المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في تجارب غازي عانا . حدود المجسّم وتعاقب المخفيات

  
عادل كامل
  
















إشارة

مع ان المكان، قبل أن يتعرض الى التفكيك، لم يخف انه لا يعلن قدرته على البوح؛ المكان الذي هو المغارة، وجدران الكهف؛ والمكان الذي هو أقدم نواة لتشكل المدن، والعادات السحرية، وبضمنها أعقد الأسئلة وأكثرها انغلاقا ً، كلما أعلن عن ( أبعاده ) لا يغادر من يسهم بمنحه امتدادا ً يجعل تكوّن بذور الخلق الأولى، ضربا ً من النظام الموازي لسطوح بلا حافات. وضمن إنغلاقات المكان ودفاعاته ومدوناته وشعائره ومخفياته ولدت أقدم علامات الاتصال : المجسم : بصفته حصيلة تركيبات وخبرة متراكمة. بيد ان النحت، الذي لم يفارق المأوى ـ المدينة، ليس محض محاكاة أبعاد وبحث عن خفايا الآخر، إنه، إضافة لكونه اعتراف بالمادة المكونة لمجموع الخطابات، غدا تلك المرآة التي يرى فيها الصانع ـ وأصابعه قبل بصره ـ ثقلا ً ترك الفراغات ـ والفضاءات ـ تعمل معه بتعددية أبعادها. هذا النحت، المرآة، الثقل، الأرض، صار يتكون كمخطوطة تتجمع داخلها الأصوات والأشكال والمهارات المختلفة، فاكتسب بنية منفتحة تنمو مع نمو رأسمال أقدم التجمعات، وهي تنتقل من البرية الى الاستقرار، ومن هيمنة النار على الجسد، الى هيمنة الجسد عليها، وعلى وحوش البرية. إننا نقرأ في منحوتات أسلافنا ذلك الذي مازالت تتكلم به منحوتات كافة الأزمنة، ومنها عصر ما بعد التحديث، وعصر موت النحت، الى جانب موت الإنسان البري ـ المتوحش ـ كي يدشن الاشتغال بتحول الميتافيزيقا الى وجود يخضع للتراكم ولحدود المهارات بتقنيات مناسبة.
وهنا يحيلنا ابن خلدون الى تأويل تدهور النحت ( المدينة/ المرآة/ المرتكزات ) بسبب الأفق الصحراوي ـ كمواز ٍ للسماء ـ وثباته المثير للقلق، وعبر حياة لم تنعم بالمكان إلا بصفته مغايرا ً للاستقرار، حيث لا وظيفة للمجسم داخل خيمة أسلافنا في البراري. فالماء غدا الغاية، وليس خامات البناء والاستقرار الحضري.

إن النحات السوري غازي عانا، كنحات ينتمي الى حداثة مزدوجة بين جذورها القديمة في مصر واليمن والعراق والجزيرة العربية، وبين منطق الاستجابة لحداثات العصر، لا يغادر عمليات التركيب وتأمل مغزى ملغزات الأشكال الطبيعية، ومنها الإنسان، بعد تفحص المنقرضات والكائنات الأخرى. فالنحت عنده لا يستقر عند غاية كتمثله لصراعه الداخلي، وانشغاله بعصر يتسم بقسوة التحولات .. فكما بصمت أقدم الأصابع فوق كتلها الطينية مشاهد الموجودات يجد النحات غازي عانا نفسه يراقب متغيرات المكان في مكوناته المتباينة. إنه انشغال يثبت جوهر الواقعية بتنوع خطاباتها، فالجسد ( البذرة/ الشجرة/ المحارة.. الخ ) علامة تدفع بالمقارنة للاحتفاء بسلاسل الانبثاقات، وليس اندثارها. فمشروعه اللاشعوري ـ ضمن وعيه واختياراته ـ يمنح فنه تأملا ً فلسفيا ً أنطلوجيا ً يغادر إشكاليات التابو وعصور ما قبل اللحم النيئ، وما قبل اكتشاف النار. فالنحات باستخدامه لتقنيات الحداثة ينحاز لشرعية ان النحت ليس عملا ً فائضا ً، أو وظيفة براغماتية وفدت مع مصّنعات أوربا، وإنما هو استعادة لمدونات حضرية تأسست مع فلسفة المكان ـ المدفن والمقدس ـ منذ الزقورات والأهرامات وملوية سامراء وآثار لبنان وأطراف الجزيرة العربية ـ بما توفر لها من عوامل قهر تحولات المناخ والتحرشات العدوانية للأقوام المجاورة أوالبعيدة. إن النحت، في هذا المنحى، اشتغل كعلامة لا تخص المكان خارج الخطاب، وإنما دفعت به نحو انباتاته المكانية. فالنحت جاء نتيجة تضافر دور المركز: الرؤية وقد وجدت سكنها، عبر النحت. إنها لم تدفن، كما يؤدي الشاخص دوره، بل تتحرك، كما الطيف في الحكايات والخرافات والهلوسات، منتقلة من أسلوب الى أسلوب، بحسب العوامل المضافة، والمندثرة. فالنحت تجّذر، كفن مستقل، بوظيفته الرمزية والفنية والجمالية، مع انه مكث لا يغادر أبعاد المكان، وانبثاقاته المتجددة.


بذور: الجسد والفضاء

هل جرت التغييرات، في مرحلة الريادة العربية، بالانتقال من الواقعي الى المجرد، أم ، ان الحداثة ذاتها، على علاقات لا شعورية بين التحديث والذاكرة ؟ فعلى صعيد الجسد، في النحت، منذ محمود مختار( ) وجواد سليم ( 1919ـ 1961 ) جرى، بأشكال حرة ومتنوعة، تحويرات أعادت للتدشينات المبكرة أهمية فريدة؟ ربما كانت هناك تجارب تقف ضد ( المصّنع) وعلى الطرف الآخر من مشروع ( تحديث الحديث) جعلها لا تمتلك رؤية واضحة للذي يحدث بصورة كلية . لكن إعادة تحليل مقولة عمانوئيل كانت ( الغائية بلا غاية محددة) يفسر ضربا ً من التجريب في الأساليب، وعودة متكررة الى الأصول. والنحات غازي عانا، اختار المسار الذي مهد لتجاربه الا تبدو هابطة من كوكب مجهول. فالأشكال لم تخترعها تقنيات البصر، مع ان الأخير، راح ينقب، ويحفر، ويعيد صياغتها بمواكبة عمليات التحول المتواصلة. فراح يتأمل أشكال الطبيعة : النبات والحيوان والصخور والإنسان .. الخ كعناصر خام ليخضعها لحلول جمالية تناسب مكانة المجسمات مع الفضاء . فالمجسم ( النحت ) ليس محض وظيفة محددة، وليس محض خلاصة جمالية، بل هو علاقة يؤدي النحت فيها دوره في الاتصال وفي ما يريد ان تكون عليه . فيختار النحات الجسد، الجسد الأقرب الى المجسمات المرئية والمحسوسة : البراعم/ القواقع/ والأشكال العضوية ذات التكوينات الجمالية والسحرية النادرتين، فضلا ً عن الجسد البشري بما تضمنه من دينامية رافقت الفنون والنصوص الأدبية عبر الزمن .. ليحورها، بصفتها امتلكت ما تريد ان توصله. فمحتواها لا يعلن مباشرة ولا يخفى بالرمزية، وإنما بالمعالجة الشعرية المتجانسة بينهما والمتداخلة حد الوحدة المجازية. فالباث يكمن في الكتلة، يضاف إليها، ما يريد ان يرسله ( يوصله) النحات نحو الآخر .. فيتم، عبر النحت، وضمنا ً مع الوظيفة والبعد الجمالي، علاقة اتصالية تكاملية وليست انقطاعية.. حيث يأتي التحديث، متجانسا ً مع الطبيعي، ومع الاغتراب بالحذف والتحير والترميز. إن منحوتاته لا تخلو من اعتراف بأقدم الصرخات المكتومة التي اندمجت بكتلتها/ في النحت الخالص أو عبر النحت الفخاري: نداءات تجاور الاستحالة اللا شرطية لعمل مجموع الأجزاء المتصلة. فاختياره للجسد، ولعمليات التشذيب، وتكثيف المعنى حتى عندما يغدو تجريدا ً أو محض إيماءات وإشارات ـ وليس علامات كاملة الدلالة ـ فإنما يحافظ على علاقة ما مع الفضاء. إنها علاقة لا تخفي كيف سيبقى الفضاء ـ واللاحافات ـ خلفية للعمل الغائي. وإن إشكالية النحت ستبقى أكثر تمثلا ً لعمل الهوامش والامتدادات المشتركة: فالمعنى يكمن تحديدا ً في هذه العلاقات : الجسد وقد غدا مركزا ً، جاعلا ً منه، ببداهة والغاز أشكال الطبيعة، شفرات مقاومة وامتداد، ومعان لا تتوقف عند تأويل أخير. إننا هنا نجد مقارنة بين الوظائف : البراعم والقواقع والصخور والغيوم ومنجزاته النحتية. فهو لا يحاكي أو يستنسخ، إنه لا يكرر، ولكنه لا يغادر خفايا الإيقاع المشترك بين الأشكال كافة ؛ النباتات، والمخلفات البحرية،والصحراوية، والإنسان ممثلا ً بجسده، وأشكاله التي غدت نحتا، حيث المشترك بينهما يحافظ على ألغازه وسحره الداخلي وما يريد إيصاله ضمنا ً في هذه الوحدة بين الأجزاء والمعالجة في نهاية المطاف. انه لا يقصد ـ ولا أنا ـ المعنى في قلب الشاعر، بل، يمارس انشغالات تجعل أشكال الجسد، أشكالا ً ذات غاية، لكن، ضمن ما هو ابعد من التحديد والقصد والغاية المباشرة . ألا تذكرنا منحوتات غازي عانا، وهي تنتصب في الفضاء وخارج القاعات ومناطق العرض التقليدية، بأشكال سكنها الزمن، وإن أية محاولة نهائية للتأويل ولتحديد القصد، تغادر مغزى النظام التوليدي للمتتاليات الحيوية والبنيوية في سياق نموها وحضورها السحري والجمالي. ومن ثم الا يبدو الفضاء أكثر الفة، كمحيط تتمركز فيه الكتلة، للسكن فيها، مؤقتا ً في الأقل، كي يتوقف عن أداء غايته مع الأجزاء، وإن النحات، باختياره الجسد ـ كتقليد يعود الى فاتحة عصر الحداثات ـ قد اختار أكثر العلامات بداهة،وحضورا ً، ووفرة، ولكن، أكثرها قدرة لتبقى لغزا ً : لغزا ً يمتد عبر التحديث، والتجدد، مع انه لا يغادر لغز معجزات النبض الكامن في الغاز الجسد بما يحمله من تاريخ ومخفيات وامتدادات .


المخفي ممتدا ً


ثمة معضلات يثيرها النحت تبدو وكأنها قد حسمت. فالنحت ليس محض مكان مصّغر يتصل بفضاء خال ٍ من الحافات، وليس هو نتيجة مشتركة لعمل الأصابع في مجالها المتخصص، بل النحت مازال، إضافة لما يتمتع به من علامة مكانية ورمزية، يتكون بالدوافع غير المباشرة ـ وغير الغائية ـ التي كونته. إننا نتعرف على النحات بمجسماته وبما يريد إيصاله. بيد ان الدلالات ستبقى قائمة، وهي قائمة باقتراحات إضافية لمجموع العلاقات : أصابع وكتل. فمن الصعب إرجاع فن النحت الى المحاكاة،وتكرار الإيقاع، والسحر التشبيهي، بمعزل عن النحت المتواصل، في العصور المتعاقبة، وحتى عندما بلغت مراحل ما بعد التقنية انحدارا ً نحو الذاكرة البكر، ونحو معالجات تحرر فيها النحت من أهدافه المعلنة، فقد مكث لغز العملية البنائية قائما ً ومتصلا ً بالتحديث وبالتكرار بعيدا ً عن التكرار المباشر .

غازي عانا، كمعظم النحاتين المعاصرين،يجري معالجاته بتفحص دلالات الأشكال المرئية: الصخور والبذور ومخلفات الكائنات المتنوعة.. فإذا كان الجسد قد جرجره الى علاقة لها مغزاها في التحليل الوظيفي والنفسي والجمالي، فان تمسكه بحذف تكرار التفاصيل، أدى به للذهاب في جعل المعاني ممتدة : ثمة أشكال نحتية مستعارة ـ ولكن في سياق الاستذكار والأحلام المستعادة ـ لأصول لا نحتية : بذور النباتات، ومعمار الحيوانات المائية، وجذوع الأشجار، وأشكال الصخور الحرة بقيودها البنيوية .. الخ جعلت المنحى الوظيفي، في مجسماته، امتدادا ً لعمل الذات في المسافة الشاغرة. إن النحات لا يصنع مكاناً ، أو ما يشبه المكان، بل يصنع بؤرا ً تثبت أهمية المكان ( المدينة / المأوى / الرحم / العلاقة الحميمة بين الأجزاء حد المشاركة والتوازن والتآلف والتركيب ) مع مجسماته. فالعلاقة تبقى تكاملية وغير قابلة للفصل. وهنا يعّرف ( الوعي ) ـ بفعل الاتصال ـ بصفته لا يغادر وحدة المتضادات في تحديد انفتاح المعنى، وعدم تقيده بدلالة أخيرة.

ان تكرار نماذج المنقرضات، والهيئات التي غابت عنها حياتها، تكرار الهياكل مثلا ً منح منحوتاته مكانة الشاخص كعلامة تتوسط المخفي تحت الأرض، واللانهائي في الفضاء . الا تبدو غايات الوعي، والعمل الفني، والجهد البشري برمته، قد استحال الى لا غائية، بصفته مندمجا ً في المعاني المضافة أو المكتشفة أو المصنّعة؟
هذه اللا غاية، تمتزج بتعبيرات تخلو من المبالغة في الحرفة. فالبدائية لا تنسحب الى زمن مضى، بل الى أطياف مستعادة برغم العصور التفكيكية المتعاقبة. فالنحات يرجعنا الى مشاهد نباتات وجدت متصلة ضمن حدود اختلافاتها : الأشكال وقد انبثقت داخل فضاء بلا حدود، وهي، برموزها المتنوعة والمتعددة، تخفي نزعتها التلقائية المعبرة عن شخصية النحات التأملية والشعرية في إعادة صياغة هذه العلاقات. فالأشكال تغدو تذكارات تتوسط السماء والأرض. بيد إنها، في الجانب الآخر، تصبح علامات فنية باشتغال النحات عليها، لتحديد معانيها المختارة. هذا التداخل بين التحرر من القصد والقصد جعل معضلات النحت، القديم والحديث، لا تقوم على الموضوعات أو المعالجات التقنية بمعزل عن الغايات المستترة، والمتضمنة عبر القصد وعبر المحاكاة. فالمخفي لا يزداد خفاء ً فحسب، بل يتمثل بأكثر الأشكال علاقة بالأشكال المجاورة والمرئية والواقعية. ومع ان غازي عانا يختار موضوعات الخصب، كما ذهب الناقد السوري أسعد عرابي في كلمة له حول فن النحات، إلا انها تؤكد صيرورة المخفي في التعاقب : تلك القوة التي رأى شوبنهاور انها الإرادة، وقد دفع بها نيتشة نحو الوعي ( المتجاوز ) وليس نحو قوة غاصبة أو ( مدمرة ) ما، وإنما التي بفعلها تتكامل مجموع الغايات، حيث النحات ينبت منحوتاته بما يجعلها متصلة بما استحال عليه ان يقوله إلا عبرها. هذا المنحى، لا يصدم الفرضية القائلة بأننا ولدنا بأصابع للنحت، ولكن بمخيال عمل النحات على تحريره من انغلاقاته. فإننا نتلمس مغزى ديمومة اختراع ـ مثل الرسم والنقش والكتابة ـ يرجع الى وقت تبلور الفواصل والفجوات. هذا التتابع، بالحذف وإعادة الصياغة، يجعل مجسماته، أشكالا ً تستقل بمنطقها، وببنيتها، وتلقائيتها أيضا ً..بيد انه ـ مع مراعاة تحرر الأصابع من وظائفها المباشرة ـ لا يدفع بها الى عدمها. إن الفن يأخذ شكل تثبيت كل الذي تتمثل فيه علاقة الكائن بكونه : إنها حياة أشكال تخفي ديمومة عنادها في الانبثاق، والتجّسد.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6411183   Visitors since 7-9-2002