المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





معارف... فنون
 

جبار النعيمي في تجاربه النحتية

  
ماضي حسن
  



















استنطاق الذات

يولد النحت لدى جبار النعيمي من لدن الثوابت الراسخة لفعاليات النشاط الإنساني، كضرورات منعكسة من قوانين الحركة الجدلية العامة لفعل بناء القيم والطقوس والاعراف، تلك هي الولادات ، تبدو في اول وهلة، مسلمات اساسية للانتاج الفني..الا ان الفنان استطاع ان يستنطق ذاته مع متضادات معنى الكتلة (الحركة والسكون) متجاوزة فعل السكون (الستاتيكي) لمنطق انسجام القيمة الظاهرية والباطنية للتكوينات .ان الاشكال لديه تبدو متدفقة ومنطلقة من مركز غائب عن التشخيص حيث اراد الفنان ان يجعل من مفردات العمل الفني، ذات الصفة الدينامية الشاملة لخدمة الهدف،ومعناه العام.
لقد وازن هذا الفنان بين معادلات شتى تطلبت منه وضع معايير قياسية لموازنة تلك المعادلات الحديثة، واثره (الدراماتيكي) الوقع والنتائج مثل (بلاط الشهداء) ، ان تلك المشاهد تتطلب في صيغ الاخراج التنفيذي والتخطيطي عنفوانا صارما، يسيطر على شد الاستعدادات الداخلية الفطرية للمتلقي من جهة وربطها بابعاد العمق الحضاري كأمتداد دون الاقحام القسري كما يحصل احيانا لدى بعضهم تجاوز السبل التقليدية في اخراج شخوص موضوعاته المشوهة من جراء فعل الحدث الصاخب كما هو لدى اسماعيل الترك على سبيل المقارنة.
ان تقنيات التنفيذ عند الفنان تطلبت جهدا ، تعدى حدود التنفيذ ، الى انسجام النتائج الشكلية مع المضمون المأساوي أي بطريقة الوجوه الصاخبة البريئة، الخالية من تأثيرات الحدث.

يبدو أنه لم يكن بمقدور الفنان أن تسمح له دواعيه بفعل الواعز الذاتي، الى تخدش تلك الاجساد والوجوه الملائكية من غفوتها، ويقظتها الحالمة، وكأنه يريد ان يقول: هذه الشخوص لا تستحق ان تتهرأ وتتمزق... كما حصل بعد برهة الحدث، لقد ألغى النعيمي لحظة الحاضر في الحدث، واكتفى ب(قبلية الحدث) وجعل (البعدية) مستقبل بيت النتائج للمشاهد، عن طريق تحليل البنية الدرامية لسياقات الموضوع، ان هذا المنحى من التنفيذ يتطلب الامساك بقواعد الموازنة، وانساق المعلوم ، وتجنب الانسياق الى احدى المعادلتين، كما ان الذاكرة لديه حاضرة في صياغة المفردات وجذورها التاريخية لا سيما اننا امام اعمال قد تنوعت وقائع رواسيها وعوالقها الجانبية،الفاصل الطويل المتقطع الجذور للنحت العراقي القديم الذي ولّد فجوات مربكة لعملية تواصل بناء ملامح الهوية، فهوية الموروث عند الفنان لم تعد دفينة في طيات الماضي، والذاكرة هي شحنة الاتصال بالماضي مع معطيات الحاضر الفعلي.

مهمة الاتصال

و في النحت العراقي المعاصر، بدءً من منعم فرات وجواد والترك والرحال ومحمد غني والنعيمي تبنوا مهمة العودة الى كنف الذات والشخصية مهمة ردم الفجوات التي صنعتها افتراضات روافد التأسيس بما يتضمنه من فك الملابسات الغامضة ازاء محنة طمس شواهد الحضارة ومنها ( النحت).

واذا كان المثقف المعاصر يواجه ازمات معقدة اثقلت على كاهله مهمة تطبيقات اهدافه في مناخ المتغيرات المطلوبة ، فإن الفنان في كل الازمنة هو اول من يحمل مشعل الحرية لتتضح منعطفات مسالك المعرفة ، وان تعددت التحليلات والرؤى لمجمل المحركات الدينامية للتاريخ عامة فأن جدلية اطراف الصراع بين الذات،والموضع والشكل والجوهر والهدف البراغماتي،والهدف المجرد، مع المحيط المادي والميتافيزيقا المطلقة، بات الفنان احد محاور معادلة ذلك التضاد، وامسى فعلا حركيا لونيا أيضا
واذا كانت (البراغماتية) تعزي نتائج الفرز الحضاري ومنها النحت الى مبررات مشروطة لفعل المنفعة الذاتية، فأن منطق ما بعد البراغماتية هي العودة الى اصول المنابع الاولى التي انطلق منها الفنان في دافعيته الروحية والمنفعية معا.
في اعمال (النعيمي) حوار جدلي مع الطيف في سياق رؤيته المتجذرة من منابع تاريخ الفن العراقي، كرمز ودلائل، وتعبير، سوى تقنية الاخراج ذات المسحة الجمالية الواقعية في الملمس.
وبذلك أرى : رغم درامية المضمون لاعماله النحتية اراد ان يبدل عملية الدوافع المحركة لخلق اعمدة المثيرات التي توافق المتأمل، كمؤثرات خارجية لفعل الحدث، بل أن الفنان بدل وسيلة الاتصال مع المتلقي بطريقة اضفاء مناخ مختلف من باب رؤية اللمس والحس الظاهراتي للاشكال الملائكية القريب من العمق الكلاسيكي، لكن بعدئذ تأتي افعال الاثارة المدهشة بالحركة العنيفة والساخنة كتعبير عن غليان داخل ثيمة الحدث، او معنى ذو دلالة ضمنية في اطار نصوصه الخطابية.
هذا النوع من الاتصال ، يحتاج الى مهارة في موازنة المعادلتين.

استنطاق الصمت

ان الخامات التي تبقى منغلقة في حدود خصائصها المادية الصامتة تفقد صدى التعبير الناطق ،بدون صياغة الاستعمال. ثم التركيب والبناء المبتكر، ولكن ما هي الدوافع؟ هل هو تأكيد على الانتماء الى الجذور؟ ومنها (الطين) ام هو انعكاس لجدلية الحوار منذ البدايات... مع الكون بما فيها (الطين والكائنات)؟ هل هو غلق للحوار؟ ام اثارة اسئلة مفتوحة في خضم الهواجس المتوترة التي تؤرق تأملات الانسان لالغاز الكون؟
وهل ان وظيفة النحت في بداياته الاولى هي غلق الفجوات الفضائية التي تؤرق الانسان في سكونه المسالم، قبل التفكير بخلوته في الكهوف؟ من ربط انفعالاته الذاتية بنشوة الانتصار ،كتعبير سحري، ام هو جزء منها،ام مجتمعة في مبررات واحدة، لا شك ان من خِطل الرأي وسذاجة الفهم حين نتصور ان الفن عموما دعته حوافز منفصلة عن مجمل خصائص تميز بها الانسان من قدرة في التحسس واستجابة للظواهر المحيطة به، او (نحصر) تاريخ الفن باهداف محددة ،وهي في الوقت ذاته خصائص تدخل في جزئيات التركيبة الفسيولوجية للكائن البشري فالخطوط العفوية التي اختطها على الرمال الهشة، او الرطبة على اسطح السواحل،هي مدعاة للتأمل لذلك الانسان، مكونة عنده بداية بناء حوافز الادراك الحسي،وتركيب مفردات العناصر في سياق اخضاع وحدتها،وموازناتها وايقاعاتها الحسية، فالبناء التشكيلي عامل ذاتي تدعمه عوامل الفكر (العقيدة) المعبد- الشعور الاجتماعي،والادراك لاثر اقدام الانسان على الارض هي مدعاة لمعرفة السطح الغائر والبارز والفن والمعرفة يولد احدهما في باطن الاخر، والنحت هو تجسيم للاثنين، تلك هي الحوافز في مرحلتين اختلفت منظومتها العامة ولكن بقي النحت يمسك باطراف المعادلة في كل الازمنة، وفي هذا العصر، وفي خضم احتدامات الغليان ، بفعل اصداء المنعطفات الصدئة يجسد الفنان جبار النعيمي صدى النفس المنسلخة بوهج المحنة، محنة العصر،بكل ما فيها من اختلاطات وافتراءات ترسبت او طفت على السطح جراء هيمنة السلطة العليا للعقل الواعظ .

ان البناء الشكلي للنحت عند النعيمي بهذه الصيغة المتحركة هي دفاع عن قيمة عليا وعامة لمفهوم خاطئ عن ما يشبه النحت اوما يجاوره،ترسبت في قاع جغرافية هوامش التاريخ... فالبدائل الميتة لأشباه النحت هي اصنام ساكنة وصامتة، حدودها المعنى المنغلق في اطار عبادة الرمز، أو أنه طوطمي النزعة، و يكون النحت هنا عند النعيمي كما هو عند جواد سليم ،القضية لمصائر انسانية الانسان ومحنته وتاريخه وكوارثه، وهو الفكر الذي يصبو الى التسجيل ثم الى الحوار والتساؤل والاحالة الى الاجابات، ولا يمكن هنا ان نفصل بين الاطار الشكلي للعمل ومضامينه في طروحاته التعبيرية الواقعية فتحقيق وحدة الايقاع التكوينية للعمل اكسبها جمالية الحدث مع المضامين التي اشرنا اليها والايقاع هنا لم يكن ذا نمط رتيب رغم وحدته العامة فقد تخللت التكوينات مساحات او فترات غير متماثلة في الحجم او الموقع لكنها افرغت الانحباسات المتراكمة للكتلة المتحركة وهي بذلك تخفف من وطأة التكرار. فالخط العام لبناء الكتلة عند الفنان ذو حركة دائمية،وعندما تتوافق يحاكيها الفضاء الخارجي بمنطق الكتلة المعاكسة اي بطريقة السلب والايجاب المتبادل وهو اشبه بالفن الاسلامي، فهو استنطاق الكتلة بالمتحرك بمفهومه المطلق اللانهائي،اي برؤية فلسفية تعزز تساؤلات معرفية ضمن سياق ذاتية حركة الاشكال والغازها المجهولة لمسببات الحدث ووقعه المؤلم.
موازنات في اسس التشكيل
في اعمال جبار النعيمي ثمة شعور يتولد عبر التأمل، ان الفنان لم يكن اسيرا لتلبية حتميات الحدث او غارقا تحت تلاطماتها العنيفة (كمضمون)، بل إن الرؤية لديه هي رؤية بصرية منفّذة لمحصلة البنية الكلية للشكل (جشتاليتة / ظاهراتية البناء في مدركاتها البصرية) ، لكنها غير منفصلة عن وحدات اوجزئيات الدلائل الهادفة للموضوع،وعندما كان الملمس قد اكتسب صفة النعومة والصقل، فإن حركة الخطوط المنتفضة من قاعدتها المستوية قد وازنها باقواس معاكسة لاتجاه تلك التموجات المتضافرة(الرومانتيكية الملامح في الحركة).
ذلك الاخراج في التنفيذ اعطى بعداً اخراً في اسسه الايقاعية (المتزايدة) او (المتناقضة) احيانا، جعلت من دينامية حركة التكوينات رغم صراعاتها المتعاكسة، ذات وحدة تشكيلية متماسكة،وتفصل بين تكوين واخر فترات (سكون) ذات تشكيل ايقاعي سيمفوني يذكرنا برائعة جواد سليم في (نصب الحرية) فالوحدات عنده متراكبة لغرض تحقيق وحدة العمل، دون تزاحم ظاهرة فعل قسري وبذلك اكتسبت اعماله القيمة الجمالية الى جانب فعالية المضمون العنيف.
كما ان الفضاءات الداخلية متماثلة احيانا ولكنها متغيرة في الحجم او الموقع، زيادة الى تحرر نهايات الخطوط الخارجية في الفضاء المحيط بالعمل والفضاء الخارجي يشكل كتلتها المعاكسة، والموازنة والمكملة لحيثيات العمل بحكم انفلات الخطوط ذاتها من القيود كما ذكرت آنفا.

تداعيات المعنى من باطن الاسلوب

معنى العمل يتحقق من منبعين: اسلوبية العمل المتبع للفنان ، واالبنية العامة لنظم التكوين الانشائي والذي يشكل بدروه هيكيلية العمل في ايصال المضمون التعبيري للهدف، في لوحة (غورنيكا) ضغط بيكاسو اسلوبيته بتلك الخطوط التكوينية للاشكال التي لا تخلو من مديات المبالغة الانفعالية في التعبير، لكنها كما قلت ضغط لحد الاقتضاب الذي لا يقبل الزوائد التفصيلية في التقنية والوحدات ،كذلك اللون، وعند جواد سليم (نصب الحرية) هي نتاج مرحلة مخاض فكري متمرس مع تشذيب وضغط على التوابع التي من شانها ان ترهل العمل الفني ان بقيت، نجد ذلك بعد متابعتنا مراحل التخطيط الاولية للنصب ..فأضحى التعبير عندئذ لا يقبل الزوائد وبلغ ذروته الحقيقية وقدرة التعبير والمعنى عند جبار النعيمي في اعماله التي تميزت بنمط خاص اكسب ملامح شخوصه مقاومة وقع الحدث بالمغزى الابعد ، وجعل شخوصه لا تكترث للحزن والالم الذي يشبع غرائز العداء... انها حوار (ضمير) داخل نسق النصوص،بواقع دراماتيكي شامل لرؤية العمل يعيش المتلقي معاناتها،وتجربتها أي نمط بيان التمظهر المكاني وما يتضمنه قبيل ، دوي، فعل الحدث، وتبدل فعل الزمان المرتقب وبذلك يصبح خطاب المعنى في مقدمات الترقب قبل وقوعه.
اما في اعماله الاخرى فنجد ان مدلولاته الرمزية واضحة لا تقبل التأويل، كالمراة التي تحمل على رأسها بوابة عشتار،او انتصاب المقاتل، او تعبيرات لوجوه مغمضة الاعين واخرى مفتوحة، وايدي ممدودة للدعاء، مقاتل مقيد الاطراف،طفل ملتصق بنخلة، مقاتلين متراصين في كتل ادخل عليها الفنان ايقاعا الزخرف الأسلامي، موضوعات على شكل افاريز متمثلة بحرف/صناعة/عمل/حركات خيول/كتابات/مسلات آشورية/ وجوه تاريخية تتحرك على وفق بناء ايقاعي متنوع ومتكامل الانسجام.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6451230   Visitors since 7-9-2002