المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





أخبار
 

إلى وزير الثقافة مع التحية : ليس بالميكانيكا وحدها تنهض ثقافة العراق ..

  
جاسم المطير *
  

لا بد من إيراد حقيقة واضحة عن مفردة من مفردات تاريخ الثقافة في العراق وهي أن مستويات إبداع الثقافة العراقية وصلت إلى نتائج إيجابية بجهد المثقفين " الأفراد " من رواد الإبداع ومعاصريه وبما امتلأت قلوب الكثير منهم بالحزن والتضحيات.. وما أحاط بها من سلبيات كان نتيجة تسلط الدولة ، خاصة خلال العقود الأربعة الماضية حين فرضت على المجتمع أن يستمع ويشاهد كل يوم وباستخفاف تام ما تم بثه في الإذاعة والتلفزيون من أخبار وأفلام وتمثيليات في ساعات اليوم السابق .

خلال فترة ما بعد الخلاص من ظلام نظام صدام حسين حصل تقدم ما في هذا المجال فقد انعم على العراقيين قدرة جديدة على الاختيار والتصرف وفقا لما تتيحه إمكانيات الدش باستلام نتاجات القنوات الفضائية المتعددة بحيث لم تعد الحرية الفردية في تلقي بعض مديات الثقافة حقا مقيدا أو مبهما بل تحققت بممارسة اكبر من السابق بكثير وقد لعبت صحافة الإنترنت دورها الكبير في احتضان الثقافة العراقية الداخلية والخارجية ، وبمختلف أجناسها ، وبقدر يعادل مئات الأضعاف مما فعلته المؤسسات الثقافية العامة والخاصة داخل العراق ( موقع إيلاف ، عراق الغد ، القصة العراقية ، الطريق ، الكاتب العراقي وموقع عراقنا وغيرها / نموذجاً ) .

لكن التطورات والنتائج الثقافية داخل الوطن كانت نسبية ولم تصبح قادرة على خلق النموذج الثقافي الضروري لمتطلبات التغيير. ففي حين يجري التأكيد في كل ميدان من ميادين العمل السياسي والاجتماعي على ضرورة توسيع دور المرأة نجد خلو مجلة الأقلام في عددها المزدوج حزيران - تموز 2004 من أي دور لكتابات المرأة أو للمرأة الكاتبة . كان العدد ذكوريا خالصا ، لا يتمكن أحد من أولياء أمور مجلة الأقلام أن يتذرع لتبرير هذا النقص بأي ٍ من طرفي سلسلة الأعذار المتكررة ( انعدام الأمن وعدم توفر الميزانية ..!!) مما يدل بعلامة رئيسية واحدة أن تنصيب امرأة بمنصب وكيل وزارة الثقافة لم يكن سوى إعلانا ( شكليا ) لظاهرة الديمقراطية وحقوق المرأة . كما يشير" العجز الثقافي" في تيسير " العرض الثقافي" المخبوء في طاقات المثقفين العراقيين إلى حقيقة أخرى باطنة ، وهي أن الحرية تضيع بالفوضى التي تدفعهم إلى أن ينافس بعضهم ضد بعض كلما ابتعد العمل الثقافي عن ما سماه ماركس بــ" تقسيم العمل" ومثل هذا التقسيم أوضحه ماركس بعبقرية فذة ما زال غائبا عن مسيرة الثقافة العراقية التي لم تتحقق وفق تخطيط أو دور وزارة الثقافة ومؤسساتها ولا بحرية الجهد الإبداعي الفردي المقيد بسلاسل الجوع والبرد والحر والانفلات الأمني وعدم الاستقرار وبقاء مفصلة عظيمة من مفاصل الفعاليات الثقافية يضيع جهدها خارج الوطن في وقت يقاد الإنسان في داخل الوطن بواسطة أساليب الرعب والجهل . بهذا الواقع ظلت المشاكل القديمة عالقة لم تجد حلا وإلى جانبها نشأت مشاكل جديدة ..

في أكتوبر الماضي قدّم البرلمان الثقافي العراقي في هولندا مجموعة اقتراحات إلى وزارة الثقافة مساهمة منه بقدر متواضع في مساعي المثقفين العراقيين لإنقاذ الثقافة العراقية من حالة الجمود . وقد أعتمد باحثون عراقيون من أعضاء البرلمان على استخلاص وسائل نهوض ثقافة عراقية ديمقراطية من تجاربنا العراقية نفسها ومن نماذج متعددة في تجارب الكثير من دول العالم في أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية . أرسلنا تلك الخلاصة إلى بغداد واثقين أن الإداريين في وزارة الثقافة سيكونون متأهبين لاستقبالها ودراستها ومناقشتها ، كي لا تسكن رياح الثقافة العراقية النشيطة في جو الفترة الرمادية السائدة في ضباب لا أفق له ، وكي لا يظل قمرها عكرا نوره في سماء في ما بين النهرين حيث ينشر كورس العنف والقتل و الخطف والإرهاب شرره في كل زاوية فيجلس مثقفون عرب على جحورهم يهزون رؤوسهم فرحا بأعمال المقاومة العراقية ..!

لكن عاما بكامله مضى من دون أن يتلطف الإداريون في الوزارة ولا حتى المثقفون فيها ليخبرونا أن سفينة اقتراحاتنا قد وصلت إلى موانئها أو انهم درسوها أو خبئوها ، لسبب أو لآخر ، في ملفات المستقبل.

بعد مرور عام كامل نرى أن من المفيد والمجزي أن نذكـّر السيد وزير الثقافة بندائه في أكتوبر الماضي الموجه للمثقفين العراقيين لرفد وزارته بالآراء والمقترحات التي تعجل في تسيير ميكانيكية الثقافة العراقية التي لم تعد براغيها راشدة للعمل بعد سقوط قياداتها ذات التربية الفاشية المعدة للجمود والمؤهلة لعطالة حرية الأفراد والمؤسسات والتنظيمات الثقافية كلها ..

على ضو ء ذلك النداء وما كان يحمله من حيوية الشباب وقوة الطبيعة التغييرية لتحطيم البنى البالية في هذا القطاع بادر البرلمان الثقافي العراقي في هولندا إلى تقديم ضفيرة واسعة من المشاريع والاقتراحات العملية التي لم تر كما يبدو لا نور الشمس ولا ضوء القمر في أبنية الوزارة ، وكالعادة في اغلب أشكال العمل الوزاري المتوارث في بلد من عالم ثالث فقد كسرت البيروقراطية صندوق تلك المشاريع وحولتها إلى أوراق مجردة محفوظة أو مطروحة في أدراج قديمة حالها حال الكثير من الأفكار والاقتراحات الصحفية التي قدمها مثقفون عراقيون آخرون من داخل العراق وخارجه حتى أنني وجدت ، أخيراً ، ورقة عمل ثقافية قدمها الكاتب العراقي إبراهيم احمد متكلما بصوت الإنترنت في وقت كان فيه قد عمل شهورا طويلة في مبنى الوزارة بدا لي وكأنه لم يجد في داخلها هواء طريا ولا اخضرارا رطبا للترويج لتطبيق أفكاره داخل مبنى وزارة عمل فيها أو معها تسعة شهور لا تحجبه كما اعتقد عن الإداريين الثقافيين غير زجاجات نوافذ يبدو لي انها كانت لا تتحمل سماع صوت المسؤولية الكبرى لوضع اليد على مغلاق الباب الثقافي وفتحه أمام كل ضوء .أملا أن يكون استنتاجي خاطئا فوزير هذه الوزارة كان يخترق بقلمه وجهده وفنه الصحفي طوال عقود عديدة دخان وحرارة ونيران النظام الفاشي البائد وكانت الثقافة تعرض نفسها أمام بصره كقرص الشمس ، كل يوم ، وهي تنادي الجميع: تعالوا نشارك جميعا لتحقيق الانتقال التدريجي بتصورات إيجابية وبوسائل داينميكية .

هكذا ظل الإصلاح الثقافي المنشود مهموسا خلال عام كامل في الميكرفونات الاحتفالية في داخل قاعات الوزارة وفي خارجها عبر قنوات فضائية وفي صحف تحاذر مقالاتها الانتقادية من انكسار زجاج تلك الغرف والقاعات .

مضى عام كامل بقي فيه الفن هو الفن والروتين هو الروتين يعملان بروح بطيئة هادئة والجميع كان يعمل بالمبنى بمزيد من الصبر وبمزيد من شكوى الإفلاس في ميزانية الثقافة حتى صار المواطن العادي مثل المثقف يقف متفرجا على التصورات غير المقبولة لبقاء البنية الفوقانية للثقافة العراقية بلا حراك حقيقي وبلا تجديد في بنيتها التحتانية .. صار هدف اللامية الثقافية الوحيد هو أن تعود فعاليات الوزارة الحالية لإعادة تسالي العمل الثقافي للوزارة البائدة في إصدار بعض الكتب والمجلات واقامة بعض المهرجانات والمعارض ، وكأننا نعود إلى عصر وسيط يرفض أن يتمدد ..!

ظلت السياسة الثقافية لعام ونصف بالكامل تتحرك وريشها يرف بهدوء من دون خطة يومية ولا سنوية ولا خمسية بل يهم الإدارة الثقافية شيئا واحدا هو بهجة الاجتماعات وتمنيات المجتمعين أن يكون وراءها أو بعدها خير و لم نشعر حتى الآن أو نتحسس بوجود فلسفة وافرة الحركة والشجاعة قابلة للتطور المستمر المتواصل بما يساعد أن يكون لها تأثير فاعل حتى ولو بعد سنوات..

إذا ما استمر الحال على ما هو عليه الآن فان الأمل في حصول نهضة ثقافية حقيقية يبدو حلما بعيد المنال وستبقى قيمة الثقافة المتوخاة لوزارة الثقافة العراقية قائمة على انعقاد مهرجان المربد البائس الصيت الذي يدين بالشكر إلى الأبد للرجل الذي أوجد جيلا ثقافيا جامدا يسبـّح بحمده وبحمد التفاهات الشعرية من دون الالتفات إلى أرجوان الثقافة الشاملة للطبيب الذي يعرف اسم كل مرض ولعالم الاقتصاد القادر على تطوير بناء المجتمع وللمهندس الذي يصنع ويزرع ولغيرهم من المثقفين ممن ميزهم وصنـّفهم مقال كاظم حبيب المنشور يوم 9/10/2004 كمثقفين لا يجوز قطعهم من الشبكات العصبية لدماغ الثقافة العراقية أو إبعادهم عن نشاط ورؤى وزارة الثقافة وتقويم جنسيتهم خارج التكنوقراطية الثقافية ، و هو مقال تغاضت عنه عيون الإدارة الثقافية في وزارة الثقافة العراقية فلم تقرؤه قطعا وقد ازدادت دهشتي حين وصلتني اليوم دعوة وزارة الثقافة اللجنة التحضيرية ( لم تعلن أسماءها ) لعقد مؤتمر المثقفين العراقيين في أواخر تشرين الثاني القادم مغفلة قطعيا اقتراحات و أراء كاظم حبيب وكأنما ابتغى هذا المثقف المزيد من الكلام حسب ..!

لا أدري لماذا نلجأ إلى المؤتمرات وإلى ما سمته وثيقة اللجنة التحضيرية بورش العمل ..! لماذا نحول( ورش العمل) إلى ورش ( آمال رومانتيكية) مجردة ..؟ هل توجد هناك مشكلة ثقافية واحدة غير معروفة الآن في وزارة الثقافة أو عند المثقفين أو عند العراقيين عامة ..؟ هل توجد مشكلة ثقافية غير مدروسة ومشخصة بدقة ..؟ لماذا إذن لا نحول ( ورش العمل ) إلى ( ورش عمل ) وليس إلى (ورش كلام ) .. لماذا حولت الوزارة أوراق مشاريع البرلمان الثقافي العراقي في هولندا إلى أوراق طوبائية للحفظ ..! وهي " أوراق " مصاغة بجهد جماعي حين قدم أعضاء البرلمان مجموعة من شعلات مشاريع ثقافية تلتمع حول معالجات عملية يمكن لادارة الثقافة العراقية أن تطورها وتملأ بها شقوق البنية الثقافية الفوقانية والتحتانية .. لماذا لا تتربع عشرات الآراء والمقترحات التي قدمها مثقفون عراقيون من الداخل والخارج خلال عام ويزيد على عرش الإدارة الثقافية أو على عرش المؤتمر المزمع عقده .. لماذا نبدأ في كل مرة من نقطة الصفر فيضيع الزمن بين هذا الركام من الصخور الروتينية والبيروقراطية الجاثم على صدر الثقافة العراقية وهو لن يزول بمزيد من ركام بيروقراطي جديد لكنه يثير السرور والحبور فقط في نفوس اولئك المثقفين من عرب صدام حسين وحاشيته التي تتحرك على وجوه صحف عربية كثيرة كما تتحرك التنانين لإعاقة مسيرة الديمقراطية في العراق .

لا شك عندي أن الإدارة الثقافية العليا في وزارة الثقافة تضم مثقفين أفاضل ومن ذوي المقدرة . لكن هذا وحده لا ينشط الثقافة ولا يطورها لأن هذه القيادة جاءت إلى مواقعها خلال السنة الماضية بالوسائل السياسية " الحرجة " أي بوسائل " التوافقية الحزبية الحرجة " فصارت وزارة الثقافة مهيكلة بنفس طريقة بقايا وزارة الأوقاف المنحلة ..! أما المثقفون المهمومون حقا بدرد الثقافة ومشاكلها فانهم مهمشون كالعادة في كل الأزمنة لأنهم لم ينتموا ..! فالأسرة الحزبية التوافقية المالكة لا تنصّب أحدا من غيرهم بل حتى لم تشركهم خلال عام مضى بالتداول في أي شأن ثقافي ولو بواسطة الإيميل ..! بدعوى المشغولية تحت قبة السماء الملبدة بالسحب المفخخة السوداء ، ويبدو انه مكتوب على جبين الثقافة العراقية أن تكون مطواعة ودافئة في المكاتب الوزارية العليا المحصنة ..!

الكتلة الثقافية العراقية كبيرة من دون شك على امتداد وزارة الثقافة ودوائرها وعلى امتداد العاطلين عن العمل في المقاهي والمنتديات وعلى امتداد المنافي في ارض الله الواسعة وبإمكان هذه الكتل أن تلعب دورا أساسيا وكبيرا في إنهاض ثقافة الشعب وفي إعادة بناء تكوينات الرأي العام العراقي لصالح الديمقراطية لكن الإدارة الثقافية أهملتهم جميعا ..



تظل كتلة المثقفين العراقيين في المنفى كتلة هائلة معطلة عن الأفعال كنموذج مصغر لفكرة وزارة الهجرة والمهجرين التي تنصح بتأجيل عودة المهجرين والمهاجرين لعامين مقبلين قابلة للتمديد حتما لكنها بكل الأحوال لم تفكر في عقد مؤتمر ليومين أو ثلاثة داخل العراق أو خارجه يحضره ( المغتربون ) العراقيون لمناقشة أفكار وزارتهم أو وزيرتهم ..!

من هنا فان مبادرة وزارة الثقافة لعقد أول مؤتمر وزاري للمثقفين العراقيين يكون مبادرة إيجابية هامة يجب أن لا تبقى مجرد فكرة بل تحويلها إلى مسيرة أحداث ومساهمات ثقافية عملية قادرة بجهد الكتلة الثقافية الوزارية نفسها في القضاء على العقل الحسابي المجرد وعلى قرارات الآلة البيروقراطية المسيطرة على الحياة في بلادنا وهي تجتاز ظرفا دقيقا صعبا تحتاج فيه إلى ضبط الزمان والحركة كي تنتقل نزعة الحضارة من مكاتب ومناصب المسؤولين الحكوميين إلى الأرض الثقافية من دون تسكع الأوراق والمشاريع في الأدراج من وزير إلى مستشار أو خبير أو مدير ، أو من مدير إلى مدير ومن لجنة إلى لجنة أو تدور في شوارع الروتين من طابق اسفل إلى طابق أعلى فتجعلها مسودات عمل ومشاريع بتنظيمات قاصرة تنقصها روح المدنية فتستقر على الرفوف في نهاية المطاف لتنام عليها حشرات النسيان والإهمال . بل ينبغي أن يشتق عن المؤتمر هيكل ثقافي تنظيمي جديد يسرت أولياته وعمومياته مقترحات ومشاريع كثيرة بأقلام مثقفين عراقيين أفاضل لا ادري بالضبط هل ظفرت بملفات محفوظة ستعرض على المؤتمر أم نضطر إلى اللجوء إلى العلاّمة نوسترداموس ليدلنا على منتجعاتها ..!

بالمناسبة ذاتها يسعدني أن أضع الإضاءات التالية أمام اللجنة التحضيرية لمؤتمر المثقفين المأمول عدم تأجيله وأن يكون مستواه قادرا على تفجير الطاقات المكبوتة في شوارع الفن والأدب والاقتصاد والعلوم :

أولاً : أن تقوم اللجنة التحضيرية على خلق آلفة اجتماعية بخط واحد بين مثقفي الداخل والخارج وتعزيز الشعور المشترك بالانتماء لكوكب عراقي واحد مع تقبل القيم الفردية ضمن الألفة الجماعية .

ثانيا :الانتباه إلى " الآخر " حجما وكثافة وتنمية الإحساس بالعلاقات الثقافية والإنسانية لجميع مكونات الشعب العراقي من العرب والأكراد والتركمان والصابئة واليزيدية وان تقبل الذات الثقافية ككائن ثقافي منفرد خارج " الأجناس " الحزبية والكتل السياسية وان يتم قبول " الآخر المستقل " على أساسين : ككائن مغاير ولكنه شريك .

ثالثا : تنشيط الخيال القوي والحر لاختراع حلول جديدة داينميكية لمشكلات المثقفين العراقيين.

رابعا :ان يكون المؤتمر قادرا على خلق التكامل والتشارك بين الثقافات التعددية وان تكون معارف المؤتمر ومعطياته متلائمة مع العصر .

بهذا النحو يمكننا ان نجعل ثقافة الحرية مثالا لنموذج ثقافة المستقبل في وطن ديمقراطي حر .


بصرة لاهاي في 12/10 / 2004


* رئيس البرلمان الثقافي العراقي في هولندا .

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6408570   Visitors since 7-9-2002