المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الفنان مظهر احمد

  
خزين من المهارات الغرافيكية، وحاضر بقوة أختامه
  
حوار ناصر مؤنس
  


أزاميل خياله ابتكرت العديد من التقنيات، وبين يديه تلمع بالعافية لوائح المعدن، وتلمع الصفائح والألواح.
في أعماله لا نبحث عن الإنسان بل عن تجريده، لا عن الخطوط بل عن أنواعها، لا عن التعبير بل عن الإيحاء، ولا عن اللون بل عن ذهوله الأسود. وهو لا يؤمن بأن اللون " عافية الرسم " لهذا نراه زاهداً بالألوان ينثر الحبر على بياض الورق، فتشرق الألوان بطاعة من الكمال، أما عن أشكاله المحفورة كممرات إلى الخيال فهو يرسمها بخطوط وعلامات تذكر بعلوم البدء.
هذا هو الفنان مظهر أحمد، الخارج من مذاهب الحفر على المعادن ليستعيد خيال المسكوكات، فعندما تشاهد اللوح المعدني الذي يعمل عليه الفنان لا تملك إلا أن تهتف:- يا الهي، أي لوح كرامات هذا ؟ . ولو تأملت طبعاته الممهورة بإبهام التأويل، لبعثرت الدهشة حجر الأسئلة:- أي فضاء في التوزيع ؟ وأية مهارة في التنفيذ ؟. أي إبداع في التركيب ؟ وأية كثافة في الخطوط ؟. وأخيرا، أي أسلوب جديد في طباعة الليثوغراف ؟.
فهو منذ أن أقام مشغله أو ورشته للغرافيك في مدينة { فالون}في السويد ودوَّن عليها بالنقش الغائر ألقاب الحبر وهو يدون نقوش خياله على ألواح المعدن ويجلو عن المحفورات صدأ الطبعات البائدة والسائدة، وكأنه يبتكر تأريخا أخر للغرافيك ويؤسس لأساليب أخرى في الطباعة { أساليب حية في تكويناتها ولا تشبه تلك المسودات الميتة وليدة الصياغات المسبقة } فمرة يمزج بين تقنيات " الغرفة المظلمة " للمصور الفوتوغرافي وبين آلات الضغط. ومرة يبتكر طريقة جديدة باستخدام لوائح الأوفسيت كبديل للطباعة بالحجر، ومرة يستخدم قفا الصفائح، وأخرى يأخذ آلات قديمة ويجعل من تأثيراتها رسوماً، وهكذا تتنوع أساليبه.
لهذا سرعان ما استنسخت أعماله من قبل بعض الفنانين – من العراقيين والعرب- ممن أشْكلت عليهم الطبعات، وانصرف عنهم الخيال، وفارقتهم مدارك التذوق الفني.
وبين ورشته وبيته في مدينة "فالون " كان لنا معه هذا الحوار الذي يحاول أن يكشف بعض مكاشفات المعدن والمعنى.

- أعراف الشوق
- يمكن حصر الأمر بالأصالة في العمل الفني، ويمكن استبدال كلمة الأصالة بكلمة الصدق في عالم الفن، ولا أبالغ إذا قلت، أحياناً، يدخل الأمر في مجال التصوف، فأنا مثلاً، أكثر تصوفاً من أي رجل دين، حين دخلت إلى معهد الفنون الجميلة، دخلت إلى غرف الحجب والتورية، والغرف قادتني إلى غرف أخرى فيها من خواص الخيال ما هو ظاهر وما هو خفي، لهذا أنا دائم السعادة، فكل شيء في هذا الكون يمكن قياسه على أعراف الشوق، ويمكن البحث فيه ويمكن اكتشافه. لكن من جانب آخر، لا يمكن فصل الفن – بالنسبة لي – عن طبيعة الإنسان نفسه، وعن علاقة الرجل بالمرأة، باختصار المسألة الجنسية، كيف يكون الخزن وكيف يكون الإفراز، وكيف حين تنتهي عملية القذف تبدأ عملية الحلم، وكأنك تنصرف بخيالك إلى البداية، بداية المرة القادمة، أي تشعر بإغراء الرحابة من خلال النظر والجمال، وبين ممارسة وأخرى تطلق نداءك الساحر لبلوغ الجنة.
هذا ما يمهد لحالة الرسم عندي، وعندما أبدأ عملية الرسم، أكون مثل الطفل الذي يلهو أو يلعب بالكرة، ففي هذا الوقت لا يمكن أن تطلب منه أن يأكل مثلا. أنا أتمتع بالرسم واخترت أن أكون فقيراً، الغني يضطر أحيانا لدفع الكثير من النقود من أجل الحصول على هذه المتعة، وأنا أتمتع.



- رهين اللون
- تلك النتاجات الوافرة هي غنائمي طيلة هذه السنوات من العمل والتجريب، أحيانا أسحب السعادة منها، وأحيانا – عندما يكون هناك معرض ما – أفتح هذه الخزائن وأعيد تصنيفها، لو قلت لي مثلاً هناك خمسة معارض فأنا مستعد لأن أملأها، ولا تنضب خزائني، وهذا راجع إلى أنني حين أعمل لا أفكر بالمشاريع بل بما يتصل بالجمرة الدفينة التي تقودني إلى طباعة 350 عملاً دون أن أعرف لمن. لهذا أضحك عندما أسمع ان هذا الفنان أو ذاك يهيئ نفسه لإقامة معرض ما، فأنا رهين هذا الخاطر، وأنا رهين اللون والورق، وعشت طوال عمري مع هذا النداء ولا حاجة لأن أهيئ نفسي من أجل معرض ما، ولهذا تجدني دائماً أعيش الوقت وأنا على أهبة طباعة شيء ما.

- ورشة بلا سموم
- الورشة الأولى كانت معهد الفنون الجميلة، ثم أكاديمية وارشو، ثم الورش التي زرتها في جميع الأماكن في مختلف دول العالم، بالإضافة إلى كل المشاركات الفنية أو العلمية، والنتيجة عبارة عن أخذ كل ما هو متصل بمجال الغرافيك، من مواد أو طرق أو أساليب بناء الورش.
لكن البداية الحقيقية، هي منذ عام 1974 وحتى 1993 عندما توفرت الظروف المناسبة لبناء ورشة متكاملة حديثة بطريقة إلغاء السموم والمواد الكيميائية، أي " الورشة الصحية " فوجدت في جعبتي من المعلومات والأحلام ما يجعلني قادراً على تنفيذ هذه المهمة.
وحين بدأت العمل في ورشة " فالون " كمدير لأدارتها – وذلك طبعا بعد قرار بنائها وتكبيرها وترميمها – حرصت على استخدام كل ما تعلمته من تجارب ومعرفة في مجال بناء الورش، ففي هذا المكان، بإمكانك أن تدخل بنقاهة صحية وهدوء رائق، واليوم تشاهد الورشة تعمل على أساس تقديم التسهيلات الكاملة لمتطلبات الفنان الغرافيكي في تنفيذ الأعمال، لا يعوزه شيء في استخدام الطرق الأربعة للغرافيك، بل وكل تقنيات هذه الطرق من طريقة الحفر البارز:- الخشب واللينو والمواد الأخرى، وطريقة الحفر الغائر من حفر " البليت" وبالطرق الأقل سموما أو الخالية من السموم تماماً. وطريقة الحفر المسطح مثل الليثوغراف أو الأوفست والمواد الأخرى، وطريقة السلك سكرين، إضافة إلى ذلك ففي هذه الورشة بإمكانك استخدام إمكانيات جهاز الكومبيوتر في تنفيذ كل ما تتطلبه الطرق السابقة من مساعدة أو خدمة. وأيضا كأسلوب جديد، ولا بأس به، أن يكون "الأسلوب الخامس " الحديث في تنفيذ الأعمال الغرافيكية. تستطيع القول، أن هذه الورشة التي أشرف عليها، هي مكان لكل من يريد أو يتمنى أن ينجز أعمالاً فنية خالصة، ولكل من يريد أن يتعرف أو يتعلم هذه الأساليب والتقنيات وهذا لا يعني الالتزام بالمواد الحديثة وترك المواد القديمة، ليس هذا هو المقصود، بل كيف تستفيد من الطرق الأولى والحديثة في عمل الصفائح والمواد المطلوبة لتنفيذ الطبعة الفنية.



- الدورات
- ما أن بدأ الاهتمام بالغرافيك الخالي من السموم { Non Toxic } في بداية الثمانينات وما أن دخل حيز التنفيذ في السويد في بداية التسعينات حتى بدأ الاهتمام بالمواد الجديدة التي هي أقل ضرراً وبالطرق الجديدة أيضا، والتي هي أقل تكلفة وتأثيراً على الصحة والبيئة، وهذا الاهتمام في ازدياد حتى انه بدأ يشغل بال أغلب الفنانين العاملين في مجال الغرافيك والمدارس والورش، وعندما بدأنا ببناء هذه الورشة في " فالون" أدخلنا هذه المواد وزاد الطلب من قبل عدد كبير من الفنانين في السويد، فأخذنا بعمل دورات مكثفة لطرق استخدام تلك المواد والأساليب الجديدة في الغرافيك، وضمن سياسة الورشة الاتصال العالمي بين الورش والمدارس والفنانين، وجاءتنا طلبات من أماكن مختلفة أن نعمل دورات في تلك الأماكن { داخل السويد وخارجها } ومن الدورات خارج السويد مثلاً في " تسالي لونكي " اليونانية، " الإسكندرية" في مصر 2002 -2005، يوغسلافيا، النرويج، بولندا...، وهذه الدورات تكون مدعومة عادة من جهات رسمية سواء كانت حكومية أو أهلية.
إضافة إلى ذلك لم نتوقف عن الإشارة الدائمة في المحاضرات التي تقام بجانب بعض معارض الغرافيك العالمية، ومن خلال هذه الفعاليات ظهرت اهتمامات شخصية من قبل بعض الفنانين أو العاملين في هذا المجال، والكل بدأ يطلب المجيء إلى الورشة وأخذ المعلومات الجديدة من مواد وطرق وأساليب، وتم ذلك في أكثر من مناسبة وجاء عدد كبير من أسبانيا، ألمانيا، فلندا، ومن الدول العربية البحرين والعراق.

- لكنك قدمت خبراتك وتجاربك بسهولة لبعض الفنانين.
- أنا مكشوف، وأعطي المعلومة لمن يريد، هذا شجري، وليأخذوا من ثمره ما يريدون.

- تدوين البداية
- دائما اسأل نفسي لماذا دخلت معهد الفنون الجميلة ولم أدخل معهد الموسيقى ؟ . صحيح، أن دخولي المعهد جاء بشكل سلسٍ نتيجة اهتمام الفترة الأولى في المرحلة الابتدائية، كان المعلم فناناً، وزاد الاهتمام في مرحلة المتوسطة، فقد حالفني الحظ بوجود أستاذ يدرس اللغة العربية وهو أديب وفنان أيضا، الأستاذ " ناطق خلوصي " الذي وجه موهبتي بالكثير من الدعم والتشجيع، وحين أعود بذاكرتي إلى عام 1973 سنة دخولي المعهد، تزدحم في الذاكرة أشياء عميقة وربما غير منظمة، أتذكر كيف كان كل واحد من زملائي يريد أن يبرز عضلاته في الرسم، لكنني لم أنشغل بهذا التناحر، صحيح، أنني كنت أرسم أفضل من الطلبة الآخرين، وكانوا يقولون: مظهر يرسم المصارعة والملاكمة، لكنني كنت أرسم الحركات. كنت مبهوراً بكل شيء. مبهور بذلك الانتقال من جو المتوسطة إلى جو المعهد سعيداً بالاختلاط، بالقاعات، بالموسيقى، بروائح العالم الجديد، كان الأمر – بالنسبة لي – يشبه أن تنزل من باص بطابقين وتدخل إلى بناية خارج البيئة.
ولو ذهبت بعيداً في نزهات الذاكرة، سيوقفني، هذا الشيء الغريب: منذ الأيام الأولى في المعهد وبعد حفلات الاستقبال، كنت أشعر بعدم وجود الوقت الكافي، كنت أريد أن أتعلم بسرعة، حريصاً على حضور الدروس والعودة إلى البيت من أجل أن أمارس أكثر، تتزاحم في داخلي أشياء مثل الحب والرغبة والاندفاع، وهذا قادني إلى الاقتراب من طلبة هم منتجون أيضا، كنت أريد اقتحام كل شيء بسيل من الرسوم فدخلت المعهد الآخر، معهد الحياة العامة، الورشة الحقيقية لكل رسام، كانت عدتي الأوراق والأقلام وكنت أدون معايشة البيئة، ثم جاء تأثير الفنان شاكر حسن آل سعيد كما هو الحال مع أغلب الطلبة في تلك المرحلة.

- الصوت في العمل الفني
- في اللحظة التي اكتشفت فيها أن الفنان شاكر حسن يحب المقام العراقي والأغاني الريفية انعطفت رؤيتي صوب هذا النداء، وعندما سمعت آراءه التشكيلية والبصرية وتعرفت على أعماله عن قرب، وأصبحت أكثر قرباً لفهم مناخاته، عندها، بدأت أفكر بالتالي: كيف أوظف الأشياء السمعية في الأعمال البصرية، طبعا، ليس من مهمتي التنظير لهذا الأمر، لكن هناك استعارات وتأثيرات سمعية على البصري في أغلب نتاجي.
كنا نفهم الرسم، هو أن نرسم الأشياء البصرية على أنها محاكاة، مثلا أن ترسم شجرة أو طبيعة، لكني لم أرسم هذه الأشياء، رسمت الخط، رسمت السطح ورسمت الأشياء التي أرشدتني إلى العجين الذي يلمع في عروق الشكل، أعيد القول، أن الأشياء السمعية تلعب دوراً كبيراً في تنفيذ أعمالي، صحيح أن البصريات شيء لابد منه، فنحن نشاهدها يومياً، نقرأ، ننظر، نشاهد المعارض، باختصار، إنه الوقود لتحريك العناصر الأخرى.
والآن أسأل نفسي، لو كنت أطرش ولم أسمع زفير الأصوات وشهيقها، ماذا كان يحدث بالنسبة لنتاجي؟. ربما كنت أشعر بكارثة كبرى.
لكن هناك مسألة أخرى علينا أن لا ننسى عدة أسئلة، ما هي الأصوات؟.أي نوع من الأصوات ؟ . أنا انتبهت للأصوات التي ساعدتني على نصب خيام الشكل، طبعاً، هناك أصوات لا أعرفها ولا أجيد تقنياتها ولا أعرف خصائصها، لكنني أحس بها. لندع الصخب جانباً، ونأخذ ما يومض به الخيال عند سماعه، تلك الأصوات من المقام العراقي، أو تلك الجلبة المرفوعة إلى البرق، خذ الأسواق التي كنا نمشي بها، سوق " الهرج" يختلف عن "السراي"، سوق " الشورجة"يختلف عن "الصفافير"، هذه أجمل عناصر تبلل أرواحنا بماء الرسم. وهي في النهاية لا تختلف عن أصوات المقامات التي كنت أذهب إلى المتحف البغدادي لسماعها، ومرة بلا استئذان، ذهبت إلى الصحراء لأسمع غناء البدو. لكن الصوت الوحيد الذي لا يمكن أن أنساه هو صوت جدتي عندما كانت
" تنعي" على قبر أبي الذي دفن في النجف، هذا الصوت الذي أشكر الله حين جعلني أسمعه، أي جمال أخاذ، حين تبكي وتغني، تغني وتبكي الآخرين، تلك الطاقة الموجودة في هذا الأداء وغيرها من التأثيرات الصوتية كان لها التأثير الكبير في تطوير عملي الفني.



- غواية الغرافيك
- في الصف الثالث من الدراسة في معهد الفنون يبدأ التخصص، لكن، في الصف الثاني كنا نهيئ أنفسنا للدخول في فرع ما، الرسم أو النحت أو الغرافيك، وعندما كنت في المرحلة الثانية كان أغلب أصدقائي من المتقدمين في المعهد أو الدراسة هم من فرع الغرافيك، وكنت مبهوراً بأعمالهم وطبعاتهم على الخشب، تعلمت أن أشتري الخشب أو أحصل على قطع من هذه الأخشاب ثم حصلت على آلات الحفر ونفذت أكثر من 50 قطعة وأنا في مرحلة الانتظار، وفي هذه الفترة كان الأستاذ والفنان رافع الناصري يدور في القاعات ويشاهد تخطيطات الطلبة، ومن يجد عنده الحس الغرافيكي يقترح عليه أن يتقدم إلى فرع الغرافيك، وهذا ما حدث معي، {وهنا لابد من الإشارة إلى الدور الكبير والمهم للأستاذ والفنان " رافع الناصري" في تثبيت فن الغرافيك في العراق }.وكانت فرحة بالنسبة لي لأن أدخل الفرع الذي هيأت نفسي للدخول فيه. هنا بدأت عندي اهتمامات شديدة النطق بحروف الحفر وكأنني وجدت الله لأعبده، ولم يتدخل أحد في شؤوني لأنني لا أخاف أن يدخل شخص ما ويقول لي لماذا تجلس في هذه القاعة، هذه كانت البداية، والآن أشعر كم كنت " يتيماً" لأنني لم أتعلم أشياء كثيرة مثلما تعلمت في المراحل المتأخرة، ربما، لأن الإمكانيات لم تكن متوفرة أو كافية مقارنة بما تعلمته في أكاديمية وارشو، أو ربما يرجع الأمر إلى طبيعة التدريس ونوعية المواد، أو إلى المسألة التجريبية، كانت معدومة تماماً، ولا يمكن أن يكون هناك تطور دون تجريب، والتجريب اقتراح، لكن هذا الاقتراح يصطدم بالواقع، والواقع تحكمه سكين التقاليد، تصور، كنت دائم السؤال عن سبب وجود تلك الماكينة غير المستخدمة والموجودة في القاعة، وطبعا، لا أحد يعرف الجواب، بعد سنوات اكتشفت، أنها كانت ماكينة الليثوغراف.
التقنيات التي تعلمناها في فرع الغرافيك في معهد الفنون كانت عبارة عن الحفر الغائر والبارز والقليل من السكرين، وكانت العملية مختصرة على الزنك مع حامض النتريك والأصباغ الزيتية والمكبس، وهذا راجع – في اعتقادي – إلى النقص الشديد في التربية الفنية، وطالما، نحن طلاب في مدرسة فنية، على هذه المدرسة أن توفر أساتذة يمتهنون خبرة العمل الفني، وللحقيقة والتأريخ، أقول لم أجد أستاذاً في معهد الفنون ساعدني في فهم بناء العمل الفني، ولم أسمع بموضوع الإنشاء التصويري كمادة أساسية، ربما، لأن الأساتذة أنفسهم تنقصهم الخبرة ولا توجد عندهم الأعمال التي يمكن دراستها أو الاستفادة منها في هذا المجال. تحليل العمل الفني أو البصري بشكل علمي يجب أن يكون من البداية، أي بداية دراسة الفن في المعهد أو الأكاديمية. بشكل عام، لا أتذكر، ولا أحد من زملائي يتذكر عمل أي تمرين في هذا المجال.

- هل تعني أن فكرة الإنشاء التصويري غير موجودة عند فناني تلك المرحلة ؟.
- موجودة، بالتأكيد، لكن عند بعض الفنانين القليلين جداً، وهؤلاء أما كانوا أغبياء ولا يستطيعون الإشارة أو تدريس هذه المادة، أو هم " بخلاء"، والبخيل لا يعطي.

- ما هي أهم التطورات التي حصلت في الغرافيك ؟
- بالنسبة للحفر البارز كانت التطورات هي التغيير في نوعية الأخشاب أو " البليت" أو "اللينو". وبالنسبة للغائر بدل الزنك تم استخدام النحاس، وبدل الحديد البلاستيك، ثم جاء التغيير الأهم، وهو دخول الفنان الغرافيكي إلى غرفة المصور الفوتوغرافي والاستفادة من التصوير في عمل الصفائح، ثم الذهاب إلى غرفة النجار والحداد والصباغ والمهن الأخرى، في سبيل تنفيذ القطعة بالشكل الصحيح، وأصبح الغرافيك عبارة عن شخص يذهب إلى دكان.

- أدواتي ليست كثيرة أو معقدة
- ضمن العمل الطويل والتجريب بالمواد توصلت إلى عدة طرق أو استخدامات غير مألوفة في تحقيق الطبعات، ومن هذه الاستخدامات المزج بين طريقتين في آن واحد، على سبيل المثال، أقوم بعمل الصفيحة بأسلوب مسطح وأطبع بالأسلوب الغائر، مما يعطي الطبعة الفنية النتائج المرجوة، وهذا ما أسعى إليه دائما، أن يكون للعمل الفني طعم ونكهة وشخصية صرفة، قبل أن أطرحه للأنظار، أما سؤالك عن التكوين في أعمالي، يمكنني القول ببساطة، التكوين هو من أهم العناصر التي تترجم تربيتي الفنية في مجال صنع الصورة البصرية، وهذه أساليب بسيطة جداً، ربما تكون محيرة لعدد من المشاهدين، لأنهم اعتادوا رؤية نماذج معينة، لكن بالنسبة لي، الأمر يعود إلى بناء العمل الفني بطريقة غير مألوفة من حيث الإنشاء التصويري، إذ كان هذا العمل مسطحاً أو مجسماً فهذا يعني التعامل مع السطح بأسلوب توزيع الإشارات والأشكال مما يجعل النظر في حيرة، أما في الأعمال المجسمة، فالأمر هو استخدام عنصرين أو أكثر لخلق عمل ضخم ومحير نتيجة أسلوب أو طريقة طرح هذه العناصر. أو استخدامها في بناء الشكل أو المجسم. علماً أن أدواتي ليست كثيرة أو معقدة، بل بالعكس، مختزلة جداً وغالبا لا تتعدى الصفائح، الأحبار، والأوراق، وهذا ما يجعل العمل غير مألوف للنظر.

- ميزان العناصر
- في مفهوم بناء العمل الفني أو التكوين يلجأ كل فنان إلى الطريقة المحبذة إلى نفسه، من ناحيتي، أحبذ البساطة في استخدام الأشكال والألوان، وهي بالنتيجة ممارسة لا يقوم بها إلا من يستطيع السيطرة على هذه البساطة، تعودت من دراستي الأخيرة في بولندا أن استخدم المقص والورقة في تنفيذ العمل. دعني، أضرب لك مثلاً، لنأخذ سطح الورقة البيضاء، إنه سطح منسوج من البياض، ليس هناك فراغ على سطح الورقة، هناك عنصر واحد هو الورقة البيضاء، وعندما نضع نقطة يكون لدينا عنصران، عنصر النقطة على عنصر الورقة البيضاء، أو بالعكس، الورقة البيضاء أخذت أشارة النقطة، والعلاقة بين العنصرين علاقة مهمة كأهمية الضوء للظلام، حين نحدد النقطة ظلام والورقة ضوء، ليس هناك مهم أو أهم بل هناك عمل مسطح بعنصرين ولا يهم أن كانت الورقة صغيرة أم كبيرة بإمكاننا اللعب بهذين العنصرين إلى ما لا نهاية، نقل النقطة من مكان إلى آخر وتغيير موقع البياض، تكبير النقطة أو تصغيرها، وهكذا، والمهم هو كيف نعطي الجمالية المناسبة في استخدام هذين العنصرين.
أعود لسؤالك حول زهد اللون في أعمالي،
أنت تجد أن ما يميز أعمالي من هذه الناحية هو الخطوط، والسواد العنيف ، واللون القليل الهادئ ، وكل هذه العناصر موزونة على السطح الأبيض ، رغم الحركية أو السكونية التي تطغى على العمل .

- غياب الظل
- صحيح، يغيب الظل في أعمالي، فأنا لا أقوم باستنطاق الظل، وأساس اعتمادي في بناء العمل الفني هو استخدام البعدين العمودي والأفقي، لا أحب العمق في العمل الفني، وهذا يرجع أيضاً إلى طبيعة بحثي وأسلوبي وتعمقي في هذا المجال وهو ألا يكون العمل الفني بثلاثة أبعاد.

- كائن يروض شغب الخيال
- لا يوجد عندي تحديد أو أسلوب في استخدام مادة معينة، ولا توجد طريقة ثابتة في تنفيذ أعمالي، كل شيء يختلف من عمل إلى آخر، لكنني أستطيع القول أن الورق مادة أساسية في عملي الفني، ولا يقتصر استخدامه على الأعمال المنفذة بطريقة الطبع المسطح فقط، بل يتعدى ذلك إلى المجسمات أيضا، فعلاقتي بالورق علاقة مهنية، أتعامل مع التخطيط على الورق، الطبع على الورق، التأطير بالورق، والورق بالنسبة لي هو الكائن الذي يروض شغب الخيال.

- المواد الأخرى
- لا توجد أشياء كثيرة أو لنقل بعيدة عن دائرة البعدين ودائرة التكوين، وعنصر الاختزال، وتكبير الأشكال وتصغيرها، وفي النهاية توزيعها كما هو الحال في الطبعات الغرافيكية.

- فن البوستر
- البوستر من أهم الدروس التي حصلت عليها من دراستي في أكاديمية وارشو، وفي اعتقادي أن الفنان الذي يعرف صناعة البوستر يعرف كيف يتعامل مع السطح بشكل جيد، لأن التعامل مع الخط والرسم أو الشكل والكتابة يجعلك تتابع مشاكل التكوين بشكل عميق جداً، ويصنع خبرات تؤدي إلى معلومات قيمة عن التكوين في سطح اللوحة أو الطبعة الغرافيكية.
وأنا أعتبر فن صناعة البوستر من المصادر الراقية والمهمة في تعلم لعبة التكوين، وكيف يمكن التصرف مع الشكل، حجمه، توازنه، كسره، والذي يدرس البوستر بشكله الكلاسيكي يستطيع أن يصنع اللوحة لأنه يعرف أين يضع الثقل أو الضعف. كان حلمي وما زال أن أعود إلى العراق وأعمل معرضاً خاصاً للبوستر البولندي، أما لماذا البولندي، لأن البولنديين يعتمدون على الرسم وليس التصميم.

- الدراسة في بولندا
- عندما سألت الفنان البولندي رومان أرتموفسكي { Roman Artymowski } في أحد اللقاءات في بغداد ، هل هناك مجال لدراسة الليثوغراف في بولندا؟ أجاب، نعم، في كل مكان في بولندا. هكذا بدأت بتهيئة نفسي وأنا في نهاية المرحلة الثالثة أو الرابعة في معهد الفنون، لقد قررت ونفذت وسافرت إلى بولندا ودرست في أكاديمية وارشو. المفاجأة كانت رائعة عندما تم قبولي في الصف الثالث مباشرة على اعتبار إنني أجيد الغرافيك، لكني رفضت وطلبت أن أدرس المواد من الصف الأول. كانت الدروس مكثفة جداً، ومشوقة بشكل كبير، ووجدت أن موضوع التكوين أو الإنشاء التصويري من أهم الأشياء نقصاً في تربيتي الفنية واعتبرت كل فترة دراستي في معهد الفنون عبارة عن العمود الفقري لبناء الهيكل، تعرفت على كيفية بناء العمل الفني سواء كان مسطحاً أو مجسماً، و تعرفت على الفرق الواسع والواضح والأكيد.

- رومان أرتموفسكي
- في الحوار المسجل الذي أجريته مع ارتموفسكي ترد كمية من الحقائق التي يمكن اعتبارها مصدرا مهما لمعرفة تأثير البولنديين على الفن العراقي، ربما، أنا وابن الفنان أرتموفسكي وأحد المتخصصين نتعاون في المستقبل لنشر تلك الوثائق ونكشف عن ذلك الأرشيف الهائل الذي يحتفظ به ابن الفنان، وقد أطلعت على جزء منه
وقبل أن أعود إلى الحوار والذي لا يقل أهمية عن تلك الوثائق، أود الإشارة إلى أن تجارب أرتموفسكي في العراق قد اعتمدت على قوالب مصنوعة من مادة " الغبس " وهذه المادة تكون عادة بيضاء على سوداء، وعندما تحفر تصنع " بوزتيف "، وبعد هذه الإشارة العابرة أعود بك إلى الحوار، حيث ترد الكثير من المعلومات الطازجة والتي لم يشر إليها في دراسة التشكيل المعاصر في العراق، سأورد لك حكاية صغيرة من هذا الحوار الطويل، يقول أرتموفسكي: { كنت أنظر إلى كل شيء بعيون جديدة وكنت أراه فناً، وعندما تجولت في الأماكن الأثرية في العراق واشتريت بعض القطع المحلية من محافظة كربلاء، نقلتها إلى الطلبة، وقلت لهم، هذا هو الغرافيك، قالوا، لا، نحن نريد الغرافيك الحديث، فذهبنا بسفرة إلى كربلاء لنكتشف أن الناس هناك قاموا بابتكار طريقة مذهلة وهي أخذ مقطع صغير من إطار سيارة قديم ووضعه على ماسكة خشبية ويصبح بمثابة الختم، ويطبع على القماش }.
هذه العملية تؤكد أن الغرافيك كمادة موجودة في العراق، وقد ذكرها أرتموفسكي للطلبة، لكن يبدو أن الطلبة في ذلك الوقت لم يدركوا الفرق بين " تلولحي" و " تمرجحي " أي بين العمل الفني ومصدره.

- خيال الكتاب
- ربما كان مخبأ في داخلي، متغذياً بطبائع أعمالي، وربما كان مدوناً بحبر خيالي، وربما، لقد ولد هذا العمل بشكل لا إرادي وبلا مقدمات، وبدأ يكبر كوليد من شكل واحد حتى وصل إلى 150 قطعة، وأخذ يملأ كل المكان المتاح. تم تنفيذ العمل باعتماد المقص والورق الأبيض والكارتون، واستطعت أن أصل إلى جو يمتعني بالدرجة الأولى من ناحية التنفيذ، ومن ناحية ثانية يجعل المشاهد يتأمل دون ملل حين يطيل الوقوف وهو ينظر إلى هذا العمل. علماً أنني لا أحب تثبيت المشاهد بمسامير القصد، وفي هذا العمل لم أقصد شيئاً محدداً، والذي حدث، أن كل إنسان شاهد العمل كان يعطي رأيه الخاص.
حتى العنوان، فقد تركت هذا الأمر إلى ذوق المشاهد ومستواه الفكري أو الفني، طبعاً بإمكاننا أن نضع له من العناوين ما نشاء، هذا إذا أحتاج العمل إلى عنوان أصلاً، لم أرغب أن يتمرغ هذا العمل، أو يتوسل بالعناوين، أردته كالخارج لا يحجبه العويل، أنجزته بلا عنوان، بلا وطن، بلا حدود، بلا مياه، بلا أشجار، بلا ضوء، بلا هواء، مما جعلني أطوره من فترة إلى أخرى، مستخدماً تأثير المكان أحياناً، وأخرى مستفيداً من التكنولوجيا الحديثة ومن جهاز الكومبيوتر تحديداً، وتستطيع القول، يمكننا التمتع بتطوير هذا العمل لسنوات طويلة قادمة، طالما هناك مواد جديدة وطرق جديدة وأشكال جديدة، وكأن الأمر يشبه الفنان " جيم داين" عند الروك، فهو يرسم الشكل نفسه دون ملل، ودون أن يكرر نفسه، بل يدفع بالتجديد إلى مزاياه السحرية. وكذلك الحالة عند الفنان البولندي " رومان أرتموفسكي " في شكل عمله الشمس.
الإنسان يرسم لنفسه ويقدم للآخرين، هذه أنقى طريقة للعمل الفني والتعامل مع الفن يعني الصدق، والصدق مع النفس هو السعادة الحقيقية.

- الكتاب اليدوي
- الكتاب الفني، أو فن الكتاب كان ضمن منهاج دراستي في أكاديمية وارشو، ونفذنا الكثير من الكتب معتمدين على تصاميمنا الخاصة، من غلاف الكتاب والصفحات والتصميم الداخلي، وعملت عددا من الكتب على أساس كونها عملاً فنياً مجسماً، واستخدمت المواد المختلفة لإخراج الكتاب، وعملت أيضاً الكتب بالطريقة المألوفة، أي تلك الكتب التي تجمع بين الرسم واستخدام الكتابة، كما في كتابي عن الشاعر عبد الوهاب البياتي، وهناك مشاريع لكتب قادمة منها كتاب عن الشاعر السويدي توماس تراندسترمر، وعن الشاعرة البولندية الحاصلة على جائزة نوبل فيسوافا شيمبورسكا.


- جائزة نوبل
- هي جائزة نوبل للفنون، وهي محدودة على مستوى السويد فقط، تمنحها مدينة كارلسكوكا { Karlskoga } لأن مختبر نوبل في هذه المدينة، وكان وراء فكرة الجائزة { يوران بيرشو} فقد أخذ موافقات من مؤسسة نوبل، والجائزة تمنح في نفس اليوم في المدينة بينما الجائزة الكبرى تمنح في ستوكهولم، وقد حصلت عليها،
أما أكبر جائزة بالنسبة لي فهي عندما وضعني الإنكليزي { Richard Noyce } في كتابه، حين أختار 45 فناناً للغرافيك من كل العالم.
الجوائز الأخرى مثل جائزة كراكوف أعتبرها مهمة، والمنافسة كانت شديدة جداً، وكان حفل الجائزة في قصر المدينة، وكنت وحدي، وعندما ذكر اسمي واسم العراق، وقف الجميع، وقتها شعرت والدموع تملأ عيني، أن الجميع يقفون ضد الحرب في بلدي.


- أين تقف الآن ؟.
أستطيع القول، أنني وبعد مرور 30 سنة لم أنقش بعد صورة الكمال على لوح اليقين، أنني أقف مع قول " أبي علي " الشاعر عبد الوهاب البياتي حين يقول: عندما تنضج الثمرة تموت.
• عن موقع بغداد
http://www.baghdadart.de/mekal2.htm



الموقع الشخصي للفنان مظهر أحمد
www.modhirahmed.com


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057154   Visitors since 7-9-2002