المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

تصوير سوسن محمود جلال. لاحافات القلوب وحدود حدائق الأرض

  
عادل كامل
  


















الامتداد

إذا كان الحاج سليم ، الى جانب تراثه الشخصي ، قد مهد لظهور كوكبة مبدعين في التشكيل العراقي ، هم ( سعاد / جواد / نزار / ونزيهة ) ، وهو الذي لم يتخل عنه جميل حمودي ، عندما مهد الطريق لعشتار أن تختار الرسم لغة لم تفقد توقدها ، فان الفنان العربي الرائد محمود جلال ( 1911 ـ 1975 ) ، هو الآخر ، منح ابنته ولعا ً بالرسم ، وتركها ، تقلب الذاكرة الى مخيال . بيد انها ليست وراثة ، ولا وصايا قسرية . ففي عالم يصعب تتبع سلاسل اندثارا ته ، حد أن الخلود ، لم يعد إلا مجموع الزوالات . فهل مات الفن ، حقا ً ، بعد إشارة مريرة لهيجل ، تتحدث عن انتفاء الروحي من الفن ، وتحوله الى علامة توازي ، حتميات تطور الاستهلاك ، والاندثار ؟ إن مسيرة الفن ، الى جانب الفلسفة والعلوم ، لم تعد ملتبسة . فبعد أن فكك ، نيتشة الميتافيزيقا ، وأسهم بدحض [ الشيء في ذاته ] أسست الظاهرية ، من هوسرل الى باشلار ، احتفاء ً بالحدود ، خارج هيمنات المطلق . فالرسم ، قبل أربعين ألف سنة ، دوّن نبض الأبدي في الأشكال فوق جدران المغارات والكهوف ، وهو في كل تجدد ، يعيد انساق عودته ، ويعيد صياغة انبثاقاته ، خارج حتميات الاختفاء والموت . سوسن محمود جلال ، تختار طريقا لا يتأسس على الوهم ، بل تصيره ،عبر الشمس وقد انبثقت ترفا ً يقاوم العدم . لقد اختارت حقولا برية لتجعلها حديقة معاصرة . ولقد تحدث جيل تولوز ، بحمية ، عن موضوعات الزهور ، لا بصفتها فلسفة أو درسا ً في العلم ، بل ، كما صنع غوته ، اعترافا ً باستحالة أن تكون الطبيعة قد ماتت ، أو انها محض مسرحا ًً للمتحركات . ثمة ، في كل زهرة ، يكمن المطلق الضوئي المكون من مليارات المليارات من النجوم ، والالتماعات الموغلة في القدم ، تتجمع ، كأبدية ، في بؤرة الباث : عين المجرات .. وهي الزهور : عيون تقدح ، كعيون الذئاب في ليل البادية ، تقدح ، وتبث ، لأنها ، بالعلم ، تشع أطيافا ً وخزينا من النور ، كما تحدث البروفسور الروسي ( فافيلوف )في كتابه [ العين والشمس ] ..سوسن محمود ، تمسك ، كما يفعل المتصوف والعاشق ،وكل من يقاوم الاختفاء والعزلة ، بعلامة مرور الأزمنة : توهج نجوم سماوية وقد نبتت فوق الأرض : فوق القماشة . فهي تلعب، ترقص ، وتعزف ، بأكثر الزوالات تكرارا ً : الوهج ، والأطياف . فالزمن يغادر ، لأنه ، في مستقبله ، ليس إلا ماض ٍ . بيد أن الماضي ، الماضي الذي هو أبدية بلا حافات ، الماضي الذي هو بلا ماض ٍ ، ينبثق مستقبلا ً ، في [ الآن ] وبجمال صاغته القوانين والحساسيات . ان الفنانة لا ترث ، مع انها ، كبذور الخلق الأولى ، خرجت من رحم العناصر ، لا ترث إلا ذاكرة امتداد . فزهورها ، وورودها ـ من البرية الى حدائق النوافذ والشقق السكنية المعاصرة ـ تحمل عبق وعطور وروائح كل لون اختارته ، وكل ورقة ، وكل جذر ، كي لا تغادر نصوصها الجمالية ، إلا وقد منحتنا رغبة بالطيران . انه عطر ورود تمثلت فيها أطياف المجرات خارج مدى الرؤية ، وقد تشكلت ، وتراصفت ، وتداخلت ، فوق مساحة من الأرض ،أرضنا ،وبعيون ورثت التماعات الشموس ، والنجوم النائية.

هدم الجدار :

حتى يومنا هذا ، بعد مليار سنة من تكون البذور الأولى للخلق ، نجد من يتمسك بالدفاع عن عزلته ، وملكيته . فتأتي الجدران ، والفواصل ، والأسلاك ، وحقول الألغام ـ لا حقول الورد ـ كحدود عازلة ، بين الكائنات . الرسامة سوسن ، بحافات لا تسوّر ، وبنصوص شفافة ، تهدم الجدران . فهي تستمد مشاهدها من البرية، والحدائق ، والبساتين ، لتجعل منها ، كما تفعل الطبيعة ، نبضا ً باثا ً . والرسامة لا تأتي بالطبيعة كي تأسرها ، مرة ثانية ، داخل حدود النص ، أو تشغل فيها الجدران . إنها تمنح الطبيعة سلطة الحلم : هدم العبادات الوثنية لعصر يشغله الاستهلاك ، والمنهك باختراع إنتاجيات فائقة .. فتجعل نصوصها تحلم . ففي الرسم ، كما في الشعر ، ثمة أكوان ، لا تحد، تأخذ ، في المرئي ، انتظامها . فالورود تحلم ، داخل النص ، كي تغادره نحو الآخر . فالبرية تزحف ، على خلاف زحف المدن نحو الحقول ، وتأخذ مواقعها ، لكن لا المدججة بالأسلحة ، بل بالشعر . فالرسامة ترسم أحلام الخلايا ، وذبذبات الألوان ، وحبيبات الزمن ، وتعيد للذاكرة شذرها وبلورها علامة لكون خال ٍ من الفراغات . هكذا تتحول نصوصها الى رسائل ، وجسور ، قائمة على وحدة اللامحدود ، بالمحدود . فالذرة ، بعد اينشتاين ، لا تصير رمزا ً للهلاك ، عند اللعب بها ، بل ، على العكس ، تصير كونا ً ، لومضات والغاز تصنعها خفايا ومرئيات هذه الوحدة . ونصوص الرسامة ، لا تنتظر مزيدا ً من التأويل والتفسير والشرح : انها تخاطب العيون ، وقد اتسعت خارج جفونها ـ سجونها ـ وبعيدا ً عن الانغلاقات ، تخاطب البصر ـ من الشموس الى القلب ، ومن الأزمنة السحيقة ، نحونا ، في الأعماق : لغة مشبعة بمكوناتها الخفية ، وقد غدت ، بأناملها باقات من الورد ، تمتلك أسرار تكونها ، ولا تنغلق ، عند حدود الأشكال .

الموضوعية الذاتية

على خلاف مفاهيم الانطباعية ، فان الرسامة ، لا تنقط ، ولا تجعل من القماشة رسما ً انطباعيا ً لمزج الألوان . كما لا تستند الى التعبيرية ، بجعل الذاتي ، في المقدمة ، بل تستمد سوسن رهافة عالم الزهور ، مازجة الانطباع والتعبير في وحدة لا تغادر ها . انها تحدق في حبيبات الضوء ، وكمانه ، وإنها ، في هذا المسار ، تضعنا في الضوء ، وماذا تريد العين أن ترى ، وكيف حولت الطبيعة ، في باثاتها الى خطاب بصري .

فالذات تتحرك بصفتها لا تغادر الموضوع ، لكن انتفاء الذات ، لا يسهم بتشتيت المشهد ، بل بجمعه ، وعرضه بتنويعاته المتجانسة بين التغير الحاصل فيه ، وفي الذات الرائية . هذه العلاقة ، بين الموضوع والذات ، تتحدث عن عادات مبكرة تخص الضوء بالدرجة الأولى . فالقراءة المباشرة لنصوصها ، ترسم حالات الذات ، استنادا ً الى الألوان ، والدرجات اللونية ، وملمس السطوح ، والتكوين .. الخ في رصد الاختلاف ، والوحدة التي تآلفها العناصر . فهل ثمة مسافة بين المرسل ، الضوء ، والعين ، المستلمة ، كي يقوم النص بتدوين العلاقة ، كعلاقة موضوعية ـ ذاتية بينهما من ناحية ..وكي يتكلم النص ، بصريا ً ، بعناصره ، بما يريد .. وبما يكتم . إن العلاج بالنور ـ الألوان ـ يرجع الى عصور سحيقة ،ربما كانت وراء تحول يد الصيد ، يد العنف ، الى يد ترسم حساسيات ورهافات العلاقة . فلسنا أمام مشاهد صيد ، بل أمام حزم ضوئية لا تغادر مفهوم الإنبات . إننا أمام مسطحات أو أرضيات تنبت عليها العلامات وقد تعدلت ، وتشذبت ، بذات الرسامة . انه المزيج المركب للنفس ، المعلن عنه ، بحبيبات الضوء ،وتموجاته ، ونبضاته ، وكماته .. الخ فاننا نشاهد ، بعين ناقدة ، منحتها الخبرة العلمية مغامرة لا تتوقف عند أغوار النفس ، أو أسرار الضياء والنور ، ولا عند سؤال : ماذا يريد الرسم ان يقول .. فحسب ، بل أمام الحقول ذاتها في ثرائها وما تمتلكه من دلالات جديرة بالتكامل . ان الرسامة ليست طبيبة ، لكنها ، برهافة المعالجة وتنوعها ، تجعل من نصوصها مدلولات لدوال صاغتها الأصابع كي تشتغل الذات الرائية ، وليس البصر وحده في الرحلة . فالزهور ليست محض علامات ، تبث ، انها علامات تجرجر .. وبهذا الحوار ، تغدو علاقة العلامة ـ الشكل حد التكور ـ قائمة على الفضاء ـ الضوء ـ المحيط . فالمراكز ، تتحرك ، وتحّوم ، كأحلام دونّت بهذا الأسلوب . فالانفتاح والانغلاق والميلان وتشتت المراكز او تجمعها ، تدوّن مجموع المشاعر والحالات . لأن الرسم عندما يرسم ، يغادر أسبابه .. انه يغدو مكتنزا ً بما وراء الدوافع : انه السكن في الحلم أو في الضوء . بيد انه السكن المستحيل ، فالحلم المكون من الضوء والعطور والفضاءات ، لا يدرك إلا في وثباته ، وانتقالاته ، وصيرورته .. هكذا ترسم الرسامة الشعر ، بلغة قائمة على الأبعاد ، والرهافات : رهافة التقاط الأطياف ، في حركتها ، ورهافة البصر ، وأوامر الدماغ لليد بالرقص ، وبرهافة انتقاء الخامات ، وملامسها في التأثير ، ورهافة المعنى الكامن وراء هذه العوامل ، في حدود أطار اللوحة ، وفي اتساع مساحات المخيال ، حيث المعنى أبدا ً لا يتوقف عند حد من هذه الحدود . إلا يجعلنا الرسم نفكر عميقا ً انه ـ هو ـ وقد صار يرسمنا ـ ولكن برهافة أنامل رسامة ، في هذه المرة ، هي التي اختارت موضوعات الرسم ..؟ فأيهما أقدم .. في صيرورة المطلق ؛ الراهن أم أبديته .. وايهما يمتلك قدرة إن يكون ، خارج الآخر ..؟ إن أسئلة الفلسفة تصدع الرأس ... بيد انها ليست فلسفة ، بل لذائد تكاد تندثر أمام آليات ومصنعّات عصر يقوم على الاستهلاك والاندثار . ولأن فلسفة الموت ، لم تصر فلسفة أصلا ً ، ونحن نستبعد عناصر التكوين البكر : الزمن والعطور والأطياف وما تم رصده داخل الفجوات وفي أعماق المناطق النائية .



الفضاء : حدود الوثبات

كما يخترع النص إطاره ، يعمل ، على تحطيمه . فإذا كانت الرسامة قد عملت على هدم حاجز المكان ، فإنها ، في الوقت نفسه ، تغادره . فالمكان يغدو امتدادا ً للرمزي : اللامحدود الكامن في الفضاء . ان أزهار ها تصبح منظومة كوكبية ، نجومية ، كأننا ننتظر الضوء في المسافات المطلقة . فالضوء ، إن لم يجد حدا ً ، لا يعلن عن حضور الرائي ، ولا عن حضوره هو ذاته . انها معادلة متجانسة للأزلي والمتحرك ، حيث الورود تغدو علامات كونية ، مثلما هي ، في جمالياتها حبيبات اتصال ، ونشوة . وإذا كان كل رسام ، بلا استثناء ، مثلما كل شاعر ، توقف عند البستان والحديقة ، فان سوسن محمود جلال ، تكرس فنها لصياغة تأملات بدأت بالبصري ، المرئي ، الانطباعي ، كي تمتد نحو اللامحدود ، واللانهائي . فالضوء وجد سكنه في الوردة ، مثلما أعلنت الأزهار ، في نصوصها ، عن عين الكون : عين المشاهد . انها علاقة لذائذ لا تخفي دوافعها بين الحدود .. إلا انها علاقة تطرد التضاد ، وتخفيه . فالأحمر يسكن الزرقة ، والأبيض يتربع عرش تنويعات الشذري ، والفيروزي : التضاد الذي يقود الى لا نهائية اللون ، في وجوده ، كما في إمكانيات الرائي . فرسوماتها تتحرك كأجنة تكونها قواها ودوافعها الكلية . إن سؤال : ما الفن ، لا يغادر منطقة : ما الوعي ...؟ الذي يقود الى : ما الإنسان ..؟ لكن الخطاب الذي تكمن إجابته فيه ، أو نصف الإجابة في الأقل ،يمتد بالدهشة الى التتابع ، والتكامل . فليس ثمة إجابة أخيرة تبلغ حد الاكتمال . فالموت ، هنا ، لا يجد سكنا ً . إننا نشاهد وثبات متجانسة لـ : حبيبات الضوء وكماته .. حدود العين ولا نهائية قدراتها .. وما تبثه الألوان وعناصر الفن من تتابع وصيرورة ، كأن انشغال الرسامة بالتقاط عناصر التكوّن ، والتكوين ، ترك العتمة خارج الذاكرة ـ بل وخارج الوجود . والسؤال : ما العتمة ..؟ يبدو بلا مغزى .. لأن الظلام ، كالفراغ ، كلاهما يستبدلان بتضاد يتجانس مع سكن الضوء . هذا البيت ، الوردة ، كي يقول الذي لا يتوقف عنده الكلام . لا نقطة تضع حدا ً للعبارة . فالسكن يتسع من المرئي الى الكون كله في النقطة ذاتها ؛ النقطة أو الزهرة ، فهما ، امتلاءان أبدا ً لا يتوقفان عن طلب المزيد . ان عبارة (النفري) : كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ، تجد العكس : ان الحد ، يتلاشى . فالطبيعة المتغيرة حد استحالة مراقبة سلوكها كي تبرهن على ذلك ، تغدو درسا ً في المقدس ، بعيدا ً عن الانغلاق والتكرار . هكذا كلما اشتغلت الرسامة في نص، تزداد لذة في طلب ما بعده : لذةّ لا تكتمل بضدها ، بل باتساعها . فتجعلنا الرسامة نصغي ـ ونبصر ـ الى درس الوجود ، متمثلا ً ، في الاتساع .. وهل سيكون الجمال درسا ً يقود الى باب ..؟! إن باقات الورد ، واختلافها على صعيد التكنيك ، كما على صعيد المصر ، والمجال ، بينهما ، لا ينغلق إلا اتساعا ً في الانتقال ، والاكتشاف . ثمة ، في الصيرورة ، يسكن السكن الغائب : سكن الزمن الذي وجد زمنه في الراهن ، في بؤر تكتنز بثراء الأبدي ، ليتمثل نقاط بث ، لا تخاطب البصر وحده ، بل القلب في نبضه . فهذه الرسومات صنعت لكائنات تجد في صيرورتها حدودا ً ملغية : لأنها أبدا ً لن تجد شيئا ً قابلا ً للإدراك ، إلا وهو خارج حدود التعريف .

خطاب الجذر : الذاكرة تتخيّل

كانت زرقاء اليمامة ترى حفر القمر ، وتصفها ، مثلما كانت تميز تمويهات المتسترين بالأشجار عن بعد . قتلت اليمامة ، لأنها كانت صادقة . فالمسعودي يذكر في [ أخبار الزمان ] انها كانت تمتلك قدرات طبيعية . وشواهد تطور التحسس لدى رسام المغارات ، خلال عشرة آلاف سنة [ من 40 ـ 30 ] تدل ان العين ، خارج الميثولوجيا ، كانت تخضع للتدريب والتهذيب ، كي تغادر عتمة الكهف نحو نور الفضاء . ومنذ نيوتن [ 1642 ـ 1727 ] حتى مانيه ، لم يكن الانطباع ، محض هوى عابر ، كما لم يكن محض تحليل علمي خارج اللغز البشري ، فثمة صلة متواصلة استندت الى الاكتشافات ، ودفعت بالرهافة الى أقصاها .
ام الرسامة سوسن محمود جلال استمدت من نظام التحسس ، أكثر الألغاز بداهة : ان الوجود اللوني اللامحدود انتظم تحت خطاب النور ، وإنها باختيار الزهور ، وحدت بين الرائي والثراء الكامن في عناصر الوجود :موجودات تتحرى عن ذاتها في الوجود . ها نحن لا نحصي أسماء الأنواع ، ولا ألوانها ، ولا درجاتها . بيد أنها لا تكف توثق العلاقة بينهما : النص وقد غدا علامة مشتركة بين الوظائف والجماليات : بين السر الكامن في أقاصي دينامية التدفق، وكأن الموت قد غاب تماما ً ، وبين جعل المشهد لغة حوار : عين الرائي وجسد الوجود برمته . فثمة ، في أكثر الانشغالات حيادا ً ، تظهر شفافية ـ وسحر الفن .ألا يتحول القدر ـ فلسفيا ً ـ الى أمر بين أمرين : لا جبر ولا تفويض . بإشارة للصاددق تكمل سر ما بعد الكيمياء : ان الله تعالى أراد بنا شيئا ً وأراد منا شيئا ً ، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا )) حيث ، ان توقف الفنانة عند المرئيات ، والانشغال برصد تحولاتها ، تمنحها لغة ترتقي بالرائي الى درجات تغادر ألوان العتمة ، وظلمات المغارات . فهي ـ كامتداد لتاريخ الرسم ـ تجاور اكتشاف النار وصلتها بتطور الدماغ ـ وتجاور عمل اليد الوظيفي نحو اللاتخصص ـ ونحو الابتهال والرقص الصوفي ـ تغادر اللون الواحد نحو الفيض اللوني ، واشتقاقاته ، وتنوعه داخل حداثة بجذور بالغة العمق وفوق أرضية لا تغادر مساحاتها إلا للإعلان عن غناها . فالرسامة ترسم لا بدافع الرمز ، والتأويل ، إلا موازنة مع الرسم ، في أكثر وظائفه خفاء ً : الاتصال . إنها تعيد مفهوم البنية الكلية لمجموع العناصر [ 1 ] وبعيدا ً عن هذا التأويل ، فإنها تلفت نظرنا الى عالم تكونه أقدم أنظمته البكر : مساحات مقطعة من الحدائق ، والحقول ؛ فالطبيعة تبقى تتضمن الذي لا يعرّف : إنها الهاوية والقبر والكنز والينبوع ، ولكن الاختلاف يتطهر بألغازه [ 2 ] من ثم ، كما فعل جيل الرواد من الرسامين العرب ، في مصر والشام والعراق ، منذ منتصف القرن التاسع عشر ، وحتى الآن ، انحازت لأشكال تتضمن الاحتفاظ بما لا يشرح . ان الطبيعة التي صنعت ، في مصانع وافران ومطاحن الغرب ، تبقى عنيدة إزاء كل موت محتمل : انها تحمل لغزها وهي تمتد ، ملونة بالعطور ، وبالسهل الممتنع : ياسمين وجوري ولبلاب وقرنفل وزنابق من كل لون ، ومتسلقات وظليات .. الخ ، كأن الرسامة تشتغل في وظيفة في حديقة الكون ، لتعلن عن حضورها ، وقدرتها الأبعد من موت الفلسفات والإنسان المتوحش بأقنعة حداثاته [ 3 ] ولا تنتقل من المجاميع ، الباقات ، الى الزهرة الواحدة ، إن كانت بيضاء أو تبنية ، حمراء أو ضاربة نحو الغروب ، خضراء أو بلون الفضاءات .. الخ إلا كعلاقة أعداد ، وتوازن ، وانسجام . فالرسامة منحت رهافتها ألا تتوقف عند بداهة انها رسامة تقليدية ، فقد وضعت ذاتها في نصوصها ، لا بحثا ً عن اثر أو صناعة شاخص أو علامة ، وإنما ، لجوار انشغالها بالأشكال والتدفقات السرية لطبيعة الورود ، قد اشتغلت بعناد كي لا تختفي الذات ، ولا تكتمل إلا بالبوح . ان الرسم يجدد لذائذه ، بجوار مرارات لا يجد الإنسان فيها حتى مأوى للموت ؛ حفرة ينتظم الجسد فيها ـ وفق التقاليد ـ بدل التشرد بحثا ً عن مقبرة للغرباء .. ان الفنانة سوسن جلال ترسم هذا التدفق ، بما تريد الطبيعة ان تعلنه ، وهو الذي يبقى ، يبث آلفته وسحره الشفاف ، بورود يرجع زمنها الى الماضي السحيق ، تبت لصق ذات لا تختفي ما تريد ان تقول : ان الرسم الصامت ، هنا ، يتكلم ! وبهذا الانشغال صاغت ، وسط حرب أقنعة أوهام الحداثة وموتها ، الواقعية التي تحدث عنها ( بوريس بورسوف ـ في كتابه الواقعية اليوم وابدأ ً ) خارج متاهات الراسماية وأزماتها الدورية .لقد رسمت مغزى الجميل في ديناميته ،لا في استهلاكه . فالفن ليس سلعة ، وإن كنا ـ كما كتب كافكا ـ قد تحولنا الى بقع معتمة يتداولها التجار الكبار ؛ فالوردة ـ كالفن ـ كلاهما ينحدران من المجهول ، نحو ، المجهول الأبعد : ان النصوص ( الأشكال والعطور والرهافات والسطوح والظواهر ) قد تكونّت برداء ليس مرقعا ً : انه ثوب لا يغادر جسد الأرض ، وقد تزيّن بخطاب الجذور .

الوردة : من التراب الى الضوء :

ماذا لو كانت أطوال الموجات اللونية متساوية ، في سرعتها ، واثر ذلك على العين ؟ لنتذكر ان الضوء : كسرعة ثابتة ، في الاحتمال الأول .. كي نضطر لقلب النتائج . ان الضوء ، في سرعته الثابة ، يخفي كل الذي يعلنه ، لأنه يتحدد بحدود الرقيب ، وأجهزته . ألا يجدر بنا ان نشك بما هو غير قابل للشك ؟ وهل قادما تأملنا لحدائق سوسن جلال ، من الرسم الى الشك ، حقا ً .. كي نبحث عن حقائق كامنة في : الضوء / العين / الفن ... وفي الخيط الوهمي لوحدة هذه العناصر ؟
تتحدث الحقائق الفيزيائية عن سرعات ضوئية ، غير سرعة الضوء في مجموعتنا الشمسية ، تبلغ من 8 ـ 12 مرة متفوقة على الـ 300 ألف كيلو متر في الثانية ، تأتي ، من الكوزورات ، ومن مسافات أبعد ، من الثقوب البيض ، وهي خارج حدود مجرتنا . لكن ماذا تعني هذه الإشارة .. وماذا نريد ان نقول ؟
إننا لا نبتعد عن نيوتن .. فقد سعى جهده كي لا يخلط الحدس بالثوابت التي لا جدل فيها . فيقول البروفسور فافيلوف ـ لأن نيوتن توقف عند نظرية الإصدار ( أو الإرسال ) .. كي يتوقف ـ نيوتن ـ عند الفرضية القائلة بان النور هو مد من جزيئات مادية صغيرة الى أقصى حد ، هي اقرب الى المعقول .
بيد ان أطوال الموجات يختلف .. فطول موجة اللون الأحمر ـ أوكسجين الأرض ـ هو 759,4 بالمللميكرون . واحمر بخار ماء الجو الأرضي هو 718,5 .. واحمر هيدروجين الشمس هو 656,3 مثلا ً .. وطول اخضر كلسيوم الشمس هو 527,0 .. ونيلي هيدروجين الشمس 486,1.. الخ
هذه الإشارة تتوقف عند ضوء الشمس ، وليس عند مائة مليار ضوء ينبعث من نجوم مجرتنا .. علما .. ان هناك مائة مليار مجرة ، أخرى .. الى جانب الكوزورات والثقوب البيض .. الخ وهي خارج مدى الوحدات القياسية الحالية ، إلا ، كاكتشافات نادرة وحديثة جدا ً . ما مغزى هذا .. واشاراتنا ، حول موضوع رسامة ترسم الورود ؟ هل ذهب بنا الترف حد إهمال موضوعات الإنسان وحياته ومصيره ؟!
ان ورود الرسامة ، بصفتها تستند الى الواقع ، والى العين المرهفة ، لا تتوقف عند الأسلوب الانطباعي ، إلا وقد جعلت الحدس ، وقوى أخرى داخلية ، تتحدث عن اللامرئي ـ أو المستحيل ـ في الذي رأته ، ورسمته . فالرسامة ، بهذا المزج ، تكوّن نصوصها بانسجام فني ـ نفسي ، ليس ضد ثوابت الضوء . ولكن ليس ضد اللامحدود / والمشع / والمكتوم / لأطوال موجات / درجات / تونات / تتجسد عبر النصوص ، مختزلة ـ عبر أنامل الرسامة ـ من الفيزياء الى الكيمياء ، ومن الأكثر اتساعا ً الى المسطح . فالرسامة لاشتغل بالسحر ، ولا تستعيد أنظمته القديمة . لكنها تسحرنا بالعثور على علاقة سحرية ـ علمية ـ بين أطوال الموجات ، وزهورها . فالمخفيات تشكلت علامات داخل الخطاب التشكيلي ـ مع تجارب الحداثة وما بعدها ـ فهي رسامة تبدو واقعية تعمل عمل عدسة آلة التصوير ، للوهلة الأولى ، مع انها ، لا تغادر حدسها في رصد المخفيات وقد صارت علامات فنية ـ جمالية .
اننا لا ندرك ، لا لأننا لا نمتلك مفاتيح العلم الذي لم يتبلور ، تماما ً ، لدراسة سرعات الضوء فحسب ، بل للذي تمتلكه العين ـ البشرية : العين أو القلب ، أو خلاياهما ، حيث تشتغل الضرورة ، خارج حدود وسائل القياس . فالإشكالية غدت مزدوجة ، كما حدس (غوته) في انشغالاته الشعرية والأدبية ـ لا العلمية بحسب[ أدولف موشغ ] في كتابه [المظهر لا يخدع ـ حول غوته ]، وفي الذات الرائية . إنها إشكالية خارج المفاهيم ، وخارج أنظمة العلم ، مع انها ـ وهي تخص الحساسية الفنية ـ لا تغادر تقانات المعرفة ، وثراء الخبرة الجمالية . فالعلاقة بين ما هو لا مرئي ـ وما هو مرئي ـ التي شغلت ميرليوبونتي[ في كتابه : المرئ واللامرئي ] لا تبدو إلا إشكالية لا تتوقف حلولها عند الأضداد ، بل عند إجابات ابعد ؛ لا تنغلق . فالرسامة تتوسط بين الخارجي ، وكيانها ، كي ترسم علامات تغادر أرضيتها . فهي ترسم أطيافا ً ضمن مجالات لا تقبل القياس . وكأنها تغادر مجموعتنا أو مجرتنا .. لكن هذا محض حلم .. بيد انه لا يغادر ، في مسعاه ، محاولات التقاط محركات الأطياف ، في الاتساع أو اللانهائي صفرا ً : ان حدائقها ، بتنوع المعالجات والألوان والرهافة والاختلافات .. الخ لا تغدو إلا فرصة لمغادرة الرؤية من ثقب واحد وابدي : انها تجعل الفضاءات ، في انشغالها الصوفي ، بيتا ً أو عشا ً لا تدفن فيه ـ بعد الهلاك ـ الموجودات ، إنما سكنا ً تكف فيه الجدران الأرضية ، إلا ان تكون علامة ضيق ، فكيف ، عندما تغدو الورود ، علامات رمزية لازمنية سحيقة ، وأخرى ، أزمنة فجوات تقع خلف هذا الذي اسمه [ ماض ٍ ـ وذاكرة ] وقد بدأت بالانبثاق ؟ إلا نعيد النظر ، بفعل الخبرة الفنية ، في رسومات رسامة مولعة بحدائق الأرض ، ان لا نغادر حدائق الكون ؟!

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6213150   Visitors since 7-9-2002