المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع سيوران *

  
  

ليو جييه Leo Gillet : إستمعنا الى كل الأدعية litanies لعناوين كتبك ، وجميعها ذات مغزى. مرة قمت بعدِّها ومن دون أن أعرف نتاجك. صحتُ : هذا السيّد لا يحب الحياة . هل تجدها يا سيدي تهمة خطيرة ؟ وهل هذا النوع من الملاحظات تتلقاه كسوء فهم ؟
سيوران : لا أعرف كيف أجيب. عليّ القول بأنه أرى هذه العناوين برّاقة أكثر من اللازم ، عدوانية أكثر من اللازم. عندما وضعت كتابي الأول فكرت بأني سأبقي على هذه الطريقة. لغايتها أعتبر أن الكتاب هو شيء شبيه بمعركة مع الحياة ، وتسوية حسابات. حينها سيطرت علي فكرة : “ إما الحياة و إما أنا ! “ و كان على أحد الخيارين أن يحصل. إذن وجدت أن هذه الكتب كما لو أنها أعمال عدوان. بعدها ألفتُ الكتاب التالي ثم التالي. فعلت هذا لأني كنت إنسانا بدون أشغال ، لم أمارس أية مهنة. وكان علي أن أعمل شيئا. إذن كتبت ، وكما ترى يا سيدي ، بضعة من هذه الكتب غير السميكة. أشعر بالحرج حين أتكلم عن كتبي. لكن لم لا طالما أنا هنا وعليّ البوح. حين نشرت كتابي الثاني Syllogismes de l'amertume [ قياسات المرارة ] قال أصدقائي ، جميعهم بلا إستثناء : لقد فضحتَ نفسك ، هذا كتاب معدوم القيمة ولايعدو كونه مجموعة حماقات ، إنه عمل غير جاد ". لم تشر إليه إلا مجلة ( Elle ) للموضة ، كذلك كان هناك مقال ليس كبيرا في ( Combat ) بقلم صديقي Guy Dumur ، وقد تعرفه يا سيدي ، وكان قد إستشهد بتيليران Talleyrand القائل بأن كل ما هو مبالغ فيه يكون معدوم الأهمية. وكان المقصود هنا كتابي. وإذا تكلمت الآن عن هذا كله فالسبب هو أني أريد أن أكشف لك هذه القضية بدءا بالخلفيات. هل أستطيع ؟
جييه : بالطبع .
سيوران : كان عام 1952. وطبع الكتاب بألفي نسخة - سعر الواحدة أربعة فرنكات. وبيعت النسخ خلال عشرين سنة... في النهاية قلت لنفسي: الناس محقون ، فهذا الكتاب من دون قيمة ولا يحق له أن يوجد. وفي الأخير هو يستحق مثل هذا المصير. وحين أعادت دار غاليمار نشره بعدها ببضع سنوات ككتاب للجيب أصبح من نوع كتاب صغير للصلوات مخصص للشباب المنحرف ذهنيا. واليوم هو من تلك الكتب الأكثر تأثيرا... قبل أمد قريب جاءتني إحدى السيدات وقالت لي : " أعطيك يا سيدي ، لا أعرف أيّ شيء ، إذا ألفتَ كتابا آخر مثل هذا”. أجبتها : " أنا لا أقدر ، إذ لا يمكن تأليف كتاب بهذه الصورة " . اذا تعلق الأمر بهذه المصائر للكتب لما صدقت أبدا أن هذا الكتاب سينبعث بتلك الصورة. وليس في فرنسا فقط بل في ألمانيا أيضا حيث نشروا مؤخرا على عمودين في مجلة يسارية متطرفة صادرة في برلين ، مقالا يتناول هذ الكتاب ، بعنوان ( خراء لاغير Nichts als Scheisse ) ( ضحك ). رسموني كشخص يسبح ويغرق في بحر من الخراء. والأمر المثير للإهتمام أن هذا المقال لم يكن ضدي. كان من المفروض أن أحصل على عقاب جسدي لكن لم يحصل شيء من هذا القبيل. أروي كل هذا كي أجزم بأن كل شيء يمكن توقعه عدا مصير الكتاب. أقول دائما للكتاب الشباب الذين ألتقيهم : " إسمعوا ، لا داعي للتفكير بالتوقعات حين يكتب المرء كتابا ، فليس معلوما أبدا أيّ مصير سيلقاه. وأنا انظر الى كل شيء بهذه الصورة ، لكن على الإنسان أن يقتنع وحده بذلك. إذن لامعنى هناك لخلق أوهام أو حمل هموم لسبب واحد لا غير ، وهو أن الكتاب لايلقى الإقبال. فعلي الدوام هناك إمكانية إنبعاث الكتاب المنسي أو الكاسد ". كما ترى يا سيدي فأنا لست بذاك المتفائل الكبير الذي يحصل أن أكونه أحيانا. سوف لن أتكلم عن هذا الأمرأطول وإلا ستعتبرني من يمدح نفسه.
جييه : لا ، أبدا . أنت ياسيدي هنا كي تتحدث عن نفسك. لكن في اغلب الأحيان تبدو في كتبك في نزاع مع الأفكار. منذ البدء تدين بشكل ما في كتاباتك التفكير وفي كل اشكاله. فأيُّ شيء يفسر إنحلال التفكير؟
سيوران : أعتقد أن هذا الإنحلال لا يمكن تفاديه. فمنذ اللحظة التي نفكر فيها بشيء نكون مرتبطين به. وعند خلق فكرة ما نشعر بالسرور من أننا نملكها. هذا هو البعد ( الصالوني ) للفكر. لكن إذا خص الأمر الجمهور والجمع من الناس، وفي الأساس: الكل ، تسري الحياة في تلك الفكرة ، وتحقق الإمتلاء ، فكل شيء ينبع من المشاعر. إن كل ما هو فعلي ينبع من المشاعر. في باريس يعيش فيلسوف روماني إسمه لوباسكو Lupasco يطابق جوهر الأحاسيس بالمطلق . طالما نملك أحاسيسا وطالما نشحنها بالأفكار فإن كل فكرة يهددها ما قد يصبح عاطفة قوية ، إذن ما يصبح خطرا. وهذه العملية لا يمكن تجنبها أبدا. لا توجد هناك فكرة محايدة تماما وحتى المنطقيون هم من النوع الغارق بالعاطفة. وهنا أبدي ملاحظة صغيرة . جميع الفلاسفة التي عرفتهم في حياتي كانوا من النوع الميّال الى الهوى حتى الأعماق ، ومن النوع المندفع والكريه. في كل الأحوال كان ممكنا توقع حيادية ما منهم. لا أعرف في الحقيقة كم عدد الفلاسفة الذين تعرفت عليهم لكنه كان كبيرا ، وكلهم ، نعم كلهم ، ناس ملؤهم الهوى ، وما كان يميزهم هو الفعالية efficiency. إذن إذا كان من يعتبرهم المرء متواجدين في مكان ما أو أنهم بعد من أبعاد التفكير ، هم يصيبون هذا التفكير بعدوى العواطف ، وإذا كان المفروض أن يكونوا بعيدين عنها ، نجدهم يقعون فيها - إذن كيف لا تفعل الجموع هذا الشيء ؟ وما هي الإيدولوجيا في الجوهر؟ ربط الفكر بالعاطفة. ومن هنا اللاتسامح. فالفكرة بحد ذاتها ليست بالخطرة ، لكن حين تربط بها ذرة من الهستيريا تكون قد إضمحلت. إن الكلام عن هذا الأمر هو بلا نهاية ولا مخرج أيضا.
جيليه : في كتبك لاتعامل التأريخ جيدا. فبينكما مفقودٌ الحب المتبادل. أنت والتأريخ ...
سيوران : ليس هكذا حالي فقط مع التأريخ. فكر إلياده Eliade موّجه ضد التأريخ. في الأساس جميع الناس من أوربا الشرقية هم ضد التأريخ. وأخبرك الآن بالسبب . كل الناس من الشرق وبمعزل عن ميولهم الإيديولوجية يملكون حكما مسبقا على التأريخ. السبب ؟ لأنهم ضحايا. فجميع بلدان أوربا الشرقية ، وبدون تحديد ، هي بلدان كانت ، في الجوهر، ضحية الغزو والإستعباد ، فالتأريخ بالنسبة لهم هو، بالضرورة ، شيء شيطاني.
لكن سأقول أكثر : التأريخ هو نقيض الأخلاق. وإذا بدأنا بالإيغال في التأريخ والإستغراق بالتفكير يكون أمرا غير ممكن تماما أن لانقع في التشاؤم. فالمؤرخ – المتفائل هو النقيض أساسا. ومثل هذا الشخص أعجز عن تصوره. بالنسبة لي التأريخ نظام نظري أكتشفته في وقت متأخر جدا ، وفي شبابي منعتني كبريائي المفرطة من أن أقرأ المؤرخين. فحينها قرأت الفلاسفة فقط ثم تركتهم وأخذت أقرأ الشعراء. وحوالي عمر الأربعين إكتشفت التأريخ الذي لم أكن قد عرفته من قبل. أصابني الفزع. كان ذلك أكبر درس للكلبية أستطعت تصوره. خذ يا سيدي أيّ عصر في التأريخ وإدرسه بصورة أعمق قليلا ، حينها ستكون بلاشك إستنتاجاتك فظيعة. بالنسبة لناس أوربا الشرقية يكون التأريخ منفرا ، فهم كانوا مجرد أشياء له. رؤياي للأشياء كانت دائما ، ولنقلْ ، غير مسّرة ، لكن عند إكتشاف التأريخ طردتُ كل الأوهام. إنه عمل من أعمال الشيطان حقا ! فكرْ يا سيدي بهذه الصورة : إذا كنت إنسانا عرف المعاناة ، بجميع الأحداث التي كنتَ فيها شاهدا مباشرا الى درجة أقل أو أكبر فأيّ إستنتاج ينشأ منها ؟ إنه هكذا : جميع القيم الأخلاقية وغيرها التي يجري الكلام عنها لا تملك أيّ فعلية ، أيّ فاعلية. التأريخ هو تطور محتوم للأحداث يحاول الإنسان السيطرة عليه ظانا ً بأن هذا أمر ممكن. لكنه مخطيء. وبهذا المعنى أنا ، بالأحرى ، قدريٌّ شأن أوربا الشرقية كلها. فالجميع هناك هم قدريون وحتى الذين يجزمون بأنهم ليسوا قدريين. إنه أمر مفهوم. لكن حتى ليس هذا هو المقصود ، فحين نفكر مليا نرى أننا نسيطر على أشياء السطح حسب ، بينما في العمق لاسيطرة لنا. من وجهة النظر الفلسفية تكون قضية الحرية بسيطة للغاية : في أوضاعنا المرئية نحن أحرار ونملك وهم الحرية. لكن في جوهرالأمر لسنا أحرارا. فكل ما هو عميق ينفي الحرية. ثم هناك قدرية ما غامضة تحكم كل شيء. وتعبّر الكلمة الألمانية Verhangnis بأحسن صورة عن ذلك. هناك كتاب سحرني عنوانه وتحكم بشبابي كله ، للأسف ليس هو بالكتاب الجيد لكنه ذو عنوان فائق : Bewusstsein als Verhaengnis [ الوعي كقدرية ]. كتبه إنسان شاب إسمه زايديل Seidel و فيما بعد إنتحر. لكن بقي إثنان من أشيائه : إنتحاره وهذا العنوان. الكتاب لا يصلح للقراءة.
جييه : لنعد الى التأريخ وقضية هل يملك معنى. نريد معرفة هل للتأريخ معنى تماما كما نريد معرفة هل للحياة معنى. أنت يا سيدي تكتب : " لوبدأت الأمواج تفكر لأعتبرت أنها تمضي الى الأمام ولأن لها هدفا وأنها تحقق التقدم وتعمل من أجل خير البحر و أنها سوف لن تتردد في خلق فلسفة غبية شأن حماسها" ( Ebauches de vertige مخطط دوار الرأس ). من أين هذه الحاجة لدى الإنسان كي يعطي الأشياء معنى؟
سيوران : لأن كل إنسان ناشط يخطط لمعنى معين. وهو يربط المعنى بما يفعله ، وهذا شيء لايمكن تفاديه ، وهو يدعو الى الرثاء. لا يمكن النشاط ... أنا لم أعرف في حياتي كيف القيام بأيّ نشاط. و لماذا لم أنشط ؟ لأنني لا أؤمن بالمعنى. وعن طريق التأمل والتجربة الداخلية إكتشفت أن لاشيء يملك المعنى وأن الحياة لا لاتملك أيّ معنى. وهذا ليس بمانع طالما نحن ندور هنا وهناك ونخطط لمعنى ما. من الصعب أن نحيا وبدون أن نخطط للمعاني. لكن الناس الناشطين يؤمنون في أعماق النفس بأن ما يفعلونه يملك معنى ما. ولو لم يكن كذلك لما داروا محمومين بهذه الصورة. وإذا كان هناك من رؤياي إستنتاج عملي لبقينا هنا لغاية الموت ، ولما تحركنا من مكاننا وإلا لما كان هناك أيّّ معنى للنهوض من هذين المقعدين. إن وجودي ككائن حيّ هو في حالة تناقض مع أفكاري. ولكوني كائنا حيا أنا أفعل كل ما تفعله الكائنات الحيّة ، لكني لا أؤمن بما أفعله. يؤمن الناس بما يفعلونه وإلا لما استطاعوا أن يفعلوا ذلك. أنا لا أؤمن بما أفعله لكني أؤمن قليلا ، هذا هو موقفي لا أكثر ولا أقل. رغم ذلك فجميع الناس الذي عرفتهم وجميع الذين يعملون شيئا وجميع الذين يملكون مشروعا هم يؤمنون به ويمنحونه معنى ما. وما نجرّبه في الحياة اليومية هو نفسه الموجود على مستوى التأريخ. الناس عاجزون عن تصوّر أن هذا التأريخ لايملك ولو ذرة من المعنى. التأريخ يملك المجرى لكنه لا يملك المعنى . خذْ مثلا الإمبراطورية الرومانية ، لم إغتصبت العالم إذا كان الجرمان قد غزوها فيما بعد ؟ هذا كله لايملك أيّ معنى. لماذا قامت أوربا الغربية بكل هذا الجهد عبر بضعة قرون كي تخلق الحضارة التي هي مهددة ، بوضوح ، من الداخل وطالما أن الأوربيين يهددهم الخراب الداخلي ؟ التهديد الحقيقي ليس هو أيّ خطر من الخارج ، بل أنهم نضجوا تماما كي يختفوا. إذن لنسأل أيّ معنى لكل هذا التطور للأحداث. لامعنى له على الإطلاق. هناك مجرد تطور. وأيّ معنى هنا ؟ لماذا ُبنيت الكاتدرائيات ؟ أنظرْ يا سيدي الى باريس. مرة كانت البانية للكاتدرائيات أما الآن فلديها " برج مونبرناس " Tour Montparnasse . أن يبنى Tour Montparnasse بعد تشييد الكاتدرائية أو مبنى من هذا النوع هل يمكن القول إن التاريخ يملك معنى ؟ و هل لوجود باريس من معنى ؟ كلا. نحن نكدح ونعمل شيئا ثم نختفي. لكن هذا التأريخ الذي أدينه بهذه الصورة ، يدور ويتطور. لماذا ؟ لأن الناس آمنوا دائما بالمعنى. إن نفي التأريخ هو ، في الأخير ، فلسفة هندية تعتبر العمل شيئا لا يعني أيّ شيء ، وهو شيء زائد. فالمهم فقط تعليق suspension الزمن. بالفعل ، فنحن حين نفكر بأيّ شيء كان ،علينا أن نكف عن النشاط والحركة ، والمفروض أن نرتمي على الأرض ونجهش بالبكاء.
جييه : بعد موضوع إنعدام المعنى أنتقل الى الموضوع التالي – موضوع كتبك والذي هو الخواء ، لكن إذا أمعنا التفكير هناك نوعان من الخواء. من ناحية هنا الخوف من الفراغ ومن ناحية أخرى جذب الفراغ. اذن من جهة نملك الضجر، والزمن المنقضي ، ومن جهة أخرى ما أسماه فيلسوف بوذي بسُلافَة nectar الفراغ أي ما يسميه البوذيون شنياتا sunyata [ الفراغ بالسنسكريتية ] . وهذا الفراغ تتكلم عنه يا سيدي : " قد يسمح إدراك الفراغ وحده بالإنتصارعلى الموت ، طالما أن اللاشيْ لا يملك واقعا ، فلماذا على الموت أن يملكه ؟ " . هل يمكنك القول بشيء عن هذين النوعين من الفراغ ؟
سيوران : من جهةٍ هناك الضجر ، ومن أخرى الفراغ كتجربة ميتافيزيقية. فيما يخص الضجر الجميع يعرفه. والآن أرغب في إستعراض بعض اللوذعية. كما تعرف أن الكاتب الذي تكلم بالصورة الأعمق عن الضجر كان سينانكور Senancour. ألف كتابا بعنوان ( أوبرمان Obermann ). وهو اليوم كتاب منسي. يحوي الكتاب مثالا على ما يمكن تسميته ثقافة الضجر.
عدا ذلك قد تتذكر يا سيدي البورتريه غير الإعتيادي لولي العهد regent في ( مذكرات ) سان – سيمون ؟ كان هذا الولي شخصية ساحرة. صعد بعده الى العرش لويس الرابع عشر. ينبغي الإيضاح أن هذا الولي كان نموذجا عاجزا عن القيام بأيّ عمل عدا أنه كل مساء كان يسكر ويطلب إحضار عاهرات. ربما لم يكن حاكما سيئا لكنه بيّن بأن لا شيء يجذب إهتمامه. في تلك اللحظة يكتب سان – سيمون مثل هذه الجملة المدهشة : “ لقد وُلِد ضجرا ً ". والرسم التالي لبورتريه ولي العهد هذا بقلم سان – سيمون لا يزال راهنا بصورة فائقة. فهو يقول إن ولي العهد لا يعرف كيف يحب أحدا أو يكرهه. وإذا كان المرء غير قادر على الكراهية فإنه لا يعرف كيف يحب أيضا. بهذا الصورة منح ولي العهد القرنَ الثامن عشر مثل هذه النغمة. الأكثر من ذلك إمتلك عشيقة لمدة أسبوعين فقط وتكلم معها ، وهنا سبق سينانغور، بأعمق صورة عن الضجر. كانت هي المركيزة دو ديفان Du Deffand . لا أحد اليوم يقرأ المركيزة ، لكن رسائلها غير إعتيادية تماما. هي من أعمق الرسائل التي كتبتها إمرأة في أيّ زمن. إنها تفوق كثيرا رسائل السيدة دي سيفين Sevigne de . وكانت قد كتبتها بالدرجة الرئيسية الى والبول Walpole ، كما كتبتها الى فولتير. كان عمرها حوالي الستين سنة وخطت رسائلا غرامية الى ذلك الشاب الذي توسل إليها أن تكف عن الكتابة ، فرسائلها كانت ُتفتح وُتقرأ وقد تثير فضيحة في إنكلترا. ولماذا ينبغي قراءة رسائلها ؟ لإن فيها أفضل وصف حيّ للضجر كزمن لا يريد الإنقضاء. زمن يفتقد الشيء. إنه ضجر يحاذي اليأس. وهذه الرسائل لم تنشر مرة أخرى، لكنها كتجربة حيّة هي شيء فوق العادة.
بعدها لدينا شاتوبريان. هو يمنح الضجرالتعريف الذي نلقاه عند هايديغير. فلديه يكون الضجر إدراكا لما هو كائن. فمن خلال الضجر نرى الأشياء وندركها ونشعربأننا نحيا. في مؤلفه ( أتالا Atala ) يكتب شاتوبريان : " لم أدرك وجودي إلا أثناء الضجر ". أثناء الضجر لايمكن للوقت أن ينقضي. فكل لحظة تورم ولا يمكن ، كما يقال ، الإنتقال من لحظة الى أخرى. ونتيجة لذلك نبدأ الحياة ونحن في إنفصال جذري عن الأشياء. الكل يعرف أيّ شيء هو الضجر. لكن هجماته من حين الى آخر ليست ذات شأن. غير أنه كشيء ثابت طوال الحياة يكون إحدى أفظع تجارب الإنسان. يظن الناس أن المسنيّن وحدهم يضجرون. أنا جرّبت الضجر بالدرجة الرئيسية في عمر الشباب. قد أصبح منفتحا أكثر من اللزوم لكن هذا لا يضر: أتذكر جيدا تجربتي الواعية الأولى مع الضجر. كان عمري خمس سنوات ، وهذا شيء كوميدي ، لكني أتذكر ذلك العصر ، كانت الساعة هي الثالثة تماما وحينها إمتلكت تلك التجربة التي عبّرت عنها فيما بعد ، فقد شعرت حينها كيف ينسلخ الزمن عن الوجود. فهذا هو الضجرحقا. في الحياة يمضي الوجود والزمن جنبا الى جنب ويخلقان كلا عضويا. ونحن نمضي في المقدمة سوية مع الزمن. أما في الضجر ينفصل الزمن عن الوجود ويصبح إزاءنا خارجيا . وما نسميه الحياة والفعل هو إتحاد بالزمن. فنحن الزمن. وحين نضجر لسنا في الزمن . ومن هنا فالمطر غير الإعتيادي والإحساس العميق بالضيق والذي هو حالة - وعلي ّ هنا أن أكون موضوعيا – يمكن في النهاية أن تكون موضع الحب. ثمة إعجاب بالضجر عرفته طوال الحياة. بل يشعر الإنسان باللذة حين يغوص في الضجر. والحق يقال إن هذه التجربة قد تكون مفزعة. أنا لست نادما على أني عرفتها ، وفي كل الأحوال عرفها الكل بهذه الصورة أو تلك. لكني أؤكد : الضجر المستمر ، الضجر الذي يدوم شهورا – يكون حينها ضجرا حقيقيا. فليس ضجرا ما يستمر نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين أو خلال فترة ما بعد الظهر.
يمكننا التوجه الى بودلير ، أعمق شاعر للضجر. و أضع الروس داخل قوسين ليسا بالكبيرين : في عصر ليرمنتوف و دوستويفسكي نلاحظ تجربة الضجر. إنه ما يسمى بالبايرونية الروسية وما حقق النصر، والتعبير الأشد إستثناءا هو ضجر ستافروغين من ( الأبالسة ). يوجد هناك ضجر روسي ، ونراه عند غوغول الى غاية تشيخوف ، وفي القيصرية الروسية كلها يمكن القول : نحن نملك تجربة الضجر. أنا أعتبر ( الأبالسة ) أكبر كتاب للقرن التاسع عشر. وعموما هو أكبر رواية. أما دوستويفسكي فهو أكبر وأعمق كاتب لكل العصور.
والآن أنتقل الى موضوع الخواء ، وهو في الظاهر حسب شبيه بالضجر. الخواء بهذا المعنى ليس بتجربة أوربية. في الجوهر هو شيء شرقي. إنه الفراغ كشيء إيجابي. وهويعلم كيف الشفاء من كل شيء. إنه يأخذ من الوجود كل ملكية وبعدها بدل الشعور بالفقدان ، أي الفراغ ، نملك الشعور بالإمتلاء - من خلال الإفتقاد. إذن كما لو أنه يمكن القول إن الفراغ هو أداة الخلاص. وكطريق ، كسراط مؤد الى الخلاص، يسمى shunyata أي ( الفراغية ). و الفراغية ليست في الواقع سبب الذهول فهي تكون عندنا الضجر لكنها رغم كل شيء تكون شكلا من أشكال الذهول. وهي ليست أبدا بالتجربة السلبية. بل كما لو أنها سعي صوب التحرير. وأسمح لنفسي الآن بمثل هذه الملاحظة : في كل الأحوال هي عندي مدرسة فلسفية تكون الأكثر تقدما وبعدها لايمكن أبدا القول بشيء ، إنها المادهياميكا madhyamika مدرسة البوذية المتأخرة من حوالي القرن الثاني ميلادي. ويمثلها ثلاثة فلاسفة : ناغارجونا Nagarjuna ، جاندراكيرتي Chandrakirti ، سانتيديفا Santideva . وهؤلاء هم المفكرون الأكثر رهافة . هم أكثر رهافة من زينون الألياتي. و لتبسيط هذه المسألة أرجو أن تتصور زينون الألياتي الذي يستخدم قوته الجدلية لتدمير كل شيء وعن طريق هذا التدمير أراد تحرير الإنسان. إذن ليس هذا بشيء سلبي أبدا. فهو يعني أنه عن طريق تصفية كل شيء و التحررمن كل الصلات نكون حقا مفصولين ونعلو على كل شيء. لقد إنتصرنا على العالم ولاشيء هناك الآن. بالنسبة لنا نحن الذين عشنا و نعيش في الثقافة الغربية يكون هذا الشكل من التفكير الراديكالي الفائق مدرجا تحت إسم العدمية ، هكذا ُسمّي. لكن هذا ليس بعدمية ، فالهدف أو نقطة الإنطلاق إذا فضلتَ هذا الإسم ، هو شيء من نوع الشده المُعرَّى من المضمون ، إذن هو سعادة نموذجية. ولماذا ؟ لأنه لاوجود هناك لأيّ شيء. وهذه الوسيلة هي بالنسبة لنا رفض. وبالنسبة لهم تصبح إنتصارا. وهناك بعد إيجابي حقا لهذه التطرفات في التفكير الشرقي. إذن ما نراه خرابا هم يرونه بلوغا للذروة. وتلك المدرسة ، مدرسة المادهياميكا ليست معروفة في الغرب ، وفي الحقيقة حين أتكلم عنها أتظاهر بأني إختصاصي لكني لا أعرفها في الواقع بصورة جيدة ، فقد كتب القليل عنها وليس كل شيء قد ترجم هنا. نحن نعرف عنها من التراجم التبتية. وفيها كل شيء بالغ الرهافة. وما المقصود من كل هذا ؟ تحرير العقل والقلب. وهذا ليس ديالكتيكا عدميا ، كما ليس من الصحيح وصفه بالعدمية. فناغارجونا يدمر كل شيء ، كل شيء ، كل شيء ، و يأخذ كل مفاهيم الفلسفة واحدا بعد الآخر، ويحطمها تماما. وبعدها يلمع ضوء ما.
جييه : شكرا ، عن كل شيء أنت تتحدث يا سيدي بصورة رائعة. ( سيوران يقهقه ساخرا ). في ( التقطيع Ecartelement )** تكتب هذه الكلمات : " لو كان من الممكن تعليم الحمامة المهاجرة الجغرافيا لكان تحليقها غير الواعي والمتوجه صوب الهدف بإستقامة أمرا مستحيلا " و تضيف القول : " الكاتب الذي يبدل لغته هو في مثل هذا الوضع : حمامة متعلمة عزلاء ".
سيوران : إذن علي أن أتكلم عن نفسي مرة أخرى. جئت الى فرنسا في عام 1937. قبلها لم أفكر أبدا بأني سأكتب في يوم ما بالفرنسية ، في الأساس أنا لا أعتبر نفسي كاتبا. اصبحت كاتبا بالمصادفة. وفي الأخير حتى أن هذا ليس ما حصل بالضبط ، ينبغي الكلام عنه بصورة أخرى. كان عام 1947 حين كنت أقضي العطلة قرب دييب وأتسلى بترجمة مالارميه الى الرومانية. فجأة خاطبت نفسي : " لكن هذا لامعنى له ! ". أنا في فرنسا منذ عشر سنوات وأترجم مالارميه الى الرومانية ؟ قلت : “ كلا ! أرمي بكل هذا الى الشيطان. وسأبدأ الكتابة بالفرنسية " بعدهاعدتُ الى باريس وأخذت أنفذ الفكرة على الفور. كتبت الصيغة الأولى لكتاب ( مخطط الإنحلال Precis de decomposition ). كتبته بسرعة بالغة. أريت المخطوطة لصديقي الذي قال : " لا ، هناك شيء ليس على ما يرام ، ينبغي كتابته من جديد " . لم أفعل هذا الشيء بل قرأت طوال العام المؤلفين من القرن الثامن عشر و بينهم السيدة دو ديفان Du Deffand التي تكلمت عنها قبل قليل. قرأت كل السيدات من ذلك القرن ( ضحك ). الآنسة دي ليسبيناس de Lespinasse وهلم جرا. بعدها عملت في صياغة ثانية لهذا الكتاب. وفي الحقيقة كتبته أربع مرات. أثارت الكتابة فيّ الغثيان. وعملت ذلك لأني قرأت أن باسكال كتب بعض أجزاء من ( أقليمياته ) سبع عشر مرة. أمر مفزع ! قلت لنفسي : " إذا كان باسكال قد إستطاع أن يكتب " إقليمياته " سبع عشر مرة فأنا التائه ألا يمكنني أن أكتب كتابي أربع مرات ؟ ".
هنا علي بإيضاح بعض التفاصيل. الفرنسية هي واحدة من أصعب اللغات. أمر لايمكن تصوره. في لغة مثل الرومانية التي هي مزيج من اللغات السلافية واللاتينية والمحرومة تماما من القواعد الصارمة يمكن للمرء أن يكتب كما يشاء – بإستثناء اللغة الفرنسية . إذن كنت في باريس وها أني أكتشفت شيئين في فرنسا : أيّ شيء يعنيه الطعام وأيّ شيء تعنيه الكتابة . قبل المجيء الى فرنسا كنت آكل كالحيوان. الأم لم تبيّن لنا أبدا أنه عند الظهر سنأكل هذا الطعام أو ذاك. أبدا لمأاسمع منها تعليقا : هذا طعام جيد وذاك سيء. كنا نأكل حسب. ( ضحك ). عائلتي لم تكن فقيرة أبدا بل على العكس ، لكننا لم نعتبرالطعام جزءا من الثقافة. رغم أني أنحدر من شعب متحضر لكن ليس هذا المقصود ، ليس بعد. وماذا حصل بعدها : في باريس سكنت في أوتيل في الحي اللاتيني. وفي كل يوم كنت أنزل الى البهو كي أتلفن وها أني في البداية أسمع – وأنا اتذكر هذا الأمر جيدا – كيف يتناقش صاحب الأوتيل وزوجته وإبنه : " ماما ، ماذا سنأكل في الغداء ؟ " . حوالي نصف الساعة يتباحثون حول هذه المسألة. فكرت بأنه سيكون لديهم ضيوف. وتكررهذا المشهد بضع مرات ، وبعدها لا أعرف كم من المرات ، إذن فكرتُ في النهاية : " طيب ، الأكل هو إذن عمل فكري. عنصر من عناصر الثقافة حقا ". ومنذها أخذت أعلق أثناء الطعام : طعام شهي ". وبدأت أتناول الطعام بطريقة واعية.
والشيء نفسه خص الكتابة. كتبت بالرومانية بضعة كتب ، وجميعها مكتوبة بصورة سيئة لكني أعتبرت أن لا أهمية هناك إذا كتبت هكذا أو بصورة أخرى. الإنسان يكتب كي يقول شيئا لكن أسلوب الكتابة أوالتعبير بهذه الصورة أو تلك لم يكن يملك لدي أهمية. لكن في فرنسا أدركت أن الكتابة هي مثل الأكل أي أنها تسهم في الثقافة. بالضبط هي عمل واع . وعلى الأكثر لايمكن الكتابة بالفرنسية بصورة غير واعية. في اللحظة التي بدأت فيها بنشر الكتب كان هناك شخص معين مهم جدا بالنسبة لي. وبورتريه هذا الشخص سأحاول أن أرسمه لك يا سيدي. كان إسمه لاكومب Lacombe ومن متشردي الحي اللاتيني . سيّد بلحية ، وأعضب ، إذ فقد ساعده في حرب عام 1914 . كان عارفا عظيما بلغة الباسك. لم يكتب شيئا عدا بضع مقالات في شبابه. كان ثريا ، لم يعمل أيّ شي البتة. ومعرفته بالفرنسية كانت بالغة الإتقان. كان مهووسا . مثلا غالبما كان يذهب الى السوربون وحين يرتكب البروفسور ، أثناء محاضرته ، هفوة ما لغوية ، يرتفع صوت صاحبي في القاعة محتجا ! ( سيوران يضرب الطاولة بقبضته ويستغرق في الضحك ). ومثل هذا الشخص كنت بحاجة إليه. فنحن الإثنين كنا من الكسالى وغالبما كنا نلتقي. كان عارفا كبيرا بالفرنسية لكن سبق أن قلت ذلك. عدا بضعة نصوص صغيرة عن اللغة الباسكية لم يكتب أيّ شيء. كان يملك مكتبة رائعة.عدا ذلك كان شبقيا ، إمتلك مجموعة فوق العادة من كتب البورنو ، وكان يستشهد بمقاطع منها يصعب تصديقها. في الشارع كان يتحرش بكل النساء أو كلهن تقريبا ، ومتعته الكبرى كانت الدردشة مع البغايا. كان ما يسليني جدا أنه كان يعنف البغايا على أخطائهن اللغوية. ( ضحك ). قد يبدو الأمر حماقة أو مضحكا لكن هذا الإنسان كان يلقي بتأثير بالغ عليّ. حين أنهيت ، وفي الأخير، كتابة ( مخطط الإنحلال ) قلت للسيد لاكومب : “ علي أن أريك يا سيدي كتابي ". أجاب : " طيب ، إذا رغبت ...". إتفقنا على موعد في المقهى. جئت ومعي المخطوطة ، وأخذت أقرأ له صفحة منها - لكنه راح يغفو. فهمت بأنها النهاية وأن الكتاب رديء. أردت أن يرى الكتاب عن قرب لكنه رفض. رغم كل شيء أنا مدين له بالفضل الى درجة معينة فيما يخص هذا الكتاب. فتفكيره المهووس بالكلمات وتصحيح كل شيء وحتى أخطاء الأساتذة كان إسهاما في ما أسميه بوعي الكتابة. وبالضبط هذا ما كنت أفتقده... وما هو متطور حقا في فرنسا وحدها. فيها تكون الكتابة شيئا مقدسا حقا. وما قلته هو غبي قليلا لكن في الأساس هكذا هي الحقيقة. أثناء حرب 1914 كان ثلث قسم الرسائل في نشرة الجيش Bulletin des Armees ، أو كانت بإسم آخر ، مخصصا لقضايا قواعد اللغة. و حتى اليوم ليس نادرا أن نشاهد الناس الذين يتجادلون حول الكلمات. تحدثت حول هذا الموضوع مع رجل إيرلندي. قلت له إن الفرنسيين وحدهم ، برأيي ، يملكون مثل هذه العبادة للغة. أجابني : " كلا. الإيرلنديون أيضا ". لكن هذا ليس صحيحا فالإيرلنديون مجرد ثرثارين... وهذا ليس الشيء نفسه. أنا أقصد الكتابة كعمل واع. لو لم أقدم الى فرنسا لربما كتبت لكن لما ملكت الوعي أبدا بأني أكتب. طيّب ، قبل كل شيء هو حكم مسبق فيما يخص الكمال... كما تعرف يا سيدي ، حين نقرأ في سيرة أحد الكتاب – لا أتذكر الآن من كان – بأن كان يعيد كتابة رسالته ثلاث أو أربع مرات ... إذن على كل شيء أن يكون نموذجيا. ولامعنى للكلام مثلا : فلان يكتب بصورة رائعة بالألمانية . هذا لامعنى له إطلاقا. وحتى لوكان بالإنكليزية. في كل الأحوال لا أحد يقول هذا الشيء. مثلا حين تقرأ يا سيدي نقدا في صحف مثل الأوبزرفر أو الصندي تايمز أو دي تسايت لاتلقى فيها أبدا أو على وجه التقريب ، جملة : " هذا نص ُكتب بصورة جيدة ". إنه مفهوم فرنسي صرف ، ولا يوجد في مكان آخر. أنا أعرف الكثير من الأجانب ، ففي باريس تلتقي فقط مع الأجانب ، وعن الكتاب لا يجري الحديث. الأميركي لا يقول لك أبدا : " هذا قد كتب بصورة جيدة ". فهذا إمتياز فرنسي فقط. أنا أقطن مقابل مسرح أوديون Odeon ، وأثناء تمرد عام 1968 غالبما ما كنت أذهب الى هناك كي أسمع الخطب. الطلبة كانوا يتكلمون بدون إنقطاع : " لماذا لا يأتي الرفاق العمال للمشاركة ؟ " حينها أجاب شخص ما : " رفاقنا العمال لا يريدون الكلام علنا فهم يخشون أن يرتكبوا أخطاء لغوية ". هكذا إذن كسبت اللغة مكانة شيء من نوع المطلق. في تأريخ البشرية هذه ظاهرة هي الوحيدة من نوعها. طالما ذكرت القرن الثامن عشر، وأقول بأن السيدة دو ديفان تذكر حادثة سيّد إسمه توماس كان معروفا آنذاك وكادوا أن يرفضوا ترشيحه الى الأكاديمية بسبب خطأ لغوي ! أمر غير معهود. إزاء اللغة هناك ملاحظة واحدة : هذه العبادة للغة ، عبادة أصنام وهي ستزول قريبا. الآن في باريس هناك ناشرون يقولون : " لنترك الأخطاء اللغوية. فهي بلا أهمية. لا تغتم يا سيدي ". وهذه نقطة إنعطاف مهمة جدا ، إنها عنصر للسقوط العام. ربما ليس هناك وصف آخر ، أليس كذلك ؟
جييه : يمكن القول بأن كل نتاجك الكتابي تقريبا يتألف من مقاطع حسب. من أين هذا الميل الى المقاطع ؟
سيوران : بسبب الكسل. كي يمكن كتابة شيء متماسك ينبغي على الإنسان أن يكون نشطا. أنا ولدت من مقطع. كتبت أيضا نصوصا أطول لكن لامعنى لذكرها. الآن أكتب شذرات فقط ، أنا ضحية آرائي. فكل ما عملته قاد الى هجمات على الأدب ، على الحياة ، على الله. في هذا الوضع ما الغرض من كتابة أطول ؟ كي نعرف شيئا ؟ الى أيّ موقف قادني المنطق الصارم ، والأكثر من ذلك فهذا يتفق مع مزاجي. لم أكتب أبدا أيّ شيء لم ينتج عن تجربة ملموسة. كل ما كتبته كان لهذا السبب وذاك. ولأنه ، كما قلت ُ ، كنت أملك مثل هذا الإمتياز : لم أكن بروفسورا ، لم أحاضر، لم أمارس أي مهنة ، إذن لم يقيدني أي نظام فكري صارم. كما إعتبرت نفسي على الدوام شخصا غير مسؤول. إذن تكون الكتابة عندي الكلام عن كل ما أرغب به. وحتى لو كان الثمن نقض النفس ، وهذا ليس بالمهم على الإطلاق. لم أكتب من أجل كسب الإحترام ولا النجاح. لأمد طويل كنت في فرنسا غير معروف عمليا ، وإذا إستثنينا أوساطا ليست بالواسعة. إذن قلت لنفسي : " طالما هذا يناسب طبيعتي ..". في الأخير هناك أمر جوهري : رغم كل شيء ألقى الأخلاقيون الفرنسيون بتأثيرهم علي. في شبابي كنت معجبا للغاية بشامفور ولاروشيفوكو وكل المجموعة. قرأت جوبيرJobert وعموما كل الأخلاقيين. لكنها مسألة مزاج . كما ترى يا سيدي الشذرات هي شيء بسيط جدا ، أنت تذهب لتناول الغداء وها أن سيدة ما تقول كلاما غير حكيم وهذا يعطيك فرصة للتفكير ثم تعود الى البيت وتسجل هذا الشيء. هكذا تبدو هذه الآلية. أو أنه في منتصف الليل يأتي الوحي الى الإنسان كمستهل لقول مأثور أو في الساعة الثالثة ليلا ، وفي الأخير ينشأ من كل هذا كتاب بكامله. إنه شيء غير جاد. فليس بمكنتي التعليم في الجامعة ولذلك ألجأ الى الشذرات. هذا غير ممكن. لكني أعتبر بأنه في هذا الوضع حين فسدت الحضارة فإن مثل هذه الأشياء تعمل بصورة ممتازة. بالطبع ليس مسموحا أبدا قراءة كتب الحكم والأقوال المأثورة من الصفحة الأولى الى الأخيرة ، فهذا يخلق الإنطباع بفوضى شاملة وإنعدام الجد. ينبغي قراءتها في المساء فقط قبل الذهاب الى الفراش. أو في حالة الحصر النفسي والإشمئزاز. إذا قرأتَ شامفور من البداية الى النهاية يكون هذا من دون معنى تماما. فهذه الأقوال المأثورة تدمر نفسها بنفسها. الشذرات هي تعميمات خاطفة. الفكر ليس مستمرا. تبدو فكرة ٌ ما وكأنها أوضحت كل شيء ، ويسمونها بفكرة خاطفة. هي لا تحوي الكثير من الحقيقة لكنها تملك قليلا من المستقبل. دائما من الممكن التثبت من معناها ومضمونها على ضوء تجارب الحياة الجارية. إنها عادة في التفكير ينبغي على المرء أن يمتلكها. قدر علمي في روسيا ، في الأدب الروسي ليس هناك أقوال ماثورة ( شذرات ) وفي المانيا هناك القليل جدا منها. وهذا النوع أخذ بها إثنان فقط : ليختنبرغ ونيتشه. في إيطاليا لايوجد. إذن بالرغم من كل شيء فأن هذه الأقوال هي تخصص فرنسي. لكنها مزيج من الجاد وغير الجاد. أحيانا أنا أعلن فرضيات هي جنونية تماما وبعدها يقذفونها بوجهي. أستطيع القول ، بكل إطمئنان ، لمثل هذا الشخص : إسمعْ ، أنا أقول متناقضات وإذا أردت يمكنك أن تقلب الصفحة ". وليس لأني سفسطائي sophist ، فالأخلاقي ليس سفسطائيا. لكن هناك حقائق نشأ التفكير بها أثناء التجربة. حقائق جزئية بشكل خادع. وينبغي قبولها كما هي. لكن ميزة الأقوال المأثورة هي أنها غير مرغمة على تقديم أيّ براهين. القول المأثور ُيلقى وكما يُصفع أحد الأشخاص.
جييه : إذن أنت مهتم جدا بالفلسفة الشرقية. هل تجد أن هناك تبريرا لهذا الفارق الأساسي الذي يشار إليه دائما بين الغرب والشرق ؟
سيوران : أنا لا أعرف الشرق. أعرف قليلا البوذية كما أعرف قليلا أيضا الفلسفة الهندية. عليّ القول إني أعتبر الفلسفة الهندية أعمق فلسفة في كل الأزمان. طبيعي يمكن القول : توجد ، وكأنظمة كبيرة ، الفلسفة الهندية ثم اليونانية ، بالطبع هناك الألمانية . إلا أن الهندية تملك هذه الميزة الكبيرة : في الهند على الفيلسوف أن يمارس فلسفته. هو يمارس الفلسفة لغرض عملي ، فهناك يبحث الإنسان عن التحرير. وهي ليست تمارين فكرية ، فدائما هناك إكمال ما. أما الإنظمة الكبيرة التي نشأت في اليونان أو المانيا فهي دائما ُمشيَّدات لاتملك علاقة مع تجربة ملموسة. إذ يتم إعداد نظام و من ثم يواصل البقاء. لا أحد يطالب الفيلسوف بأن يكون حكيما أيضا. في الأخير لايوجد حكماء في الغرب فلو أمعنا الفكر من كان هو الحكيم ؟ مونتين. لكن أرجو ذكر إسم حكيم آخر بعده... بعده قد يكون غيته لكن هذا ليس بالمثال الجيد... نعم ، مونتين كان حكيما. لكن في الأدب الفرنسي أوالألماني لا يوجد حكماء. هذا ليس تخصصا غربيا. كان هذا تخصص الأزمان القديمة لكن في فترة غروبها. عند بدء الفوضى في الفلسفة. أما في الشرق فلا يمكن تصور الآباء التاويين ككذايين فكريين أو أساتذة جامعيين. ذلك لم يكن مهنة. فحياتهم كانت وثيقة الإرتباط بفكرهم. وهذا رغم كل شيء أمر بالغ الأهمية. إذا تعلق الأمر بي أنا أحترم وليس الذين يحيون بأفكارهم الخاصة بل االذين هم مغمورون مباشرة بالحياة. الفيلسوف الغربي شخص خلقته المفاهيم. لنفكر بهذه الأنظمة الكبيرة ، بالألمانية ، فهي لا علاقة لها بالحياة. الفلسفة الغربية هي سلسلة من الفرضيات الذي ولدت فيما بعد أبنية فنتازية. لكنها على الأقل لم تنشأ من الحياة ولم تعدُّ عند التفكير بالحياة. بينما في الهند أو في الصين ، فتتكلم عن ذلك كامل التقاليد الفلسفية. اقول لك يا سيدي شيئا سيكون تصويرا لحقيقة معينة. إلياده Eliade روى لي بأن أستاذه في الفلسفة داسغبتا Dasgupta الذي كتب أكبردراسة باللغة الإنكليزية عن تأريخ الفلسفة الهندية ، أخبره بشيء من هذا القبيل : " إن أكبر مفكر في الغرب هو الأستاذ أيكارت Eckhart “. ومؤخرا ذكرت هذا القول أمام فيلسوف ألماني إنفجر بالضحك، فقد إعتبر مثل هذا الكلام حماقة صرفة. لكن هذه هي الحقيقة. يمكن القول بأن الأستاذ أيكارت هو أعمق مفكر أنجبه الغرب. وهذا ليس مبالغة ولا قولا غريبا. رغم كل شيء يكون الأستاذ أيكارت حالة فردية. عدا ذلك كان كاتبا غير إعتيادي أيضا. أعتقد أن رأي داسغبتا هو صائب. فالأستاذ أيكارت كان حقا مفكرا يمكن أن تنجبه الهند. أوصيك يا سيدي بكتاب غير إعتيادي ظهر ، كما أظن ، في عام 1927 و كتبه رودلف أوتو Rudolf Otto . أوتو وضع كتابا للجميع لم يكن مثيرا للإهتمام موضوعه القداسة لكنه أيضا مؤلف كتب اخرى بينها كتاب West – Ostliche Mystik وترجم الى الفرنسية : Mystique d Orient et d Occident . وأصدرته Payot. ولماذا هذا الكتاب مثير للإهتمام ؟ لأنه يظهر التوازي. والرأي بأنه قد توجد هنا تأثيرات هو غير وارد البتة. لكن عند إستخدامه الإستشهادات يظهر أحوالا معينة من التوازي. تبدو الحال كما لو أن كلى النظامين الغيبيين يتطور بصورة مستقلة كي يطال أكبر المسائل الميتافيزيقية. التماثلات قائمة حتى في اللغة. وكل هذا يخلق إنطباعا قويا. لا أعرف لماذا اصبح هذا الكتاب منسيا. إنه كتاب عظيم للغاية. وهو يسلط الضوء بصورة رائعة على قضية الغيبي. في الأساس ينبغي فصل الغيبي عن الدين. ربما ليس تماما لكن الغيبي هو شيء منفصل. من خلال الغيبيين يلتقي ناس الغرب مع ناس الشرق. كذلك فالغيبي يصعب فهمه هناك وبدون تجارب. فالغيبي المحروم من الشده لا وجود له. إذن ينبغي أولا أن يأتي شيء ما. والمثير هو أن التجربة الغيبية موجودة دائما في كلتى الحضارتين المتباينتين جدا إلا أنهما مصاغتان بالصورة نفسها. ففي الأساس ، وإذا فكرت يا سيدي بالشده ، لا يملك أيّ أهمية الفارق بين الغرب و الشرق ، فإرتفاعات معينة تفرض لغة معينة. وأينما كنت عليك أن تستخدم تعابير معينة. وعلى مستويات معينة تنشأ حالة الشبه. ولنقل في ذروة الهاوية. ورودولف أوتو الذي هو نفسه خبير بارز في الفلسفة الهندية ، يظهِر – وهو هنا يخلق أنطباعا عظيما - كيف يلتقي غيبيين كبيرين. سانكارا Sankara كان غيبيا لدرجة أقل مما هو فيلسوف كبير في حين أن الأستاذ أيكارت كان حقا غيبيا كبيرا وفيلسوفا كبيرا أيضا. و كلاهما أعد اللغة نفسها تقريبا.
جييه : تقول يا سيدي إنك معن ببعد ملموس للفلسفتين الهندية والبوذية. البوذية تمكن من التحرير عن طريق التعرف حسب. هناك أيضا في هذه الفلسفة ممارسات تأملية وتمارين.
سيوران : في الحقيقة لم أهتم أبدا بالتمارين. لكني إهتممت بالبوذية أمدا طويلا. هي تسمح بدخول الدين لمن لا إيمان عنده. إنها دين يعلن التعرف فقط. وتعلمنا بأننا مجرد مكائن معقدة. وهذه المكائن تتعرض الى التلف ولا تملك واقعا ، فهي ُتظهر لنا اللاواقع ، لا واقعنا. ثم يقول : إستخلصوا من هذا الإستنتاجات. لا أريد التعمق في تفسير البوذية لكن طالما أتكلم عن نفسي أقول أيضا عن علاقاتي بالبوذية. لزمن طويل جدا أعتبرت نفسي بوذيا. قلت هذا وتباهيت به ، كنت فخورا لهذا السبب لكن لغاية اليوم الذي أدركت فيه أن هذا محض خداع. إلا أني حاليا أتفق مع كل الثوابت السلبية للبوذية : نحن لسنا فعليين وأن كل هذا أكاذيب وأوهام ... لكن الطريق الذي تعلن عنه البوذية هو غيرمفتوح لي. فهناك التخلص من الرغبات وتدمير الأنا و الإنتصارعلى النفس. إذا بقي الإنسان مرتبطا بأناه تكون البوذية شيئا غير ممكن ، إذن ينبغي الإنتصار على الأنا. وأنا لا أقدر على ذلك. فشأن الجميع ، عندي هاجس الأنا. شأن جميع اللابوذيين. إذن في يوم ما قلت لنفسي : " هذا خداع وعلي أن أنتهي منه ، فبوذيتك هي محض كذب ". لكن طيلة أعوام عشت حقا في مثل هذه الغطرسة التي لامثيل لها، بل حتى أني قارنت نفسي ببوذا. والحقيقة هي أن تجاربي مع الحياة شابهت تجربة بوذا. فرؤياه للموت والشيخوخة والعذاب هي التجربة التي عشتها وما زلت أعيشها. إنها واقعي اليومي. لكن الحلول التي يقترحها بوذا هي غير مقبولة لدي فأنا لا أستطيع التخلي عن الرغبات، وعموما عن أيّ شيء. إذن قلت لنفسي : " على هذا الخداع أن ينتهي. أنا بوذي لكن إذا تعلق الأمر فقط بقبول أحكامه عن العذاب والشيخوخة والموت ". أما حين يقول بوذا : الآن ينبغي التخلص من الرغبات والإنتصار على الأنا ، أكون عاجزا. ولأني عشت في عالم الأدب ، وكل ما كتبته يدور حول أناي أو الأنا عامة. البوذية شيء مناقض تماما . لكن رغم كل شيء تكون الفكرة الرئيسية للبوذية هي التخلي. علي القول إني حين أنظر حوالي أرى القلائل فقط قادرين على التخلي. وقلت : أنا أيضا لا أصلح لها. أرغب الآن أن أذكر مثالا : عرفتُ سيدة راقية تكرر بدون إنقطاع بأنها بوذية. كانت ثرية جدا. وكنت أسكن في أوتيل ( خلال ربع قرن سكنت في أوتيل ) . قلت لنفسي : " أنا أريد أن أملك سكنا أيضا " . هذه السيدة كانت تملك عشرة بيوت في باريس. إذن رجوتها أن تعطيني سكنا. " طالما أن الأنا لاتوجد عندك يا سيدتي فهذا الأمر لا أهمية له...". ( ضحك ). في الأخير قالت : طيب. إسمعني يا سيدي. في الحي اللاتيني لدي بيت كبير وسأريك إياه ". تريني الطابق الأخير ثم تقول : لدي هناك غرفتان الأولى في رأس الممر والثانية في نهايته " . وإقترحت علي أن أسكن فيهما. أجبتها : “ لكني في الفندق أسكن في غرفتين في الطابق الأخير لكنهما متجاورتان وأنت يا سيدتي تقترحين علي غرفتين أيضا لكنهما غير متجاورتين وتطلبين أجرا أعلى من الأجر الذي أدفعه في الفندق ! ". علي القول بأن هذا الأمر أغضبني جدا ولذلك هاجمتها. كتبت مقالا هاجمت فيه جميع المحمومين بالهند. قيل بأني هاجمتُ ألياده. هذا محض هراء. فأنا هاجمت تلك السيدة. وفي الأخير قلت لنفسي : " أنت تشبه تماما هذه السيدة : في الأساس يكون قصدك الإنتصار، وتقنع نفسك بأنك تعلو على العالم وتأخذ بوقفات ميتافيزيقيٍّ كبير بينما تتصرف في الأساس مثل الآخرين تماما ". أدركتُ بأني لا أملك معطيات روحية تسمح لي بالصيرورة بوذيا. فالبوذية تملك معنى في حالة واحدة فقط ، وهي حين يعيشها الإنسان. أنا مثلا سريع التأثربصورة غير إعتيادية، ويسيطر علي الغضب ولا أستطيع كبح جماحه. ولدى بوذا يكون الغضب إحدى الخطايا الكبرى. أنا عاجز عن السيطرة على الغضب و بكل السبل. أعطيك يا سيدي مثالا آخر سحرني للغاية . كيف يقال هذا ؟ في البوذية عليك قهر كل ما يبدو ضغينة وغضبا ومزاجا عكرا ، وحتى الحزن عليك قهره ، كي تكسب صفاء الروح . وأناعاجزعن تحقيق ذلك.
إلا أني أرغب ، ولكي أشرح الأمر ، في القول عن شيء أثار فضولي لكني لا أعرف كيف أقوله. سأحاول ان أكون دقيقا . ببضعة أيام قبل دخول الألمان الى باريس قال لي أحدهم إن النقود ستفقد كل قيمة. كان لدي ألف فرنك وهي حماقة أن أفقد هذا الألف. كنت أملك بذلة واحدة ، وهكذا قررت شراء أخرى. توجهت الى البوليفار الكبير كي أشتري هذه البذلة الثانية ، و أنا مدرك تماما بأن هناك شيئا لايليق في حقيقة شراء بذلة بينما يريد الجميع الهرب. أدخل الى المحل وكان من الطبيعي أنه خال من الزبائن. البائع يريني بضع بذلات. لكني سرعان ما أخاطب نفسي : “ هي حماقة أن اشتري ملابس! ” . البائع يقول لي : ألا تعجبك أية واحدة ؟ " أجيبه : " كلا ...". ويقول البائع : “ أبله ! “. إذن فكرت فورا : " هو محق ، أنا تصرفت كالأحمق ، فليس الوقت مناسبا لشراء ملابس حين ينهار البلد بكامله. وهذا الصنف البشري كان محقا حين لقنني درسا ". هذه هي الحكاية كلها. وحصلت قبل أربعين سنة . قبل سنتين أو ثلاث أستيقظ في الليل ولدي رغبة لاتقاوم في أن أذبح ذلك البائع الذي كنت قد نسيته تماما وزال عن ذاكرتي ، إذ كنت قد نسيت تلك الحادثة تماما. وها أنه بعد أربعين سنة أستيقظ من نومي فجأة وأريد قتل ذلك الشخص! كي أنتقم من الإهانة عندما نعتني بالأبله. حينها قلت لنفسي : إذا كانت مثل هذه الفكرة السيئة كامنة فيّ عميقا خلال أربعين سنة ، فهي بصورة ما حاضرة فيّ، وهذا يعني أني موسوم بما يسمى الخطيئة الأولى. أنا كائن ساقط لا أملك أيّ مستقبل روحي. في الحقيقة قرأت كبار الغيبيين لكني في الأساس لا أملك أيّ مادة تسمح لي بأن أكون غيبيا ولأنه يصعب على أيّ غيبي أن يملك ضغينة ما بعد أربعين سنة على ذلك البائع... كان ذلك درسا غير إعتيادي في التواضع. أشعر بشيء من الغباء بسبب هذا المثال الذي ذكرته لك. لكن في هذا الميدان يكون أمرا مهما جدا أن لا يرضخ المرء للكذب. وهو أمر أكيد بأنه في القضايا الروحية يكون الإنقياد الى إغراء الكذب بالغ السهولة. وليس من الصعب دائما أن يملك الإنسان أوهاما متعلقة بشخصه. في البوذية يكون الوهم جهلا. ووفق بوذا تكون جميع أحوال الشقاء في العالم مبعثها الجهل.
جييه: ولدت يا سيدي في رومانيا في منطقة تسمى ترانزلفانيا حيث يعيش الألمان والهنغاريون والرومانيون ، ووالدك كان رجل دين ، أليس كذلك ؟ وما لعب دورا كبيرا في كتابتك ، في فترة الشباب ، كان الأرق. ما الذي حصل في شبابك وألقى بمثل هذا التأثير العميق الذي أفقدك النوم ؟
سيوران : من الصعب جدا الكلام عن أمور هي شخصية الى مثل هذه الدرجة. لكن طالما ذكرت يا سيدي الأرق أقول إنه قد يكون أمرا ليس بالسيء أن تواجه مثل هذه المعاناة وأنت شاب. فالأرق يفتح عيوننا. هذه تجربة مؤلمة بشكل غيرإعتيادي. إنها كارثة. لكنها تسمح لنا بفهم أشياء لا يقدر الآخرون على فهمها ، فالأرق يجعلنا خارج نطاق جميع الأحياء ، خارج البشرية. يكون الفرد حينها ُمستثنى. الإنسان يرقد للنوم في الساعة الثامنة مساء ، التاسعة أو العاشرة ، ويستيقظ في الثامنة صباحا ويبدأ اليوم. أيّ شيء هو الأرق ؟ في الساعة الثامنة أنت يا سيدي في نفس الموقع الذي كنت فيه في الساعة الثامنة مساء ! لاتقدم هناك. لاشيء غير ليل بلا حدود. إن الحياة ممكنة في حالة واحدة فقط : أن تكون نتيجة لوضع اللاإستمرار. ولذلك يتحمل الناس الحياة – نتيجة اللاإستمرار التي تضمن النوم. وإختفاء النوم يثير إستمرارية ما مشؤومة. أنت لا تملك الآن إلا عدوا واحدا وهو النهار، ضوء النهار. إنه شيء مكدر للغاية. لكن شيئا من هذا القبيل يحدث حين تكون يا سيدي في اليقظة ، أنت وحيد... ومع من ؟ مع لا أحد. أنت وحيد مع فكرة العدم ، وهذه الكلمة إستخدمتها بسبب سارتر... لكنها تصبح واقعا وأنت تشعر بها جسديا. وحين تكون كل الأشياء محض تصورات تصبح لديك وجودات حيّة. أولا يكتسب الزمن بعدا آخر. فهو ينقضي بالكاد. دقيقة بعد دقيقة. وكل دقيقة هي واقع معيّن. الزمن يبطيء ولا يتقدم. وغير معلوم صوب أيّ شيء يتقدم. لا أرغب في وصف العمليات النفسية المتفاعلة في من يصيخ السمع طوال ساعات بكاملها لإنقضاء الوقت بمثل هذا البطء. برأيي يكون ، في الأساس ، التحسس الخاص بالزمن مصدر جميع الأمراض النفسية ، جميع الصدمات الداخلية ، ونحن تكلمنا عن هذا الشي عند الكلام عن الضجر. في الضجر يكون الوقت بالنسبة لنا خارجيا. لكن في الأرق يكون الزمن عدونا. والسبب هو أنه الزمن الذي لا يمكننا اللحاق به. أيّ معنى لإنقضاء الزمن ؟ أنت جالس يا سيدي والكل يشخرون ، العالم يشخر لكنك يقظ. لا أريد الكلام عن الجانب التراجيدي لهذا الأمر لكنك تعرف بأن تسعين بالمائة من حوادث الإنتحار تملك أسبابها في الأرق. لا أورد هنا إحصاءات ، فهذا لا معنى له. أنا أعرف هذا الأمر. الأرق. ومن يعاني من الأرق يقدم على الإنتحار لكن من لايعرف ماهو الأرق لا يقتل نفسه. ربما هو نذل أو لص أو مجرم يريد إنهاء كل شيء. لكن عموما لا يحصل هذا الشيء. كل حالات الإنتحار، على وجه التقريب ، والتي تحصل بدون أسباب يكون سببها الأرق. يمكن تحمل الوضع لكن بشرط أن لايملك هذا الفرد عملا ، وهكذا كانت الحال معي. وحتى أني فهمت الأمر بهذه الصورة : لو لم يموّل والداي أرقي لكنت قد إنتحرت. هو أمر غير مناسب طرح كل هذا لكن في النهاية من المحتمل أن يمر الجميع بمثل هذه التجربة ولذلك أتكلم عنها. ليست هي تجربة فردية ولست الوحيد الذي يعرفها. عرفها أيضا الكثيرون. تكلمت مع الأطباء عن الأرق غير أنهم لا يملكون أيّ فكرة عنه. والذين لم يمروا بمثل هذه التراجيديا لا يفهموا أيّ شيء. أنا أعتبر أن الأرق هو التجربة الأكبر التي يمكن أن يمر بها الإنسان في الحياة. إنها الأفظع ، وكل التجارب الأخرى هي لاشيء. أريد أن أؤكد بوضوح على هذا الشيء. وطالما بدأتُ البوح علنا مرة أخرى أعترف لك يا سيدي بشيء.
في عمر العشرين كانت أمي في حالة يأس بسبب أبنها الذي يخرج من البيت في الساعة الثالثة ليلا ويهيم على وجهه في المدينة ، الإبن الذي لا يريد أن يعمل شيئا عدا القراءة. كل هذا مجتمعا ً هو بلامعنى. ما العمل ، كنت فاشلا تماما. رجلا كان ينتظره مستقبل رائع لكنه لم يحقق أيّ شيء. أقول هذا ولأنه... في الأخيرأنت ترى يا سيدي بنفسك. إذن كنت في عمر العشرين وكنا وحيدين في البيت – أنا والأم . كانت الساعة الثانية بعد الظهر ، وأنا أذكر على الدوام الساعة ، ففي اللحظات غير الإعتيادية من الحياة تكون الساعة مهمة للغاية وليس كساعة بل بالنسبة لي ، وأذكر أني أنطرحت على الكوشة وقلت : " أنا لا أقدر على تحمل كل هذا أطول ! ". أجابتني أمي وهي زوجة قسّ، وبالضبط أرثوذكسي ، وينبغي تذكر تلك الأوقات : " لو كنت أعرف لأقدمت على إجهاضك ". علي القول إن هذه الكلمات بدل أن تحزنني أصبحت بالنسبة لي تحريرا. عادت بالنفع علي ... فقد أدركت بأني مجرد صدفة عادية. ولاينبغي أن أتعامل مع حياتي بصورة جادة. تلك الجملة كانت تملك قوة تحريرية . معلوم أن الإجهاض كان حينها شيئا غير مسموح به ، وكان في كل عائلة من الأسرار. أما اليوم فهو أمرعاد. وأمي زوجة رجل دين تقول لي مثل هذا الشيء... وبفضل هذا فهمت أن أمي هي إمرأة ذكية... رغم أني كنت قبل ذلك أستخف بها. قضيتان جعلتاني أقدرّها – حين قالت لي في أحد الأيام أنها تحب باخ فقط ( وأنا أعتبره أيضا أعظم موسيقي ... ) ، والأخرى كلمتهاعن الإجهاض.
جييه : لنعد الآن الى ذلك الأرق. في بعدٍ معين هو صورة ٌ، ربما كاريكاتورٌ لإستيقاظ الوعي ...
سيوران : نعم . الأرق هو بالفعل لحظة يكون فيها الإنسان وحيدا تماما في الكون. تماما. لوكان للفرد إيمان لكان الأمر أبسط بكثير. لكن حتى أنا الذي لم يملك إيمانا فكرت كثيرا بالله. لماذا ؟ حين يعمّ الخراب كل شيء يختفي كل شيء ، ينبغي أن يقام حوار مع أحدهم ، فمن غير الممكن الكلام مع النفس طوال الوقت. إذن الفكرة عن الله تظهر آليا ً. وفي الأخير أقول لك يا سيدي شيئا بالغ الأهمية. في عمر الخامسة و العشرين عانيت من أزمة دينية. أزمة دينية من دون إيمان . فأنا طوال الوقت لم أقرأ شيئا عدا سير القديسيين. جميعا. النساء خاصة .( قهقهة ) كنت مثل المخبول. قرأت هذه فقط. وشكسبير. هذه أشياء لاتتفق فيما بينها. لكن على أي حال... قد تكون هناك علاقات ما. ولماذا ؟ حين يحيا الإنسان وحيدا تماما وحين يكون الكون فارغا يصل هو الى حدود ما. وهذه الحدود بالنسبة لغير المؤمن تكون في الأساس ما يسمى بالله. وسترى الآن يا سيدي لماذا كنت أفهم الأستاذ أيكارت. الأستاذ أيكارت تكلم أيضا عن الله كشيء من نوع الحدود التي ينبغي تخطيها في كل الأحوال. يجب الخروج وراء الله، ودخول الألوهية. ويبدو أنه يستخدم حتى مثل هذا التعبير : في الآلوهية يفنى الله في الله. أثناء ليالي الأرق تلك فهمت حقا الغيبيات ، الحالات النهائية ، ففي الغيبيات يسحرنا حقا أنها توفر التصورعن الحالات النهائية ، فخارجها ليس هناك من شيء عدا الجنون. وسط الليل نفسه ، كل شيء قد أغلق في مكان ما وفجأة يبرز الله – غير الله ويملك المرء شعورا بحضور ٍ ما غامض. وحينها يواجه المرء حالات الشدَه ومن دون إيمان. فكيريوف مصاب بالصرع ، وجميع المصابين بالصرع عند دوستويفسكي يعرفون الشده من دون إيمان. أنا أيضا رغم أني غير مصاب بالصرع عرفت حالات الشده هذه بفضل ما يمكن فهمه كشده ديني صرف. قد لا تصدقني يا سيدي لكني قرأت ( سفر الحياة ) للقديسة تيريس من آفيلا Avila. تيريس من آفيلا وليس الأخرى من ليزيو Lisieux . قرأت كل السير الغيبية تقريبا. في تلك الحالات كان واضحا كيف يمكن تجاوز transcend الله الذي يكون الحدود الأبعد ، لكن يمكن المضي أبعد من أبعد الحدود. وهذا بالضبط هو الشده. وهذا بالضبط ما يسميه الأستاذ أيكارت بالآلوهية الخارجة وراء الله. وحين يحلّ الشده... كنت أملك خمس أو ست حالات شده في حياتي لكن بعدها لاشيء. إذن لم أصلح لأن أكون غيبيا وبالطبع لم أكن مصابا بالصرع أيضا. لكن هذه هي حالات عند الحدود. وعلي القول بأن هذه التجارب هي فائقة. قلت لنفسي بأني لم أنم طيلة سنوات بكاملها ، إذن جمعت رأسمالا غير إعتيادي من العذاب. لكن عند التعرف على حالات الشده هذه قلت لنفسي : " لا ضير في هذا " . كل العذابات التي عرفتها عوّضت عنها بسخاء هذه اللحظات غير الإعتيادية التي يصعب وصفها ، فالوصف يفقدها كل معنى. لكن الإنسان يملك فيها إنطباعا بأنه قد تجاوز الله. وفي الوقت نفسه لايملك الإنطباع بأنه ذو عقل أصيب بشيء. لم أملك أبدا الشعور بأني قد جننت أو أن الحال مع رأسي ليست على ما يرام. كنت صاحيا تماما. وهذه هي الجائزة على الأرق. فنحن لا نفقد كل شيء ... وهناك في هذه الحالة عنصر إيجابي. وطالما عرفت الشده كان علي أن أهتم بالغيبيين الذين عرفوه و قاموا بوصفه. فيما يخص الكتب غير الإعتيادية التي تصف هذا النوع من الحياة ، كان الكاتب الوحيد الذي إمتلك تجاربا وتكلم عنها هو دوستويفسكي . ولأكثر من مرة يجري النقاش حول دوستويفسكي وشكسبير فيما يخص هذه القضية وأيّ منهما كان أكبر من الآخر . أنا اجد أن لامعنى له إطلاقا. لكن دوستويفسكي وصل الى الحدود التي لم يصلها شكسبير. شكسبير الى درجة أكبر هو شاعر لم يكنه دوستويفسكي لكن دوستويفسكي وصل الى حدود العقل ، الى حافة الهاوية . ومن خلال القفزة في الآلوهية ، في الشده ، وصل الى النقطة التي ينكسر فيها كل شيء. بالنسبة لي هو الكاتب الأكبر والأعمق الذي فهم كل شيء تقريبا في كل ميدان وحتى في السياسة. هل لديك أسئلة ما يا سيدي ؟
جييه : سؤال واحد . الأخير . كل وعي يكون، وهو أمر أكيد ، الوعي بالعذاب . أليس كذلك ؟ في " مخطط دوار الرأس " تكتب : لو وصلنا الى وعي أجهزتنا ، جميعها ، لحصلنا على تجربة مطلقة ورؤيا جسدنا الذي يفرض الوعي بكل قوة ويقدر حينها على أن يقوم بوظائفه. ويكون الجسد آنذاك وعيا بحد ذاته إذ يكف بهذه الطريقة عن القيام بالدور الصحيح للجسد ".
سيوران : بإعتقادي أن كل واحد إمتلك هذا النوع من التجربة. والأكيد أن هذه الحالة هي سعادتنا ، وأستشهد هنا مرة أخرى بالكتاب الألماني " الوعي كقدر " ، كتهديد. واضح أن الوعي هو عدو الحياة حقا. معلوم أنه حين نعي حركة ما ( كما كلايستKleist في " مسرح الدمى " ) لانعرف كيف القيام بها. ونقوم بها بصورة سيئة. وحين نبدأ بالتحليل والتفكير بجسدنا ، بعيوننا ، سرعان ما نتساءل : طيّب ، ولماذا هذا كله ؟... لدينا شعور بأنه لا يمكن مواصلة هذا الشيء بهذه الصورة وأن لامعنى لهذا كله ، وأن الأجهزة لا تطيعنا. ومن خلال الجمود ، أي اللاحركة ، يمكن الوصول الى شيء من نوع الوعي الشامل بأجهزتنا الجسمية. إلا أن هذا ليس بتجربة تستحق المديح ولا أن تكون قدوة. إنه أمر بالغ الخطورة ، ففي مكان ما ، في النهاية ، يكمن الدمار لا غير. وهو أمر محتمل جدا أنه في الكثير من الحالات يكمن سبب إحباط الناس الذين يفكرون ، من دون توقف ، بأداء الآلية الجسمية ، في هذا الشي بالضبط – في وعيهم بأجهزتهم الجسمية. وهذا أمر خاطيء تماما. وأستطيع أن أذكر التفاصيل لكن من الأحسن ، برأيي ، أن لا أحاول .
جييه : لكن في هذه الحالة ولكي نتجنب العذاب الذي يرافق دائما الوعي ، قد يكون من المفروض الإزالة التامة لمثل هذا الوعي الذي يمكننا بهذه الصورة أو تلك ، من إدراك ما يمنحنا السرور ويأتي لنا بالسلوان. ألا يعني هذا خسران كل شيء ؟ إذا كان لدينا مثل هذا الوعي المؤلم بالأشياء ، يكون لدينا خيار واحد لا غير : النسيان والوهم. وهل للهروب من هذا الألم لا نملك أيّ حل آخر غير إستثناء هذا الوعي ؟
سيوران : لا يمكن إستثناءه. مثلا إذا كان الدمار الذي تكلمت عنه يكمن في غريزتك ، غريزة التدمير فأنت لا تستطيع التخلص منه ، أليس كذلك ؟ في الحقيقة قد يحصل الإنهيار النفسي – وقد يكون هو الحل. لكن لايمكن السيطرة على الجسد. وأقصد هنا شيئا حصل لي مؤخرا. قبل اسبوعين إستلمت رسالة من صديق كان مصورا فوتوغرافيا. لم يكن فيلسوفا ، وقرأ القليل. لكنه كان إنسانا بلا أية أوهام. تعرفت عليه قبيل نهاية الحرب. عند الحديث معه كنت أحيانا أملك إنطباعا بأني ساذج. وهذا الإنسان في عمر الستين تزوج من فتاة. و جاءته بطفل. أقول له : “ أنت يا سيدي رجل لا يملك أوهاما لكنه فعل هذا الشيء ؟ " أجابني : “ ما العمل ، أنا ببساطة ُفتنت بهذه المرأة... “. هو شيء جميل حقا أن لايملك الإنسان أية أوهام في الحياة ، لكن هناك عملا ما يعلن عن وقوفه الى جانب الحياة ويصبح شريكا لها ويكون على نقيض تام لكل معرفة عن الحياة. وإذا كانت الحياة تملك في ذاتها سرّاً ما فهو هذا : حين تعرف يا سيدي كل شيء عنها تكون قادرا على فعل شيء ينقض كامل معرفتك. عليّ أن أضيف أيضا أن هذا المصور الفوتوغرافي كان إنسانا مستقيما، حينها كنا غالبما نلتقي لكن فيما بعد قلت اللقاءات. المرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت قبل سبع سنوات ، فهو كيهودي ألماني عاد الى ألمانيا. خلقت لدي إنطباعا غيرإعتيادي رسالة من إبنه الذي كتب إلي في يوم وفاة أبيه : “ لقد فكر أبي قبل وفاته بك يا سيدي ورجاني أن اكتب إليك ( وأنا أذكر هذا الشيء بدافع الغرور ) أن كتبك رافقته طوال الأعوام الأخيرة ". يبدو لي أنه حين يستلم الإنسان مثل هذه الرسالة يقول لنفسه : “ وهكذا ، في النهاية يجدربالمرء أن يكتب ، فلهذا تبرير ما. ألا تعتبر يا سيدي أن الأمر هكذا ؟ هذا الإنسان الذي مضى وراء كل شيء ولم يؤمن بأي شيء على الإطلاق عرف كيف هو الإفتتان والقيام بفعل غير حكيم مثل الزواج من إمراة وإنجابها طفلا ، إن هذا التناقض بين معرفته وأفعاله يعطي بعدا ً هو بعد السرّ - سرّ الحياة ، وهو بصورة معينة يكفر عن الذنب. لا أعتقد بأنه يجدر التعمق بالنظريات الميتافيزيقية الكبرى حول موضوع السرّ وإلى آخره. ففي هذا السر أنه من الممكن عمل شيء هو على النقيض التام من كامل معرفتنا . إذن هذه هي مغامرة ما ، جنون ما.
جييه : أرغب أن تكون الخاتمة مقطعا يبدو لي مؤثرا جدا. في مكان ما من كتابك ( التقطيع Ecartelemnt ) تقول : “ أن تكون راضيا عن نفسك يحصل هذا في حالة واحدة حين تتذكر تلك اللحظات التي نلحظ فيها وفق الكلمة اليابانية : ( " آخ !" الأشياء ). ما الذي تعنيه : " آخ" الأشياء ؟
سيوران : يمكن التحسس فقط بذلك ، إذ لايمكن التعبير عنه بالكلمات - طيب قد يحصل هذا إذا رددنا بدون توقف " آخ ! “ ( ضحك ). ليس هناك من تفسير عقلاني لمثل هذه الأمور. ( سيوران ينفجر ضاحكا ). للأسف لا جواب هناك. ولايمكن أن يكون إذ يصعب القيام بصياغة تجريدية لشيء عليه أن يكون حقا موضع التحسس.
سؤال من القاعة : ما رأيك يا سيدي بالإنتحار ؟
سيوران : في الإنتحار يكون الشيء الجميل هو أنه قرار. في الأساس تمتدحنا كثيرا حقيقة أننا قادرون على أن ننفي أنفسنا. الإنتحار بحد ذاته هو شيء غير إعتيادي. ريلكه قال عن الموت الذي نحمله في داخلنا لكننا نحمل أيضا الإنتحار. التفكير بالإنتحار يساعد على الحياة ، هكذا هي نظريتي. عذرا إذا كنت أستشهد بنفسي لكني اعتقد بأن عليّ فعل ذلك. قلت مرة بأنه لولا فكرة الإنتحار لقتلت نفسي قبل زمن بعيد. وماهو القصد هنا ؟ هو أن الحياة يمكن تحملها بفضل الوعي بأننا قادرون على نبذها متى أردنا. إنها تحت رحمتنا . وهذا التفكيرلا يطرد الرغبة في الحياة فقط ولا يسبب لنا الكمد بل على العكس يغمرنا بالنشوة. في الأساس نحن مقذوفون في هذا العالم ولا نعرف لماذا. ليس هناك من سبب كي نكون هنا. لكن فكرة أنه بمقدورنا الإنتصارعلى الحياة وأننا نمسكها باليد وأننا نستطيع أن ننصرف عن هذا العرض متى شئنا ، ترفعنا الى أعلى. وأحد أسباب عدائي المرَضي للمسيحية هو أنها قامت بحملة ضد الإنتحار رغم أنه يعين الإنسان. إنها إحدى الأفكار الكبرى التي يتصرف بها الإنسان. ومنذ ألفي سنة يقف هذا الشيء عقبة أمام الإنسان كي ينهي حياته. ( ضحك ). كلا ، أنا أبالغ قليلا ، ليس المقصود أن نقتل أنفسنا بل كي يكون بمقدورنا التفكير بهذا الأمر. هل تعرف يا سيدي بأنه في زمن الملوكية حين ينتحر أحدهم كانت توزع ثروته على سيدات البلاط. نقرأ عن ذلك لدى سان – سيمون ، عند دانغو Dangeau ، حيث الملك وهب هذه السيدة ممتلكات هذا السيد ولأنه قتل نفسه. برأيي أنه بدون الإنتحار تكون الحياة أمرا لايطاق حقا. ليس علينا أن نقتل أنفسنا ، علينا أن نعرف فقط بأن بمقدورنا أن نقتلها. والوعي بهذا الشيء يمنح البهجة. وهو يسمح لنا بتحمل كل شيء. إنه أحد أكبر إمتيازات الإنسان. وهي قضية بسيطة. أنا لست مؤيدا للإنتحار بل مؤيد لنفعية فكرة الإنتحار. وحتى في المدارس ينبغي مخاطبة التلاميذ : “ إسمعوا ، لاعليكم أن تقعوا في اليأس ، فدائما يمكنكم أن تقتلوا أنفسكم متى شئتم ".( ضحك ). هكذا حقا. لهذا السبب سوف لن يقتل الناس أنفسهم و لن يكون هناك إنتحار. أنا أؤيد أمرا من نوع إعادة الإعتبار لهذه الفكرة. أنا واثق من أن الإنسان بحاجة إليها، فلو فكرنا مليا حقا لماذا ُقذفنا هنا وأصبحنا في مأزق لامخرج منه. ما نفعله هو عموما محروم من أيّ أهمية. ولماذا ؟ طيّب ، حين نعرف أيّ شيء سيأتي به المستقبل للإنسان... و فكرة أني سيّد نفسي وأنه يكفي أن أقتل نفسي ... وأن كل شيء سيكون على ما يرام. أرجو الإستماع . أحد معارفي يتلفن إلي من حين الى آخر ويخبرني بأنه يريد أن ينتحر. وإستمرت الحال أمدا طويلا جدا. كان في مصح نفساني. لم يكن بالغا ولذلك رجاني أن أسمح له بالإنتحار. أجبته : “ لا أستطيع أن أسمح لك بذلك ، فأنا لا أريد الدخول الى السجن . أنت تعرف بأني نصير للإنتحار لكني لا أقدرعلى أن أدفعك صوبه". و بكل جبن قلت أيضا : “ تقدّمْ برجاء الى الطبيب النفساني. فإذا وافق فإنتحرْ ". و بعدها ( كان يسكن في أحد الأقاليم لكنه كان يزور باريس ) صارعبئا علي. يتلفن من خمس الى عشر مرات في السنة : “ أريد أن أقتل نفسي" . أقول له : إسمع يا سيدي ، نصيحتي الوحيدة : إنتظرْ أربع وعشرين ساعة. وإذا بقيت في الغد تريد الإنتحار فسترى ما عليك عمله. ربما تزول هذه الرغبة . لكن لا تقتل نفسك على الفور " . هذا الفتى كان ذا لوثة. وهكذا ( سأنتهي من كلامي ولأن هذا المثال الذي أتكلم عنه هو غروتسكي ) بعدها بوقت ما، بضعة أشهر، تلفن إلي وقال : هذا المرة أنا أفكر بصورة جادة. سأنتحر ". سألته : ولماذا لم تنتحر يا سيدي لغاية الآن ؟ " أجابني :" و لأنني وجدت أن رجلي وسختان و لم أجد القوة الكافية لغسلهما ". سألته : “ وهل لهذا أهمية ما ؟ " أجابني : “ لا ، لا . أردت أن أبدو بصورة لائقة ". ( ضحك ). حين يكتب المرء عن هذه الأمور تحصل مختلف المتاعب السخيفة. يتلفن إلي أحدهم ويقول : “ لابد يا سيدي من أن نلتقي فورا ، فأنا أشعر بأني سأقتل نفسي ". أقول له : “ ليس عندي وقت ، فأحدهم موجود عندي الآن " . يجيبني : لا ، لا أنا أشعر بأني سأنتحر ". أجيبه : " لكن بإمكانك يا سيدي الإنتظار قليلا ، بضع ساعات ...”. ثم اضيف قائلا : “ لنتلق في الساعة الحادية عشرة والنصف قرب البانثيون( كان هو يسكن في مونمارتر )”. لكن طيلة المساء إنتابني القلق. قلت لنفسي : “ يا إلهي. كان من المفروض أن أوافق على لقاء فوري ". أرى زوجته وهي تنتظر في الخارج. و... كان شيئا فظيعا. أفكر : “ إذن ، وقع الأمر، وفارق الرجل الحياة...” . ينتابني قلق شديد. أقول لها :”كيف هو زوجك ؟" تجيبني المرأة : “ لقد غفا . لم أرد إيقاظه " ( ضحك ). إن في هذا بعدا كوميديا. إلا أن هذا الفتى حاول قبل ثلاثة أسابيع الإنتحار حقا. وكانت هناك أسباب كي يحاول الإنتحار. الحقيقة هي الحقيقة... الزوجة فاجأته حين أراد في الحمام أن يبلع حبوبا ، وتلفنت الى الإسعاف الأولي لدى البوليس. وحين ظهر خمسة من رجال البوليس قال لهم : “ أنا ... أردت قتل نفسي لدوافع ميتافيزيقية ". أجابه هؤلاء : “ لا ، لا نحن جئنا من أجل قضية أخرى ". ( ضحك ).
جييه : طيب . شكرا ، فأنت يا سيدي تكلمت طويلا. شكرا ، فقد تكلمت بلا إنقطاع. أعتقد أننا وصلنا الى النهاية. أكيد أنك متعب . شكرا ( تصفيق ).


هوامش المترجم :
* جرى هذا الحديث في ما يسمى بيت ديكارت Maison Descartes في امستردام ، في الاول من شباط عام 1982.
** الطبعة الإنكليزية أصدرتها دار غاليمار في عام 1979 بعنوان : Drawn and Quartered



 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561479   Visitors since 7-9-2002