المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

القاص إبراهيم أحمد لــ( القصة العراقية )

  
حاوره: عدنان حسين أحمد
  
  



يعتمد القاص إبراهيم أحمد على تقنية واضحة في كتابة نصصه القصصي أو الروائي، ولكي نستجلي أعماق هذه التقنية علينا أن نرجع إلى هذه البدايات الجنينية التي صنعت منه كاتباً مرموقاً ضمن المشهد الإبداعي العربي. فلقد ابتدأ إبراهيم أحمد حياته الأدبية شاعراً، إلا أن نزوعه السردي كان أكبر بكثير من الفضاءات التي يتيحها النص الشعري، فلذلك عمد إلى إشاعة مناخات شعرية في قصصه ورواياته كي لا يقمع التحرشات المستحبة للشاعر الكامن في داخله. من هنا نستطيع القول أن جملة إبراهيم هي جملة قصصية خالصة مرصعة بالمفردات الشعرية التي لا تعرقل حركة القص، ولا تهيمن على الحدث أو تطمسه، كما أنها لا تمسخ انسيابه الزمني، لأن لغته القصصية إجمالاً لا تميل إلى التأثيث الإنشائي، ولا تحفل بالتزويق اللفظي الذي يدور في فراغ بليد. أن الكلمات حسب تعبير القاص إبراهيم أحمد( ينبغي ألا تفيض أو تشح عن المعنى)، فلا إسهاب في قصصه، ولا زوائد فائضة عن الحاجة. لقد تشبعت ذاكرة القاص إبراهيم أحمد بعدد كبير من القصص والأساطير القديمة، ناهيك عن الأساطير الحديثة التي نسجتها ذاكرة الناس الجمعية في مدينة هيت وتسربت إلى تلافيف عقله دون أن يدري، فالمئذنة المائلة لا تسقط، لأن الهيتيين يعتقدون أنها ( مسنودة) بيد الأمام علي(رض)، وأن مياههم الكبريتية الدافئة التي تشفي مختلف الأمراض الجلدية إنما تنبع من مكان بين الجنة والنار وما إلى ذلك من أساطير. في هذا الحوار سنسلط الضوء على جوانب أخرى من تجربته الإبداعية والحياتية، كما لا ننسى الجانب السياسي الذي لعب دوراً مهماً في حياة القاص إبراهيم أحمد.

* شهوة القراءة

 من الذي أوقد في روحك شرارة القراءة، وأي كاتب أحدث انقلاباً في ذائقتك الأدبية، وكيف تهيأت لك أولى فرص الكتابة التي وضعت قدميك على سكة المعاناة التي لا تخلو من لذة أكيدة؟

- يصعب عليّ حقاً التوثق من أي مشعل أخذت روحي جذوتها في حب القراءة. لقد ولدت في أواخر الأربعينات ونشأت في هيت، وهي بلدة صغيرة شبه معزولة على ضفاف أعالي الفرات. لم تكن فيها مكتبة عامة ولا دكان لبيع الكتب. كانت أسرتي فقيرة، وليس في بيتنا كتاب، ولا حتى مصباح كهربائي، ولقد أنهيت دراستي الثانوية وأنا أقرأ على الفانوس النفطي! كان بيتنا الصغير شبه المتداعي يتميع بمزية كأنها هبة الرب الوحيدة، وهي قربه من الجامع الكبير حيث تشرئب فوقه مئذنته العالية برأسها المحاط بالمصابيح الكهربائية كاكليل إلهي وتلقى بأنوارها وظلالها في باحتها الصغيرة وكأنها تمنحه نسمات من اللطف والأمان وترفع عنه شيئاً من قسوة الحياة وظلمها المديد. كانت هذه المئذنة المزودة بمكبرات الصوت تلقي في روحي وقلبي وربما مذ كنت جنيناً بترتيل وأناشيد دينية شجية الترنيم يعقبها قراءات مطولة من القران مما حفّزني لتعلم القران وحفظ أجزاء منه في بيت الملا المجاور لنا أيضاً، هل أقول أنني أخذت شهوة القراءة من مئذنة، ومن مقرئ أعمى؟ ربما. ثم جاء انقلاب 14تموز عام 1958 وصارت تعرف بلدتنا الصحف والمجلات المحلية والعربية، بل صارت تصل من الاتحاد السوفييتي الكثير من الروايات المترجمة للكتاب الروس القدامى والجدد، وافتتحت فيها مكتبة عامة، وهنا تحولت قراءاتي وذائقتي الأدبية نحو أفق آخر تماماً، ولم يستحوذ على اهتمامي كاتب معين سوى لفترات قصيرة، فمثلاُ حين قرأت لنجيب محفوظ روايته ( بداية ونهاية ) انشغلت لأشهر باحثاً عن كتبه الأخرى، ثم حين تعرفت على فكتور هيغو من خلال رواية ( البؤساء ) استغرقت في قراءة ما حصلت عليه من كتبه الأخرى، وهكذا لم يلقى كاتب واحد ظله عليّ ليغدو إهاباً لي رغم حبي وتعلقي بالكثير من هؤلاء الكتاب حتى اليوم وبنفس الشغف القديم. أما عن الكتابة فقد بدأتها عفوية وساذجة كأي شئ طفولي آخر. فعندما كنت في الصف الخامس الإبتدائي كتبت للنشرة المدرسية موضوعاً عن ( النخيل والتمر في العراق )، ولا زلت أتذكر حتى الآن اللحظة التي جاء فيها المعلم المشرف على إصدار النشرة يسأل عني وكنت في الصف خلال الدرس، فقد وجف قلبي متصوراً أنهم سيعاقبونني لأنني تجرأت وقدمت لإدارة المدرسة خربشاتي على الورق! لكن المشرف على النشرة أثنى علي وأوصى المعلم بي. أعتقد أن هذه الوقائع الصغيرة تشكل لنا ونحن في قوامنا الغض آنذاك أقداراً تصنع مصائرنا في مضمار حياتنا ووعينا وعطائنا الثقافي والإنساني، والذي ستلعب في حسمه ظروف وأحداث كبرى وصغرى يطول تقصيها. وشئ جميل أنك أثرتها في مخيلتي من جديد.

*مواقد الذكريات
* تنّقلتَ في عدد من البلدان العربية والأوربية، لكن شبح الوطن الأم لا يزال يلاحقك، ويسمعك أصواتاٌ غامضة تتسلل إلى أعماقك كل ليلة. متى تتخلص من لعنة هذه الكوابيس لتنعم بشيء من السلام والاستقرار النفسي؟

- خرجت من وطني مضطراً ومتسللاً إلى سوريا حيث كنت ممنوعاً من السفر وملاحقاً بتهم سياسية مختلقة كانت ستفضي بي إلى المصير الذي آل إليه جيش لا يحصى من المناضلين من مختلف الأحزاب والجماعات والذين غيبوا واختفت آثارهم تماماً أو وسموا بما يسمى بالإسقاط السياسي والأخلاقي ،بينما هو في الحقيقة سقوط جلاديهم وأنظمتهم الشمولية الخارجة على سياق الإنسانية . ومنذ أكثر من عشرين عاماً وأنا أتنقل مع مئات الآلاف من العراقيين بين الكثير من المدن والبلدان والقارات من سوريا والجزائر وهنغاريا والسويد وغيرها ،وها أنا الآن أسكن قريباً من القطب الشمالي أسمع كل صباح وكل مساء أصواتاً مبهمة في الريح لا أدري أهي أصوات الدببة القطبية والفقمات أم هي أصوات كائنات وأشباح قادمة من العوالم الأخرى ! لكني سرعان ما أبددها وأطردها بإشعال المزيد من النيران في مواقد الذكريات . بالكتابة أمنع صقيع القطب من أن يتسلل إلى أعماقي بل أحاول أن أجعل منه لهباً مراً على كل من ساهم بوصولنا لهذا المصير التعيس ! المؤلم في هذه الرحلة أنها لم تكن مقتصرة علينا بل شملت بعذابها عوائلنا وأطفالنا ،بل لقد صارت لنا فيها قبور عزيزة غائرة في الثلج ؟ لقد أصابني الترحال المتواصل بقلق دائم ،فأنا حتى الآن لا أشعر باستقرار في السويد رغم أن هذا البلد منحني الكثير بما فيها حق المواطنة فيه والجنسية وما زلت أحلم بالرحيل منه للعيش في بلد عربي . لقد أرادها حكام العراق أن تكون رحلة فناء لنا وخلاص منا إلى الأبد لكي يخلوا لهم العراق من إي معارض أو من يقول الحقيقة في أي فن من فنون التعبير ،وليتهم انصرفوا بعدنا لبناء العراق وتحقيق السعادة لأبنائه الذي طالهم عذاب العصور ،وأثبتوا لنا قبل غيرنا أنا كنا نشوش عليهم رؤية الحقيقة وسبل التطور والازدهار ؛ لكنهم لم يستطيعوا تجاوز حقيقتهم المجبولة على الشر فانهمكوا بالحروب والغزوات والقمع واضطهاد الناس متمشدقين بالأمجاد الفارغة والتي هي في جوهرها عقد الانحطاط والسفالة . ماذا يمكن أن تفيد المبدع رحلة الفناء هذه ؟،لقد كان علينا أولاً أن نبذل جهوداً مضنية لكي نحولها إلى رحلة خلاص وعمل ونضال ،ليس ذلك النضال المعروف تحت شعارات الأحزاب الخائبة بل نضال إنساني حيث لكل إنسان حق في وطنه ورأي في مصيره وحيث يعني التخلي عن الوطن التخلي عن كنه الإنسان وجوهره .أذكر أنني كنت بعد أن أفلح في الحصول على سكن أو سقف نأوي إليه أفكر على الفور كيف أحصل على منضدة للكتابة ،وكيف استعيد كتبي وأوراقي التي أودعتها عند هذا الصديق أو ذاك في بلدان العالم المختلفة ،ثم بعدها تبدأ جلسة تأمل لما رأيت من بلدان وما سأرى في هذا البلد كنت أحاول دائماً أن أجد متسعاً من الوقت لرؤية أفق النور قبل سدول الظلام التي ترافق المنافي عادة ،ولا أريد أن أتحدث عما يمكن أن يكون قد تسرب لنتاجي من أجواء الجمال والحرية والنظرة الرحبة عبر ما رأيت من تجارب هذه الشعوب ونظمها الثقافية والسياسية فالأفضل أن يتلمسها المتلقي في ما أنجزته فعلاً ،لكني على العموم أرى أن ما سيظهر من هذه التأثيرات في أعمالي لاحقاً هو اكثر مما تحقق لحد الآن !

 تبديداً للحزن الذي لا أتمناه أن يخيّم على هذا الحوار، لمن يقرأ القاص والروائي إبراهيم أحمد للقاصات والروائيات العراقيات والعربيات، ويجد في قراءة كتبهن متعة ذهنية خالصة؟

- من الكاتبات العراقيات تعجبني هيفاء زنكنة وسميرة المانع وسالمة صالح ولطفية الدليمي، ومن العربيات أقرأ بشغف لحنان الشيخ وأهداف سويف وهاديا سعيد وأميلي نصر الله ورشيدة التركي وغيرهن.
* جراحات الناس

 في رواية ( طفل الCNN ) لم تحلق في مدارات المطلق، بل انغمستَ في الهموم اليومية للناس العراقيين. هل كنت تفكر بالقارئ المشارك والمسئول الذي يقف بالضد تماماً من المتلقي الساكن؟

- حين يلامس النص جراحات الناس ويحاول أن يتقصى أسباب مواجعها تصير الإنتباهة إليه من قبيل المشاركة الفاعلة والمسئولية وليس التلقي الساكن ،أو الترحيب العاطفي لذلك يحتدم النقاش والجدل والنقد حوله ،فالناس لا تقبل أن يعّبر الكاتب عما يتعلق بمعاناتها ومصائرها بشطط أو ابتسار ،وبحميمية مفرطة ساذجة أو بتناول متفوق متغطرس مهما اقتضت العملية الإبداعية من ذاتية وعزلة ورؤيا خاصة ،وكلما كانت القضية المطروحة أشد خطورة كلما كان إقبال الناس أكبر وتفاعلهم معه أعمق وأبعد مدى ،وهذا يقتضي من الكاتب منذ البدء أن ينجز موضوعه بأكبر قدر من الموضوعية والتلاحم الضروري والتمحيص ، وأن يمسك بجوهر موضوعه بقوة وإصرار لكي لا يتشتت مساره وتضيع حكايته ،وأن يتأكد إن كان هناك ثمة ما يقال روائياً إلى جانب أطنان من تقارير الصحف والأفلام والتحليلات .لقد بدأت كتابة رواية( طفل الCNN ) على وقع القنابل والصواريخ التي كانت تتساقط على بلدنا ،ما كان يؤلمني حد تمزق القلب أن هذا الوابل الهائل من الحمم كان يتساقط على أهلنا وأرضنا ،لا ليفضي لخلاص إنساني كبير كما يدعى المعتدون بل لتحقيق المزيد من الدمار ونشر المزيد من الشر كان الأمر يجري بذريعة كاذبة تضج بها الوسائل الإعلامية في أنحاء العالم . ،كان الأمريكان ومن أفلحوا في تدجينهم بركبهم يقولون أنهم جاءوا لتحرير الكويت ،بل ادعوا في مراحل أنهم جاءوا لتحرير العراق أيضاً حين دعا بوش الشعب العراق للثورة ووعد ضمناً بالمساندة ،بينما كان الهدف واضحاً وهو تدمير ما تبقى من العراق بالسلاح الفتاك بعد أن دمروه روحياً واجتماعياً بتسليط النظام المتخلف والجائر عليه ،والذي قام بكل المهمات القذرة لصالح الأمريكان والصهاينة بدءاً من تمزيق الوحدة الوطنية وتدمير الوحدة القومية وإبادة الأكراد وشن الحرب على إيران التي لم يحاربها عندما كانت تحت حكم الشاه وفيها سفارة لإسرائيل بل شن الحرب عليها عندما حولت سفارة إسرائيل إلى سفارة للفلسطينيين ،وكنا نرى بعض الفلسطينيين تجرفهم موجة غباء أو حقد أعمى يحملون صور صدام بعد غزوه للكويت وكأنه أرجع القدس ولم يطيل الطريق إليها أكثر فأكثر ،لقد وجدت أن ثمة مأساة بشرية هائلة تقوم أين منها المآسي الإغريقية ، وثمة جرائم وآثام كثيرة ترتدي ثوب البراءة وتقتضي إماطة اللثام عنها ،وهكذا رحت أتحاشى النظر للتلفزيون وأحاول أن أسرد روائياً ما يحدث وما أهجس أن الأيام تخبئه لنا ،وأعتقد أنني بهذا قد وضعت همي الروائي في منطقة صراع إنساني قبل أن يكون صراعاً سياسياً ،ومنطقة خضم معتم وغامض للحقائق والأحلام والرؤى ،قبل أن يكون صراع صواريخ ودبابات ومدافع بين العمالقة والأقزام . لا يهمني ما يقال من أن النص الأدبي ينبغي أن يبقى في حالة طهر وتحليق بعيداً عن الهم اليومي أو التاريخي ،بحجة الانغماس بالقيم المطلقة ،إذ،لا توجد قيم مطلقة تحلق بين الغيوم بل هي دائماً تكتسي اللحم البشري ،و تتغذى من أعمار الناس القصيرة عادة وتهرق في طريقها ضوء عيونهم وشموع قبورهم معاً لقد نشرت الجزء الأول من الرواية وسيصدر الجزءان الآخران في وقت لاحق وأعتقد أن من الصعب الحكم على الرواية قبل صدور الجزأين الآخرين .
* خراب التكنلوجيا

 ما هي المصادر التي اعتمدتها في كتابة رواية ( طفل ال CNN ) وبالذات فيما يتعلق بحفظ السوائل المنوية للمقاتلين الأمريكان، والقيام بعمليات التلقيح الاصطناعي لاحقاً كما حدث لجولييت بعد موت هاردي في الجبهة العراقية، وما هي الحدود الفاصلة بين الخيال والواقع في ولادة الطفل المشوّه؟
- لقد أتعبني هذا المفصل من الرواية وحيرني كثيراً. لم أشأ أن أخضعه لجو العلم أو الطب الصارم ولغتهما الجافة. كما لم أجد من الرصانة الأدبية والشعرية نفسها أن يكون مهوّماً بعيداً عن حقائق الحياة والعلم والطب. لذلك رحت أبحث في المصادر المتوفرة حول هذا الموضوع وأغلبها وجدته في صحف وجرائد. لقد شجعني على ذلك أن حبكة الرواية نفسها لقيتها في خبر مطّول نشرته إحدى الصحف عن مصادر أمريكية موثوقة يقول:أن بعض الضباط والجنود الأمريكيين الذاهبين إلى حرب الخليج أخذوا يودعون سائلهم المنوي في بنوك خاصة، لتستعمله حبيباتهم أو زوجاتهم في حالة موتهم! قمت بتركيب لعملية الإخصاب الطبي بعمل الحب الطبيعي عندما استعادت جولييت حبيبها هاردي من الموت وعانقته بشبق عارماً مما شكّل مشهداً إيروتيكياً غريباً من نوعه، وبذلك كانت ولادة الطفل المشوه عبر استخدام التكنلوجيا المتطورة لأغرض شريرة عملاً مقصوداً حقاً سنراه في الجزء الثاني من الرواية يلعب دوره بعقل أنضجته المأساة مقابل طفل عراقي تشوه بسبب معاكس تماماً، خراب التكنلوجيا والخطل في استعمالها. كما أن الغارات المدمرة على المدن العراقية قد قطعت الكهرباء عن الكثير من المستشفيات، وتوقف الحاضنات التي تمنح ( الأطفال المولودين باصفرار ) الأشعة فوق البنفسجية ما جعلهم يصابون بتلف دماغي يصل في بعض الحالات إلى نسبة 90% . أن المزج بين الواقع والخيال وبحدودهما القصوى هو في غاية الضرورة في نص أدبي يحاول مقاربة موضوع ملتهب ومتفجر صنع تاريخاً رهيباً في المنطقة.
* أجواء النكسات

* كيف تنظر إلى خريطة الجيل السبعيني سواء في الداخل أو الخارج، وهل تعتقد أنهم كانوا بمستولى الستينيين أم تجاوزوهم أو تخلفوا عنهم؟ هل يقرأ إبراهيم أحمد لهم بشكل مستديم، ومَنْ منهم أثارتك تجربته الإبداعية؟
- لا بد من التعرف على الظروف العامة التي نشأ فيها كلا الجيلين لنتبّين مواقع الكتاب السبعينيين في المجال الإبداعي العراقي ، لقد نما الستينيون وتفتحوا في أجواء انقلاب 14 تموز بكل ما كانت تحتدم به تلك الحقبة من تيارات وأفكار واتجاهات وظواهر وشعارات، وقد منوا بضربة كاسحة عام 1963، لم يلبثوا أن صحوا منها بعض الشيء وراحوا يتلقون نسمات النهوض الستيني في العالم كله، والذي تجلى في الإبداع كما تجلى في الموضات والثورات والتظاهرات. وقد أفادوا من أجواء الحريات النسبية في العهد العارفي، ومن التحدي الأليم والقاسي لهزيمة 5 حزيران، فكان لهم عطاؤهم وإبداعهم المتميز مهما أُختلف حوله. أما جيلنا فقد نما في أجواء النكسات، وتفتح في ظل نظام البعث الذي ادعى أنه جاء رداً على هزيمة 5 حزيران، بينما كان في الواقع ثمرة مرة لهذه الهزيمة، وقام بتكريس الهزيمة وإدخالها لكل بيت وكل روح عراقية، وأنتج إرهاباً يفوق ما أنتجته العصور السابقة مجتمعة ، وقد سلط جانب كبير منه على المثقفين الذين تجاذبتهم الأحزاب المعارضة والمضطهدة من جهة، وكعكة السلطة وهراوتها من الجهة الأخرى، وصار من النادر أن نجد مبدعاً أفلح في أن يبقى مستقلاً محتكماً لضميره وروحه الصافية. كيف يمكن أن ينشأ في هكذا أجواء أدب جيد؟ تلك هي المعجزة التي كان على شبان موهوبين وشجعان أن يحاولوا خوض التحدي فيها! لقد كتب السبعينيون الكثير من الشعر والقصة، وبالطبع لن يبقى كله، لكن الجيد منه سيشكل جانباً هاماً ومشرقاً من الأدب العراقي، فهو قد استفاد من التجربة الستينية في القصة والشعر، وفي الفكر حيث أضحى تقليداً أو عرفاً إبداعياً أن يكون للكاتب موقف أو قضية، وأن يعّبر عنها بأعلى مستوى من النضج وأرقى تقنية بعيداً عن الشعارات والصراخ. من المفترض أن الستينيين الآن أكثر نضجاً، وأعمق تجربة، وأكثر مراساً وعطاءً، وهذا ما يتجلى فعلاً في كتابة القلة منهم، إذ الواقع وا أسفاه يرينا أن كثيراً نكصوا، أو صمتوا، أو أنهم ما زالوا يكتبون، ولكن مستوى كتابتهم يجعلنا نتمنى لو أنهم صمتوا. كما أن البعض الآخر غرقوا في كعكة السلطة ودمائها وأوحالها حتى آذانهم، وهذه الحالات تنطبق على السبعينيين أيضاً، ولكن الجيل السبعيني كان أكثر عدداً، وخرج عدد كبير منه إلى فضاءات الحرية في البلدان الأوربية مما جعل تنوعه وتفاعله مع المظاهر الحضارية والإبداعية ممكناً ومفيداً، وأنا أحرص أن أقرأ إبداعاتهم بشغف واهتمام، وهنا لا أريد التطرق للأسماء لأنني ينبغي أن أرفق آرائي بملاحظات وهذه القضية ستأخذ مدى طويلاً لا تستوعبه هذه المقابلة، لكنني قد أجملها بشكل عام ببيت للمتنبي:
( أريك الرضى إن أخفت النفس خافيا فلا أنا عن نفسي ولا عنك راضيا )

 مَنْ مِن الكتاب السويديين أثار انتباهك في حقل القصة القصيرة جداً، وهل اطلعت جيداً على نتاجات الأدباء السويديين خلال إقامتك الطويلة في المنفى السويدي؟

- للأسف لم أستطع تعلم اللغة السويدية بما يتيح لي القراءة بها، ولذلك أسباب أولها سأمي من تنقلي بين بلدان عديدة لم يتح لي الاستقرار أو الركون للغة معينة، لذلك كنت ولا أزال أعتمد المُتَرجم من الأدب السويدي للغة العربية، مستفيداً من ترجمات خاصة أنجزها أصدقاء ولم يُتَحْ لها أن تُنشر. تعرفت على قصص قصيرة جداً كتبها بير لاكر كفست قبل قرن من الزمان وهي تحمل شحنة رمزية وصوفية، إذ كان متديناً ويؤمن بالعلم. كما واصلت القراءة لسترندبيرج وشهدت بعض أعماله على المسرح، وفي الآونة الأخيرة قرأت نصوصاً جميلة ومتميزة لنيكلس رودستروم، وهو كاتب شاب صاعد يتوقعون له حيّزاً عالمياً.



 كنتَ صحفياً مشهوراً في أوائل السبعينات، إذ شَهِدَتْ لك مجلة( ألف باء) وصحيفة ( طريق الشعب) العديد من التحقيقات الصحفية اللاذعة، وبالذات التحقيق الذي كتبته عن( الدراويش ) وأعلنوا من خلاله تكفيرك. هل لنا أن نعود إلى بحثك في تلك الأرض الغامضة؟

- في مطلع شبابي كتبتُ الشعر، وحين وجدتني أحاول عبثاً، وجّهتُ طاقتي الشعرية لبحر القصص والتحقيق الصحفي الذي وجدته أجدى من كتابة الشعر. لقد كتبتُ الكثير من التحقيقات الصحفية لمجلة ( ألف باء ) و صحيفة( طريق الشعب)، وقد كان تحقيقي عن( الدراويش ) عام 1970 وفضحي لبعض ممارساتهم المنحرفة أن يجعلني أدفع حياتي ثمناً له حيث هددوني بالقتل وأعلنوا تكفيري.

* شجرة الإبداع


 شاعت في السنوات العشر الأخيرة ظاهرة أدب الداخل والخارج، ألا تعتقد أن هذه التوصيفات المُرْبِكة، والأحكام العاجلة قد تطعن الثقافة العراقية في صميمها. أليس من الضروري القول بوجود ثقافة وطنية خالصة وثقافة سلطوية مشوّهة؟

- أنا أرى أن أصل الأدب العراقي دائماً هو في الوطن ،حيث يمتد الإبداع من ملحمة جلجامش التي ما تزال تحتفظ بحرارتها الشعرية والفلسفية رغم مرور أكثر من خمسة آلاف عام على ميلادها مروراً بالجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن المقفع وأبي نؤاس والمتنبي وغيرهم حتى الجواهري والسياب والبياتي وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وعلي جواد الطاهر والكوكبة الجميلة المتألقة التي أعقبتهم والتي لا تزال مشعة زاهرة في سمائنا ، وما أدبنا في الخارج إلا الفرع الذي حاول أن يمتد إلى حيث الشمس والأمان والدفء بعد أن جثمت على شجرة الإبداع في العراق سجف الظلام والإرهاب والجهالة وبرودة الموت ،وكلما تأملت ،المبدع العراقي وجدته من شجرة لا تقبل الترقيد بمعنى أنك لا تستطيع أن تحني غصنه إلى الأرض التي امتد إليها وتهيل عليه شيئاً من التراب ليمد جذوره بها مقطوعاً عن شجرة الوطن ،إنه لا ينمو ولا يثمر إلا إذا تلقى نسغه من الشجرة الأم ،وإذا كانت الغصون المتفرعة حيث الحرية وحقه في الحياة قد أعطت أو ستعطي ثماراً كثيرة وشهية فإن معظم رحيقها هو من الجذور الأولى كما أن هذا لا يعني أن ليس هناك على شجرة الوطن الثمرة اليانعة أو الأجمل ،وليس كل ثمرة تكونت على تلك الشجرة في هذه السنوات العجاف هي ثمرة منخورة أو فجة أو مسممة ،ففي قوانين الطبيعة العمياء هناك تكيّفات مذهلة فكيف بقوانين الحياة الاجتماعية والإبداعية الأكثر مكراً من ثعالب البساتين !أذكر أننا منذ سنوات طويلة كنا نطمح لخلق تكامل بين جناحي طائر الإبداع العراقي الجميل ليحلق عالياً ويصل لأي مكان في الدنيا ويمنح أغنيته ساحرة متفردة لقلوب البشر دون أن يفقد حقه في العودة إلى عشه ؛لكن الحروب الرعناء التي افترست الوطن وصنوف القهر وغلق الحدود جعلت إيصال كتاب إلى العراق أو إخراجه منه أصعب بكثير من إيصال رسالة أو إخراجها من زنزانة المحكوم بالإعدام ! وفي الوقت الراهن حيث المحنة بلغت مدى مفزعاً ،فإن تكامل عمل المبدعين العراقيين في الداخل والخارج أضحى ضرورة ملحة ،حيث إن هذا سيساعد كثيراً في تأمل أبعاد هذه المعضلة الوطنية والإنسانية التي لم يشهد العراق مثيلاً لها في تاريخه القديم والحديث مهما قيل عن وحشية هولاكو وهمجية الأتراك ! إن وضع اليد على جوهر المصيبة والسبل الناجعة لإنهائها والانتقال إلى عهد جيد لا يتم بمعزل عن رأي واجتهاد المبدعين في الداخل إذا أردنا حلاً وطنياً بعيداً عن دكتاتورية سلطة لم تعد جديرة بالمسئولية والبقاء ،وتدخل أمريكي وأجنبي وقح ينبغي أن يقف عند حده !وبعيداً عن هذه المهمة الضرورية والمتروكة طبعاً لإرادتهم الحرة ،رحنا نقلق لأوضاعهم المعاشية في هذا الظرف الحرج الذي ألجأهم لإلقاء القلم وفرشاة الرسم والاشتغال بأعمال يدوية ،أو لبيع كتبهم ومقتنياتهم العزيزة للحصول على لقمة العيش ،ومن أجل تخيف أعباء الظروف القاهرة عنهم ،ومساعدتهم لمواصلة إبداعهم الهام والخطير حيث هم في قلب المأساة وفي ذرى اللجة لتمكينهم من جعل إبداعهم ونتاجهم يذهب في الاتجاه الذي يريدونه هم وليس لإرادة من يتحكم بلقمة عيشهم وأطفالهم ،فقد تنادينا ،مجموعة من الأصدقاء لتأسيس صندوق يساعد المبدعين في الداخل ،يمون من مساهمات الأصدقاء أو من ريع كتبهم التي ينظر في أمر إعادة طبعها في الخارج ولكن اصطدمنا بحقيقة بشعة أخرى وهي أن السلطة صارت تعتبر إيصال إي مبلغ أو القيام بأي اتصال ذا طبيعة عامة هو بمثابة اتصال بقوى المعارضة ويعرض أطرافه في الداخل للمسائلة والعقوبات الجائرة المعروفة والتي تصل حد التصفية الجسدية وقد قال أحد الأصدقاء مقترحاً إيقاف تنفيذ المشروع ( نكون جينا نكحلها عميناها ) ،،وليت هناك من ينظر في الاقتراح من زوايا أكثر دقة وبراعة لنمضي به إلى أقصى مدي ممكن،حيث أن من زملاءنا المبدعين قد سئموا بلا شكك كلمات التضامن والمواساة الجوفاء ،ولا بد من حلول ومعالجات تعمل على سد رمقهم وتوقف عمليات تسرب كتب ولوحات المبدعين إلى صالونات المبدعين إلى صالونات الجهلة والأميين من مشبوهي النعمة.
فتاة الغلاف
 كيف ينظر القاص والروائي إبراهيم أحمد إلى ظاهرة النزوح الجماعي للعقول العراقية المبدعة في مختلف مناحي الحياة، وبالذات الأدباء والفنانين، ما مصير هذه الطاقات التي تشتتت في منافي الأرض البعيدة، وما مصير بلدنا الذي وجد نفسه مجرداً من هذه الطاقات الخلاقة التي باتت تبحث عن متنفس أرحب لأبسط شروط الحرية؟

- بعد هزيمة النظام في حروبه الرعناء كان لا بد لآلته الإعلامية والثقافية ولطلائع المجتمع الإبداعية أن تهتز وتتصدع حيث كان لابد للزيت الفاسد الذي كان يصب بين تروسها أن يحدث فيها التآكل والعطب ،ثم حين اصطدمت هذه الآلة بالجدار الأخير حدث فيها تفكك عميق ،ورغم إنه لم يكن حاسماً ،إلا أنه أوجد لدى البعض صحوة طيبة ولدى البعض الآخر ذهولاً لم يفق منه حتى الآن بينما بقي البعض الآخر مأخوذا بعزة الإثم ،ينبغي أن لا ننسى أن بعضاً ممن عملوا مع النظام انخرطوا معه في مسيرته انطلاقاً من مبادئ كانوا يؤمنون بها ولا ينبغي أن نتصورهم دون قلوب أو ضمائر وهم يرون الطاغية وأبناءه وحاشيته الخانعة يدوسونها ويمرغونها ويحيلون كل نضال البعثيين ومعاناتهم ثماراً يانعة لهم ولمملكتهم التي يريدون تداولها بالوراثة كملوك !وأعتقد أن النظام الذي فقد شرعيته تماماً مازال يقف (بعد قرار بوش بالإبقاء عليه ) على ثلاث آلات ،الآلة القمعية الهائلة بيد ابن الرئيس والتي يدخل الناس من طرفها أحياء أصحاء ثم يخرجهم من طرفها الثاني لحماً وعظاماً مهروسة في أكياس تصلح سماد لمزارعه ،والآلة الاقتصادية التي يمسك به الابن الآخر المشلول وهذه يدخل من طرفها أوراق الجرائد الرديئة ليخرجها من الطرف الآخر دولارات وسندات وأوراق ملكية اشترى فيها العراق كله وسجله ملكية بالطابو له ولعائلته ،وقد أفاد كثيراً من ظروف الحصار لذا هو يعمل مع أبيه على إطالة أمده ،.ثم الآلة الإعلامية التي تدخل من طرفها أخبار وكالات الأنباء وتعليقاتها وحقائق العالم الأخرى لتخرج من طرفها الآخر وقد استحالت أكاذيب وشهادات زور ونفاق وزيف ثم تغلف بصورة الرئيس الذي صار فتاة الغلاف لكل الصحف والمجلات !كم هو مفيد للعراق والعراقيين أن يتحول مثقف أو إعلامي من آلة السلطة ويقف إلى جانب الشعب المضطهد والواقع بين حصار السلطة وحصار أمريكا ،لماذا لا نشجع هذه الظاهرة وندفع بها إلى وتائرها العليا ؟ إذا كنا حقاً نريد عملية وطنية في إسقاط الحكم وليس عملاً حربياً أمريكياً لا يصح ولن يكون .إن كل من يأتي من المثقفين والكتاب مهما كانت درجة قربه من النظام ينبغي أن يلقى الترحيب والاحتضان ،إن هؤلاء الذين يفارقون النظام يقدمون خدمة طيبة لشعبهم وضمائرهم بالتوقف عن مواصلة دعمه النظام وتلقي عطاياه إذ هو لا يزال يستطيع أن يعطي ولازالت لديه شحنات للبقاء حيث من الواضح أن أمريكا تدعم بقاءه وتريد أن تستنزف به العراق والمنطقة لأطول فترة ممكنة رغم كل ضجيجها الخادع ضده ،كما أن الكثيرين ممن يصلون للمنافي من المثقفين هم من الشباب الذين لا هم لديهم غير إبداعهم وأغلبهم قضى زهرة شبابه في خنادق الجيش أو في الدراسة والوظائف البسيطة .أن إعاقة خلاصهم من النظام أو وضع العقبات في طريق وصولهم للمنافي الآمنة أو تشويه سمعتهم أو وضع الوسم على جباههم لمنعهم من التألق الثقافي أو الانخراط بالعمل النضالي ضد النظام وفتح مكاتب لتوزيع بطاقات الوطنية عليهم لقاء شروط ،هي عملية جائرة يريدها النظام لهم بعد أن أصبحوا خصومه ،ويثبط همة من يزمع على مغادرة النظام ويعد لها معرضاً حياته وعائلته للموت . أما ما يقال من أن بعضهم قد ارتكب جرائم قتل واغتصاب وسرقة و انتهاكات لحقوق الإنسان أو شارك فيها وساعد عليها فأن أحداً لا يجرؤ حقاً على نفي الوازع الفردي عن كل عمل إجرامي يقع في سياق ممارسة السلطة .ورغم أن العهد القادم بعد سقوط النظام الحالي ينبغي أن يكون عهد غفران وتسامح وديمقراطية على أوسع نطاق ،بعد إنزال القصاص العادل بأشخاص الطغمة الحاكمة والحلقة المحيطة بها ؛ إلا أن حق الأفراد في متابعة من أوقع عليهم ظلماً فادحاً ،لا يمكن أن يسقط ويمكن لأي فتاة أغتصبت أو أي أب قتل ابنه أو أي شخص سلبت أمواله وممتلكاته أن يرفع دعوى على من يتهمه بذلك لتنظر بها المحاكم وتحدد حجم مسئوليته وتقر العقوبة المناسبة ،إذ العرف القانوني يشير إلى أن الضحية التي تحول ظروف قاهرة دون مطالبتها بحقها لا يسقط حقها بالتقادم ،المحدد وفق القضاء العراقي بخمس وعشرين سنة ،علماً أن فقه القانون سيتغير كله لصالح المتطلبات العادلة للعهد الجديد ،وحيث إننا ننشد الدولة القادمة دولة دستور وقوانين تماشي روح العصر ،لذا لا يحق لأي منا الآن أن ينصب محاكم ويصدر منها أحكاماً على ضحايا (أكثر منهم جناة ) يأتون للمنافي ولا يريد البعض أن يراهم سوى جناة ومجرمين !

 هل نستطيع القول أنك أول من رسّخ مفهوم( القصة القصيرة جداً ) في العراق، أم أن هناك آخرين ساهموا مساهمة فعّالة في تعيق هذا النط القصصي الجديد؟

- في العراق ثمة قصاصون كتبوا ومنذ الثلاثينات هذا النمط من القصة، وخلال السبعينات، ومن بين كتّاب جيلي، أو من سبقنا كتب هذا النمط من القصة أيضاً، وكل على طريقته الخاصة. لقد كان دوري في هذا النمط من الكتابة أنني ركّزت الكثير من نتاجي عليه، وحاولت أن أمنحه نكهة ما، وربما رسّخته في العراق. لم يكن هناك تصميم مسبق أو قرار بذلك. وذات يوم في عام 1970 وكما الدفق الشعري وجدتني أكتب قصة قصيرة جداً هي 0الرائحة والكلب ) وقد نُشرتْ في صفحة آفاق في جريدة ( الجمهورية ).
* حفيف الريح بين القبور

* تصاعد اللغط في الآونة الأخيرة حول موضوع المصالحة الوطنية بين أطراف المعارضة العراقية وسلطة النظام اللاشرعية في العراق. كيف يرّوج بعض الخبثاء لهذه الخديعة؟ ألم ينقضْ النظام عهوده مع الجميع في الداخل والخارج؟ ترى عن أية مصالحة يتحدث هؤلاء المسوخ؟

- أين هي مشاريع المصالحة التي يقولون أن النظام يريدها ؟إنهم يتحدثون عن حفيف الريح بين القبور ! هؤلاء الذين يدعون للصلح مع النظام والتعايش معه هم إمّا مغفلون وساذجون وبلهاء أو أذكياء وحكماء يطفحون ثقافة وخبرة لكنهم للأسف يعملون للنظام الذي لا يزال يستطيع أن يدفع لدعاته بالعملة الصعبة مثلما يستطيع أن يبني كعكة لعيد ميلاد الرئيس تكلف جوع خمسة ملايين طفل !.ليأتوا لي بكلمة واحدة قالها النظام الحاكم بالأربعة ملايين عراقي المشتت في الخارج بكل ما فيه من معارضة أصيلة أو غير أصيلة غير كلماته : مارقون ،ويعيشون على فتات موائد الأجنبي وانهم نفايات وفضلات طرحها الشعب الملتف حول قائده بطل أم المعارك التي ما تزال قائمة ! ثم من قال أن قضية الشعب العراقي والعراق هي قضية المنفيين والملاحقين فقط ؟ هناك الآن اكثر من عشرين مليون عراقي يجثم فوق صدورهم الإرهاب والجوع والذل ووطن تلعب فيه الطائرات الأمريكية والدبابات التركية كأنها في والت ديزني ! وحتى إذا افترضنا أن النظام طرح مشروعاً سخياً وذهب قادة المعارضة إلى القصر الجمهوري ووقّعوه على عجل وفتحوا مكاتب وصحف لهم في بغداد ،فمن يضمن وفاء النظام بميثاقه السخي ؟ ألم يوقع صدام ميثاقاً مع إبراهيم الداوود وعبد الرزاق النايف ومن معهما ليدخلوه القصر الجمهوري ثم نقضه بعد خمسة عشر يوم فقط ؟ ألم ينقض موثقه مع البكر ويعدم رفاقه في الحزب ؟ألم ينقض موثقه مع البرزاني حيث ما أن وقع معه بيان آذار عام 1971 حتى أرسل له مجموعة من رجال الدين المساكين ،شد على بطونهم وظهورهم ألغاماً دون أن يعلموا وفجرهم في وجهه حيث نجا بأعجوبة ؟ألم ينقض موثقه مع الشيوعيين في الجبهة ،وموثقه مع الشاه وبومدين وموثقه مع سوريا ومع الكويتيين ودول الخليج وميثاقه القومي العتيد ماذا نحصي لنحصي ،نكفي أن نحيل هؤلاء إلى كيس النايلون الذي وضع فيه على الكيمياوي رأس حسين كامل وقدمه له كتنفيذ مبدع لعهده له بالعودة من الأردن ! لا أدري بأية صلافة وأنانية وحقد على الشعب يتحدث هؤلاء الذين يريدون تكرار مآسيه وعذاباته ونكباته ،ما داموا هم سيحصلون على فتات من موقع أو منصب .أو يستثمرون العقارات والمزارع التي اشتروها مستغلين حاجة الناس في العراق وانهيار العملة أمام الدولار الذي يملكون الكثير منه . يقول العراقيون أنهم وضعوا ذيل الكلب أربعين يوماً في قصبة فلم يعتدل ،كيف يرتضي هؤلاء لأنفسهم أن يظلوا لاهثين وراء ذيل الكلب الأعوج مدعين الوطنية وحقن الدماء ؟. ناسين أن النظام الحالي هو باق بقرار أمريكي ،وإنه يعيش الآن على فتات مائدة الأمن والإستراتيجية الأمريكية التي تتطلب بقاءه ،لما تجني من بقائه من خزائن دول الخليج والتي يكاد نفطها يقايض بالكامل مع منتوجات شركات السلاح الأمريكي ،وإن هذا النظام الذي يتمشدقون بوطنيته قدم أعظم الخدمات لأمريكا وإسرائيل يكفي انه أخرج العراق من سياق التاريخ ،وإن الأمة العربية بوجوده ليس فقط عاجزة عن الوحدة أو التضامن بل عاجزة عن عقد مؤتمر واحد للقمة ! من لا يريد أن تحل قضية وطنه دون إراقة دماء أو إطالة عذاب ومعاناة أو تفريط بثروة وطنية أو زمن هو الآخر ثروة ،ولكن مصيبتنا والتي أمريكا مرة أخرى وراءها أننا ابتلينا بأجلاف ومتوحشين لم يراعوا يوماً في كل مسارهم ذمة أو ضميراً أو خلقاً ناهيك عن جهلهم وبدائيتهم وضحالتهم ،هل بعد هذا هناك حل غير الأسنة ؟ لا مناص أمامنا من العمل على إسقاط النظام حتى لو اقتضى الأمر أن نهدمه حجراً بعد حجر بعيداً عن المشروع الأمريكي والبريطاني والفرنسي المحشو بالكذب والنفاق ومن هذا المنطق أدعو لأن نحتضن كل مثقف أو عسكري أو رجل أمن أو حزبي أو تاجر أو موظف يترك النظام ويلتحق بالشعب أو بقوى المعارضة ،وأن نمنحه الأمان وأن نسعف جراحاته ونتبادل معه الثقة ،حيث لا بد من القول أن هؤلاء كلهم أو جلهم ضحايا مراحل تاريخية غاية في التعقيد وإن جوهر المسئولية عما وقع من جريمة كبرى نتحملها جميعاً ،ألم يصعد هذا النظام أمام سمعنا وبصرنا جميعاً ؟ ألم نسمح كلنا لهذه الموجة القذرة أن تمر ؟ أما بصدد الحصار ،فلا أعتقد أن هناك من لديه ضمير أو بعد نظر ولا يعمل أو يدعو لرفعه ،رغم أن هذه الجهود للأسف لا تجدي نفعاً إذ عملية الحصار تتجاذب طرفيها أمريكا والنظام نفسه ،فأمريكا بقسوتها وغطرستها تريد استعمال الحصار أداة في عملها لإبقاء النظام هكذا لا ميتاً ولا حياً تختار لنهايته الوقت والطريقة التي تناسب مشاريعها مع إسرائيل ،والنظام من مصلحته بقاء الشعب منهكاً جائعاً يلهث وراء لقمته لا يستطيع الانقضاض عليه ،لذلك هو لا يريد رفع لحصار إلا مع ضمانات صريحة من أمريكا للإبقاء عليه نظاماً وأيدلوجية .إن شعبنا الآن يرزح تحت حصارين ولا أبالغ إذا قلت أن ما يلقاه من النظام هو أشد وطأة مما يلقاه من الأعداء التقليدين ،لابد أنك تعرف شخصية (زيطة ) في رواية( زقاق المدق) لنجيب محفوظ ،هذا الذي يكسر أطراف الأطفال ويصنع لهم عاهات ثم يبيعهم لمن يتسول بهم في شوارع القاهرة ،هذا ما يقوم به صدام اليوم مع أطفال العراق وهو يقطع عنهم الكهرباء ساعات طويلة كل يوم ثم يشعلها في يوم ميلاده المشئوم ،وإذا افترضنا أن نور الكهرباء يقتضي عملة صعبة لا تتوفر في خزينة القائد ترى هل أن نور الحرية يقتضي عملة صعبة ؟ لماذا لا يمنحهم حرية التعبير وإبداء الرأي ، ،لم لا يمنح الناس كرامتهم فلا ينتهكها حزبي أو شرطي ،هل الحرية والكرامة تستوردان وبالعملة الصعبة ؟ لم لا يسمح الناس أن تتداول ما لديها من كتب مخبأة عن أعين شرطة الأمن ؟ لماذا كتب الجواهري والبياتي والنواب والوردي والشهيدين محمد الصدر وصفاء الحافظ وعشرات من كتاب العراق ممنوعة في وطنهم ؟ في فترات الانفراج السابقة اقتنى الناس كتباً لعشرات الكتاب العالميين مثل كازانتزاكيس وسارتر وكامو وتولستوي وغيرهم ،لم هي ممنوعة الآن ولا يسمح لهم بتداولها ؟ لم لا يسمح للناس أن يستقبلوا الفضائيات والإنترنيت والمبذولة في الهواء مجاناً ،وحيث أن أجهزة الاستقبال ،فوق طاقة الفقراء لم لا يسمح بها لكوادر البعث ليروا ويسمعوا ما يجري في هذا العالم ؟. من يفرض هذا الحصار ،أهو الأمريكي القبيح أيضاً ؟


 المكاشفة والجهر بالمكنون

 عملتَ في الحزب الشيوعي قرابة 30 عاماً، وقيل أنك ترشحتَ للجنة المركزية، ثم انسحبتَ من الحزب لتّولد قناعات جديدة. ما هي هذه القناعات، وهل ستكتب مذكراتك الشخصية في هذا الصدد، وهل ستسلط الضوء على كل الأشياء المسكوت عنها بالوقائع والشواهد والأسماء؟

- لا أدري إن كنت قد رشحت للجنة المركزية ،هذا ورد في مقالة كتبها الصديق المرحوم شريف الربيعي في جريدة الحياة ولا أعرف من أين استقاها ،ولا أظن ذلك صحيحاً فالتقديم للقيادات في كل الأحزاب العراقية والعربية يتم على أساس الولاءات والبطانات وأنا لم أكن من بطانة أحد وكنت وما أزال أميل للتوحد مع نفسي وضميري فقط . وما كنت متحمساً للعمل الحزبي قدر حماسي للأدب والقصة . لقد كنت كادراً من كوادر الحزب مثل عشرات أو مئات الكوادر الأخرى ،لكني عملت في الوطن بالتنظيمات الثقافية للحزب وكنا نتنفس هواء الحياة الثقافية الوطنية الرحبة والتي طلائعها من الشيوعيين وأصدقاءهم من المستقلين والديمقراطيين والقوميين اليساريين وهم أسماء لامعة بجدارة وبمواهب أصيلة ، نفحوا في أجوائنا أشذاء ونسمات عذبة بعيدة الأثر رغم أن المتزمتين بيننا أرادوا خنقها وراء جدران ثقيلة وروائح غريبة عطنة ! بالطبع أن العمل الحزبي اليومي يعيق عن الكتابة والقراءة الجادة العميقة ،كما أن نشاط المبدع في حزب شيوعي في مجتمع متخلف مثل العراق هو ليس كعمل المبدع في حزب شيوعي في مجتمع متحضر مثل الفرنسي أو الإيطالي والبريطاني ،هناك يتمتع المبدع بحيز كبير من الحرية والتفهم والمؤازرة ، المبدع في الحزب الشيوعي العراقي يجد نفسه في نضال ضد مفاهيم السلطة ومفاهيم المجتمع ومفاهيم حزبه أيضاً أي عليه أن يخرج كل يوم من بيته لاصطياد ثلاثة نسور ثم يقعد وراء منضدته في الليل البهيم ليحاول أن يصطاد نسر روحه أيضاً فيفشل على الأغلب حيث هي هائمة كأي قشعم بعيداً عن الفوهات التي تطلق النار عليها من الجبال والوهاد معاً . ومع ذلك أنا لست نادماً على انخراطي في الحزب الشيوعي وما أهرقت من سنوات عمري في نضال كنت أعتقد أنه من أجل شعبي ووطني ، وقد أفادني ذلك النضال والعمل بين صفوة من المثقفين والمبدعين بتجربة عميقة ،أعتز بها بمرارتها وشهدها وما زلت أستمد منها الكثير من الخبرات والإلهام لكني كنت أتمنى لو أن الحزب بغير أيدلوجيته الجامدة والمتحجرة هذه والتي تكاد تكون نسخة بالكاربون عن الحزب الشيوعي السوفيتي ،أنا أرى أن أساس الخلل في بناء الحزب الشيوعي ( والذي تفرعت منه كل مشاكله الأخرى ) هو أنه حاول أن يلوي عنق حصان العراق الجامح ليتطابق مع نظريته ولم يجهد نفسه لكي يلوي عنق النظرية لكي تستقر على هذه الصهوة النشيطة الرشيقة لتخب إلى المروج الخضراء وليس إلى الخرائب والكوارث التي وصلنا إليها اليوم ،ليس فقط بدناءة وعمالة العفالقة بل بأخطائنا وضلالاتنا أيضاً .منذ ميلاد الحزب عام 34 وحتى عام 63الذي ذبح فيه ،وظل يعيش من بعده بهياكل مضعضعة وفرص شبه معدومة ؛كان الحزب قد استقطب خيرة ما في العراق من رجال ونساء وشبيبة ، علماء وأدباء وأطباء ومحامين ومهندسين وعسكريين إلى شطر هائل من الطبقة العاملة والفلاحين ،ماذا كان يمكن لكل هذه الكتلة الإنسانية الذكية الهائلة أن تفعل وتصنع من مستقبل للعراق ؟ لو كانت ما تهتدي به برنامج معقول الأهداف واضح الأبعاد وطني النبض والقرار وليست شيوعية يقال أنها علمية بينما هي طوباوية مستحيلة التحقق تقذفهم في حلم كوني هائم أقرب خيوطه وبشائره هي في موسكو التي تظل بعيدة عن بغداد في ثلجها ونيرانها وأناشيدها !لقد ظلت هذه الجموع حبيسة داخل الحوت الهائل المعطل بأوامر من النظرية ومرجعيتها في الكرملين ،لكن الحوت الهائل ظل رابضاً في المياه النهرية ،يلتهم كل طموح حتى الأحزاب الصغيرة راحت تدخل جوفه المليء بالوعود الخلابة ،لقد رأى الحزب الوطني الديمقراطي والذي لم يكمل شوطه الهام والأكثر ضرورة بعد ،ينحر أمام عينيه بعد مجيء حكم العسكر في 14 تموز 1958 ولم يحرك ساكناً، ولماذا يعترض مادام الكثير من الديمقراطيين تخلوا عن حلمهم بالبرلمان المكيف الهواء والتحقوا بجوفه الساخن وهكذا لم يبق في ساحة العراق سوى حوت مترهل رابض بين النهرين ،ونمر صغير شرس تدرب في ملاعب شركات النفط والمخابرات الأمريكية كان الأقدر على الحركة والمناورة والضحك على الذقون ! بدون هذه الصورة الكارتونية لا يمكن أن نفهم لماذا استطاعت أقلية بعثية يمينية أن تصل للسلطة مرتين بينما الحزب الشيوعي بكل تاريخه وحجمه الهائل يتحول مع الشعب العراقي الذي يفترض أنه مسئول عن مصيره إلى ضحية نحاول أن نندب حظها العاثر بالقصائد والمحاضرات والقصص والأغاني الحزينة عبثاً ! طبعاً الحديث يطول في هذا الصدد ومازلت عاكفاً على أكثر من نص روائي وقصصي يتناول جوانب من تلك الحقبة التي أضحت بعيدة .لقد تركت الحزب عام 1989 بعد العمل حوله وفي داخله حوالي ثلاثين عاماً ،تركته بإرادتي دون خلاف على موقع أو مكسب بل لقناعات فكرية أساسية ،أريد أن أبقى محافظاً على استقلالي تماماً ولن ألتحق بأي حزب أو جماعة سياسية وسأكرس كل ما تبقى من العمر للكتابة ،أكتب الآن نصاً طويلاً مباشراً وأقرب للمذكرات حول تجربتي هذه الخاصة المتواضعة حيث سأتطرق فيه بصراحة ودقة لكل ما رأيت بعيني وقلبي وعقلي ،وبالوقائع والشواهد والأسماء ،دون هدف الإضرار بأحد أو جهة مبتدءاً بمحاكمة نفسي وما ارتكبت من أخطاء وهفوات بعيداً عن جلد الذات ولكن في صميم المواجهة الصادقة والكاشفة ،وأعتقد أن من رائده الحقيقة والخير سوف لا ينزعج إذا تطرقت لأخطائه الماضية ،كما أن من ينزعج من قول الحقيقة هو لم يصهره الألم ليرقى به إلى مستوى الحوار البناء وهذا لا أكترث لمهاترته .ما يهمني هي الحقيقة والتي هي كل ما تبقى لنا ،وأي سكوت عنها هو مشاركة في الجريمة الكبرى التي صنعت هذه المأساة الهائلة التي لم تنزل على شعب في العالم في التاريخ الحديث ،والتي لا نعرف ماذا يبيت الأعداء من فصولها الأخرى ،لا ينبغي أن تكون هناك بعد الآن لغة غير لغة الحقيقة والمكاشفة والجهر بالمكنون والمخبوء والمغيب بسبق الإصرار !

 في بعض قصصك كنت تلجأ إلى الترميز والأسلوب المقّنع للإفصاح عن همّ سياسي يلّح عليك، هل انتفت الحاجة إلى هذا الأسلوب بعد أن غادرتَ الوطن؟

- من المعروف أن لرمزية تنتشر أو تبرز في ظل الاستبداد والدكتاتورية، كما تعلمنا نصوص الكتب المقدسة أنها قد ولدت أصلاً في ظل الخوف والرهبة وقد نمت وتطورت فيما بعد وفق سنن وضرورات فنية واجتماعية أخرى وصارت منحى جمالياً مرموقاً. لقد واجهت أجيال من القصاصين والمبدعين في العراق صروفاً من القمع والرقابة وانعدام حرية التعبير وعلى مدى قرن، لكنه تفاقم بشكل مريع في ظل الحكومات العسكرية، وفي النظام الحالي الذي بلغ القمع مدى رهيباً وبشعاً لا مثيل له لأي أي بلد في العالم، وبالطبع لم يكن هناك مناص من توسل الرمز للتعبير عما يفرضه علينا الواقع الأليم من اعتراضات أو صرخات.
* أهداف واضحة
* كيف تنظر إلى انهيار المنظومة الإشتراكية وتداعياتها المعروفة. أين يكمن الخلل من وجهة نظرك السياسية؟ وما تأثيرها على الحزب الشيوعي العراقي المشرد في المنافي؟

- يمكن القول باختصار أن الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية الحقة ستبقى هدفاً عظيماً وصحيحاً ،و ستظل البشرية تصبو إليها ،بل أتوقع عودة قوية إليها وبموجات بشرية واسعة في مختلف أنحاء العالم وما نراه من هجوم الشباب على معاقل الرأسمالية ينم عن رفض الفطرة البشرية السوية لجشع الرأسمالية وشرورها ،مع وعي بضرورات الديمقراطية والحرية مما سيخفف من نزعات العنف التي رافقت مسيرتها في الماضي ،وأنا أعتقد أن مستقبل الحزب الشيوعي العراقي سيتوقف على مدى إدراكه لهذه المتغيرات الساطعة .أن هذا يدعوه لثورة حاسمة في داخله تطرح عنه بالدرجة الأولى منطلقاته العقائدية المتحجرة الأولى ثم كل حراشف مسيرته السلحفائية الغابرة ، وكل نشوته المريضة بأنه حزب الشهداء ليكون حزب الأحياء في هذا العصر ويعمل جاداً من أجل أهداف اشتراكية معقولة واضحة ودقيقة ( غير حلم الشيوعية الأكثر غيبية من الفردوس ) لكي يكون تجمعاً أو جبهة لليسار ويستقطب ،جموعاً غفيرة من الهادفين أو العاملين من أجل الاشتراكية والعدالة الاجتماعية مع تمسك شديد بأوسع فضاء للحرية وأوسع فضاء للديمقراطية ،أعتقد أنه بهذا سيخرج من عمق أزمته وسيساهم بشكل أقوى لحل الأزمة الراهنة لوطننا وشعبنا .

*ورم النرجسية
 ما الذي تبقى من النظريات من النقدية التي كانت تعتمد على المنهج الماركسي – اللينيني؟

- لقد اطلع الشعراء والكتاب الشيوعيون وغيرهم من ذوي الميول التقدمية على المفاهيم الفكرية أو النقدية للواقعية الاشتراكية أو على النصوص الروائية والمسرحية والشعرية التي كتبت وفقها لكني لا أذكر أن أحداً منهم قد ألزم نفسه أو أن أحداً من الحزب قد ألزمنا بأن نكتب على أساسها رغم أن مجلة الحزب النظرية (الثقافة الجديدة ) وجريدة (طريق الشعب) نشرت الكثير من الدراسات والترجمات التي تبحث في جوانبها وتحبذها وتدعو لها ،ورغم أن أحد الشعراء أطلق دعوة أثارت جدلاً لم يخلُ من الضحك آنذاك في العودة للأدب البروليتاري وهي مرحلة سبقت الواقعية الاشتراكية وتنظيرات غوركي حولها ،أعتقد أن ما كان يستثير اهتمامنا ودأبنا وبشكل جدي هو مفهوم التزام المبدع لقضايا وطنه وأمته والإنسانية جمعاء وهذا مفهوم يكاد يكون سارتر هو صاحب براءة الاختراع فيه رغم أنه مفهوم بديهي وأصيل وله امتدادات واضحة ومتألقة لدى كبار المبدعين من مؤلف ملحمة جلجامش وهوميروس إلى تولستوي ودستويفسكي وطاغور وحتى الجاحظ وأبي الحيان التوحيدي في أدبنا ، خاصة وإننا لسنا في بلد اشتراكي رغم أن اسم الحزب الحاكم يقترن بالاشتراكية وحليفه آنذاك بالشيوعية ؛ لذا كان الحديث يجري في أوساطنا عن الواقعية الانتقادية. بينما راح البعثيون ينظرون لعلم الجمال البعثي الذي ألزموا به أعضاء حزبهم من الكتاب والرسامين والنحاتين وكل المشتغلين في الأوساط الثقافية ،بعد أن انفردوا بكل شيء وكانت ثماره العفنة تماثيل وروايات وأفلام وأغاني بمثابة الصديد لورم النرجسية الحاكمة ،لذا حين انهارت الواقعية الاشتراكية وانهارت معها الأطنان من الكتب والأفلام والأغاني واللوحات في البلدان الاشتراكية لم تنهر معها قصة واحدة أو قصيدة واحدة لمبدع عراقي تقدمي كتبها من وحي ضميره وأصالته.
 الكاتب في سطور
 من مواليد هيت/ الأنبار/ العراق عام 1946.
* خريج كلية الحقوق/ جامعة بغداد عام 1967.
 تنّقل في عدد من البلدان العربية والأوربية ثم استقر به المطاف في السويد.
 صدرت له القصص والروايات التالية:
 عشرون قصة قصيرة جداً.
 زهور في يد المومياء.
 صفارات الإنذار.
 بعد مجيء الطير.
 المرآة.
 التيه في أيس.
 طفل الCNN.






 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057052   Visitors since 7-9-2002