المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





معارف... فنون
 

محمد غني حكمت . أحزان بلا حافات

  
د . شوقي الموسوي
  

















" لم أمارس الرسم بالألوان ولكني كنحات فضلتُ الخط الذي يحوي في داخله تماثيل مدورة وتماثيل بارزة " بكلماته هذه ابتدأ النحات العراقي الكبير محمد غني حكمت في تحديد اسلوبه وفكره وملامح أجساده التي ارتقى بها الى المتخيل من خلال احتفاله بالواقع المعاصر المتمفصل بالجذور .. فالجسد الثقافي في النحت المعاصر في العراق منذ تجارب النحات العراقي جواد سليم (تماثيل الامومة – منحوتات نصب الحرية ..) قد هيمن على مفردات المشاهد النحتية لما يحويه من قدرة على التعبير عن الانفعال من خلال ايماءاته وتشظياته .

ذاكرة المدينة المقدسة

ثمة طابع تعبدي في نتاجات النحت المعاصر في العراق تمثلت بمشاهد ممسرحة تشكيلياً لمواضيع انسانية (الامومة – الشهادة – الوطن – المحبة – التحدي – الامل – التشظي – الملاذ الامن ...) ..كان يتوق اليها النحات العراقي بشكل عام ولدى الفنان محمد غني حكمت بشكل خاص ؛ على اعتبار ان طقوس مدينته القديمة كانت تشكل البنية الضاغطة في تكوين اعماله وخاصةً في نتاجاته الاولى .. والتي شكلت فيما بعد أفكاره الحقيقية الاولى التي أثارتها طقوس مدينته القديمة (الكاظمية) المحتفلة بالالوان والاضواء والبشر والمتوشحة بالسواد والتي سحرته بصورها الاحتفالية وجدارياتها الفسيفسائية في جدران المشهد الكاظمي المحتفلة بالنصوص القرآنية والوحدات الزخرفية المنفذة بالموزائيك القاشاني (الكاشي الكربلائي).. فضلا عن الابواب العملاقة المرصّعة بالذهب والفضة والنحاس والمحتفضة بالتراث والاصالة .. فضلا عن تأثره باسواق مدينته حيث كان يرافق والده الى مكان عمله الذي كان يعمل مطرزاً للعباءات الرجالية في باب المرادية ببغداد . مثل هكذا مشاهد بانورامية احتفالية جعلته ينقش افكاره (زخارفه) ويزخرف الاشكال وينحت اجساده على خاماته المحلية وصولاً الى تأثراته باستاذه جواد سليم بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1953 .

الفنان وجمالية الأسلوب السومري

تكمن جمالية الاسلوب في تجارب النحات محمد غني حكمت في تأثره بالنحت الرافديني القديم والمتمثلة بما أنتجه النحات السومري من كتابات وتماثيل وأواني نذرية وتمائم تحكي قصصا مابعد الموت .. فضلاً عن تأثره بجداريات بابل القديمة كبوابة عشتار ومحتوياتها الاسطورية وصولاً الى الاسلوب الواقعي الدرامي لدى النحات الآشوري المحتفل بالتعبير على حساب التشبيه .. هذه النتاجات التعبيرية التي أحالت الطبيعي الى ثقافي ، قد منحت سمات جمالية لاسلوب النحات كما في أعماله التعبيرية ذات النزعة الانسانية التأملية ، المتمفصلة بالطقوس الدينية . حيث طور النحات مفاهيمه الروحية لحظة اهتمامه بالكتابة المسمارية المتسمة بالتجريد شكلا ومضموناً والتي زينت صفحات التاريخ بالعديد من الملاحم والاساطير والتراتيل والمراثي والقصص الخرافية التي نعتبرها من أقدم الآداب الانسانية المتعارف عليها في التاريخ .

الجسد ... الختم

فقد وجد النحات محمد غني ان الجسد الانثوي بعنواناته المتعددة (الام – الوطن – الاسرة – الامل – المقاتلة – الحالمة ...) أصبح محور الوجود وهو الحضارة والثقافة وهو الختم الذي يحوي مشاهد بانورامية للواقع المتخيل.. لهذا أجد ان أغلب منحوتاته تتخذ من الجوهر موقفاً وجودياً يتبنى التقاليد السومرية والآشورية (اللبوة الجريحة) ذات الطابع الواقعي المأساوي والتي تدوّن مراسيم تقديم الهدايا والقرابين (النذور) الى الالهة فضلاً عن بعض مشاهد المعارك التي أحاطت بالانسان العراقي حتى اللحظة الحاضرة .

علامات الحزن بين التراث والمعاصرة

ثمة مشاهد تعبيرية تحتفل بالرنين ،أعطت قدرة للفنان على استيعاب الموروث والتراث والمعاصرة لاجل الخروج من التقاليد الطبيعية للواقع الايقوني باتجاه محاكاة المعنى على حساب التشريح ، كمحاولة منه على تحليل وتركيب أشكاله الجديدة المعاصرة ومنحها ابعاداً انثروبولوجية تزيح أصنام البعد المكاني للمرئي لاجل تأكيده على البعد الزماني للمنحوتة ومن ثم الاقتراب بالمشاهد من النزعة الانسانية .. وهذا ماوجدناه في معرضه الاخير في عمان (70 قطعة برونزية) الذي جسد فيه ملاحم التحدي للانسان العراقي المعاصر تحت عنوان (حدث في العراق) فوجدناه يحتفل بالالم اليومي المتكرر بفعل الحرب .. يدون أحلامه المؤجلة فتصبح قصصاً وحكايات عن الظُلم والظلام والظُلّام الذين خيموا على سماء البلاد .. تنتهي قصص الفنان بالشهادة التي امتزجت بالحزن الحاضر والسلام الغائب والتي تستذكر الماضي وتستنشق شيئا من المجهول !! الذي تبناه الاحتلال .. ولكن مايبهرنا ان اجساده برغم تهالكها نجدها تتحدى ألمها بشموخ النخيل وترفع الايادي لتمسك بالطيف (الوطن) . فقد انتج النحات محمد غني الكثير من الاعمال الرائعة (شهريار وشهرزاد – علي بابا والاربعين حرامي – حمورابي –اختام – اواني نذرية ...) فضلاً عن تواجد أربعة منحوتات في طريقها لان تنصب في ساحات بغداد فالاولى منحوتة الفانوس السحري (ساحة المسرح الوطني) والثانية المرأة الجالسة التي تمثل بغداد (جانب الكرخ) والثالثة منحوتة انقاذ العراق (ساحة الفارس العربي) والاخيرة الختم السومري الذي مثّل جسداً عراقياً يتصدى باذرعه الخمسة لختم اسطواني لحظة سقوطه .

عطاء مابعد الرحيل

ودعنا النحات الاستاذ محمد غني حكمت قبل أيام وودعنا قلقه الذي كان دائماً يفتش عن مثلهُ الاعلى المفقود (الوطن) من خلال أسطرته للواقع المعاصر الذي أصبح فيما بعد الاشارات الاولى لتطبيقات الاسطورة في الفن العراقي بعد تجارب جواد سليم وخالد الرحال .. من خلال هذه الميزة تبلورت تجربة الفنان في سرد حكاياته المفعمة بالخيال والواقع الجديد بلغة شبه اسطورية بحدود موضوعاته الإنسانية (الأم – البراءة – العامل – الحصاد – الاسرة – الوطن – الشهادة - التحدي ...) منذ عودته من ايطاليا عام 1957 وحصوله على دبلوم النحت من أكاديمية الفنون الجميلة بروما .. حيث انتج منحوتات متوشحة بالرمز والمرموز الشعبي من خلال انضمامه الى الجماعات الفنية(جماعة بغداد للفن الحديث- جماعة البعد الواحد- جماعة الزاوية..) كدعوة منه الى العودة الى الينابيع والى الجذور الأولى للمعرفة لاستنشاق الحضارة .. فمنحوتات . فالاسطورة تعد احدى الموضوعات المهمة التي تطرّق اليها الفنان المعاصر في العراق ؛ اذا مااعتبرنا ان الاسطورة بمثابة ترحيل للتجربة الذاتية الى مستويات أوسع جوهرية ذات نزعة انسانية بحيث تُعطي للاشكال الجديدة أنساق لامكانية تحتفي بالغياب لتكون على الدوام حاضرة وحاضنة ذهنياً !! وداعاً أستاذنا الكبير وشيخ النحاتين المبدع الراحل محمد غني حكمت .. لقد أختارك القدر مثلما قلت : " لقد كان قدري ان أكون نحاتاً في بلدٍ مثل العراق ومن المحتمل أن أكون نسخة أخرى لروح نحات سومري أو بابلي أو آشوري أو عباسي كان يحب بلده " ستبقى حاضراً ونافذاً في ذاكرة التشكيل بأفكارك وآثارك ومنحوتاتك التي نجدها بمثابة أختام سومرية ، نستنشق من خلالها عطاء مابعد الرحيل .


محمد غني حكمت

ـــ ولد في بغداد عام 1929
ـــ تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1953
ـــ حصل على دبلوم النحت من اكاديمية الفنون الجميلة روما 1959
ـــ حصل على دبلوم المداليات من مدرسة الزكا روما 1957
ـــ حصل على الاختصاص في صب البرونز فلورنسا 1961
ـــ عضو مؤسس في جماعة الزاوية وتجمع البعد الواحد
ـــ عضو في جماعة بغداد للفن الحديث وساهم في معارضها
ـــ عضو جمعية التشكيليين العراقيين
ـــ ساهم في أغلب المعارض الوطنية داخل القطر وخارجه.
ـــ أقام عدة معارض شخصية في روما وبيروت وبغداد.
ـــ حصل على جائزة احسن نحات من مؤسسة كولبنكيان 1964. _ توفى في عمان 12- 9 – 2011 .
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6451228   Visitors since 7-9-2002