المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

مقابلة مع الكاتب العراقي عدنان المبارك

  
د. زهير شليبه
  












يعود الفضل للأستاذ فؤاد التكرلي في معرفتي الشخصية بعدنان المبارك في منتصف التسعينات حيث أخبرني عن مكان إقامته ومنذ تلك الفترة لم تنقطع صلاتي به، بل تعاونا في أكثر من مجال مثل الإشراف على هذا الموقع ، ومعرض الفنانين الأجانب المقيمين في الدنمارك حيث ساهم بكتابة دراسة جميلة عنه.
الحديث مع عدنان المبارك في مجال الأدب والفنون ذو شجون وممتع فهو شخصية متواضعة بكل معنى الكلمة، مرحة ودودة يجمع في الطرفة بين الحس العراقي الجنوبي البصري والأوروبي إضافة لكونه كاتبا ومترجما وناقدا وقاصا وروائيا ، ولهذا قد يطول الحوار معه ويتفرع ويأخذ عدة مناحٍ. ورغم أنه كثيرا ما يشكو ضعف الذاكرة إلا أنه يمكن أن يحدثك بالتفصيل عن هذه اللوحة الفنية او تلك أو هذا العمل ألأدبي أو ذاك. يجد عدنان المبارك متعة كبيرة في الحديث عن الكتاب العراقيين وذكرياته عنهم مثل مصطفى عبود ومحمود عبد الوهاب وغائب طعمه فرمان وفؤاد التكرلي والفنان أرداش كاكافيان وغيرهم وهذا ما سنجده في هذا الحوار الذي آثرت أن يكون على شكل سؤال وجواب للإختصار والتركيز.


• يُرجى أن تحدثنا عن بداياتك وقراءاتك الأولى وكيف تكون وعيك الثقافي والفكري وماهي المؤثرات الأولى ؟

البدايات كانت مع الكتابة عن الفلم. في ثانوية البصرة كنا من رواد دور السينما المدمنين. كان زمنا آخر لم يعرف شيوع التلفزيون ولا كل هذا الإنفجار ل(الميديات ). أذكر حلقتنا الصغيرة التي تعاملت مع السينما كظاهرة أبعد من أن تكون تسلية صرفة. كان معنا صديقنا الراحل مصطفى عبود الذي فاقنا جميعا بذكائه ومتابعاته الجادة وأحكامه الناضجة في ظاهرةالفلم خاصة. كان يعيد علينا ما قرأه بالإنكليزية وخاصة مجلة ( فلم أند فلمنغ ) المعروفة. كنا نشاهد الأفلام سوية ثم نتبادل الإنطباعات والملاحظات. وكانت ذاكرة مصطفى مدهشة. لا أنسى أبدا أنه كان يتذكر أسماء المخرجين والممثلين ، وليس الرئيسيين فقط بل الثانويين أيضا ، والمصورين والمنتجين. في الحقيقة كان هو المرشد الروحي لحلقتنا. كان شقيقي الكبير يكتب القصة وينشرها في مجلة الخليلي ( الهاتف ) .وكان معلمي الأول في ا لكتابة لكن بدون علمه ! كنت أقرأ قصصه لكننا لم نكن نتكلم كثيراعن نتاجه وحتى عن الأدب عامة. كل هذا حصل في النصف الأول من الخمسينات. حينها كنت أنشر كتابات بسيطة عن السينما في الصحف المحلية وأحيانا في صحف العاصمة. كانت تجذبنا الكتب الممنوعة ومعظمها عن الماركسية والأدب السوفييتي الذي لا أظن أن هناك من لم يسحره آنذاك وخاصة إذا كان مراهقا ، فالعالم كان هناك شفافا على حد تعبير فيسوافا شيمبورسكا.. وبعدها جاءت فترة ( الوعي الثاني ) وإكتشاف لاشفافية العالم والإنسان : قراءة تراجم سهيل أدريس وبعلبكي وعيتاني وغيرها. كانت إكتشافات مدهشة بل مصدمة بعد الدخول الى عوالم فولكنر وكافكا وتينيسي وليامز وإليوت وباوند وكامي وسارتر و دوستويفسكي وهيسه والباقين من الذين نظروا الى البشر والطبيعة وحتى الحيوان من ( مرصد آخر ).. عليّ القول أن طه حسين والعقاد مثلا لم يؤثرا كثيرا فيّ، ربما بسبب تنوع الخيارات. كنت قد وقعت تحت تأثير سلامة موسى بشكل خاص. جذبتني علمانيته وعقلانيته. لكن الإنسحار لم يستمر طويلا ، وجاء زواله بعد دخولي الى تلك العوالم السحرية التي فتح بواباتها كبار كتاب العالم. بالطبع كان هناك عالم التشكيل الى جانب الأدب والفلم. في تلك السنوات تعرفت على صديق العمر أرداش كاكافيان الذي جاء الى البصرة مع مظفر النواب بمناسبة معرض للإنطباعيين. وهكذا وجدت نفسي كما لو أني هبطت على كوكب آخر وإكتشفت فيه حيوات آخرى ! كان أرداش يحب الشعر وصارت عادتنا أن نقرأه سوية. بعدها كتب هذا الصديق الراحل الكثير من الأشعار التي ضاع بعضها وآخر قمت بنشره. كنت سعيدا حقا عندما إكتشفت أن للفن ، أي الكتابة أيضا ، مهاما أخرى غيرالتسجيل والتحريض الإجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي أو الصيرورة وسيلة إعلامية – معرفية من طراز خاص. عرفت أن ليس أمراً ملزما أن تكون علاقة الفنان بالطبيعة والمجتمع ( العالم الخارجي ) مباشرة. كانت ملاحظات وخواطر وأفكارأرداش تدفعني الى التفكير المتواصل بقضايا أخرى غير التي كانت ( رائجة ). لا يعني هذا أنني كنت معزولا عن دوامات الحياة وبراكينها آنذاك. كل ما حصل كان تحوّلا جذريا في سلم القيم والإهتمامات الكتابية والفكرية. في البصرة كنت معجبا بقصص محمود عبدالوهاب ( أتذكر إنسحاري بقصته " القطار الصاعد الى بغداد ") ومهدي عيسى الصقر. كنا جميعا نشعر بالزهو والفخر بأنهما من مدينتنا وجيراننا. بالفعل كان الصقر يقطن الزقاق المجاورفي محلة السيمر.. في تلك السنوات جرّبت قوتي في الكتابة القصصية . لم أكتب كثيرا بل بضع قصص ، ربما ثلاث أو أربع. نشرتها في الصحف المحلية وواحدة في مجلة ( فنون) البغدادية. بعد المدرسة جرفتني الصحافة في بغداد إلا أنني بقيت مخلصا للكتابة عن الفلم.

• ماهي أهم الموضوعات التي ترجمتها؟

ترجمتُ من شتى حقول المعرفة لكن مع تفضيل الأدب والتشكيل والفلم. كانت ( الباكورة ) ترجمة مذكرات المخرج السينمائي الإيطالي فيتوريو دي سيكا. لا أتذكر متى ترجمتها. ربما في عام 1954. نشرتها تباعا مجلة ( فنون ) العراقية. كانت الترجمة ولاتزال إغراءا كبيرا. أكيد أن من الأسباب الرغبة والسعي الى إشراك الآخرين بما تقرأه إنطلاقا من قناعتك بنفعه. بصراحة أنا لا أتذكر ما ترجمته في النصف الثاني من الخمسينات خاصة. بعدها جاءت فترة الدراسة الجامعية التي أبعدتني عن الترجمة بل الكتابة النثرية. كنت أترجم أحيانا لنفسي ولا أنشر لكن منذ السبعينات إستعدتُ الرغبة وأخذت أنشر في الصحف والمجلات العراقية . في الحقيقة نشرتُ هناك معظم ما ترجمته من الأدب البولندي كالقصص والمسرحيات و القصائد وغيرها. فيما يخص هذا الأدب دهشت منذ البدء بتنوعه وأصالته. تعرفتُ حينها على إبداع كباره أمثال فيتولد غومبروفتش وتاديوش روجيفتش وسوافومير مروجيك وتشيسواف ميووش وفيسوافا شمبورسكا وزبغنيف هربرت وغيرهم. وكان كتاب وفنانو هذا البلد يغردون في تلك العقود خارج السرب.. وبكل تواضع يسهل علي القول إن تراجمي للأدب البولندي وما كتبته في النصف الثاني من السبعينات والثمانينات خاصة كانت إسهاما نشطا في جرّ الإنتباه الى الأدب البولندي المعاصر. بعدها جاء ت التجربة مع الأدب الدنماركي الذي لم أكن أعرف عنه الكثير عدا كيركيغورد وأندرسن .. ترجمتُ لشعراء دنماركيين وجدت أن لهم أصواتا متميزة يندرأن نعثر عليها في آداب أوربا وغيرها. أكيد أن هذا الشعر هو إمتداد طبيعي لما حققته آداب إسكندنافيا وتشكيلها وفلسفتها وفكرها. كما تعرف أنا أقترب بحذر بالغ من الأدب الدنماركي وخاصة من شعرائه والعملاق سورين كيركغورد الذي ( عذب ) الكثيرين من المترجمين وقرائه المخلصين في الخارج. كان ميغويل أونامونو قد تعلم الدنماركية من أجل أن يفهم كيركيغورد بصورة أفضل.. أكيد أنه سمع بعذاب ناشريه الدنماركيين أنفسهم حين لم يفلحوا في فك جميع ( طلاسم ) كتاباته. كذلك فاللغة مثل الفرس الجموح وليس هناك أمد محدد لترويضها ! وأظنني تأخرت ُ في هذه الساحة. فذاكرتي الآن كمترجم ليست بتلك المرونة والإستيعاب السابقين. لكن رغم ذلك أجد نفسي منجرفا معها بين حين وآخر...


• ماهي مدرستك في الترجمة ؟

أنت كمترجم متمرس تعرف أن القاعدة الذهبية هنا أن لا قاعدة ذهبية. دعنا لا نكررالمثل الإيطالي : المترجم خائن Traduttore tradiore ولا الآخر : الترجمة كالمرأة ، إما أن تكون مخلصة وإما جميلة. في عام 1932 كتب بورخيس عن ترجمة هوميروس ، بحكمة وواقعية. مثلا قال إن النص المترجم يبدو كما لو أنه قد خلق لتصوير نقاش أستيتيكي. وجدته يستشهد ببرتراند رسل الذي وصف الشيء الخارجي كنظام كروي ُمشع ، نظام ِ إنطباعات ممكنة ، والشيء نفسه يمكن قوله عن نصّ معيّن نظرا لما يحصل من ردود أفعال للآخر الشفاهي. وهذه لا يمكن توقعها دائما. النص يبقى على الدوام سجين ترجماته. وفي جميع الأحوال تظل كل ترجمة حالة توفيق لغوي – أسلوبي ، لكن لا تنتفي هنا المعايير التي تقرر قربنا أو إبتعادنا عن الحالة النموذجية أوالشبيهات بها. وكما يقول ميلان كونديرا إن أمانة المترجم ليست بالشيء الآلي المطلق كما أنها تتطلب القدرة على الإكتشاف وحس الخَلق. طبيعي أن تلك الأمانة هي فن صعب للغاية. وأجد نفسي على إتفاق معه حين قال بأن قوة الكاتب لاتكمن في مخيلته فقط بل في طاقة ما هو محكم من الناحية الدلالتية ، وعلى هذا الضوء لايكون بروست ذا متطلبات أقل من الأخرى عند ترجمة ديكارت مثلا. وفي الأخير فكل ترجمة هي أسوأ من النص الأصلي. برأي بورخيس قد تكون فكرة ( النص النهائي ) مقترنة بالدين أوالضجر حسب.. أكيد أن ماقاله يخضع لمعيار النسبية ، إلا أن قصده ، في الجوهر ، هو أن هناك نصوصا وليس نصا واحدا نهائيا سواء الأصلي أو المترجم. بالطبع يلعب عامل التكرار دورا لايمكن الإستهانة به عند الترجمة. وكان بورخيس قد وجد أن الفلم الجيّد الذي نشاهده مرة أخرى يبدو أفضل من ( سابقه ). في الحقيقة هناك أكثر من موقف بين الموقفين الحديين – الترجمة الحرفية أي تلك المخلصة وغير الجميلة التي تحافظ على جميع التمايزات الشفاهية ، والثانية التي تأخذ بالإستثناء الصارم لجميع التفاصيل التي تشتت الإنتباه مثلا. رغم كل شيء كانت نصيحة بورخيس : لا تختر أيّ ترجمة أو إخترها جميعا..


• ماهي مدرستك في النقد و القصة ؟

- أنا لا أعتبر نفسي ناقدا لا في الأدب ولا في غيره ، بل مجرد متلق يقظ شحذت بصره وعملية التلقي عنده كل هذه السنين. والحال نفسها فيما يتعلق بميادين الفن الأخرى من تشكيل وفلم وغيرهما. في واقع الحال ليس ثمة حدود صلبة بين الإثنين : القاريء اليقظ والناقد. فقد ينطق الأول بلغة الثاني. إلا أن على الثاني أن يمتلك صفات الأول. ولعل الفارق أن الناقد يقع ، بسهولة في أحيان ليست بالقليلة ، في شراك الروتين والمساطر والمنهجية. العلم يقول اليوم أن لكل إنسان عملية تلق خاصة به . وهذه لم تفلح أيّ معرفة في كشف جميع خفاياها. بالطبع لا يعني هذا الحكم التقليل من أهمية النقد. أبداً. غير أن ما يشوش الرؤية هو الميل المنهجي لدى الناقد المحترف. بعبارة أخرى يرتبط الأمر بموقفه الفكري والأستيتيكي. فمعرفته وإطلاعاته قد توّظف كلها للتوكيد على ذاك الموقف. في الحقيقة أنا أميل الى الموقف النقدي لدى أرنستو ساباتو، إذ يبدو لي أنه الأكثر سبرا للأدب المعاصر بل كامل الخلق الفني. معلوم أن كل فن يطمح في خلق كيان مستقل خاص به. ففي التشكيل لابد من أن يكون الهاجس الأول والأخير التخلص من كل ما هو غير تشكيلي كالحكائية والمحاكاة مثلا. والحال نفسها في الأدب ، إذ ليس الغرض إعادة خلق الطبيعة سواء أكانت إنسانا أوغيره ، بل خلق طبيعة أخرى ، وبذلك إكتشاف حقائق أخرى. ولعل هذه هي المهمة الرئيسية للفن. وهي بوصلتي في كتابة القصة والرواية أيضا. فأنا لا أفكر أبدا عند الكتابة بقالب شكلي أو مضموني معيّن. أكيد أن هناك تصورا مسبقا يخص الشخصية وطريقة السرد وغير ذلك.إلا أن هذه كلها ليست من الثوابت. مثلا قد يكون ميلي الى أن خلق شخصيات تطرح نفسها وعالمها بصيغة ضمير المتكلم ، هوالأقوى. أكيد أن الكاتب يتكلم طوال الوقت عن نفسه وعالمه وقضاياه ، سواء بالسبل المباشرة ، كما فعل هنري ميللروغيره ، أو غير المباشرة أي اللجوء الى الضمائرالأخرى . كذلك أرجو الإنتباه الى أن كاتب اليوم يجابه صعوبات أكبر من تلك التي واجهها كتاب القرن التاسع عشر مثلا. فأدب ذلك القرن لم يعرف التبدلات العنيفة أو الإنقلابات ، في حين أن أدبنا المعاصر يحمل أكثر من معول واحد للهدم .. فكلمة الضد صارت من أولى الأقانيم . وفي الحقيقة لم يبق النثر نثرا ولا الشعر شعرا. فالأشكال الأدبية التقليدية تتهاوى عند اللجوء الى اللغة الحيّة مثلا. إلا أن التقنيات القصصية المبنية على أساس إنقسام شخصية الإنسان وتشظيها هي من كبرى فتوحات الأدب المعاصر. وجاء العون هنا ، بالطبع ، مما أنجزته وتنجزه علوم التحليل النفسي الذي ، كما نعرف ، قد إكتشف التباعد بين الشخصية والوعي. وخلافا للآداب السابقة شكك أدبنا المعاصر بتماسك الفرد ، وإكتشف اللاوعي وفي النتيجة أخذ يتصدع نظام القص ومعه شخصية الإنسان وتبعا لذلك حصل تصدع تقاليد طرح إشكالية الزمن والتأكيد على سمته الرئيسية : غرابته التي وجدها أحد الكتاب أكثررهبة من إكتشاف الرومانسية لغرابة المكان. بفضل هذا وغيره صارالأدب أكثر أمانة وصدقا عند تناول الظواهر من إنسان ومجتمع وطبيعة وكون. إن هذه الأدوات الجديدة متوفرة أمام كل كاتب. والخيار خياره بالطبع. وسأكون في غاية القناعة إذا وجدتُ بأنني قد وفقت في إستخدام هذه الأدوات .


• دراساتك الأكاديمية وأهميتها في مسارك الكتابي ؟

في الحقيقة كانت دراسة تأريخ الفنون التشكيلية دراسة بديلة. فقبلها كنت أدرس في مدرسة السينما والمسرح العليا - فرع الإخراج، إلا أن الظروف أرغمتني على تغيير الدراسة ثم التوجه الى دراسة تأريخ الفن. بالطبع انا لست نادما على ذلك رغم أنه لوكان قد ترك لي الخيار لعدت الى معشوقتي القديمة : السينما . كانت فترة الدراسة قد جاءتني بتجارب ومعارف ثمينة حقاً رغم أن جزءا كبيراً منها يمكن نيله بدون دراسة أكاديمية. بالطبع تعلم الدراسة الجامعية الإكتساب المنتظم للمعرفة أي المبرمج. هناك أيضا الجانب التطبيقي الذي لا يتوفر خارج الجامعة و أقصد تجارب الكتابة ، كتابة الدراسات والأطروحات والإسهام في السيمنارات أي تعلم أصول البحث والنقاش والمتابعة. لا أستطيع ، بالفعل، أن أقلل من أهمية هذه التجارب والمعرفة في نشوء منطلقي ككاتب ومتابع لما يجدّ في حقول شتى من المعرفة.


• ماهي أهمية الأقامة في الخارج في تكوينك الفكري والثقافي ؟

يعني العيش في الخارج أنك تترك وراءك كل شيء - الطفولة واللغة وهذا المحيط وذاك بل جميع البشر الذين تعرفهم جيدا. لكن تبقى تلك ال( لكن ). وأقصد هنا أن لكل كاتب عالمه الخاص ، وكما يقول غومبروفتش فهو عالم لايمكن أن يكون من صنع الخيال أو تقادم عليه العهد. وأنا مثله لا أستطيع رؤية العالم إلا بعيني ومن موقعي الخاص. ما أكتبه من قصص وروايات فيه ( إكسسوار) من هذا الواقع العراقي وذاك ، لكن الكتابة نفسها تأتي من مرجل آخر لا أعرف أيّ تفاعلات تحدث فيه. الكاتب بحاجة الى خلق بون بينه والعالم الخارجي. فأنت تشاهد اللوحة بصورة أفضل إذا كان يفصلك عنهابعد معيّن. وأن يكون الفنان في خضم الأحداث والحياة الجارية لايمنحه ذلك ضمانة أكيدة بصحة أحكامه ونضجها. بالنسبة للكاتب يكون كل شيء خارج عالمه الداخلي مجرد ( خامات ) يصوغ منها أعماله. أكيد أن التواصل مع ( الخارج ) يشحذ أدواتنا ويأتينا بميزة الدقة، إلا أن هذه الدقة ليست هي الحقيقة كما يقول ماتيس. فمهمة الفن ليست البحث عن الحقيقة وأيّ كانت. فهذه قد تكون مهمة العلم. ومعروفة هنا تلك الجملة من ( فاوست ) غيته : ( يا صديقي أن كل نظرية هي معدومة الألوان لكن شجرة الحياة الخضراء هي ذهبية ). وعامة أجد أن سوء الفهم الأكبر ينتج عن غياب أيّ تعريف دقيق لما يسمى بالغربة. هنري ميللر كتب أروع أعماله في هذه الغربة. و كما تعرف فقائمة الكتاب المغتربين طويلة. وبإعتقادي أن الإنسان يشعر بغرابة الوجود التي ذكرها ألبير كامي مرة ، في منعطف أيّ شارع ولايهم هنا إذا كان عراقيا أو دنماركيا .. ثمة هواجس وأسئلة أساسية لا تعرف حدود الجغرافيا. قبل كل شيء تصبح الغربة نقضا لمصطلحات مثل الوطن ، المدينة ، البيت ، بل الغرفة الشخصية. بالنسبة لي أنا أحمل كامل حياتي السابقة – من الولادة الى عمر الرابعة والعشرين حين غادرتُ البلاد – في رأسي وقلمي. بالطبع أبدلتُ الآن القلم بلوحة مفاتيح الكومبيوتر! ولعل المرء يشعر بالغربة حين تحصل المواجهة بين ما يشعر به ويفكر وبين واقع الغربة الخارجي. والكثيرون كتبوا عن الغربة ، وكل واحد منهم وفق ثوابته العاطفية والذهنية والعقائدية وغيرها. بالطبع هناك أحكام وبديهيات مقبولة بدون جدال إلا أنني لا أستطيع أن أحشرها تلقائيا في قاموسي الخاص ككاتب. ثمة أقوال – كليشهات يزخرفها ميلنا الشرقي الى فائض العاطفة. الكاتب بحاجة الى ديكور يضع فيه شخصياته. وهذا يختلف من كاتب الى آخر. معلوم أن ديكورات كافكا كانت متواضعة وتميل صوب التجريد إلا أن هذا الكاتب حقق أكثر من ريادة فيما يخص سبر بعض متاهات الإنسان. بالطبع أفادته كثيرا ممارسته اليومية لكنه أدرك محدوديتها ونفعها القليل عندما حرّك تلك القضايا الأساسية. ولكم بدت مضحكة نصيحة مكسيم غوركي للكاتب كي يراقب مائة بقال من أجل تصوير شخصية البقال ( التقليدية ). وكان صحيحا الرأي بأن غوركي أضاع موهبته النثرية الكبيرة حين وقع في شرك التنظير وتلك الواقعية الإشتراكية التي تجاهلت حقائق الإنسان. الغربة كما يقول تشيسواف ميوش هي عيون جديدة ، فكر جديد ، بون جديد. وهذا ما يحتاجه الكاتب في منفاه ( الخارجي ). وبعدها يسأل هذا الشاعر البولندي : لكن هل بمكنة المغترب أن يدحر الأنا القديمة ؟ بالطبع يعتمد الأمر على موارد لم يكن قد عرف عنها الكثير في السابق ، وبينها تبدل اللغة. وميوش يتكلم هناك عن تجربة معاشة لكنها مشتركة أيضا. رغم كل شيء يعتمد الخيار الأكثر صعوبة على الإحتفاظ بالحضورالمتخيَّل والمقرَّر في البلاد التي ينحدر منها الكاتب المغترب. كذلك إستوقفتني ملاحظات أخرى لدى هذا الشاعر مثل قوله إن ظروف الغربة التي يخضع لها الكاتب تعمل على الأخذ بآفاق ومنظورات كثيرة وأصناف وأساليب أخرى وخاصة ما يرتبط بالنقل الرمزي للواقع. بعبارة أخرى يأتي هذا النقل تعويضا عن النقل الاخر: الفعلي أي إحدى صيغ الواقع وفق المفهوم الشائع.


• كيف تكتب القصة والرواية ؟ من اين تستمد موضوعات نتاجاتك السردية؟ وهل تفكر بالقاريء مسبقا ؟

ليس لدي طريقة خاصة في الكتابة الأدبية. لا أملك عادات معينة. لا أبري أقلامي كما فعل همنغوي ولا أرتدي أفضل لباس كما فعل آخر. أنا أكتب حين تتوفر الظروف الخارجية مثل أدوات الكتابة والهدوء النسبي في داخلي والخارج المحيط بي .. صحيح أن هناك دافعا خفيا يقودني الى الطرح لكنه يأتي بطريقة تبدو آلية : ثمة إختمار وتفاعلات في الذاكرة و( طبقات ) الإثنين : الوعي واللاوعي ، و بعدها يأتي ذلك الدافع. يخيل إلي أن الأمر شبيه بقيادة السيارة : لابد من أن تتوفر أولاً الشروط الميكانيكية و الفيزيائية في وسيطة النقل هذه ، ثم الجلوس وراء المقود وإدارة المفتاح كي يحدث الإحتراق الداخلي ثم تلك الحركات الضرورية لتحرك السيارة . بإختصار هناك عشرات العمليات المتباينة في الكبر ، تسبق تحريك السيارة من مكانها.. كما أنني لا أعرف بالضبط من أين أستمد موضوعات نتاجاتي السردية. ربما أعرف ما الذي يعينني هنا : الحواس التي تنقل العالم الخارجي ببشره و تأريخه وطوبوغرافياته الى داخلي. أما ما يحدث هناك ، أي التفاعلات في هذا المرجل الغامض ، فلا أعرف الكثير عنها في الغالب .أقول ( في الغالب ) ولأن الطرح يحصل أحيانا بصورة عامدة . حصل هذا الشيء عندما كتبتُ قصصا مقصودة سياسيا أو إجتماعيا. إلا أن ذلك خرج من باب تقني شبيه بالهندسة المعمارية أو تشييد المكائن، أي أن هناك فكرة مسبقة تبحث لها عن تجسيد مناسب ، وكانت تلك الفكرة التعبيرَعن الإحتجاج والإشمئزاز من فظاعات معينة سواء في بلادنا أو خارجها. بالطبع جهدت ُ هنا في أن لا يحصل ذلك على حساب الفن لكني لا أعرف هل نجحتُ. فهذا أمر متروك للقراء وإختصاصيي الأدب . بالطبع كانت أمامي نماذج باهرة لمثل هذا القص . يكفي أن أذكر كامي وسارتر وكويستلر ومورافيا ، لكن هذه النماذج جاءت وفق قدرات أخرى غير قدراتي.
أنا لا أفكر بالقاريء مسبقا، ولسبب بسيط هو أننا نتعامل هنا مع عمليتين مختلفتين جذريا : الطرح والتلقي. وكما تعرف تكمن الخطورة وسوء الفهم في تبسيط قضايا هي بالغة التعقيد. لا أعرف لغاية الآن لماذا أكتب. يبدو لي أنه من الأسئلة الأصعب التي تواجه الكاتب هو السؤال : لماذا الكتابة ؟ بالطبع الأجوبة كثيرة بل ما أكثر التعاريف لمهنة الكاتب أوترشيد وعقلنة الأدب ! إن التفكير بالمتلقي ، أي القاريء ، يواكب الفعل الفني وللأسف يلقي بتأثيره هنا ويوجهه وجهة توفيقية كي يتحقق التخاطب. أكيد أن للصلة مع القاريء شتى المستويات وأحوال الإعتماد والتبعية بل الإرغام كي يكون الفن ( مفهوما ) شأن وسائل الإيضاح المدرسية ! وبحكم العادات السيئة التي شاعت ، وليس في أدبنا وحده ، والقاضية بتوفر صفات ومنافع معينة في الفن عامة ، صارت الأكثرية تبحث في الأدب ، كما في الصحيفة وبقية وسائل الإيصال الجماعي وغيرها ، عن مرآة ( صادقة ) للحياة والمجتمع والعالم بل الكون أيضا. لا يعني هذا أن الفن لا يتضمن هذه المعرفة أو تلك لكن ليس الغرض منه توفير المعرفة. مثلا : قتلُ طالبٍ لمرابية عجوز يمكن قراءته كخبر أو تقرير صحفي أيضا.. من ناحية أخرى أجد أن لإشكالية التلقي بعدها المستقبلي . فما هو مرفوض اليوم قد يكون مقبولا في حياة الأجيال القادمة. بالطبع أقصد بالرفض رفض التقنيات الأدبية قبل كل شيء . لابد من القبول هنا بحقائق أولية : هناك عالمان مستقل أحدهما عن الآخر : العالم الفعلي ، وهو يحوي ، في واقع الحال ، أكثر من عالم واحد ، والآخر الذي يقدّمه الفن. وهو عمل من صنف اللامعقول أن نطابق بين هذين العالمين. بالطبع أنا لا أنكر على المتلقي حقه أو ميله حين يبحث عن صدقية العالم الثاني من خلال تجربته الشعورية والعقلية والحياتية عامة ، مع العالم الأول. عليّ هنا أن أضيف ملاحظة واحدة وهي أن للعالم الثاني كثيرا من النماذج التي قد يجهلها المتلقي أو أن معرفته بها يعتورها النقص. كذلك فمحاكاة العالم الخارجي المسمى مجازاً بالواقعي ، ومهما كانت درجاتها ، وعملية تفسيره تملكان شتى المستويات المشتركة. بالطبع فلحظة الرجوع الى نموذج مثالي محدَّد هي قائمة في كل عمل أدبي وحتى في أعمال مدرسة الطبيعية التي تسعى الى بلوغ الحد الأقصى من ( الموضوعية ). لكن الأمر يتعلق بحالة التناسب ، وهذا يكون أحيانا مفجعا للغاية ، بين ما هو كائن وبين ما ينبغي أن يكون. ومرة كتبتُ عن المحور الفينومينولوجي على خط العمل الفني – المتلقي وإستنجدت بمثل صائب جدا قدّمه المفكر الإسباني الكبير أورتيغا ي خاسيت في كتابه الذي أتمنى أن يقرأه كل من ( أدركته حرفة الأدب ) وأقصد كتاب ( لا أنسنة الفن ) . يفيدنا خاسيت : عند فراش رجل يحتضر هناك أربعة أشخاص : زوجته وطبيب وصحفي ومصور. كلهم شهود حدث واحد لا يثير ذات التأثيرات والإنطباعات في هذه النفوس الأربع. إنها تأثيرات لارابط بين أبعادها ، بعبارة أخرى ينشطر واقع واحد الى أربعة. والآن أيُّ واحد منها ينبغي إعتباره فعليا وأصيلا و( صادقا ) ؟ إن كل جواب نصل إليه سيكون إعتباطيا ولأن كل واقع من الأربعة هو أصيل ، وكل ما نقدرعلى القيام به هو تصنيف زوايا النظر الأربع وتحديد أيّ منها هي الأكثر إنسجاما مع ( مبادئنا السارية ) أو الأكثر عفوية. هكذا نصل الى مفهوم الواقع الذي هو ، وعلى الأقل ، ليس بالمطلق بل يمكن إعتباره عملياً ومعيارياً ، بعبارة أخرى إن أهم محور في عملية التلقي هو الواقع ( المُعاش ). وفي جعبتي مثل آخر من خاسيت وأظنه يفي بالمرام أيضا : نحن نتعرف على التفاحة من خلال تجربة قضمها ( في الحقيقة ضربت سيمون دي بوفوار المثل نفسه فيما بعد ) ، فجميع الأشكال الممكنة الأخرى مثل التفاحة في الديكور الباروكي أو ذات الشكل السيزاني المتفنن أو التشبيه المعروف لوجنتي الفتاة بالتفاح ، تعود ، لا أكثر ولا أقل ، الى ذلك النموذج الأولي .. بهذه الصورة تعود إلينا ، كما البوميرانغ ! ، إشكالية الواقع التي أسمح لنفسي بإلحاقها بمعضلتي الزمان والمكان اللتين حيّرتنا جميعا وخاصة الفلاسفة.




 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6339279   Visitors since 7-9-2002