المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

قراءة في تجارب الخزاف السوري نزيه هجري .بأثاث الأنثوي في الموت الذي لايموت

  
عادل كامل
  
















مكث فن الخزف العربي الحديث ، امينا لأنظمة مزدوجة ، حد استحالة الفصل بينهما : فمن الصعب فك الخط الوهمي بين الضروروي / النافع ، وفن ابتكار الاشكال بحسب الرهافة ، والابعاد الجمالية . فلم يتعرض فن الخزف ، لصدمات التحديث ، كي يستقل في خطابه المعاصر ، الا بالعثور على حلول فنية ، تجاور التصوير ، والنحت ، وسط جغرافية مكثت مسرحا لصراعات كان التقدم فيها متعثرا ، مع فقر رافق تقاليد الفن .
والخزاف العربي السوري د . نزيه هجري ، عاصر تجارب محملة بتقالدها ، ومرحعياتها ، وذاكرتها .. تجارب مكثت تجاور وعيها الاجتماعي ، ولا تقترب من الحداثات الا بتردد مازالت اثاره قائمة ضمن اتجاهات متداخلة ، وتجريبية ، تغامر بالعثور على توازنات ، بدل الذهاب بالمغامرة درجة الحداثة ، أو الخزف المضاد : الذاكرة والاستقبال ، عبر مكونات خصائص النص الخزفي ـ الفني . انه يمسك بعمل المخفي عبر مساراته ومنطقه المكاني . فجغرافية الخزف ليست هي تاريخه تماما : انها تحسب حسابات المكان ، فيما يتصل التاريخ باهداف مشتركة وعامة . فمنذ أقدم أو اول ( إناء) واول علاقة فخارية سحرية / مكث الخط الوهمي يعمل بمحركاته المكانية والزمانية . والخزاف نزيه هجري لم يهمل رؤية الذي لا يرى داخل بنية الخزف بصفته احد من واكب الوجود ذاته ، فهو ، مثل اللغة ، لا يغادر الوظيفة الا بما يخفيه من صلات بالغة الحساسية بالابعاد المتحركة ، ولكن الجمالية والروحية معا : انه اللانفعي في امتلاكه الضرورة ، والنعي غير القابل للتلف أو الاستهلاك السريع . فتجاربه تعاصر حركة تشكيلية لا تمجد تكرار ازمنة مندرسة ، كما لا تنخلع حد غباب خصائصها المكانية والزمنية .
• مراحل :
هل يقّسم فن الخزف ، الى مراحل ، قديمة ووسيطة وحديثة ، كي تفصح المعاصرة ، اخيرا ً ، عن خزف مضاد ..؟ ان د. نزيه هجري ـ كما في تجارب الخزافين العرب المعاصرين في مصر والعراق أو لبنان والمغرب ـ يحفر / ويستقبل معا : فالوظيفة ـ الضرورة ـ وانظمتها لا تنفصل ، ولا تلحق بمفهوم الخزف المضاد . ثمة باثات تلقائية كامنة في الخامات ، ومنها باثات الخامات المصنعة . فالانجذاب نحو النص يتمثل حقيقة تتابعية تامة الشروط . زالمنحى الاخر ، الجمالي ، سيعدل من الوظيفة ، مع مراحل ازدهار الذائقة ومواكبتها للمتغيرات . هكذا سيمكث الخزف اكثر صلابة بعيدا عن الافكار .. لكن اصابع الخزاف الحيث ، وهجري هنا ، راحت تبحث عن موقعها في الزمن ؛ موقع الاقتراب من عصر تكف فيه التكرارات ان تقول الذي يريد ان تقوله الحداثات . بيد ان رؤية المراحل لا ينفي اندماجها ، من القديم المخفي الى الحديث المحور ، لأن المراحل متعاقبة ومندمجة تتوازن مع انظمة اخرى كالمعمار والاخلاق والتصنيع . فهجري لا يغادر محنة تشكلت بتشكل البذور النابضة .. وهي مازالت ، مع تعديلات الاساطير ، تصنّع اشكالها . فعندما يستعيد اشكال الدمى والتماثيل فانه يمنح الفخار خطاب المعنى : والتحديث لا يتمثل في اعادة صياغة الهيئات ، بل في ابتكارها . وهنا ـ تحيدا ً ـ يكون الخزاف هجري قد بلغ بالخزف العربي المعاصر حافاته في الحديث : انه لا يغادر وسائله ولا خاماته . فالوعي يسكن النص ، كي يحافظ على جدلية التراجع / التقدم : جدلية الاستقبال والارسال . فهجري سمح لأصابعه ان تاخذ مداها ، حيث لا فضاء يتوازن مع اشكاله المضادة . لكن عمل المخيال ، في الطين ـ كما في الفيزياء ـ سيرسم ملامح الفواصل بين الانواع ، والفنان هجري لا يستنسخ اشكاله ، كي يغدو الخزف وظيفة للاستهلاك ، بعد ان دونّت اشارات جعلت اناء الخزاف حاملا للنفس من الالهة الى جسد الانسان ، بحسب اطورة شرقية قديمة ، وانما ليمنحها تساميها بالحفاظ على بنيتها التعبيرية .
انه اختلاف النوع باختلاف التكنيك . وستشكل علامات الخزف مدخلا ً لدراسة تقنيات صناعته : تطور طرق الحرق ، وتحليل الخامات ، والاستعمالات ، تبعا ً لجدلية الذاتي ـ الموضوعي . لأن الخزف ليس علامة مستقلة عن [ 1 ] الخزاف [ 2 ] والحضارة . فهو وحدة لا ييقدر قانون الجدل ان يقول كل ما فيه ، فهناك المخفي / مع المحركات ، كان الخزاف ناقلا لها عبر انظمته : انه الطيف ، او الطاقة ، أو الروحي ـ بحسب كاندنسكي وقبله بحسب الرؤية الشرقية ـ التي لم تمت ، كما جرت في حداثات اوربا ، حيث كف المقدس ان يكون خرافة . ان هذا الحد ليس وهما ً ن وهجري ، يرصده ، فنصوصه تصنعها دوافع التعبير ، وليس النفع المحض ، أو اغراءات المكاسب . فالتقنية ، عبر مسارها ، لم تلغ حد انها تحلم . وعمل الحاسوب الذاتي ، المحرك لمعصرة تحدق في اشكالها غير المستقرة ، يترك اسئلة تقاومها جغرافية الخامات ، والعادات ، والثوابت . والفنان هجري ، الذي جعل اصابعه تبصر ، يرصد تصادمات الانظمة ، عبر وحدتها التركيبية ، وهي تتحسس مراحل الانتقال ، ولكن بالحفاظ على لغة يكمن فيها مداها الشفاف ، علامة حياة ، يعد ان صار التفكيك يتدخل في تفكيك ادواته .













* الطيف : تضاد الانبثاق

يتسلل طيف الفخار ، عبر زواله . انه ليس الوظيفة ، وليس هو المعنى ـ خالصا ً ايضا ً . ثمة ، عند د. نزيه هجري ، انشداد ا ً لتقاليد متجناسة بين التدفق / التواصل / التعاقب ، وبين الذي لا يسمى : فن انبثاق الطيف ، أو مروره . فماذا تريد ان تقول فخارياته ، اذا ما تذكرنا ان الحداثة ، في تقويض الزمان الميتافيزيقي ، لم تنتج الا سلاسل من التحديدات ، والتقويضات المتواصلة . ان الشكل التقليدي للفخار ـ الخزف ، تلبس صانعه ، الخزاف ، مثلما كان حاملاً للنفس ، من الالهة الى البشر ،كما في بعض المعتقدات الشرقية . فالوظيفة ، في مستواها الروحي ، تؤدي دورها المقدس ، كأن وجود ( الاناء ـ الفخار ) يماثل ، ماديا ورمزيا ، الانسان ذاته الذي لخص وحدته بين عناصر الزوال ووعود الابدية . د . نزيه هجري ، لا يغادر اشكالية قديمة ـ وآنية ؛ اشكالية ان الوظيفة ، ليست خالية من المعنى ، وليست مضادة للمثال ، والبعد الجمالي . فالخزف وساطة ، وعلامة تبادل ، مثل اللغة في عملها الحواري ـ الجمعي . فالاناء لا يتباهى بما يمتلكه من خصائص ، بمعنى ؛ ان معناه لا يكمن داخله ، بل في الربط . لكن ماذا بعد هذا المعنى ..؟ وماذا بعد اداء دور الاتصال والترابط ..؟ الخزف الحديث ، لا ينفصل عن اشكالية تامة : ما الذي يفعله الوعي وهو يحدق في وجود هو ثمرة خبرة .. و حصيلة تبادل الحضور والغياب ، حيث يذهب بالمعنى الى اقصاه : سره . ؟ ان الخزاف لا يفكر في اسرار الطين ( والعناصر المشتركة ، المندمجة معه ) حسب ، بل في اليد / الانسان / والحضارة برمتها : انه الحامل لخزين لا يتضمن اسئلة ، وتأملات ، بل ، عبر اجابات تتجانس فيها اقدم ـ واحدث الاشكاليات : الطيف الذي حور الاشكال ، وقاوم ، في الوقت نفسه ، انهدامها . فالخزف المضاد ، مع تيارات عدمية الحداثة الغربية ، لا يذهب حد التلاشي . انه يبتكر طرقه للمقاومة .. فالخزاف لا يصنع خزفا ً ، كما الشاعر يكتب شعرا ً ، أو اللص يمهد لظهور السجون والعدالة ، بل يتمسك بما هو خارجه ـ داخله حد ان الاثر ( الفخاري ) ـ مثل اللغة ـ يتصل بماهية الوعي ـ المعرفة .. فهو يتضمن استحالة ان يكون وظيفة خالصة ، أو مجموعة عناصر ، وغايات لا تحمل غاية اخيرة . انه كل ذلك ، وهو ليس كل ذلك ايضا ً . ان استاذ الخزف في كلية الفنون الجميلة بدمشق ، د .نزيه هجري ، لا يدفن الحاضر في مرجعيات قديمة ، ولا يغادر لغز الطيف ـ الروحي الذي له ابعاد بلا حافات ، نحو الخزف المضاد ، بل يمكث لا يكف عن صياغة كل الذي مازال فن الخزف يريد ان يقوله . انه أثر ، وحسب التفكيك ، والهدم ، بناء يلحق باشتغال المخيال ، وليس هو ما يعلنه ى باشكاله ومعانيه : ثمة التتابع ، من الكلي الى ادق الاجزاء ، عبر العناصر والخبرة ، وعصرنا : انه يقول الذي يضعنا ، عبر اطيافه ، امام انفتاح خفايا خلايا ـ وحبيبات باثات الطين والنار ونبض قلب عصر برمته ـ مرة ثانية ، كعمل اية اسطورة ، تموت ، ولكنها تبقى تواكب ميلادها بمن ، معها ، لا يمتلك الا لغز الحضور .


• النحت : جذور وامتدادات
لا يغادر النحت صلته بالمكان : الكهف أو كل ماهو مضاد للفضاء . فهل اشتغلت اقدم الحواس بفعل مخيال جعل من النحت كثافات فضائية بلغت حد الكتلة.. أم .. كان النحت ، قد تكوّن كتجويف الكتلة والرجوع الى الخزف في إداء ادوار تتجاوز ازدواجياته بين النافع والجميل / الوظيفة والرمز / والايصال والتأمل ..الخ : النحت كامتداد واقعي لقوى الكائن وهي تزدحم بالمجهولات ..؟ الخزاف نزيه هجري ، كمعظم الخزافين السوريين ـ والعرب ـ بدأ بالنحت . انه تمسك باعادة اداء طقوس تكرارية لأنظمة تضبطها انظمة اخرى . فقد كانت اسطورة الخلق ( آدم وحواء ) واقعة مرئية : الجسد البشري امام الجسد الرائي : ثمة كتل اوجدت دافعا ً لوجود كتل جديدة . فمع وجود الجذر والمرجع والمشهد كان المخيال يعمل عمل صياغة علاقة بينهما .. وهي تماثل علاقة الطاقة بالكتلة ، وهذا التبادل بينهما حسب ما تمتلك من حدود للمعرفة . الفنان هجري نحت خزفا ً ، وبالفخار ، اعاد بناء المجسمات بما تمتلك من أقنعة واطياف : اسئلة الاساطير واسئلة الصمت ، وثمة عوائل وتجمعات تتكون معنويا اكثر مما هي واقعة ملموسة وواقعية . فيعيد الفنان معالجة موضوعات المراة ـ الحرية ، مثل نموذج [ لا ـ 30 سم ] أو نموذج [ حورس ـ 35 سم ] ونماذج الاصابع الخزفية النحتية في اعمال تحمل عنوان [ لا .. لا .. لا .] فالعلاقة متداخلة بين المعنى والرموز الايحائية .. فالنحت اقل صلة بالاستعمال مع انه صار يواجه الكائن يوميا ً .. من المعبد الى ناطحات السحاب .. ومن الصخرة الى القذائف بعيدة المدى : انه كتلة خزفية ـ نحتية تخفي ما تريد ان يقول عبر وجودها المشترك بين الاصابع والخامات . فالمعنى يبقى خفيا ً حد اهماله وتركه كما هو عليه . فالحرية المتشكلة مع جسد المرأة لا تمثل فكرا ً خالصا ً أو تجريدا ص يختزل تصادم المعاني بلوغا درجة اللامعنى أو ، أو عدم الدهشة التي تقود ذاتها بما هي عليه الى الدهشة . ويعالج الخزاف العائلة من منظور شرقي خالص ، مع ان العائلة تتكرر في فنون الشعوب كلها . لكن العائلة الشرقية تبقى تحمل دلالة الذعر ، ودلالة الاحتماء : انها تتكتل . والخزف يتجمع وينضبط كي يبقى يتكلم ـ ويبث ـ نحتا ً : انه في عمق المأزق غير المحدود لوجود كتل بشرية طرية في مواجهة اشد العناصر تدميرا ً : النار ومسافات المطلق : هذا اللحم البشري يتعلب ، بحرية عمل الاصابع ، الى دلالات . فهي تريد ان تخترق واقعها ذاته . فالفنان لا يهمل ان الحداثة ذاتها كامنة في هذه المسافة وفي القطيعة مع الخامات : حداثة الرائي وهو يغدو مرئيا ً ، شيئا ً ، وخزفا ً خالٍ من النفع والاستعمال . ان حداثة هجري ، في النحت الفخاري ، غير الملون والملون ايضا ً ، لا تغيّب الشكل . هكذا نواجه اشكال العوائل ، والمرأة ، آدم وحواء ، والمراة تحديدا ً وهي تكف ان تكون اول من علم الخلق صدمات الغياب : الموت . ان لا وعي هجري يتجانس مع وعيه الاجتماعي والواقعي ، فالفن يغدو ـ مثل اللغة ـ يبحث عن امتدادات . انه ضد زواله وضد ان يتحول الزوال الى بداهة . فثمة بنية توليدية كامنة في العلاقات ن تثير اسئلة لا تكف توّلد اضافاتها . فالاسئلة غير قابلة ـ ككتلة النحت وتويرات اشكال الخزف ورموز فن التصوير ـ هكذا تتكرر هيئات الدائرة والمجسمات وكان الخزاف شيدّها ، كما يفعل البنّاء ، بنيضات متوازنة مع الفضاءات الخارجية . كما تتدخل خبرة الفنان باستقصاء مرجعيات موروثة ـ تصادمات الاستفرار عند سكان الفرات في مواجهة الهجرات وغزو سكان الصحراء ـ أي موضوعات الصراع وقد صارت تعالج قضايا لا يمكن الاستغناء عنها . فالحرية ، وأقنعة الجسد ، والمراة ن واستذكار عمليات التحنيط عند الفراعنة ، وجرار الازمنة القديمة ، واشكال النباتات واعضاء الجسد مثل الاصابع والوجه .. الخ كلها اجزاء تكمل عمل النحات وقد اختار خطاب الخزف مساحة لجغرافية خياله بدءا ً بتكوّن بذور الخلق الاولى ، وليس انتهاء ً بحداثات لا تعترضها كوابح الثوابت : فالفنان وجد ان الماضي لا يستعاد ، بل يتشكل ، كحاضر متعاقب ، يزول وينبثق ، مكونا فن الخزف بما يمتلك من خاصية التوليد : خاصية ان يرى رائيه ، حيث الاخير ، لا يرى الا تمثلات داخله وقد انتظمت بعلاقة ، وامتداد : انه صار يجد ما ندعوه معرفة فنية ولغة تتجاور فيها العناصر ، لا كي تتحد وتصير اشكالا ً ، بل تبقى تحمل مخفياتها داخلها كجدل لا يتوقف عند التضاد ، أو عند الوحدة ، بل بما يجعل التعاقبات تمتلك كثافة لا تدمر : كثافة خطاب الخزف ، مع رؤية وجودية راسخة في رصد مرور الاطياف ، وسكنها الرمزي داخل باثات الفن .

* أقنعة ـ خفايا الانثوي :

هل ثمة قطيعة شكلانية تحدد الفاصل بين وظائف الفخار وخطاب الحداثة ، عندما لا يكترث د. نزيه هجري بترك اصابعه ، وتقنياته : تحلم ..؟ ان هذا الفاصل يظهر الجدل المتواصل ، والمتداخل ، بين الغايات والوسائل ، لصالح الحفاظ على اسرار التامل الانطلوجي ، بدل التوقف عند الاستهلاك واغراءات طلبات السوق . فالخزف لا يكف يلملم موروثاته وقواعده كي لا يفقد امتياز حمله للخفايا ، الى جانب ( النفس ـ الطيف ) فهنا يعالج الخزاف اشكالية السطح والداخل : القناع . وليس اكثر جاذبية وغواية من موضوعات الوعي ( الانثوي ) في هذا السياق . ان الخزاف [ 1 ] لا يستنجد باساطير الخصب الشرقية التي لم ينتجها الماء بمعزل عن الصحراء فحسب ، بل لأن المكان كان يتوخى وجوده بدالاته . كان فخار الفرات ـ الصحراء يصّور تطور الرؤية الوجودية كنزعة واقعية لا تتحدد بالاشكال ، بل بتحولاتها . فالسكون أو التكرار ليس الا قاعدة ، بينما اتسمت المغامرة بجعل فن الخزف اكثر صلة باشكاليات التأمل والتذكر والتحديق في مصائر تنتظر التعاقب . ان الخزاف يلتقط مرجعياته ولكنه يدحضها بتكنيك وتقنيات مختلفة . ان النار أو الخامات أو الهواء ، وكل العناصر المضافة الى الفخار تتخذ لغة توازن بين القاعدة والتحديث ، بين الثابت والمغامرة . بين الاستذكار وفتح فجوات لعمل المخيال الحر . ان هذا المشروع عند ( هجري ) يلخص التحول الحاصل في الخزف العربي طوال القرن الماضي ؛ يلخص مأزق الحداثة كنظام تحولات ، مع انه يبقى يذكرنا بتجاور الكائن وموجوداته . فهو لا يفكر بصناعة آثار ، الا لأنها تمثل ذاتيته التاريخية والنفسية الشاملة .. لكن ( الاثار ) تمتلك قدرتها التوليدية . فاقدم الفنون تغدو اكثر التصاقا ً بالذي ينتظر الانجاز . بهذا الجلاء تكتسب اشكاله الانحناء نحو المركز .. انها تتكور ، وتتموج ، وتتداخل ، لكنها لا تغادر مكانها . فالدينامي لا ينفصل عن دوافعه الداخلية . ان موضوعات الامومة ـ المرأة ، ليست هي علامات انثوية ، وكفى . انها تماس مع القناع . فالاشكال لا تغادر تاريخها المنسي والمهمل والمجهول .. فالبذور الراقدة داخل فن الفخار هي موازية لبذور المخيال : انها تمتلك قوة انبثاقها . حيث الاشكال في مظهرها المنفصل تبقى تحمل عوامل تكونها ضد اللامحدود واللاحافات . ان هجري يسم خزفه بالانثوي كمجموعة دوافع مؤجلة وجدت مكانا تتكون عليه ، وتكونه . فالخارج لا يصير الا مشغلا ً ، كما يرى الكيمائي العالم مختبرا ً ، والضحية الخارج افعال هلاك . انه يحول الكامن ـ فيه ـ وفي الخامات ن الى داخل معلن ، مرئي . فهو يشق ، يفكك ، كتله تارة ، ويبنيها كاقنعة تارة اخرى . في المجال الثاني ، ليس القناع نقدا للغواية فقط ن بل اعترافا بان الاشياء لا تتكون خارج تضاداتها .. وخارج مصائرها المشكلة ، أو التي هي قيد التشكل . هنا يصبح الخزف بيتا ً ، مأوى بمعناه الرمزي ـ النفسي . ويغدو اسطورة امتداد ، لا بالاعلان عن رموز قديمة مصرية أو تنتمي الى الفرات في عصر اخر ، بل لأن المأوى ذاته لم يغادر فعل تشكل الحذف والاضافة : فالخزف كاتم افعال ، وقفل ، ولكنه لا ينغلق تماما ً . فالاناء الاول ، يستعاد كشكل ضد نفسه ، في جوهر المعاصرة ، وكان التحرر ليس الا استعادة / في الاقل ، في النزعة الدينامية لا في النزعة الاستهلاكية . وفي هذا المعنى تتحول اشكاله الى [ 2 ] مجموع المحركات ، كي تقول الذي يجعل العناصر مندمجة ، ويجعل الخطاب اكثر زمانية . فالمكان غير المشغول ليس مكانا ً .. لأن فعل الزمن هو فعل التوليد ، هو الطيف الحامل لمكانه ؛ للاناء ( الجرةـ الرحم ) باسراره عبر العصور : انه ما يضمه ويحتويه ويعلن عنه حتى لو كان ، في نهاية المطاف ، المخفي بعناية استحكام قوانين الجدل . فالمخفي يدل على مكانه ، بفعل تستره . هنا يكتسب الفن تلك الضرورة التي قال عنها جان كوكتو : آه ,, لا أعرف لماذا ..؟


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561442   Visitors since 7-9-2002