المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

لقاء مع غائب طعمه فرمان في عام 1983

  
د . زهير ياسين شليبه
  











إن أهم ما يميز هذا الكاتب العربي الكبير هو الصدق والبساطة والهدوء والتواضع، فهو لا يحب لقاءات الصالونات الكبيرة الفخمة ولا تسليط الأضواء عليه ولقد لمست هذه بنفسي.
وهكذا فإن كاتبنا وصديقنا غائب طعمه فرمان لم يتخلف عن موعده المقرر، وكان بانتظاره مجموعة من المستعربين السوفييت، إضافة إلى طلبة الدراسات العليا من بعض الدول العربية (لبنان، العراق، سوريا).
في بداية اللقاء رحبت فاليريا نيكولايفنا كيربيتشينكو- المستعربة الروسية، والتي عرفت بأعمالها وأبحاثها النقدية الكبيرة المختلفة عن يوسف إدريس خاصة، وعن الرواية المصرية بشكل عام- ترحيباً حاراً بالضيف الكبير وشكرته على تلبية الدعوة وعرفته بالحضور من المستشرقين الآخرين ومنهم: إلميرا علي زاده، وهي مختصة بالأدب المصري، وبوريس تشوكوف المختص بالأدب العراقي، وغيرهما من المستشرقين وطلبة الدراسات العليا من العرب والروس ومن الجمهوريات الأخرى، ثم شكر كاتبنا العزيز أعضاء القسم على دعوتهم له والضيوف على حضورهم وبدأ حديثه قائلاً:
سأتحدث إليكم عن الرواية العراقية بالذات. وهنا يجب الأخذ بنظر الاعتبار أن آرائي التي سأطرحها عن مختلف جوانب تطور الرواية ليست قاطعة، فأنا لست بناقد بقدر ما أنا قارئ وروائي في الوقت نفسه وأنظر إلى الكتاب الذي أقرأه من وجهة نظر روائي، سأحدثكم عن انطباعاتي الشخصية فقط.
أقول لكم بأني كعراقي أعرف العراق أكثر من أي قطر عربي آخر، ولأجل دراسة أي نتاج أدبي، لابد من معرفة الأوضاع السياسية التي مر ويمر بها العراق وتحليلها.
فإن العراق يختلف كثيراً عن أي بلد آخر في مجال التطور السياسي والتاريخي بشكل عام.
لنقارن بين العراق ومصر. مصر هي أول دولة عربية كونت جهازاً حكومياً راسخاً، لم يتضعضع أمام النكسات المختلفة على عكس الدول العربية الأخرى ومنها العراق، فالدولة الدستورية بتقاليدها المعروفة تكاد تكون غير موجودة فعلياً في العراق.
والمقصود بالدولة هنا هو وجود وترسخ الأنظمة والقوانين والمؤسسات التي تشكل عمودها الفقري، أي ترسخ الدستور ومعرفة المواطن لحقوقه وواجباته. في مصر مثلاً توجد مثل هذه الحالة.
أقصد أن مصر تتسم إلى حد ما بترسخ النظم والقوانين والمؤسسات الدستورية، أما العراق فهو بعيد كل البعد عن حالة الاستقرار. في بداية الحكم الوطني في العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 مثلاً، لم نلمس استخدام الدستور والاعتماد على نظمه وقوانينه، ولهذا السبب بالذات بقيت المؤسسات العراقية خاضعة لتأثيرات طارئة ولربما خارجية.
ولهذا السبب بالذات افتقرت حياة الأديب العراقي إلى الاستقرار، وانعكس ذلك على نتاجاته واتضح بالتالي تأثير هذه الحالة السلبية على الأدب العراقي كله الذي تأثر بدوره بحالة الفوضى واللامشروعية، وهنا يكمن سبب التأثر السلبي لتطور الرواية في العراق، إضافة إلى أسباب اجتماعية وسياسية أخرى. بينما نجد الرواية المصرية تطورت بشكل سريع نوعاً وكماً، لأن هناك في مصر دستوراً وقانوناً يحكم بين الناس (ولو كحد أدنى).
وحديثنا هنا يقتصر على الرواية والأنواع النثرية الأخرى ولا يشمل الشعر، لأن الشعر هو ذلك النوع الأدبي الذي يمكنه أن ينمو ويتطور في المنابر وباعتماد الشاعر على ذاته وملكته الشعرية، وقدرته من صقل وتطوير هذه الموهبة، فيستطيع الشاعر أن يلقي قصيدته أمام مجموعة كبيرة أو صغيرة من السامعين بعكس النثر، فالقاص بحاجة إلى دور نشر أكثر من حاجة الشاعر لها بكثير.
سبق وأن ذكرت أن العراق تميز بعدم احترام القوانين بغض النظر عن الاتجاهات السياسية التي اتخذتها الحكومة العراقية، ولهذا نلاحظ أن أغلب الصحف (وهي كثيرة جداً) التي صدرت في العراق لم يحالفها الحظ في الاستمرار في الصدور. ورغم حالة الفوضى السياسية، نجد علامات إيجابية بارزة في تاريخ العراق الثقافي، فإن أول تجربة حقيقية خاضها الأديب العراقي كانت في الثلاثينات، حيث ظهرت مجموعة من الديمقراطيين إن صح التعبير، استطاعت أن تطالب بحد أدنى من الاستقرار، المقصود هنا جماعة ((الأهالي))، ولقد تأثر محمود أحمد السيد ذو التطلعات الديمقراطية بأفكار هذه الحركة الأصلية. غير أن تأثير الأدب التركي على المثقفين العراقيين أكثر بكثير من تأثير ثقافة جماعة ((الأهالي)) قبل الثلاثينات.

ونجد أن تعرف محمود أحمد السيد على حسين الرحال أدى بالتالي إلى تعرفه على الآداب الأوروبية. إن الآداب الأوروبية ازداد تأثيرها في أواخر الثلاثينات، وظهرت القصة في الخمسينات كنتيجة لهذه التأثيرات، فظهر عبد الملك نوري خريج الجامعة الأمريكية وذو الثقافة الأوروبية في هذه الفترات بالذات.
(تجربة الحرب)
ويستمر الكاتب العراقي الكبيرغائب طعمه فرمان في حديثه عن تجربة أخرى مر بها الأديب العراقي، ألا وهي تجربة الحرب. غائب كعادته لا يتحدث عن الحرب بطريقة رومانسية، أو بطريقة لا أبالية بعيدة عن الجدية، بل بمزيج من الموضوعية والذاتية على حد سواء، لأنه لمس الحرب وويلاتها التي انعكست في لؤلؤة أعماله الروائية((النخلة الجيران)).
يقول غائب عن الحرب:
((كانت تجربة الحرب وما بعدها، مهمة ومتفردة في تطور الأدب العراقي، ففي هذه الفترة ولأول مرة في تاريخ العراق الثقافي، كان ممثلو جيلي (أقصد عبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي، بدر شاكر السيّاب، وعبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، وغيرهم) على صلة وطيدة بثقافات عالمية أخرى، كالماركسية والوجودية وثقافة الديمقراطيين الروس، وإلخ.
إن الفترة الواقعة بين 1949-1955 من أخصب الفترات في تاريخ العراق الثقافي)).

علاقة السياسة بالأدب
وينتقل الكاتب إلى جانب آخر في تطور الأدب العراقي، ألا وهو علاقة السياسة بالأدب، فيقول: إن الارتباط بين الأدب والسياسة قوي، وهذا نابع من ضجة الأحداث السياسية وحدّتها. ولنرجع هنا إلى المقارنة بين العراق ومصر ففيها لا يحدث الانقلاب السياسي ضجة كبيرة كما هو في العراق. ولهذا بالذات أنا أربط تطور الرواية بتطور الأحداث السياسية.
ثورة 14 تموز 1958 لم تتمكن من القضاء على حالة التمزق والفوضى، حيث لم تدم مدة الاستقرار النسبي بعد الثورة أكثر من ستة أشهر، وهي فترة قصيرة للغاية. ولهذا لم يقدم النثر العراقي شيئاً جديداً، إذا ما نشر الكتاب نتاجاتهم الأدبية القديمة، فما هي إلا مخلفات الماضي وجدت مجالاً للنشر فقط بعد حين. وهذا ينطبق على النتاج القصصي بالذات.
- وتسأل المستعربة فاليريا نيكولايفنا كيربيشينكو: وماذا عن دورك الأدبي في تلك الفترة؟
فيجيب قائلاً:
مجموعتي القصصية الثانية ((مولود آخر)) نشرتها بعد ثورة 14 تموز، لكنني كتبت قصصها في العهد الملكي، وأذكر في حينها أن مسؤول الرقابة - وكان ضابطاً- قد قال لي معلقاً عليها: قرأت القصص وأعجبتني، ولكنها كئيبة وحزينة ونحن نحتاج إلى كتابات متفائلة، كتابات عن الحاضر السعيد، فقلت له: الحاضر ما زال يتبلور، وقد نكتب عنه فيما بعد. وهكذا فإن العراقيين كانوا يتوقعون المكاسب الكثيرة بعد ثورة 14 تموز 1958، ولكنهم لم يجنوا غير المعارك الدموية الطاحنة والمستمرة، والتي توجت بأحداث 1963 الدموية. ولهذا نشأ جيل الستينات على أرض مليئة باليأس والإحباط، جيل مر بمخاضات كثيرة وكبيرة، وأخذ هذا الجيل يكتب قصصه الصادقة بكل ما تحمل من مرارة وخيبة أمل، ولكنها افتقرت إلى أفق واضح المعالم.
- وسألت بدوري عن أصل الرواية العربية، فقال:
هناك نظريتان حول هذا الموضوع، تؤمن الأولى بارتباط الرواية العربية المعاصرة بالتراث العربي القديم، بينما ترى النظرية الثانية أن الرواية العربية ظهرت كنتيجة لتأثر العرب بالغرب أولاً، ولتطور المجتمع العربي والعلاقات الثقافية التي نشأت فيه بذلك الوقت.
إنني مع النظرية الثانية، فلا نجد في الرواية العربية الآن أي أثر للتراث العربي القديم، بل هي أقرب إلى المؤثرات الفنية الغربية. بالنسبة لطه حسين المسألة تختلف طبعاً، لأنه متأثر بإسلوب السرد العربي التقليدي.
أما الرواية العراقية فأعتقد أنها لم تنشأ إلا في الستينات. ومن حسن حظ الأدب القصصي العراقي أنه بدأ من القصة القصيرة، لأنها كما هو معلوم لا تحب السرد الممل والكلام المنمق، بل هي تصوير لحظة من اللحظات الإنسانية.
- وُطرح سؤال: ماذا عن رواية الستينات؟
لم يكن في الأدب العراقي قبل هذه الفترة روايات متكاملة تتوفر فيها كل سمات الرواية كنوع نثري مستقل فـ ((مجنونان)) مثلاً لعبد الحق فاضل، ليست رواية بل قصة طويلة وينطبق نفس الرأي على أعمال الكاتب العراقي المعروف ذو النون أيوب.
ثم أكد الكاتب المحاضر على ضرورة تمتع الأديب بحياة مليئة بالاستقرار السياسي والاجتماعي، فلا يمكن للرواية أن تظهر بدون الاستقرار السياسي، ولهذا لا نجد في الوقت الحاضر رواية عراقية. فؤاد التكرلي على سبيل المثال أصدر روايته الرائعة ((الرجع البعيد)) في الفترة الأخيرة، لكنها ليست رواية جديدة، بل بدأ بكتابتها منذ عهد عبد الكريم قاسم.

التراث والقضية العربية المعاصرة
- وتسأل فاليريا نيكولايفنا حول مدى تأثير التراث في القصة العربية المعاصرة.
يمكن أن نلمس مثل هذا التأثير في أعمال يوسف إدريس مثلاً، أنا أقصد هنا تأثير ((الحدوتة)) الشعبية فهو كاتب محدث، أي كأنه يتحدث في مجلس شعبي أو في ندوة سمر وتبادل شجون، كأنه شاعر عربي قديم يرتل شعره على الربابة بالمعنى الشعبي لهذه العملية.

ونجيب محفوظ يختلف عن يوسف إدريس، بكونه أكثر التزاماً من الأخير بضوابط القصة، فهو يقرأ ومن غير المستحسن أن تتلى قصص ليست فيها لهجة حديث السامر كما هو عند يوسف إدريس.. طه حسين في قصته ((المعذبون في الأرض))، لا يختلف عن أسلوبه السردي التراثي.
وعلقت فاليريا.ن. كيربتشينكو: أعتقد أن طه حسين متأثر بسرد الأصفهاني، ونجد في ((حديث عيسى بن هشام)) للمويلحي تأثير المقامة العربية، ونلمس تأثير التاريخ التراثي في ((الزيني بركات)) للغيطاني، ونجيب محفوظ استفاد من كتب الطبقات والكتب التراثية الأخرى في روايته ((المرايا)).
فقال غائب طعمه: أزمة اليقين، ما زال الأدب العربي مصاباً بها، الجميع يرى أنه من الضروري إيجاد أساليب جديدة تختلف عن أساليب جويس وكافكا وهمنغواي، أما في العراق فقد بقي هذا الأمر معلقاً. لقد قرأت ((ألف ليلة وليلتان)) لهاني الراهب، ولقد ذكرني هذا الكتاب برواية ((الولايات المتحدة)) لدوسباسوس. لقد استخدم دوسباسوس أسلوب الانتقال، أي أنه ينتقل من فقرة إلى أخرى، مثلما ينتقل من موضوع إلى موضوع، إلى رسم لوحة في فقرات قصيرة، يصف في الفقرة الأولى مثلاً صورة معينة لا علاقة لها بصورة الفقرة الثانية، لدرجة يصعب معها القارئ أن يجد الصلة بين الفقرتين. هذا النوع من البحث عن أسلوب جديد، نوع من الضجر من الأساليب القديمة والتطلع إلى معالجات أخرى، وهذه حالة يشعر بها أكثر الكتاب.
الكاتب هنا يعاني، ولكن معاناته تكون سطحية فيلجأ إلى استخدام الشكليات فقط، عبد الرحمن مجيد الربيعي مثلاً استخدم في روايته ((خطوط الطول والعرض)) نفس الأسلوب.
إن أسلوب الأصوات الذي سبق وأن استخدمته في روايتي ((خمسة أصوات)) التي صدرت عام 1967، وكذلك في ميرامار لنجيب محفوظ، وروايتي ((السفينة)) و ((البحث عن وليد مسعود)) لإبراهيم جبرا، هو في الحقيقة جاء من الأدب الأمريكي.
إن هذا الأسلوب أخذ من الكاتب الأمريكي المعروف وليم فوكنر، وبالذات من ثلاثيته ((القرية والمدينة وبيت الضيعة)). يقدم فوكنر عناوين أشخاص وأسمائهم، ويكتب عنهم فيما بعد. أنا أيضاً تأثرت بهذا الأسلوب، ولكني استخدمت أسلوب الأصوات وكرست لكل صوت فصلاً كاملاً ومستقلاً، وأنا أنظر إلى الحدث من خلال الشخصية، لم ألتزم بتوالي الشخصيات فالمهم بالنسبة لي تكامل الصورة الفنية. أي المهم عندي إبراز خمسة نماذج من المثقفين العراقيين، ووضعت في مركز الرواية حدثاً كبيراً، ألا وهو الفيضان في العراق ومشكلة شخصية لواحد من هؤلاء المثقفين الخمسة، وبينت وجهة نظر ورد فعل كل واحد منهم.
- وماهو رأيك بالموضوعية والذاتية في العمل الأدبي؟
الجانب الذاتي، أقصد موقف الفنان أقوى بكثير من الصورة الموضوعية، ولكل كاتب وجهة نظر خاصة به بغض النظر عما إذا كانت حسنة أو سيئة، ومن الصعب تحديد وجهة النظر هذه فيما إذا كانت موضوعية أو ذاتية.
وهنا علقت فاليريا.نيكولاييفنا كيربتشينكو قائلة: الأدب الأوروبي في القرن التاسع عشر يتسم بالموضوعية، أما أدب القرن العشرين فيتسم بالذاتية، ولهذا نلاحظ أن الأول قدم صورة متكاملة للمجتمع الأوروبي في تلك الحقبة الزمنية، أما الأدب في القرن العشرين فلم يقدم مثل هذه البانوراما عن المجتمع الأوروبي فكيف تقيمون ذلك؟
يقول غائب طعمه فرمان: هذا صحيح، ولكن الجانب الذاتي موجود في أدب القرن التاسع عشر أيضاً وكتابات بلزاك شاهد على ذلك.
- ثم وجه أحد الحضور سؤالاً للكاتب عن نسبة الموضوعية في عكس علاقة الجماهير بالسلطة في روايتين عراقيتين، الأولى ((المخاض)) وهي الرواية الثانية لغائب طعمه، و((الرجع البعيد)) لفؤاد التكرلي.
فأجاب الكاتب: إني عالجت في المخاض فترة 1959، أي السنة الأولى بعد الثورة 14 تموز 1958، أما في ((الرجع البعيد)) فإن التكرلي يكتب عن أواخر أيام الثورة، عن المجتمع العراقي عشية 1963.
وهنا أود أن أشير إلى أن الكاتب العراقي فؤاد التكرلي مبدع موهوب، ولكنه مشبع بالأفكار الوجودية، ولهذا فهو يجعل الضحية شخصية لا علاقة لها بالسياسة فينتظر طلقة طائشة ويقتله. الموت بالنسبة له موضوع كبير وهام ومستقل.
ويستطرد غائب طعمه: أنا أميز بين مسألتين، الذاتي والموضوعي من ناحية، وغاية الكاتب من ناحية أخرى. إن الكاتب في الأدب الغربي الحديث لا يمتلك هدفاً معيناً، فهو يطرح تساؤلات وكل شيء عنده سواء، سيان بالنسبة له إن انتحر زيد أو تزوج عمر، أما الكاتب الملتزم فهو يهتم اهتماماً كبيراً بمصير كل شخصية، ولهذا فهو يحيط شخصياته كلها بعناية وبمزيد من التعاطف.
نهاية متشابهة:
أنهيت قبل فترة ترجمة قصة ((عش النبلاء)) لتورغينييف وراودتني فكرة مفادها أن أغلب الروائيين ينتهي بهم المطاف إلى أن يضعوا أبطالهم في مأزق والخاتمة مأساوية، لا يلجأون إلى نهاية خيالية أو طارئة أو سهلة، بل كانوا يجعلون أبطالهم ينتحرون كما في ((آنا كارنينا)) لتولستوي، أو يدخلون الدير كما في رواية ((عش النبلاء))، ولكن حتى هذه النهاية السهلة كما تبدو لم تكن متيسرة لحل كل العقد، وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أن الأديرة لا تستطيع أن تستقبل كل الذين ضاقت بهم الحياة، بل هي للنبلاء والميسورين فقط، أولئك الذين لم تنقطع بهم السبل إلا عاطفياً وفكرياً، أما وسائل العيش فهي متوفرة لهم. ترى كم من الآلاف في روسيا القيصرية من الواقعين في مآزق حياتية وعسر العيش، كانوا يحلمون بأن يدخلوا الدير، على الأقل لكي يجدوا المأوى والمأكل مجاناً.
عبد الكريم قاسم والمخاض
- وردّاً على سؤال آخر عن روايته ((المخاض)) مفاده أن شخصيات هذه الرواية تائهة.
أعلنت رأيي منذ البداية حين رسمت في روايتي ((المخاض)) صورة لحكم فردي يعتمد على المفاجآت، والناس كانت تنتظر هذه المفاجآت المتعلقة بشخص واحد هو عبد الكريم قاسم، أنا شخصياً أعلنت موقفي ما بين السطور.
- وسأل أحد الحضور عن سبب كثرة تفاصيل الحياة اليومية في رواية ((النخلة والجيران)) وانعدامها في الروايات اللاحقة.
إن السبب يكمن في القراءات المختلفة، فلقد أثرت هذه القراءات علي ولعبت الغربة كذلك دوراً هاماً في ابتعادي عن وصف تفصيلات الحياة اليومية في المجتمع العراقي، فأنا تركت عراقنا الحبيب منذ فترة طويلة لدرجة أني الآن لا أمتلك المادة الحياتية التي تمكنني من كتابة رواية كرواية ((النخلة والجيران)).
((ظلال على النافذة)) هي آخر رواية كتبتها عن حي بغدادي، إلا أن معلوماتي عن تفاصيل الحياة كانت قليلة بحيث انتقدها البعض بحجة أنها لم تعكس المد الثوري في العراق عام 1967.
- ورداً على سؤال عن سبب توجه الكاتب نحو الرواية لا نحو الأنواع النثرية الأخرى، قال الكاتب العراقي غائب طعمه فرمان:
أعتقد أن السبب الرئيس يكمن في تطور دور النشرالعربية، إضافة إلى أن الكاتب يستطيع أن يصور في الرواية حياته بشكل متكامل، كذلك يجب أن لا ننسى تأثير الغرب على الشرق، حيث تبوأت الرواية فيه مركز الصدارة.
ففي الرواية الأمريكية ((الجائزة)) لأحد الكتاب الأمريكان نجد المؤلف المحترف يدرس حالة معينة يتابع فيها حياة الحائزين على جائزة نوبل في سنة من السنين، ويصورهم ويكشف النقاب عن حياتهم والأماكن التي زاروها، ثم يطلع على القراء برواية جاهزة وناجحة بعد بحث مثابر وكبير.
أين الكاتب العربي الذي يمتلك إمكانية التفرغ ليصور حالة، موضوعاً، مشكلة من مشاكلنا العربية الشاملة، ويطلع بكتاب فني ناجح، أقصد بأسلوب روائي متدفق حار مشبع بصدق الواقع وتصوير الظروف.
ويرد غائب طعمه رداً على سؤال آخر حول تفكك الأدب العربي قائلاً:
إن الأديب العربي ما زال حتى وقتنا الحاضر يعيش على دخله الذي يحصل عليه من وظيفته، ويكتب في أوقات فراغه. يجب أن يحرره من وظيفته ونفسح له المجال ليسافر إلى الدول العربية ويعيش فيها بدون مضايقات مادية أو معنوية ليكتب عن أهل البلد الذي يعيش فيه، البلد العربي الذي يزوره ويتعرف على أشقاء له فيه، يجب فسح المجال أمام تنقل الأديب العربي في وطنه العربي الكبير لكي لا تقتصر كتاباته على مواضيع خاصة بالمجتمع الذي ينتمي إليه فقط.
ولا يمكن أن يوجد أدب عربي موحد مادامت الحواجز المصطنعة كبيرة وكثيرة. إن العربي يعاني أيضاً من حالة اللااستقرار، مما يؤثر كثيراً على نوعية وكمية أعماله الفنية.
التراث والظروف السياسية
- وسأل أحد الحضور عن سبب لجوء بعض الكتاب الشباب إلى التراث العربي القديم؟
أعتقد أن الشباب التجأوا إلى التراث بسبب الظروف السياسية، أي أنهم أخذوا حالات من التاريخ العربي مشابهة للأوضاع العربية المعاصرة، كأساليب الأمن والإرهاب السياسي. أنا مثلاً كتبت عن الإرهاب في قصتي الطويلة الأخيرة ((آلام السيد المعروف))، ولكنني لم أحدد مكان الأحداث وزمانها، ومع ذلك فإن القارئ يفهم أن هذه الأحداث يمكن أن تقع في العراق أو في أي بلد عربي آخر.
مختصر القول إن هؤلاء الكتاب الشباب أرادوا أن يقولوا لنا: أن لتاريخنا المعاصر صلة بالماضي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أخذ حالات من التاريخ القديم كمادة للروايات المعاصرة لا يعني أبداً التأثر بالتراث، إذ إن التأثر بالتراث يعني طريقة للكتابة والأسلوب واللغة.
الفصحى واللهجة
- ويختتم أحد الحضور اللقاء بسؤال عن اللهجة المحلية واللغة العربية الفصحى.، فيجيب الكاتب المحاضر:
أنا ممزق بين أمرين، إما أن أكون عراقياً فأكتب باللهجة العراقية (أقصد الحوار باللهجة)، أو أكون مقروءاً على مستوى العالم العربي فأكتب باللغة العربية الفصحى، ولكن بشكل عام وبغض النظر عما ذكرته فإن هوية الشخصية الأدبية- انتماءها الطبقي والاجتماعي وتطورها الشخصي- تفرض في كثير من الأحيان لغتها الخاصة ومفرداتها على الكاتب.
فإذا كان الكاتب يتحدث عن عامل أو فلاح، فيجب عليه أن يدير الحوار ويكتبه باللهجات المحلية، أما إذا كان الحديث في العمل الأدبي لشخصية متعلمة، فيجب أن يكون بلغة أقرب إلى الفصحى، وهذا هو ما يسمى بتسلل العامية في العمل الأدبي.

وأخيراً شكرته المستعربة فاليريا نيكولايفنا كيربيتشينكو على تلبية الدعوة وتفضله بإلقاء المحاضرة والإجابة على الأسئلة المطروحة، ثم تحول اللقاء إلى جلسة ودية حول فناجين القهوة، دارت خلالها أحاديث شخصية طريفة مفعمة بالدفء والمحبة والحبور.

موسكو- معهد الاستشراق 1983
shlaiba@hotmail.com
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6227328   Visitors since 7-9-2002