المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

عن النحات عبدالجبار البناء

  
سيف البياتي
  


























مازال النحات عبد الجبار البناء، وهو في عقده الثامن، يتذكر الكثير من الصفحات الأولى لمرحلة الريادة في التشكيل العراقي.. فها هو يتذكر أستاذه، جواد سليم، بمحبة نادرة. فيقول: كان جواد سليم قليل الكلام .. وأعماله الفنية، على ما أتصور قليلة لولا نصب الحرية.. الذي حفظ لنا أهمية جواد سليم.. ويقول: اذكر ذات مرة، في معهد الفنون الجميلة ـ وكنا نقف أمام الموديل .. وكنت واقفاً .. فقال لي:
- جبار..ليش ما تشتغل؟
• أستاذ: آني انتهيت من عملي.. تفضل بملاحظاتك..نظر إلى التمثال ثم إلى الموديل وقال:
- لا.. استمر.. العمل غير كامل ..فقلت:
• أستاذ: هذه قابليتي ولا أستطيع أن أزيد.. فضحك وقال.. يا جبار: ثم اخذ المخرطة وحملها قطعة من الطين صغيرة جداً وقال:
- يا جبار ..سيأتي يوم..وبعد الممارسة..تحس بهذه.. إن كانت زائدة أو ناقصة..
وذات مرة، وأنا كعادتي احضر مبكراً إلى قاعة الدرس وجدت الأستاذ جواد يعمل على تمثال من الجبس مثبت على ركائز حديدية ..وقفت بجانبه أتعلم منه..وفي هذه الأثناء انظم إلينا طالبان من فرع الرسم يتطلعان إلى عمل جواد..
التفت ألينا وقال(ما أريد أحد يوكف هنا) انصرف الطالبان وبقيت أنا بحيرة لا ادري أين أتوجه وان المكان هو مكان دراستنا..التفت إلي وقال:
- أنت اشبيك..؟ أنا لم أقصدك.. فأنا من طبعي عندما انحت لا أحب أن يقف أحد بجانبي سوى طلابي..أما إذا رسمت أو عندما ارسم ليقف الناس جميعاً ولا استاء.
وذات مرة كعادتي كما قلت يكون حضوري مبكراً إلى قاعة الدرس.حضرت وبدأت اعمل على تمثال لي..ثم أخذت اغني بشكل فيه حرية، معتقداً انه لا يوجد أحد في القاعة..سمعت-فجأة- نحنحة جواد داخل الغرفة الصغيرة التي يجلس فيها الأستاذ..سكت.. فإذا به يصيح ليش يا جبار- سكتت- تغني حلو-.

أتذكر في غرفته الصغيرة المتواضعة بإفراط. قال جواد للأستاذ عطا صبري ـ "عرضوا علي أن امنح رتبة رائد والتحق بالجيش كأول نحات عراقي..رفضت ذلك لان محلي هنا "- مشيراً إلى كرسيه- "وهو الأفضل ". أيده المرحوم عطا صبري مبتسماً.
وذات مرة ناداني جواد قائلا: تعال..فذهب إلى غرفته. قال: انتم تتأخرون بعد الدوام..قلت نعم..أنا والأخوان عيدان الشيخلي وفخري النعيمي وفاضل ألعبيدي .قال: ليش..؟ قلت:نشتغل..قال:وجعفر- يقصد فراش القسم- قلت إذا لم يكن عندك مانعاً فنحن نرضيه قال: ليس لدي مانع إذا ما أرضيتموه.
وفي مرة أخرى كان يخطط بشكل عشوائي على جريدة أمامه ومعي المرحوم خالد الرحال فقال له خالد: " هذا التخطيط مثل تخطيطات ( بيكاسو ) " فرد عليه جواد ببساطته المعهودة "احنه امنين نتعلم "

* كما تركته يتحدث عن النحات الرائد خالد الجادر، كشهادة تلقي الضوء على العلاقات الحميمة بين المبدعين العراقيين، واثر ذلك في بناء تجارب رائدة. فقال:
ـ "ان الأستاذ خالد الرحال، الذي رحل عنا ونحن بأمس الحاجة إليه، هو ركيزة راسخة من ركائز النحت العراقي المعاصر بإنجازاته المميزة ، وهو المقتدر على تطويع أعماله وغالبها كانت من المواد الصلبة بحيث يجعلها تنطق بين أنامله .. وجدته، وقد لازمته كصديق مدة طويلة، يتعامل مع المواضيع التي يريد تحقيقها بدون التحضير لها وعمل ( مخططات)، إذ يبدأ مباشرة بتنفيذ ما يدور بذهنه أو ما قد قرر عمله بدون مراجعة وتأشيرات على الورق وذلك نابع من ثقته بنفسه إلى حد لا يصدق. حدثني زميل له أثناء دراسته الابتدائية حيث قال : ان والده كان ضابطاً في الجيش العراقي في حامية في الديوانية وكان خالد طالب بسيط في ملبسه وحياته آنذاك ,إلا انه كانت لديه محاولات مستمرة وعديدة في تحقيق أعمال نحتية من مادة الطين, منها انه كان يغوص بأقدامه في الطين ليكّون قالباً نحتياً متميزاً فيه عن أقرانه. من هذا نستنتج ان لديه محاولات متكررة منذ طفولته في التوجه نحو النحت في وقت لم يكن هناك نحات في البلد..
وذات مرة اخبرني في حديث ودي انه دخل معهد الفنون الجميلة ( قسم الرسم) وبعد سنتين لم يحقق ما يصبو إليه في فرع الرسم وبذلك انتقل إلى قسم النحت ( ويمكن التأكد من هذا الموضوع بالرجوع إلى اضبارته في معهد الفنون الجميلة)
- عمل موظفاً في متحف الآثار وكذلك في متحف الأزياء.. كانت مديرة المتحف سيدة إنكليزية أولته عناية خاصة بعد ان اكتشفت موهبته في النحت ( يرجى التأكد من ذلك من الأستاذ محمد غني).
- سافر إلى إيطاليا مبعوثاً من وزارة المعارف بعد ان انهي دراسته في معهد الفنون في بغداد وتتلمذ على يد الأستاذ القدير المرحوم ( كوريزى).
- أعماله المميزة هي: النصب..نصب الجندي المجهول والعمل الباهر(المسيرة)المثبت على نافورة الساحة التي تقابل المتحف العراقي، ومنجز العائلة الموجود في منطقة الوزيرية وتمثال الأمومة في حديقة الأمة وهو من الحجر.
- أما أعماله الخاصة والباهرة فأذكر منها: حمام النساء والفتاة التي تحمل مرآة وأعمال كثيرة منها مقتنيات احد المهندسين الكبار ( يمكن التأكد من اسمه من الأستاذ محمد غني)
حصل على عضوية شرف في نادي المحامين بعد ان قدم إلى مؤتمره الأول بعد 14 تموز 1958 تمثالاً يرمز إلى بطلة الثورة الجزائرية ( جميلة بوحيرد)

منذ صغري تملكتني رغبة خفية عارمة وهي: أن اعبث بقطع (اللبن) وهو قطع الطين غير المشوي بالنار. وأنا لا اعرف أسباب هذه الرغبة والكيفية التي تملكتني هذه .. المهم : إن احد أقاربي انتبه لي وقال لي ذات يوم: يا عبد الجبار أتريد آن تتعرف على " واحد ينحت تماثيل" وكان قريبي يعمل مدير فني في معمل ينتج أطلاقات نارية لبنادق الجيش آنذاك.. ثم عقب قائلا ً: تعال غدا ً وانتظرني في مقهى مقابل وزارة الدفاع (من الباب الثانية) مقابل ملهى الأوبرا ـ حتى أعرفك عليه.. حيث كان المعمل في الوزارة نفسها.. ذهبت في اليوم الثاني ومعي أحلامي وتطلعاتي.. في أن أتعرف على نحات (يرشدني).. وصار الموعد.. وجاء قريبي حزينا ً ليخبرني أن المدعو منعم فرات الذي يعمل في مصنع الاطلاقات النارية مجاز هذا اليوم.. عدت إلى البيت وأنا احمل حزني.. وخيبة الأمل.. وآمالي إلى التعلم ..
دخلت معهد الفنون الجميلة .. وفي هذه الأثناء تعرفت على (أسطة تركي الجراخ) رحمه الله وكان هذا جراخ خشب ماهر في بغداد.. تعرفت عليه وصرت أزوره باستمرار في دكانه في محله الكائن في مدخل جسر (العتيق) وصارت بيننا أخوة.. وفي إحدى زيارتي له شاهدت رجلا ً يرتدي " دشتاشة وستره ويعتمر يشماغ وعقال على رأسه " يحمل على كفه هرما ً من المرمر يعلوه عصفور.. لفت نظري هذا الرجل وفجأة تذكرت الحكاية القديمة.. سألته عن سعر القطعة فقال (ربع دينار) أخذت القطعة وسألته عما إذا كانت معه قطع أخرى لأقتنيها فأجاب:لا .. القطع خلصت..
كان منعم فرات اسمر البشرة نحيف القامة.. وعلامات الفقر تدل عليه.. قلت له: هل لديك شيء اشتريه منك..؟ قال: نعم.. لكنه في البيت.. واخبرني بان البيت في منطقة الشواكة بجانب الكرخ حيث عنده( رأس دلك كبير) من المرمر.. اشتراه (من هدم احد البيوت القديمة) وأريده بعشرة دنانير.. ذهبت معه لأخذ القطعة.. فسألني أسطة تركي الجراخ: وين رايح جبار؟ أجبته: مع منعم لأخذ منه قطعة مرمر.. رد أسطة تركي: دير بالك ..تر.. هذا .. وعمل بيده إشارة تدل على أن هذا الرجل.. غير طبيعي.. يعني (مجنون) مخبّل.. لم اكترث .. وعدت إلى صاحبي.. وبعد أن سرت معه بضع خطوات.. سألني منعم فرات:هل تعرف هذا الرجل .. ويقصد أسطة تركي .. فقلت له: نعم.. فرد قائلا ً: دير بالك تر هذا الرجل مجنون، مخبّل..!

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6046388   Visitors since 7-9-2002