البراغوانية و البرازيلية القديمتين في غاية الشعرية. كان منبتها على ضفاف نهر الأورغواي تقول أن فتاة فوق- طبيعية كانت ابنة كبير القوم واسمها هو اسم الطائر الذي ستكون. هامت عشقا و حبا برجل من درجة أدنى. و قد أبعدها والداها من حبيبها و من أجل إعانتها على نسيانه أخبراها يوما كذبا أنه قد مات. و على إثر هذا الخبر انتفضت الشابة و صرخت صرخة مدوية قبل أن تتحول فجأة إلى طائر السُبَد ذاك الطائر الذي منذ ذلك الحين و هو يردد بشدوه الفجائعي صرختها المذهولة. (شارل جيول)

 المصدر :  
 Le nouvel Observateur, Hors-série, L’origine du monde, Janvier-Février 2011



الأوان
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6109492   Visitors since 7-9-2002