المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

عدنان حسين أحمد لــ( القصة العراقية )

  
حوار :صلاح حسن
  
عدسة : باسم العزاوي
  

عدنان حسين قاص ومترجم وصحفي من جيل الثمانينات. صدرت له مجموعتان قصصيتان هما ( جولة في مملكة السيدة هاء ) و ( وأقواس المتاهة ) ، وترجم عدداً كبيراً من القصص القصيرة عن الإنكليزية. كما كتب المقالة النقدية التي تتناول الشعر والرواية والفن التشكيلي. . ولدية رواية مخطوطة قيد الطبع. إلتقيناه في أمستردام وكان لنا معه هذا الحوار.

 تبدأ قصصك بداية طبيعية ولكنها غالباً ما تنتهي نهاية غرائبية أو كابوسية. . هل هي سمة أسلوبية؟ أم أن طبيعة الشخوص هي التي تفرض هذه النهايات؟

- في كل قصة ناجحة ثمة لعبة فنية ينبغي على القاص أن يُتقن معطياتها وشروطها من أجل استدراج القارئ إلى فخاخ الدهشة. وأنا أحبّذ أن تكون بدايات بعض القصص طبيعية، لأنني موقن تماماً أن التهويمات الحُلمية، والتشظيات الغرائبية، والهلوسات الناجمة عن الكوابيس لابد لها أن تنطلق من بؤرة واقعية مقنعة تمهّد الطريق لولوج الفضاء الفنطازي شيئاً فشيئاً من دون التفريط بعملية الصدق الفني. فنقطة الضوء التي تبرق من قلب الحدث الواقعي هي التي تتحول لاحقاً إلى تجليات تتسع كما الدوائر الضوئية في أفق معتم فيتجسد التناقض اللوني على أشده، الأمر الذي يفضي بقارئ النص إلى السباحة في متاهات النور تارة وفي دياجير العتمة تارة أخرى. إن هذا التأرجح بين ثنائية الواقع والحلم أو العتمة والنور مجازاً مطلوب لذاته في العملية السردية من أجل الانقضاض على الحدوس المنطقية للقارئ الذي يتوقع النتائج من خلال قراءة الأسباب بذاكرة رياضية، صارمة، ومجردة لا تأخذ بعين الاعتبار اللحظات الإشراقية التي تنبجس منها المتعة الحقيقة للقارئ العضوي الذي يشارك في صناعة الحدث، ويكون جزءاً من لحمة النص وسداته. إن السقوط في برزخ الاستنارة لا يأتِ من فراغ، ولا ينبُع من العدم، بل هو التوهج الحقيقي الذي يبدأ من إيماضة خاطفة تتحول رويداً رويداً إلى هالة كبيرة لا يمكن الخلاص من أسرها أو سطوتها بسهولة. إنها سمة أسلوبية أزعم أنها تنتمي لي بوصفي خالقاً للنص، ومشاركاً فيه بطريقة ( ماكرة ) لا تخلو من مراوغة الصانع الأمهر الذي ينتقي شخوصاً استثنائيين ينطوون على إشكالية ما تستدعي دقة الرصد، وحُسن المعالجة.

 أغلب قصصك. . خصوصاً في مجموعة ( جولة في مملكة السيدة هاء ) تعالج موضوعات اجتماعية، ولكنك في الوقت نفسه تستخدم لغة بليغة وفخمة تطغى أحياناً على أجواء القصة والشخوص. . ما رأيك في ذلك؟

- ينبغي الاعتراف بأن مجموعتي الأولى ( جولة في مملكة السيدة هاء ) تزدان بلغة بليغة محبوكة فيها شيء من التشبيه والاستعارة والمجاز وحتى التورية أحياناً، ولكن مجموعتي الثانية ( أقواس المتاهة ) لا تعتمد على ذخيرة لغوية جزلة ومنمقة خشية من تأثيرها على حركة القص، ونمو الحدث، واسترسال الشخصية. في القصص الأخيرة التي نشرتها في مجلة ( إبداع ) المصرية و ( المنتدى ) الإماراتية و ( ألواح ) العراقية وغيرها من الصحف والمجلات والدوريات ثمة عناية فائقة بالدلالة اللغوية التي لها علاقة وثيقة ببنية النص، وحركته الداخلية المواربة التي لا تظهر إلى السطح مباشرة. بعبارة أخرى أن الاشتغال على هذه اللغة الدالة، الموحية يُشبه الاشتغال المراوغ والخفي في التسعة أعشار الغاطسة من جبل الجليد. اللغة مهمة في كتابة أي نص إبداعي إذا كانت متوهجة، مُوخزة، ومتفجّرة شرط أن تأتي ضمن السياق الدال في الجملة القصصية، أما إذا جاءت بطريقة عشوائية فإنها لا تختلف عن سياق الحجارة الفاقعة المرصوفة التي انطفأ بريقها منذ زمن طويل.

 أبطال قصصك واقعيون جداً، ولكنهم يتصرفون أحياناً بطريقة فنطازية. هل الغرائبية في الواقع هي سمة من سمات الكائن البشري الذي تتناوله قصصك؟

- إن الاهتمام بالجانب الفنظازي لشخصيات قصصي مُتأتٍ من إيماني العميق بتشبث الكائن البشري في أي مكان من هذا العالم بالحلم. ولولا فسحة الحلم المتاحة لنا لما استطعنا أن نمضي إلى الأمام قليلاً. ونحن العراقيين بالذات أحوج ما نكون إلى الحياة الحلمية لأنها تأكيد دامغ لهروبنا المستمر من وجع الواقع ومرارته. إن أبطال قصصي واقعيون، ولكنهم يديرون ظهورهم لهذا الواقع المرتبك والمشلول، ويبصقون عليه، لأنه لم يستوعب أحلامهم، ولم يحقق طموحاتهم، بل على العكس من ذلك زجهم في خانق ضيق لا يفضي إلا إلى الاندحار أو الموت المجاني. فلا غرابة أن يفضل المثقف العراقي ( الهزيمة بامتياز ) ويخوض تجربة الشتات التي لم يألفها من قبل على الرغم من جسامة خسائرها أحياناً. إن الميل للغرائبية هو نزوع إنساني يستطيع من خلاله الكائن البشري أن يخفف من وطأة حياته التي لا تطاق. فالأشياء التي لا يستطيع تحقيقها في الواقع يقتنصها في الحلم أو يجسدها من خلال الكتابة. الغرائبية في العراق خلال العشرين سنة الماضية نزلت من عليائها، وترجلت من برجها العاجي، لأن اللامعقول أصبح معقولاً، والخيط الذي يفصل بين العقل والجنون قد انقطع أو غاب عن الأنظار، وإلا فكيف يجرؤ إنسان على بيع كِليته لكي يعيل أطفاله أو من أجل أن يستمر في الحياة لا غير؟ وكيف يَقدُمْ جندي شاب على بتر قدمه بلغم ( فالمارا أو CN ) من دون أن يعرف أنه سوف يُصاب بالغنغرينيا التي تقوده إلى حتفه؟

 لقد ترجمتَ المجموعة القصصية ( دبلنيون ) لجيمس جويس إضافة إلى الكثير من القصص، كما أنك تجيد الهولندية أيضاً. هل أضافت الإنكليزية أو الهولندية إلى تجربتك ككاتب شيئاً مهماً؟ وأين تكمن هذه الإضافة؟

- لا شك أن إتقان أية لغة أجنبية هي فرصة نادرة لتوسيع أفق التفكير والمخيلة في آنٍ معاً. فالمَلكة اللغوية الجديدة لابد أن تحرّض المخيلة على التحليق في فضاءات غريبة ومدهشة. الترجمة بالنسبة لي هي محاولة جدية لاكتشاف الآخر، ومحاورته، وسبر أغواره، والتعرّف على منجزاته الإبداعية في الفنون القولية تحديداً. إن من يترجم جيمس جويس تحديداً سيكتشف أن هناك المئات من الكلمات المنحوتة والمختزلة التي تدلل على اهتمامه بالجانب اللغوي الذي يشكل حجر الأساس لمخيّلته المجنحة سواء في ( دبلنيون ) أو ( صورة للفنان في شبابه ) أو ( يوليسيس ). عندما ترجمت ( دبلنيون ) وبعض قصص ( أو.هنري ) و ( موبسان ) وغيرهم تأكد لديّ بأن النص القصصي الناجح ينبغي أن يكون شبيهاً بالبناء السمفوني الذي لا يقبل الخلل أو النشار. والأدب العالمي الناجح يخلو في حقيقة الأمر من الثرثرة اللغوية، والإستطالات المتعمدة التي تتطفل على متن النص، وتشوّه بنيته الداخلية. فلا مجال للزوائد والتورمات السرطانية التي لا تفضي إلا إلى الرؤية المعوّجة، والمزاج الأدبي السقيم. فعندما تقرأ نصاً قصصياً أو روائياً لجيمس جويس فستكتشف في الحال أنك أمام بناء معماري رصين أو متاهة أدبية ينبغي الولوج إليها بعناية وحذر كي تمسك بمتعة التجوال في أروقتها السرّية، ودهاليزها المحيّرة. جويس هو نبي التشويش كما أطلق عليه بعض النقاد، ولكن تشويشه هذا لا يعتمد على التهويمات اللغوية التي تلتف على نفسها. فثمة سياق قصصي يمكن للقارئ الحاذق أن يتتبعه، ويمسك به من دون أن يفرّط بمتعة الجانب اللغوي، والتشويق الكامن في بنية النص الداخلية. ترجمة ( دبلنيون ) جويس علمتني أن كتابة القصة القصيرة تشبه الخوض في لعبة الشطرنج التي يجب أن تكون كل حركة فيها محسوبة، ومدروسة، وحذرة وإلا فإن الكاتب سيخرج لا محالة مثقلاً بخسارات كبيرة. كما علمني موبسان ضرورة كتابة النص المفتوح الذي يجعل من القارئ مؤلفاً آخر للنص كما في قصة ( جولة في مملكة السيدة هاء ) التي أخذت المجموعة عنوانها. أما القاص الأمريكي المبدع ( أو. هنري ) فهو الذي حفزني على كتابة القصص التي تعوّل كثيراً على المعادل الموضوعي، وقد أبدى بعض النقاد والقصاصين تحديداً إعجابهم وغبطتهم بالمعادل الموضوعي الذي تتكئ علية بنية قصتي المعنونة ( نخلات السيد المعصوم ).

 في ( أقواس المتاهة ) نشم أجواء الحرب والجنون والخراب وقد كنت واحداً ممن سيقوا الموت. كيف تعاملت مع هذه التجربة؟

- إن ما كتبته من قصص عن أجواء الحربين العبثيتين هو القشرة الخارجية لجبل المعاناة الذي أحمله على عاتقي حتى هذه اللحظة، وسأظل أنوء به إلى أجل غير مسمى. إن بعض القصص التي كتبتها، وبالتحديد ( كوة الخلاص ) و ( انتحار جثة ) و ( وليمة لطيور الصباح ) هي صرخات احتجاج مكتومة لا يسمعها إلا الله والضالعين في فك الرموز والشفرات. لقد مرّت هذه القصص بسلام من مقص الرقيب من دون أن أقدّم رأسي قرباناً في معبد الإله الدموي الأوحد الذي يتربع على صدورنا منذ نيّف وثلاثين عاماً. لقد قال الشاعر علي عبد الأمير عن مجموعتي القصصية الأولى بمانشيت عريض في صحيفة القدس العربي ( في الحرب ويكتب غزلاً أندلسياً ) وهذا صحيح لأنني كنت ألوذ بالكتابة عن الحب، وأستجير بالغزل الأندلسي لكي أتخلص ولو قليلاً من مشهد البشاعات اليومية، ومن الحزن الأسود الذي كان يستوطن عيني، ويشوّه ذاكرتي، ويسحق أعصابي في لكل لحظة تمر من ذلك الزمن القاسي الذي تبدد من بين أصابعنا الراعشة والمسكونة بالخوف المستديم. إن الكتابة عن الحرب، وجنونها، وما خلّفته من خراب فظيع هي مشروعي المؤجل الذي سيرى النور حتماً في السنوات القليلة القادمة لأنني تركته فعلاً ينضج على نار هادئة.

 لديك رواية مخطوطة. هل نستطيع أن نأخذ فكرة عنها؟

- لقد عاشت معي هذه الرواية سنواتٍ طوالاً وكأنها ضلّت الطريق إلى المطبعة. وأكاد أجزم بأن الرؤية النقدية التي أتوفر عليها هي التي تحّد من زخم اندفاعي لنشرها. فالعمل الروائي بالنسبة لي ليس حدثاً عابراً، وإنما هو استنطاق لوجدان أمة بكاملها، وهو شاهد حقيقي على روح العصر الذي عشناه في المنافي السرية لبلاد ما بين النهرين. إنه احتجاج على الزمن الرديء بكل تفاصليه المؤلمة التي لم ينجُ منها أي بيت من البيوت العراقية الفقيرة المُعدمة. إن موضوع الرواية باختصار شديد يصوّر رحلة العنف والعذاب والإحباط التي يمّر بها أحد المثقفين المأزومين والمهزومين وهو يحلم من داخل سجنه الانفرادي بالخلاص من السماء القاتمة الموحشة، والوصول إلى الضفة الآمنة على أمل أن يعيد للحياة بهجتها المفقودة، ولكنه ما إن يصل إلى هناك حتى يكتشف من دون عناء كبير أن حياته قد تخرّبت. وكما قال كفافي ( إذا خرّبت حياتك هنا فهي خراب أينما حللت ). وبالرغم من هذا الخراب والانكسار الروحي فهناك نقطة ضوء، وبارقة أمل يتشبث بها بطل الرواية التي أخذت عنواناً مؤقتاً ، أو ربما سيظل على حاله وهو ( الرحيل تحت جنح الظلام ).
 عانى جيل الثمانينات القصصي في العراق من شتى أنواع التهميش حالهُ حال الشعراء والمسرحيين والتشكيليين، فمنهم من قُتل في الحرب، ومنهم من هرب إلى المنافي، ومنهم من يقبع في السجون. هل تستطيع أن تضيء لنا هذا الجانب؟ وما هي أهم أسماء هذا الجيل؟

- لم يقتصر التهميش في العراق على المبدعين حسب، وإنما امتد ليشمل الحياة العراقية بكل مفاصلها. فالناس الذين كانوا يعيشون في الدهاليز المعتمة والزوايا الموبوءة تربعوا في الصفوف الأمامية لأنهم تمكنوا في ظروف غامضة من أن يقلبوا المعادلة لصالحهم، الأمر الذي أربك المقاييس، وأطاح بكل القيم الأخلاقية والاجتماعية والأدبية السائدة. فلا غرابة أن يتهمش القاص والشاعر والروائي والمسرحي والفنان التشكيلي وغيرهم من مثيري الأسئلة المشاكسة الذين لا ينضوون تحت يافطة مؤدلجة، ولا يرددون الخطابات المستهلكة للمؤسسات الحكومية والحزبية التي لم يعد بمقدورها أن ترى أبعد من أرنبة أنفها. المبدع الحقيقي لا يمكن تحييده بأي شكل من الأشكال، لأنه كالمرجل في حالة غليان دائمة. ومع ذلك فقد كانت رؤية المؤسسة الإعلامية العراقية المؤدلجة معوّجة لأنها أرادت أن تسيّد خطاب الحزب الواحد، ونسيت أن العراق يحتمل أحزاباً بعدد ألوان الطيف الشمسي الذي يشكل قوماياته المتعددة، ودياناته المتنوعة، وأقلياته الكثيرة. كانت المؤسسة الإعلامية العراقية تعتقد أنها قادرة على ترويض المثقف العراقي، وتدجين مخيلته لصالح خطابها الفكري الفضفاض، ولكنها نسيت أو تناست أن المبدع الحقيقي لا يرتضي أن يرى الحياة من خلال نظارة سياسية مشوّهة مهما كثرت الهبات، وتساقطت عليه العطايا المهينة. فالشرط الإبداعي يضطره لأن يمشي دائماً في حقول الخطر المليئة بالفخاخ أو الألغام ربما. لنعترف بأن الماكنة الإعلامية العراقية استطاعت أن تدوزن إيقاع العديد من رموز الجيل الثمانيني أمثال وارد بدر السالم،عبد عون الروضان، نجمان ياسين، عبد الستار البيضاني، سالم بن قنديلة، ثامر معيوف، طارق العزاوي، محمد الأحمد، نوال المشهداوي، ذكرى محمد نادر، جمال حسين علي، وجدان عبد العزيز، جمال نوري، تحسين علي محمد، لؤي حمزة عباس، ميسلون هادي، محمد حياوي، خالد مطلك، حاكم محمد، هدى العزاوي، محمد رشيد، عبد الأمير المجر، ومن الجيل الذي كان يتأرجح بين السبعينات والثمانينات أذكر منهم محسن الخفاجي، فيصل إبراهيم كاظم زيدان حمود، شوقي كريم، أحلام منصور، عالية طالب، جاسم الرصيف، حميد قاسم. إن هذه الدوزنة هي في حقيقة الأمر ليست مطلقة، فهناك من شذ عن هذه القاعدة بالرغم من صرامة المراقبة وحدتها. فوارد بدر السالم الذي يشغل، وما يزال، منصب عضو الهيأة الإدارية في اتحاد الأدباء في العراق كان يكتب قصصاً جريئة لا أدري كيف قيّض لها أن تفلت من مقص الرقيب مثل قصة ( محدثي الأزرق ). ترى هل يعطي النظام الضوء الأخضر لنشر بعض القصص كمتنفس للأدباء الذين لا يستسيغون حالة الحصار الدائمة أو يتواطأ معهم لأمر في نفس يعقوب! وبالمقابل هناك أسماء في الجيل الثمانيني تكتب بجرأة نادرة في الداخل أمثال صلاح زنكنة الذي نشر قصصاً خطيرة مثل ( التمثال ) صريحة الدلالة، ثم نشر لاحقاً ( التماثيل ) و ( محنة التماثيل ) و ( مجرد تمثال ) و ( قيامة التماثيل )، وحسن مطلك صاحب رواية ( دابادا )، وسعد محمد رحيم الذي كتب رواية ( غسق الكراكي )، وحميد المختار، وصلاح صلاح، وأحلام منصور، وعلي السوداني ( قبل أن يغادر العراق ) وكاتب هذه السطور وغيرهم.

 أنت من المتابعين الجيدين لنتاجات أدبائنا في الداخل. . وتثار بين آونة وأخرى طروحات عن أدب الداخل والخارج. هل تعتقد أن هذا الطرح سليم؟ هل للطروحات السياسية دور في إشعال مثل هذه المعارك الوهمية؟
- إن المؤسسة الإعلامية العراقية تحاول وبشكل محموم أن تدّق أسفيناً بين أدباء الداخل والخارج لكي تقول بأن أدباء الداخل هم وطنيون مخلصون لقضيتهم، وأن الأدباء الذين أداروا ظهرهم للنظام هم ( خونة ) وباعوا ضمائرهم للأجنبي، أو في أضعف الأحوال أنهم تخلوا عن الوطن في وقت الضيق أو الشدة. وهذه الرؤية بطبيعة الحال ساذجة، وتنطوي على كثير من اللؤم والمكر وعدم المصداقية. فمن غير المعقول أن يسلّم كل الذين توزعوا في المنافي لحاهم بيد هذه الثلة التي لا تؤمن بحق الاختلاف، وحق المعارضة، وحق الرأي الآخر. السلطة تحاول أن ترسّخ مفهوم أدب الداخل والخارج كي تعيش على هذه اللعبة السمجة لفترة من الزمن، وتحاول غسل أدمغة الناس الذين في الداخل بأن كل من يغادر العراق لابد وأن يكون مصطفاً مع أعداء العراق، وهذه رؤية بلهاء جداً. ليس هناك أدب داخل وخارج، وإنما هناك أدب مقموع في الداخل لا يستطع أن يلامس الثالوث المحرم، أو يتحرش بالتابوات الكثيرة التي خلقها النظام السياسي والاجتماعي والديني، وهناك أدب في الخارج متحرر من كل السلطات القمعية، وهذا ما لا يريده النظام، لأن خطاب الأديب سيكون واضحاً لا لبس فيه أو غموض. وهذا ما لا يستسيغه الخطاب السياسي المقنن لأنه يحرض على الطروحات الحقيقية الشرسة التي لا تخاف من أية سلطة. هذه المعارك الوهمية يستفيد منها النظام السياسي حتماً كي يبقي على صمام الأمان بيديه خوفاً من أن يتفجر في أية لحظة ويشعل النار في الطرفين ( المتناحرين ) من أجل البقاء خلف دفة القيادة لأطول فترة زمنية ممكنة. ولتأكيد صحة ما نذهب إليه هناك عدد كبير من القصاصين العراقيين من مختلف الأجيال، بعضهم غادر في نهاية السبعينات إثر انهيار ما يسمى ب ( الجبهة الوطنية ) والبعض الآخر غادر خلال الحرب العراقية- الإيرانية وبعد حرب الخليج الثانية لكنهم ما يزالوا يمتحّون من بئر الذاكرة القديمة التي تشكلت في العراق أمثال فؤاد التكرلي، فاضل العزاوي، زهدي الداووي، عبد الرحمن مجيد الربيعي، برهان الخطيب، إبراهيم أحمد، جمعة اللامي، هيفاء زنكنة، زهير الجزائري، سميرة المانع، محسن الرملي، سليم مطر، عبد الهادي سعدون، دنى طالب، جنان جاسم حلاوي، سلام إبراهيم، عبد الله طاهر، إبراهيم سلمان، نجم والي، صبري هاشم، حسين الموزاني وعشرات الأسماء الأخرى التي لا يمكن التوقف عندها في هذا المجال. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن القصاصين العراقيين غير قادرين على الاندماج في أوطانهم ومجتمعاتهم الجديدة أو الكتابة عنها. إن ما نعنيه أن هناك أدب عراقي واحد لا يتجزأ حتى وإن حاول مبدعوه أن يستثمروا موضوعات كونية، وشخصيات غير محلية، لأن زاوية النظر، وطريقة المعالجة، والنكهة التي تفوح من الأعمال تظل عراقية خالصة وإن اشتط بها المزار.
 ما زال المثقف العراقي يحتل المقاعد الخلفية في عملية التغيير. . هل تظن أن المرحلة القادمة ستغيّر هذا الوضع؟
- يبدو أن المثقف العراقي ما يزال حتى هذه اللحظة بريئاً. ولقد ارتضى أن يحمل على كاهله معاناة الشعب العراقي برمتها من دون أن يطمع بجنة موعودة أو حتى بثمن زهيد لهذا الجهد المضني الذي يبذله ليل نهار. فالأديب العراقي تحديداً مكتفٍ بما تنجزه ذائقته الإبداعية من نصوص أدبية تنال إعجاب الخصوم قبل الأصدقاء. منذ زمن طويل والسلطات المتعاقبة تسعى بكل ما تملك من سطوة وجبروت لإبقاء المثقف العراقي ليس في الصفوف الخلفية فقط، وإنما تحاول إبعاده من المشهد تماماً. ولهذا أدرك المثقف العراقي أن أنشوطة الموت تستهدفه قبل أن تستهدف السياسي، ولنا شواهد كثيرة في غياب مفكرين وأدباء وصحفيين وفنانين عراقيين في وقت مبكر لا لشيء إلا لأنهم كانوا يلوحون بخطابهم الاحتجاجي، ونبرتهم المناوئة للطروحات الشوفينية والدكتاتورية التي تمجد الفرد، وترسخ مفهوم القطيع. ومن أبرز هؤلاء الذين غابوا مبكرين نذكر سماحة المفكر محمد باقر الصدر، والدكتورة بنت الهدى، والدكتور صفاء الحافظ، والدكتور صباح الدرة، والكاتب والروائي عزيز السيد جاسم، والشاعر شفيق الكمالي ( بالرغم من أنه كان جزءاً من تركيبة النظام ) والدكتور راجي التكريتي، والشاعر رياض البكري، والصحفي ضرغام هاشم، والمسرحي ماهر كاظم، والفنان صباح السهل، والمصور التلفزيوني قيس محمد، والروائي حسن مطلك، والقاص محمد حسين، والكاتب أمجد الزهيري. وهناك عشرات الأسماء الأخرى التي غُيبت في السجون من بينهم القاص حميد المختار، وإبراهيم البصري، وشوقي كريم، ومحمود جنداري ( الذي وافاه الأجل بعد خروجه من السجن مباشرة ) والقائمة تطول. أما هل سيتغيّر الوضع في المرحلة القادمة فهذا يعتمد على طبيعة النظام القادم الذي سيحكم العراق. وأنا أعتقد أن العراقيين لن يقبلوا بعد اليوم إلا بنظام ديمقراطي يحترم العراقيين جميعاً، ولا يفرّق بين عربي أو آشوري أو كردي أو تركماني أو كلداني أو أرمني أو شبكي، ولا يفرّق بين مسلم أو مسيحي أو صابئي أو يزيدي، أو حتى من عبدة الآلهة المتعددة أو ممن لا ديانة لهم! هذا العراق المتنوع والمتعدد الثقافات ينبغي ألا يخلق بعد اليوم أصناماً يأكلها حين يجوع، أو يسحلها حين يشتد به الغضب أو تضيق به السبل. المثقف لا يريد أن يدفع بالسياسي إلى أقصاه، ولكنه يطالبه بأن ينزل من أبراجه العاجية لكي يتحسس معاناة الآخرين، ويراهم بأحجامهم الطبيعية. وعلى السياسي أن يتخلص نهائياً من نظرية التابع والمتبوع، وأن يتحرك ضمن الحيّز المتاح له كي يتفادى التداخل والتباس القصد.




 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6156819   Visitors since 7-9-2002