المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع أميل سيوران *

  
  


غيورغ كاربات فوكه Georg Carpat Focke : عندما نجيل النظر حولنا ساعين الى فهم زمننا يكون من السهل الإستنتاج أن التفسخ مصيرنا. كل شيء ، وكما يبدو ، يتجه بهذا الأسلوب أو ذاك صوب النهاية ، وليس نهاية العالم بالمعنى القيامتي apocalyptical الذي نسمع، بلا إنقطاع ، نذيرها ، بل من خلال الفوضى في عملية الإنتاج وإعادته ، من خلال إستهلاك الروح وضياع المعنى. في هذا المدى الذي ألفتَ فيه كتبك تكتسب هي طبيعة ما يسمى بالتنبؤي. ( مخطط الإنحلال Precis de decomposition ) يصبح هنا نموذجا للكتاب المختصر handbook . لهذا السبب أسموك يا سيدي بالمنذر بالتشاؤم الحضاري ، وقدإتهمتَ َ بأنك لا تلاحظ في التأريخ غيرجلجلة عبثية.

أميل سيوران : أنا أنحدر من رومانيا وهذا شيء مهم إذا تعلق الأمر بفهم التأريخ. أنا من بلاد لا ُيخلق فيها التأريخ بل َ ُيجرَّب فيها فقط ،إنها مجرد مادة للتأريخ وليس صانعه. في الغرب يصعب عليهم فهم هذه الحالة. يكفي التفكير بكل ما حققه الغرب وخاصة فرنسا : فرنسا كانت عبر قرون في مركز التأريخ. فرنسا كانت التأريخ. والفرنسي يعجز عن فهم أيّ شيء يعني أن تكون مادة للتأريخ. الآن ، بعد الحرب الأخيرة قد تكون لديه فكرة أحسن بقليل ، لكن قبلها لم يملك أيّ فكرة. لكن لدي أنا المنحدر من الشرق ، من بلد يعيش التأريخ سلبيا حسب ، تكون عنده أكيدة ًحقيقة ُ أن الإنسان هو شيء في الجوهر وليس صانع التأريخ. وهنا يكمن الفارق الأساسي. مثلا الفرنسيون كالقائمين ب( الثورة الكبرى ) صنعوا التأريخ. هم من أتخذ القرار. وهذا الحدث ولد أولا فيهم و بعدها ُنقل الى الواقع.

فوكه : لكن حقيقة أن تكون مادة التأريخ تقود الوعي الذاتي الذي بمكنته الولادة من الحرية فقط ومع الحرية ، في طريق مقفل ، فحينها يعجز الإنسان عن أن يكون ذاك الذي يريد أن يكونه. هل الحرية تقود الى مثل هذا الرفض ؟ وهل كان التأريخ مجرد صراع مع عجزنا ؟

سيوران : توجد في التأريخ لحظات حين يرتفع الإنسان الى مرتبة الصانع ، حين يكون خالقا حقا. ولأني رغم كل شيء أنحدر من الشرق يكون لدي ميل أقوى الى أن ألاحظ في التأريخ البعد السلبي، وأتكلم عنه أيضا. ينبغي على المرء أن يكون شريفا إزاء نفسه. و شعوري العميق يقول لي بأن التاريخ لم يصنعه الإنسان بل بالأحرى هو الذي ُخلق من قبل التاريخ. إلا أني ، وكما قلت ُ ، أقوم بتفسير وجهة نظري الشخصية بمنحدري الروماني . و إذا لم نراع أحداثا كونكريتية و اللحظة البسيكولوجية و إقتصرنا على تقدير إستمرارية الأحداث التي تنتظم في فترات ، نلاحظ على الفور أن الإنسان مقتنع بدوره المُسَبِّب causative في التأريخ. لكن حين ندرس تأريخ العالم في حد ذاته لا يمكن طرد الإنطباع بأن الإنسان هو مجرد ضحية للتأريخ. في الجوهر نلقى هنا قضية الحرية. وحين ننشط يكون لدينا شعور مسبق بأننا أحرار. لكن حين نبدأ بتحليل نشاطنا نجد أننا قد إنسقنا الى وهم ما أو شبه وهم. ولو كنا نملك كامل الوعي بأن نشاطنا وأفعالنا هي خاضعة للجبرية لما أستطعنا عمل أيّ شيء. إن أيّ مبادرة تفترض وهم الإستقلالية. أنا قررت أن أعمل شيئا وإتخذت القرار. طيب ، لكن حين ننظر عن قرب الى هذا القرار يسهل علينا الإقتناع بأننا نكون كما لوكنا عبيد نفوسنا. إتخذنا هذا القرار ، طيّب ، لكن هل كانت هناك إمكانية أخرى ؟ إن كل واحد في النهاية هو ضحية نفسه.
القضية الكبرى تبقى عندي قضية الحرية ، وفلسفيا هي غير قابلة الحل . وأنا مقتنع بأنه لو كان هناك حل لأصبحت الفلسفة كلها باطلة. لكنها غير قابلة الحل. وهذا شيء جيّد. فبهذه الصورة أيضا تبقى قضية الحرية في التأريخ غير قابلة الحل. إنها هي خالقة التأريخ.

قلتُ قبل قليل بأننا نحن الناس من الشرق ، كنا مادة للتأريخ في حين أن الناس هنا إمتلكوا الشعور المسبق بأنهم صانعوه. لكن إذا تعمقنا قليلا في هذه القضية قد يتبين بأن الوهم قائم هنا أيضا.عند تمحيص التأريخ العام يمكن الإعتقاد بأن الإنسان هو آلة اوتوماتيكية رائعة إخترعت كل شيء لكنها بقيت خاضعة لقدرها المرسوم. أحقاً أن ما قام بصنعه قد فعله بطريقة حرّة ؟

فوكه : لكن من الممكن أننا نعجزعن مواصلة الحياة بدون فكرة الإرادة الحرة ، وقد يكون أنسان الغرب قد ولد من هذا الوهم بالضبط. الوجه الآخر للعملة – القدرية التي تخضع للتأريخ قد تؤدي في أفضل الأحوال الى غيبية معيّنة ، عدا ذلك فإن الإعتراف بالتخلي عن الشيء لايقرّب الإنسان من الحقيقة. وإذا حرمنا الإنسان من وهم الحرية هذا ، وكما حصل في الهندوسية المتأخرة أو في بوذية الزين zen ، يقع هو لا محالة في فراغ تأريخي. وحينها يخضع كل شيء لمبدأ الخلق حسب ، وَيظهر العالم كمُبْطِل لمشروع الرب...

سيوران : أنا لا أؤمن بالرب ، مما لايعني أني لست دينيا. إذا إستثنينا مفهوم الخطيئة الأولى يصبح الإنسان ، ببساطة ، لغزا. أنا لا أقبل ، وهو أمر واضح ، التفسير اللاهوتي للخطيئة الأولى ، لكن بدون هذا المفهوم أجد أن كامل العملية التاريخية غير مُسْبَرة impenetrable على الإطلاق.
هنا أريد القول فقط بأن الإنسان حلت عليه اللعنة منذ البداية. هناك كسر ٌفي جوهره. وتحوي طبيعة الإنسان منذ البدء عيبا ما مستترا. ولذلك لايقدرهو إلا على غنم وهم الحرية و ليس الحرية نفسها. لكن وهم الحرية هو غنم أيضا. ويكفيه هذا الوهم. ونحن إذا فقدناه لايبقى لدينا أيّّ شيء.

فوكه : ولنقل بوضوح : كان المقصود هنا لعبة معينة قد نمارسها ونحن عارفون جيدا بأننا سنخسر في جميع الأحوال ، أي أن المقصود هو الدور الذي نقوم به ، وفي الأخير هو ليس بالناجع بشكل خاص. لكن لنفترض أن الإنسانية هي رغم كل شيء قادرة على التحسن و حتى على السمو...

سيوران : كلا البتة . أنا لست صديقا للإنسان ولا أشعر أبدا بالرفعة لكوني إنسانا. بالطبع ، يكون وضع الثقة بالإنسان خطرا كبيرا ، و الإيمان بالإنسان هو حماقة كبيرة وجنون. فيما يتعلق بي يمكن نعتي بمن يحتقر ، في الجوهر ، الإنسان. في الحقيقة عندي أصدقاء طيبون جدا لكن حين أفكر بالإنسان عامة أصل دائما الى الإستنتاج نفسه – قد يكون من الأحسن لو لم يكن هو أبدا. بعبارة أخرى قد يدبر العالم أمره من دون الإنسان.

فوكه : على لسان زرادشت ونيتشه أُعلنَ عن إقالة الإنسان ، فهو شيء عليه أن يكون مغلوبا. في هذا المفهوم كان هناك ثمة أمل ما. أما أنت يا سيدي فترفض أيضا الإنسانية في الإنسان ، لكن ...

سيوران : نعم ، لكن ليس وفق مفهوم نيتشه. لا يمكن أن يكون الإنسان مهزوما ، ففي أحسن الحالات يمكن نبذه. أؤكد هنا : ينبغي نبذه. وفكرة نيتشه عن الإنسان المتفوق هي عبث خالص. نحن نرتجف بسبب الفكرة ذاتها عن النواقص التي تعود الى الحيوانات ، في حين أن نواقص الإنسان هي أسوأ بكثير. ولو ُوجد الإنسان المتفوق لإمتلك بالتأكيد مزايا لكن ليس بما فيه الكفاية ، ولكانت هذه النواقص مرهبة ، وأكثر رهبة من الإنسان نفسه. يبدو لي أن نيتشه كان ساذجا الى حد كبير. كان متوحدا لم يعرف الحياة جيدا بين البشر ، وفي الإساس كان إنساناجديرا بالشفقة ، مغتربا لا يملك معرفة مباشرة بالبشر. ومأساته كلها هي شجاراته مع أصدقائه ، والخيبات التي سببّها له هؤلاء الأصدقاء – كل هذا يدلل ببساطة على أن نيتشه لم يعرف الناس حقا. و الأكثر من ذلك كان يميل الى الأماكن الصغيرة وحرم من التجارب النافعة فيما يخص الحياة في المدن الكبيرة. لم يعرف أيّ شيء يعنيه العيش في الجحيم ، فكل مدينة معاصرة كبيرة هي جحيم ، أليس كذلك ؟ والجحيم نفسه قد يكون أسوأ لكن ليس كثيرا. يبدو لي نيتشه حقا بالغ السذاجة.
لذلك أشعر بأني أكثر قربا من الأخلاقيين الفرنسيين أمثال شامفور Chamfort أو لا روشيفوكو La Rochefaucauld . والحقيقة هي أن نيتشه إنقاد أيضا الى تأثيرهم. لكنه في البداية - وكيف عليّ القول - أمتلك نفسا بريئة... وإمتلكها أيضا عندما إقترب من النهاية. في الجوهر تبدو رؤياه للأشياء وحياته أيضا محض فورات. كان نيتشه مثيرا للإهتمام وساحرا لكن إستنتاجاته لا تبدو لي صائبة ولا حقيقية.

فوكه : لكن يصعب أن ننبذ ، بسهولة ، أفكار إنسان لسبب واحد فقط وهو هنا مجرى معيّن للتأريخ العام ولأناس معينين أيضا. في الأخير يصعب إنكار أنه لغايتها دبر أمره بصورة لم تكن بالأحرى سيئة ، و في الختام واجه بصورة مقبولة جميع المواقف الصعبة في حياته. مات الله كما قال نيتشه ، فهل مات الإنسان الآن أيضا ؟

سيوران : الإنسان يمثل مغامرة لا تصدق. حين أفكر بها يكاد يصيبني دوار الرأس. بالتأكيد يكون الإنسان ظاهرة مثيرة للإهتمام وقد تكون بالغة الإهتمام ، لكنه ُمهدَّد بصورة إستثنائية ، و هشٌّ بصورة إستثنائية أيضا. هناك لعنة قد حلت بالإنسان ، ولايمكنها أن تستمر طويلا ، فنحن حين ننظر إليه عن قرب نجده شذوذا ، هرطقة للطبيعة. يختفي الإنسان سواء بهذه الوسيلة أو تلك أو نتيجة النفاد الداخلي ، وحاليا هذا الأمر ظاهر ولكثير من الإعتبارات ، أو نتيجة إحدى الكوارث الطبيعية ، وأنا لا أعرف أية كارثة منها. ليس في نيتي البتة الكلام كنبيّ لكني أشعر وأنا واثق بأن الإنسان لايمكنه الى ما لانهاية أن يؤخر إختفاءه. لايمكنه الإفلات من نهايته من دون إنقطاع. وهذا الشيء لا يثير في الحزن. كما أني لست متشائما بل بالأحرى و إذا صح القول : أنا مستهلك ؟ ( Geniesser ). بشكل ما أنا أدبر أمري مع الحياة وعلى طريقتي. من ناحية أخرى يلاحقني الشعور بالإرتجال واللعنة وأنه قد حكم علي ، وإقتراب النهاية أيضا. أنا أعتبر حقا أن الكارثة ضرورية وهي قد أصبحت شيئا لابد منه على وجه التقريب.

فوكه : إذا لم تنقذ معرفة الذات الإنسانَ من الإختفاء فهذا يعني أيضا هزيمة للعقل. ولكي نستنفر قليلا ، بصورة ما ، علينا أن نكتشف ذاتنا من جديد في ديناميتنا كفاعل للتأريخ العام ، أو على الأقل ينبغي العثور على الشروط التي تمكننا من إستعادة ذلك الدور ...

سيوران : قد لا تكون شروطا ، لكن في جميع الأحوال عليّ أن أعترف لك ياسيدي ، بأنه تمرق في رأسي فكرة أن الإنسان لديّ ... خذ ْ رامبو. أكبر شاعر فرنسي في عمر العشرين ، كلا : الحادي والعشرين ، توقف عن الكتابة. في عمر الحاد ي والعشرين يعني هذا بأنه معصور تماما. العبقري يفكر بأنه سوف لن يكون عبقريا بل يصبح آخرعاد تماما ، شخصا غير مثير للإهتمام. والإنسان يهدده مصير رامبو. إنهيار فظيع في زمن محدد ، ظاهرة لا سابق لها ، لكنها قصيرة الأمد. يبدو لي الإنسان اليوم شبيها بالكاتب الذي لايملك بعد ما يقوله ، بالمصور الذي لايملك ما يلونه ولأن لا شيء يثير إهتمامه وفضوله. إن عقله لم ينفد بعد لكن هو الذي فقد جميع القوى. في الحقيقة لايزال يصنع شيئا كونكريتيا ، وبالتأكيد قد ينتج أدوات وحتى أنه قادر على القيام بعمل بارز لكنه روحيا يكاد ينفد. مثلا أنا أعتبره عاجزا على خلق دين جديد عميق. يمكنه الإنتاج لكن كمقتف أثر سابقيه epigone و ُمحاك ٍ .

فوكه : وجد هايديغير العلة هنا في نسيان الكينونة ، وقال إن العصر الحديث أنسى التفكير المصدري ، هل أن الإنسان " غير الصحيح unauthentic " من مجتمعاتنا قد قطع كل صلة بهذا التفكير؟

سيوران : أنا مقتنع تماما بأن الحال هي هكذا. لنأخذ مثال عاديا جدا و في الأخير هو مأخوذ من مراقباتي الشخصية : حين تدخل الى المصرف
تشاهد بضع عشرات النساء الشابات اللواتي يضربن الأرقام على الآلة الطابعة من الصباح الى ساعات متأخرة من المساء. والآن فكرْ يا سيدي - بعد كل ما حدث في التأريخ وصلنا الى شيء من هذا القبيل ! وإذا كان مثل هذا المصير يسمى حياة ً فالحياة لاتملك أيّ معنى. إن جميع الأجهزة التي تنشأ حاليا في المدن الكبيرة هي ليست بالضرورية على الإطلاق ومحرومة من المعنى. مثال آخر من الحياة اليومية : في باريس خرجت مؤخرا الى المدينة وأردت عبور شارع كبير. عشرات الحافلات كانت تمرق أمامي بسرعة بالغة ، ومن دون توقف. قلت لنفسي : “ إذا أردت أن لا أكون مدعوسا فعليّ الإنتظار ". و أنتظرت الى حين لم أقدرفيه على العبور. لكل هذا نهاية سيئة. و التجربة من هذا النوع هي اليوم تافهة جدا ، ونملك مثلها العشرات يوميا. لكن واحدة تكفي. فلو فكرنا بكل ما يحدث...
العقلية mentality التي إحترمها الى حد لايصدق هي ابيقور . لنفكرولو بحديقته فقط. تلامذته كانوا يأكلون الخبز وحده و يشربون الماء لكنهم تباحثوا حول السعادة أو غيرها من القضايا التي لايعرفها إلا الرب. أو لنتذكر أي حياة كان سقراط يقضيها. النسك ascetism الذي يكون مثاله هؤلاء الناس ، وغنى وتنوع نتاجات عقولهم ! عند مقارنتنا بهم علينا الإعتراف بأننا مجرد مخططات ، شيء من نوع العلماء – الأشباح. وكل ما نفعله مسلوخ من الفعلية. نقرأ الكتب ، بالطبع ، وأنا في كل الأحوال أقرأ كثيرا ولربما أكثر من الزوم , لكن هذا لامعنى له. إذا كانت الحياة تكتسب لديّ معنى فبالأحرى حين أستلقي في الفراش و أسمح للأفكار بأن تتيه من دون هدف. حينها أملك الإنطباع بأنني أعمل حقا. لكن حين أتهيأ ، فعلا ، للعمل يأخذ على الفور بتعذيبي اليقين بأني ألاحق حسب وهما ً ما . بالنسبة لي يوجد الإنسان حقا حين لا يعمل شيئا. في اللحظة التي أبدا بالنشاط والإستعداد للعمل أصبح مخلوقا يدعو الى الرثاء.

فوكه: هل ما زال ممكنا الخروج من هذا الوضع ؟ طالما أن الكائن البشري قريب من نهايته ولأنه لايعرف وحده العثور على إنسانيته ، لايبقى أمامه سوى أن ينهي الأمر بكرامة. إذن هو حلٌّ رواقي ؟

سيوران : نعم ، تماما. شعرت دائما بأني قريب من ماركوس أوريليوس. والحق يقال أنا لا أحاول تقليد الرواقيين لكني أقبل بموقفهم جزئيا على الأقل. على أي حال يدهشني موقف الرواقيين الرومان من الحياة. أكبر كاتب للإنتيك هو بالتأكيد تاسيتوس Tacitus. في الأخير ليس هذا هو رأيي فقط بل رأي الفيلسوف الإنكليزي هيوم الذي قال بأن أكبر عقل للأنتيك لم يكن إفلاطون بل تاسيتوس. وهذا رأيي أيضا. إن موقف الرواقيين رائع و أنا أشعر بأني في حال طيبة حيم اكون برفقة هؤلاء الناس الذين كانوا من دون أي شك تحت رحمة المجانين و الأوتوقراطيين والمصابين بلوثة عقلية ممن كانوا يحكمون الإمبراطورية الرومانية. كانوا يعيشون وليس في المركز. يسحرني بشكل خاص ما يمكن تسميته بعصر آخر الوثنيين. والحق يقال لاصلة له البتة بالرواقيين لكن الحال كانت نفسها، فهم كانوا الوثنيين الأخيرين قبل إنتشار المسيحية.
حاولت طويلا أن أحزر بأي وسيلة يصبح الناس المحرومون من القابليات مسيحيين وحين عرفوا بأنهم قد خسروا جاء رد فعلهم إزاء أحداث معينة. أقول بأن وضعنا وموقفنا شبيهان قليلا بالوضع من تلك الأزمان مع فارق هو أنه يمكننا توقع ظهور دين جديد. وعند ترك هذا الإحتمال نحن نوجد في وضع آخر الوثنيين. نحن نرى أننا على وشك فقدان كل شيء وقد نكون قد فقدنا كل شيء و أنه ليس هناك ولو بارقة أمل في إنقاذنا. لهذا فإن مصيرنا هو أكثر مدعاة للحزن ، وأكثر دراماتيكية وصعوبة في تحمله ، لكنه مثير للإهتمام أيضا. وهذا بالضبط ورغم كل شيء، هو الإيجابي في عصرنا ، وأنا أعتبره مثيرا للإهتمام بصورة فائقة بل أنه بالغ الإثارة. إذن من ناحية يمكن أن يكون المرء شقيا لكونه يعيش في مثل هذه الأزمان ، ومن ناحية أخرى هو شيء رائع أن نكون شهود الطوفان القادم. سأكون كلي إعجاب ، حقا ، حين أشاهد الطوفان.

فوكه : عند قراءتنا لنصوصك نجزم بقيام الوحدة العميقة بين العمل ومؤلفه تماما كما هي ظاهرة أثناء حديثنا هذا . أنت يا سيدي تطبق أفكارك في الحياة بإصرار نادر وحتى إذا كان فيها شيء مثير للقلق : أنت مغلق على نفسك ، و تصمت ، وتتجنب الشهرة. كيف توضح هذا التماسك ؟ هل هو نابع من مبدأ ما أم أنه نتاج ظروف تأريخية معينة أوقد تكون المسألة متعلقة بشخصيتك ؟

سيوران : إنها هذه الأسباب مجتمعة. كنت محظوظا حين تفاديت فخاخ الجامعات ، وما سهّل الأمر أكثر أني سافرت الى الخارج وبقيت هناك ، كما كنت محظوظا بأني لم أضطر الى إعداد أطروحة الدكتوراه ولا التفرغ للمناصب الجامعية. عدا ذلك إعتبرت نفسي دائما ... “ مفكرا خصوصيا " ولو أنهما كلمتان زنانتان لكن كان هناك شيء من هذا القبيل. يبدو الأمرالآن ولو قليلا كما لو أني أروي قصة أيوب ، وأنه كان " مفكرا خصوصيا “. وفي الأخير كان كل طموحي أن أكون مفكرا خصوصيا يحاكي أيوب. وإذا كنت تلميذا لأحد فبالتأكيد لأيوب. ولو كنت أملك طموحات تخص التعليم الجامعي لزالت ، وفي كل الأحوال لتركتُ هذا وبقيت بدون أيّ تبدل ، فلوكانت تلك الطموحات لكنت مرغما على الأخذ بلهجة معينة ، جادة وبالتفكير اللاشخصي. وكما قلت مرة لفيلسوف فرنسي رئيس كاتدرائية : “ يدفعون لك يا سيدي على أنك لست شخصا". هؤلاء هم ناس يحاضرون في ( الأنثولوجيا ) و( إشكالية الكليّة ) إلخ.
أنا لا أملك مهنة ، ولا أملك واجبات ، ويمكنني الكلام بإسمي ، أنا مستقل ولا أدرّس أية عقيدة. حين أكتب لا أفكر بالكتاب المقبل. أكتب لنفسي. وعليّ القول إن هذه اللامسؤولية بالضبط هي فرصتي. لم أكن معتمدا على أحد ، وعلى الأقل في هذا المجال ، وقد تصرفت بحريتي. أعتقد أنه حين يفكر الإنسان بقضية ما عليه أن يعمل بمعزل عن مهنته ، وأن يقف تماما في الهامش. بالتأكيد لست رائدا ، وعلى أكبر إحتمال قد أكون ... واحدا من الهامش ؟

فوكه : قيل إن الهامشية لا تنفصل عن الوضع البشري ، لكن الإنسان قد يحتل الموقع المركزي بفضل شيء من نوع الإستبطان الجوهري، ولكل من يراقبك يا سيدي أنت تمثل ذلك الطراز الذي ليس بالعادي كثيرا ، طراز الفيلسوف الذي يحيا ، كما يكتب ، وعلى الأقل لا يقبل بالهامشية .

سيوران: لا اعرف فيما إذا كان ما يقال هو حقيقي تماما ، طيّب ، لنكن مرة على الأقل متفائلين... أعتقد ومن دون البحث عن نماذج أن الفلاسفة الحقيقيين كانوا اليونانيين فقط ، هؤلاء الذين كانوا يعيشون تجربة فلسفتهم. ولذلك بالضبط أعجبت على الدوام بديوجينيس وعموما بالكلبيين. وهذه الوحدة إختفت فيما بعد. أعتقد أن الجامعة قد صفت الفلسفة. ربما ليس تماما ، لكن تقريبا... و لا أبالغ كثيرا وكما فعل شوبنهاور، لكن في نقوده هناك الكثير من الحقيقة. بإعتقادي أن الفلسفة ليست مادة دراسية. على الفلسفة أن تكون شيئا ُمعاشا بصورة شخصية - تجربة شخصية. على الفلسفة أن ُتمارس في الشارع وتكون مضفورة بالحياة . في الجوهر أنا من نواح كثيرة ، وكما أظن ، فيلسوف شارع ٍ . الفلسفة الرسمية ، هي سيرة وظيفية career فلسفية أبدا ! طيلة حياتي هاجمت ولا أزال أهاجم هذا الموقف.
فوكه : منذ زمن بعيد يقال و يكرر القول من دون توقف إن الفلسفة قد إنتهت. إلا أن الفلاسفة دافعوا ضد هذا الرأي وبعناد كبير الى درجة أن هناك شيئا في هذا كله ، شيئا له معناه. أجوبة الفلاسفة لا تأتي بالحلول ، وفي كل مكان تسود البرغماتية والحرص على الحياة هنا والآن. أي شيء بقي كي يمكن التمسك ب؟ ربما التمسك بالحكمة ، الطريق الذي مضى فيه " جمع الحكماء hoi sophoi “ ؟
سيوران : ليس هناك من شك أن الحكمة هي الهدف الرئيسي للحياة ، ولذلك أعود دائما الى الرواقيين. هم بلغوا الحكمة ، وهنا يمكن تسميتهم بالفلاسفة وبأدق معنى. من وجهة نظري تكون الحكمة الحد الطبيعي للفلسفة وهدفها ونهايتها في الوقت نفسه. فالفلسفة تنتهي بالحكمة وبالصورة نفسها تزول.

فوكه : إذن ، اذا كنت قد فهمت جيدا ، ترتسم ،هنا ، دائرة ٌ ما ، تبدأ بالحكمة الأنتيكية ثم الفلسفة التأملية speculative وبعدها العودة الى الحكمة عبر الإستغراق في تأمل الجوهر. قد يمر التعرف عبر العثور على الذات ؟

سيوران : الناس الذين خاب ظنهم بالفلسفة يتوجهون الى الحكمة. وهذا شيء صحيح تماما. وقد تكون حقيقة أنه إذا كان ينبغي البدء بالفلسفة فمن المفروض أن نكون قادرين عن قطع الصلة بالفلسفة أيضا. بل قد يكون هذا فرضنا الأعلى. بالتاكيد هذا هو سبب التأثير العظيم الذي ألقته علي الحكمة الأنتيكية ، فلسفة القدماء والتي كفت عن أن تكون فلسفة بالمعنى الذي فهمها به أرسطو مثلا. حاليا إنتقلت قضية التعرف الى المرتبة الثانية وصارت في الأولى قضية طريقة إقتراب ٍ من الحكمة وتحملها. وفي الأخير أنا أعرف قضيتين كبيرتين : كيف تحمّل الحياة و كيف تحمّل النفس. ليس هناك من مهام أصعب. وليس هناك من أجوبة قاطعة حول كيف ندبر أمرنا معهما. ببساطة على كل واحد – وعلى الأقل جزئيا - أن يقوم بالحل بنفسه. هل في الحياة عذاب أكبر من الإرغام على تحمل النفس ، والنهوض في كل صباح ومخاطبتها : “ ها أن يوما جديدا بدأ وعلي أن أدبر بصورة ما ، أمري معه ، والإبقاء عليه أيضا. إذن ليس النشاط هوالمقصود بل الخلق ...
و لهذا السبب أيضا أنا ضد العمل. ليس من المفروض وحتى أن أكتب. القضية المهمة الوحيدة هي أن تملك أمامك دائما هذه القضايا التي لاتقبل الحل ، و العيش كما أبيكتيت Epictet أو ماركوس أوريليوس. آنذاك نحيا وليس ما تحمله الحياة بل التأمل. معاصرونا فقدوا قابلية تأمل الاشياء. لقد نسوا درس قضاء الوقت بصورة ذكية.
لو وضعت الآن حصيلة لحياتي لكان علي القول بأني عاقبة ساعاتي المهدورة. لم أمارس أية مهنة وأضعت الكثير من الوقت. لكن هذه الخسارة كانت في الواقع كسبا. فالإنسان الواقف جانبا والذي يسلك بصورة تختلف عن الجميع يحتفظ ، حقا، بقابلية فهم شيء من العالم. وما أقوله الآن يبدو غير حديث تماما لكن الحقبة الأنتيكية كانت كلها متشبعة بمثل هذا المفهوم. واليوم نحن لا نعرف هذا الشيء. إن مثل هذا الموقف لايملك أيّ معنى في عالم اليوم. لكن هذا العالم سيفنى من دون أيّ شك ، سواء بهذه الصورة أو تلك.




* نشر هذا الحوار للمرة الأولى في الصحيفة البوخارستية الصادرة باللغة الألمانية ( نوير فيغ Neuer Weg ) في نيسان 1992

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6339250   Visitors since 7-9-2002