المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

محاورة مع علي حسين عبيد

  
سرى محمد خيري
  


القاص علي حسين عبيد، كاتب دؤوب، يكتب في اكثر من مجال ابداعي، ففضلاً عن القصة القصيرة، يكتب النقد الادبي، والرواية، ويحاول دائماً ان يجد لنفسه طريقاً مغايراً لنفسه، بين مجايليه من الكتاب. في هذا الحوار، سلط الكثير من الاضواء على تجربته الابداعية..
* كيف تكونت لديك فكرة كتابة القصة؟
- في مثل هذه الحوارات تعود بعض الكتاب والادباء على الاسئلة التي تبتعد عن المباشرة، والسبب كما تعرفين هو اغناء الحوار وجعله صفحة جذّابة تعرض لافكار الكاتب التي تبتعد عن السطح وتختبئ في زوايا الاعماق، ولكن لا اكتمك بأنني أحب الاسئلة المباشرة لأنها غالبا ما تقود الى رابط فهم مشترك يجمع بين عناصر الحوار الثلاثة وهي المحاوِر والمحاوَر والمتلقي، وهذه المباشرة هي احدى حسنات اللقاءات غير المفبركة، ولهذا سأقول لك انني فشلت في ان اكون فنانا او لاعب كرة قدم يشار له ولم اجد امامي سوى الكتاب عارضا عليّ نفسه بسهولة ويسر كذلك القلم والورق وهي عدة الكاتب المتوافرة (قبل تقنية التنضيد بالحاسوب) إذ كان الوصول الى عدة الكتابة لا يكلف كثيرا لذلك لجأت الى الكتابة كي اتجاوز فشلي في الجوانب التي ذكرتها ثم ما لبثت ان شعرت بحاجتي الفعلية للكتابة، ومن المفارقات التي اتذكرها جيدا انني بدأت بتدوين يوميات تافهة وحوادث اكثر تفاهة ولم يمر يوم إلاّ ووثقت تفاصيله حتى لو كانت غير ذات اهمية وهكذا امتلأ الدفتر الاول والثاني والثالث، وبعد اعوام طويلة عندما عدت الى تلك اليوميات الباهتة وجدت صورتي ونفسي فيها وأشعرتني بأن لي جذوراً وتماسكاً مع الزمن كما انها زودتني بقدرة على المطاولة في التدوين، وكانت هذه رحلتي الاولى مع الكتابة بشكل عام لأتحول بعد ذلك الى كتابة القصة الأولى وكانت بطلتها جدتي التي لم تشبع من الضحك والعراك الهزلي والجاد حتى موتها.
* جماليات القصة كيف تفهمها.. وكيف تنطلق من هذا الفهم لرسم عوالمك؟
- مرة قرأت قصة مترجمة لكاتبة من المانيا الشرقية نشرت في حينها بمجلة الطليعة الادبية مطلع الثمانينيات، لم افهم تلك القصة لكنها سحرتني وعجبت من نفسي ومن ذائقتي وتساءلت (كيف تسحرك قصة لم تفهمها؟!) وكان الجواب انها قصة ذات حس جمالي غير محدد وغريب أسرتني بغموضها وسحرها، ومنذ ذلك الحين كنت احس بأن جماليات السرد تكمن في الاسلوب الذي لا يقدم لك القصة على طبق مألوف وليس الجمال او التأثير يتوافر في عرض آلام الناس مباشرة او افراحهم، وتأسيسا على هذا الفهم كتبت القصة ورسمت عوالمي التي لا اريد لها ان تنكشف من دون غطاء تتحامى به وتتغنج لكي تستدرج القارئ الى اسرارها وعندما تتمكن منه لا بأس بأن تفضح نفسها رويدا، هكذا ارى الجماليات في عالم القصة ومن هذا المنطلق أرسم عوالم السرد.
* يقولون ان الذي يغادر منطقتة السردية عليه ان يعرف من اين ينطلق!! من اين ينطلق علي حسين عبيد في سعيه الان باتجاه كتابة نص قصصي حديث؟.
- دعيني امر اولا بالنص القصصي الحديث، كثيرا ما يتحدث النقاد والقصاصون العراقيون في الغالب عن النص الحديث من دون ان يحددوا ماهية هذا النص وطبيعة السمات الفنية التي تسبغ عليه صفة الحداثة دون غيره من النصوص، نحن كما ارى تنقصنا العلاقة الحميمة والحقيقية مع القارئ، هناك قطيعة بين السرد العراقي والمتلقي العراقي وربما العربي، لم يظهر لدينا سارد واحد عرف بين القراء من خلال رواية او قصة كتبها عن الواقع العراقي والانسان العراقي، لا احد من الامريكيين ينسى كاتبة (ذهب مع الريح) رغم انها لم تكتب غيرها حتى موتها ولا احد من الفرنسيين ينسى كاتب (البؤساء) ولا احد من الروس ينسى كاتب (الحرب والسلام) ولا احد من الرومانيين والاوربيين ينسى كاتب (الساعة الخامسة والعشرون). هناك قصة واحدة خلدت كاتبها بين شعبه وهناك رواية واحدة فعلت الشيء نفسه في كثير من شعوب العالم، إلاّ في العراق لم يحدث شيء من هذا القبيل، لدينا محمد خضير الذي اطلق عليه بعض الادباء (عملاق القصة العربية) ولكن حتى محمد خضير يعترف بأن جمهوره نخبوي.
من كلامي هذا اريد ان اصل الى قول واضح مفاده ان علي حسين عبيد او غيره قبل ان يفكر او ينطلق لكتابة نص قصصي حديث عليه ان يرى المنطقة التي تجمع بينه وبين المتلقي بوضوح، اما ان اكتب نصا حديثا والقي به في العراء(النخبوي) فذلك ما سيجعل مني ومن غيري نسخا لمئات الساردين المعطلين فوق الرفوف الساكنة.
*كيف تقيم الجيل الجديد من كتاب القصة القصيرة؟
- اذا اتفقنا على مصطلح الاجيال، ويبدو انه واقع حال في العراق في الاقل حيث تعاقبت الاجيال الادبية حسبما رسخ ذلك نقادنا في بحوثهم ودراساتهم، فمن الجيل الخمسيني جيل الواقعية الى الجيل الستيني التجريبي المتمرد الى الجيل السبعيني الغائم الملامح الى جيل الثمانينيات (جيل الحرب) واضح المعالم الى الجيل التسعيني الذي ربما اسس لحضور عدد من الكتاب الشباب المتمكنين كعلي بدر واحمد السعداوي ومحمد الحمراني وضياء الخالدي وكليزار انور وناظم العبيدي وغيرهم، اذا اتفقنا على صحة مصطلح الاجيال فإنني أثني على جهود هؤلاء السردية لانهم أثبتوا فعلا قدرتهم كما انهم أسسوا لكتابة رواية عراقية ذات سمات جديدة لكن حماسهم الذي بدأ قويا ربما أخذ يفتر بعض الشيء.
* من يقرأ لك يشعر ان هناك شخصيات حقيقية هي التي ترسم الاحداث وتفاعلاتها في الحياة (السردية) مثل هؤلاء الابطال نجدهم في قصص لك مثل /نتوء الشيطان/ وتناسل الاسوار/ وكائن الفردوس/ وفي روايتك طقوس التسامى هناك بطل حي اذا جاز الوصف/ هل هم حقيقيون فعلا؟
- أروع شيء في كتابة السرد انه يمنحك حرية خلق الشخصيات التي تحبها وتكرهها في آن، بمعنى انني في حياتي الفعلية قد لا اجد الانسان الذي ابحث عنه وهنا استطيع (تصنيع) هذا الانسان الذي لا يتوفر في حياتي الفعلية، وستسألين كيف تصنع انسانا سلبيا وسأجازف واقول لك اننا نحتاج الانسان السلبي لكي ننجح في حياتنا، ولكن هذا التصنيع الذي تحدثت عنه هل هو وليد الخيال كليا، كلا ليس هناك تأسيس من لدن الخيال وحده إلاّ ما ندر ولذلك اقول ان ابطال قصصي ورواياتي هم أناس حقيقيون، وغالبا ما أجد نفسي واحدا منهم وربما أكثرهم حضورا وسطوة في السرد سلبا او ايجابا، في تناسل الاسوار بطل سلبي بصورة خطيرة لدرجة انه يفكر بقتل زوجته حرقا بالغاز السائل، ولكن في قصة كائن الفردوس هناك بطل حالم شفاف ليس له اية علاقة بعالم الارض (المتوحش).
*بعد التغييرات السياسية المهمة في العراق يرى البعض ان هناك متنفسا للكاتب وللقاص بشكل خاص، ليعبر عن رأيه في كتابة نص قصصي، فهل وجدت حاليا الحرية التي كنت تبحث عنها سابقا؟.
- من المؤسف حقا ان الكاتب العراقي ما زال يعيش حلم الكتابة المتحررة، اذ انه لا يزال مستهدفا في الغالب من لدن الحكومات والتنظيمات السياسية وغيرها، إلاّ اذا انضوى تحت هذه الايديولوجية او تلك، وما حدث في العراق خير دليل على ذلك، كان النظام السابق يقيس انتماء المبدع وابداعه على درجة تقاربه من الخط السياسي للنظام، والآن هناك نزعة من هذا النوع، ناهيك عن الضغوط التي تشكلها الاحزاب السياسية والدينية التي تدعمها تشكيلات قتالية، لا اريد الاسترسال في هذا الموضوع لكن اختصر لك القول بأننا حتى هذه اللحظة نسير من سيئ الى أسوأ، وعلى المعنيين بالثقافة العراقية أن يتداركوا الامر قبل فوات الأوان.

الموصل تشرين الثاني/2006


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6156833   Visitors since 7-9-2002