المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

ليا فرجينه في حوار مع أميل سيوران

  
  

سيوران : عموما أنا عدو للمقابلات . ينبغي الوقوف جانبا وليس القيام بدعاية ذاتية. لكن مع تقدم العمر يبدأ الإنسان بالقيام بتنازلات... في فرنسا لم أكن طرفا في حوار ولم أظهر في التلفزيون ، إذ ليس لدي أي رغبة في أن يعرفني الجميع. لكن هناك نوعا من البوح الذي يمكن أن يحصل أثناء المحادثة والذي لايصلح للتسجيل ، ولربما المقصود هو السيرة. لا أريد الكلام عن حياتي ، ولا قيمة لذلك لكني بطبيعتي ثرثار كبير ولذلك أحب رواية حكايات شخصية. كما أنه كلما تقدمت في العمر يسهل جرّي الى هذه اللعبة.
ليا فرجينه Lea Virgene : إذن يحصل ( الإنحلال decomposition )** ؟
سيوران : ( يضحك ) نعم ، إنحلالي. في الأساس تكون جميع كتبي سيرة ذاتية ولوأنها تحصل بأسلوب مقنع.
فرجينه : لكن ليس كثيرا !
سيوران : ( يضحك ) صحيح ، ليس كثيرا !
فرجينه : بأي أسلوب يمكننا اليوم أن نعيش الميتافيزيقا. في الرد على إقتراحي كتبت يا سيدي بأن محادثتنا ستكون مترددة قليلا وميتافيزيقية قليلا أيضا. ما هو معنى هذا المصطلح عندك - لدي هو منفر قليلا فهو يتبادر الى ذهني بالبحث عن الله ؟
سيوران – أنا لست ذلك الإنسان المؤمن.
فرجينه – نعم ،هكذا أعتقد !
سيوران : لا أؤمن لا بالله ولا بأيّ شيء. لكني عشت أزمة دينية في عمر السادسة والعشرين ، فطيلة عام قرأت الغيبيين والصوفيين وسير القديسين. في الأخيرأدركت بأني لست مخلوقا للإيمان ، لكن هذا كلفني أزمة فظيعة. قرأت شكسبير - أنا عشت في مدينة رومانية من الأقاليم - والنصوص الدينية فقط. كتبت عنها مجلدا من التعليقات التي كانت على السواء مع الدين وضده. وهذا المجلد كان من المقرر أن يصدره ناشر روماني إستلمه وحتى أنه لم يقرأه. لكن بعد القراءة قال لي : " لا أقدر على نشره. فنجاحي كناشر يعتمد على الإيمان بالله ، ولذلك لا أقدر على نشر كتاب قد يعود علي بالضرر ". لكن الكتاب ُطبع. وكل اصدقائي الذي قرأوه غضبوا بصورة مسعورة . قالوا : " لايمكن الكلام عن الله بهذه الصورة ولا حتى عن القداسة ". الجميع تقريبا هاجموني. وكان الكتاب قد صدر في عام 1937 ، عام ذهابي الى باريس ...
فرجينه : كم كان عمرك ؟
سيوران : أظن 26 سنة. أمي كتبت إلي بعد قراءتها الكتاب : " كان عليك أن تصدره بعد موتي ". أبي كان قسا آرثوذكسيا والأم غير مؤمنة. قالت لي : " لا أفهم . هناك مقاطع غيبيية تماما و أخرى عدمية تماما و كلبية ! " . موقفي من الدين هو نفسه لغاية اليوم - مزيج من إغراءات متناقضة. حينها كتبت الى الأم : " إسمعي ، هذا كتاب هو الأكثر دينية من كل الكتب التي صدرت في بوخارست في أيّ زمن ...". لم أستطع القول " في رومانيا " ، فحينها تبدو العبارة حمقاء مثل التسمية : البلقان ، طيب هذه أيضا مبالغة كبرى من جانبي : ... الكتاب الأكثر دينية ... ففي البلقان ، مثلا في بلغاريا ، كانت في القرون الوسطى ، حركات دينية مثيرة للإهتمام حقا. مثلا البوغوميليون الذين كانوا طائفة تذكر بأن العالم هو عمل رب عاد وشرير وغادر. وقد ألفت كتابا بعنوان ( الخالق الشرير ) وفيه يكون الخالق من الأنذال. إذن فموقفي من اللاهوت و الميتافيزيقا ثنائي.
فرجينه : مزدوج المعنى ؟
سيوران : نعم ، ولأنه من الممكن الإستشهاد بمقاطع مختلفة تماما فيما بينها. وأيٌّ كان السبب فهذه معضلة غير قابلة الحل ، وبحكم مزاجي أغيّّر ، بإستمار ، الجو ، كما لا أعرف كيف هو تشييد منهج. فالمنهج لا يتساهل مع التناقضات. هذا هو موقفي وأستخلص منه الإستنتاجات. لذلك أكتب بشكل مجتزآت ، وغرضي أن أتمكن من نقض نفسي. التناقض هو جزء من طبيعتي ، وفي الأخير أنا لا أجانب الحقيقة إذا قلت بأنه جزء من طبيعة الكل أيضا.
فرجينه : غالبما يجري الحديث في إيطاليا عن سيوران ، وحينها يكون مثل هذا التعليق : " أكيد أنها كتابة شائقة لكن المؤلف رجعي ، وكانت له علاقاة مريبة مع الفاشية ". هل تقدر يا سيدي ان تحدد بدقة أكبر ، موقفك ؟
سيوران – أي عليّ رواية كل ما حدث في رومانيا في أيام شبابي. لكن هذا يحتاج الى الكثير من الوقت ! كنت ضد الملك وقد كرهته بفظاعة ولسبب ملموس واحد : كل يوم كنت أقبع في المكتبة التي كانت مقابل القصر الملكي ( كنت بالأحرى فقيرا ) وكنت أرى الملك - كيف يدخل وكيف يخرج إلخ. في الأخير طغت في نفسي كراهية شديدة له. بإختصار : كنت حينها فوضويا حتى النخاع ، وفي تلك المكتبة كنت أقرأ الفوضويين. كان عمري إحدى وعشرين سنة. لم يكن ذلك أيَّ مفهوم سياسي بل مجرد تمرد مطلق. وحصل حينها أمر كان له تأثير حاسم على حياتي : كانت تلك لحظة في حياتي غير إعتيادية أكثر من غيرها. كان عندي صديقان من زمن الطفولة ، وفي بوخارست كنا ندرس سوية. أحدهما لم يأبه بالسياسة والثاني كان شيوعيا متشددا ، وفي عمر السادسة عشرة وضع كتابا بعنوان " موت الحضارة الرأسمالية ". وكنت أكن له إعجابا كبيرا. وآنذاك كانت هناك منظمة مثلت مزيجا من الغيبية و التعصب الآرثوذكسي وإسمها ( الملاك ميخائيل ) . كان أحد أعضائها مارين ستيفانيسكو M. Stefanescu - فيلسوف درس في باريس قبل الحرب العالمية الأولى. كان شخصا مستقيما جدا لكنه بعد أن جرح في الحرب أصبح مخبولا على وجه التقريب. ألقى خطابا بهذا الأسلوب : " كل كائن واع لا يمكن أن يكون شيوعيا ، وإفلاطون كان كائنا واعيا ، إذن لم يستطع ان يكون شيوعيا " . إذن ، كانت هناك مثل هذه الإستدلالات غير المعقولة. وفي أحد أيام الآحاد ذهبت مع صديقيّ ، بعد الظهر ، لحضور لقاء مع الفيلسوف. جلسنا وسط قاعة كبيرة وفي كل مرة طرح فيها فكرة من أفكاره كنت اضحك كالمجنون. في لحظة معينة قال : " بلادنا مهددة ولذلك نضحي كلنا من أجلها ". حينها نهض الجميع عداي. جلست وواصلت الضحك. وإستمر هو بهذره وأنا واصلت الضحك : ها ، ها ، ها. كنت محاطا من كل الجهات ولم يكن هناك أي مخرج... حينها قمت بعمل لا أفهمه لغاية اليوم. إخترقت الحشد ووصلت الممر وهناك أخذت أهرب. قفز ورائي أربعة اشخاص إلا ان البوليس الذي كان موجودا هناك أنقذني. خلال شهر كنت مضطرا الى الإختفاء. كان قد أختلط بهذا كله عامل نفسي. كنت خائفا جدا وأخذت أهتم بهذه الجماعة ، ولأنها كانت تكافح ضد شخص كرهته أكثر من غيره في العالم ، أي الملك ، أخذت أتعاطف معها. ولحسن الحظ سافرت الى باريس في بعثة للحكومة الفرنسية. كنت قد صادقت مدير المعهد الفرنسي في بوخارست الذي أرسلني الى باريس كي أكتب رسالة دكتوراه. ومنذها أنقطعت عمليا علاقتي برومانيا. لم أكتب الرسالة لغاية اليوم لكن المدير كان إنسانا ذكيا وحين علم بأني تجولت في فرنسا على دراجة هوائية قال لي على الفور كلاما لا يصدق : " التجوال في فرنسا على دراجة أفضل من كتابة أطروحة دكتوراه ". وهكذا بقيت في فرنسا ولم أكتب بالفرنسية لغاية عام 1947 حين بدأت بكتابة ( Precis de decomposition ) الذي نشر في عام 1949.
فرجينه : لماذا تعتبر نفسك غير منتم الى دولة ؟
سيوران : من الناحية القانونية أنا هكذا ، وهذا يلائم شيئا عميقا لكن ليس بالمعنى الآيدولوجي ولا السياسي ، إنه وضعي الميتافيزيقي. أريد أن أكون بلا وطن ، بلا هوية. في شبابي بالغت في الشرب ، وفي البلقان يشرب الناس كثيرا بدافع اليأس. وفي السكر كنت أقرأ بوذا ، وكانت عندي أنثولوجيا بوذية بالالمانية صارت كتابي للوسادة كما يقال. قرأتها قبل النوم. أرجو أن لا تنسي أن كتابي عن القديسين صدر في عام 1937 وقبل سفري الى فرنسا. إنه أفضل كتاب ألفته بالرومانية ، وليس له أي علاقة بما حدث ، وبأيّ شكل من الأشكال لم تكن قريبة مني تلك القضايا التي وضعها التأريخ أمامنا. كان فيلسوفي شيستوف ، اليهودي الروسي الذي إمتلك أهمية معينة في فرنسا ما بعد الحرب. وتلميذه فوندان ، اليهودي الروماني كان أحسن صديق ... و ُقتل في آوشيفتس Auschwitz . كان مشهورا جدا في فرنسا ما قبل الحرب. بقي في بيته بدل أن يختفي ، وقبضوا عليه. كان أكثر الناس إثارة للإهتمام بين الذين تعرفت عليهم في باريس. والآن يتكلمون عنه من جديد. وقد أعيد طبع كتبه. أما شيستوف فكان دوستويفسكي بطبعة معاصرة. دوستيوفسكي – فيلسوف.
فرجينه : يقال بأنك دستويفسكي - مؤلف شذرات...
سيوران : هل تعرفين يا سيدتي بأنه أولا قد سحرني صرعه ، فقد أعتبرت نفسي دائما مصروعا بصورة غير كاملة. في عمر السابعة عشرة عشت كما لو أني كنت بإنتظار نوبة الصرع ، الصرع الشائع كما أسميه أنا. أثناء عام واحد كنت معلما. التلاميذ كانوا ينعتوني ب( المجنون ). ( يضحك ).
فرجينه : لكن في الجنون ينبغي التخصص وهو أمر ليس بالسهل!
سيوران : كنت شقيا بصورة مرهبة. إستمعي فقط الى ماذا فعلته كمعلم. دخلت الصف وبقيت حوالي نصف الساعة أتكلم عن أشياء تستفز الى درجة أن تلاميذي كانوا مصعوقين تماما. مثلا سألت أحدهم : لماذا من غير الممكن القول ( ظاهرة سايكولوجية ) و ليس ( ظاهرة سايكية ) ؟ يجيب التلميذ : ( السايكية هي شيء غرائزي ، طبيعي). أقول له : ( ليس هذا صحيحا ، فكل ما هو سايكي غير طبيعي تماما مثل كل ما هو منطقي ). حتى أني أضفت : ( مبدأ الهوية نفسه هو مريض ). ويصعق الصف كله بالدهشة !
سكنت آنذاك في براشوف وهي مدينة رومانية في الأقاليم ، وكنت أقرأ شكسبير. قررت الكلام معه فقط ، وفي كل يوم كنت أذهب الى المقهى للمطالعة. جلس مرة أمام طاولتي معلم الرياضة البدنية. سألته : ( من أنت ؟ ). أجاب : ( كيف ؟ ألا تعرفني ؟ أنا معلم الرياضة ). سألته : ( إذن أنت لست شكسبير ؟ في هذه الحالة غادرْ المكان ! ) . ذهب وأخذ يروي أن سيوران لا يريد أن يتكلم معه ولأنه ليس شكسبير! لقد كنت مخبولا قليلا. أغرمت بالمبالغة ، أردت الإلتصاق بأيّ شيء فيه مبالغة وحتى لو كان طائفة دينية مريضة.
فرجينه : يعتبرونك كارها للبشر ، شخصا كئيبا مقبضا للنفس. وفي احسن الأحوال : مثقفا خجولا ووجلا. ولكن سعادة الحياة لايعرفها إلا من عرف اليأس... أيّ قدر من الحقيقة فيما تكتبه ؟
سيوران : آه ! سعادة الحياة ! لا أريد إستخدام هاتين الكلمتين. كل ما كتبته هو نوع من العلاج. كتبي تعطي تصوّرا جزئيا عني ، ولسبب بسيط ، فأنا اكتب في لحظات النفور ، ولا أكتب حين أكون مسرورا ... فحينها أيُّ شيء يمكن أن ُيكتب ؟
فرجينه : هل أنت مسرور ؟
سيوران : يحصل لي هذا الشيء. ( ضحك ) ماذا يمكنني قوله ... أنا غير قادر على وصف يوم مليء بالشمس ، وفي الأخير فالشمس تثير فيّ الغم ، أنا عرضة سهلة للميلانخوليا. إنتاجي ... ، طيب ، كتبي ... تعطي هي صورة غير كاملة. وبفضلها أصبحت مصابا بالصرع. ( يضحك ). الصرع غير المتحقق إنتقل الى كتبي ، وعلى وجه التقريب كل ما كتبته نشأ في لحظات إنفعال غائم. يمكني القول إنه بدءاً بعمر السابعة عشرة لم يكن هناك يوم لم تأتني فيه هجمة ميلانخوليا. لكني في الصحبة حبور مثل حَسّون صغير.
فرجينه : هل غالبما لديك صحبة ؟
سيوران : الآن ليس عندي ، لكن في وقت مضى . غير أنه غالبما ألتقي مع الناس وخاصة مع أجانب. أنا لا اتكلم علنا عما يهمني بعمق. أبحث في كل شيء وفي لاشيء . الكتابة عندي هي من نوع علاج شاف. وكما كتبت مرة الى أوكتافيو باث بأنه كم من مرة أنهي الكتابة عن شيء تأتيني الرغبة في أن أُصفِر. أنا لا أؤمن بالأدب ، أؤمن فقط بالكتب التي تتكلم عن أحوال نفس كاتبها ، عن حاجة الإنسان العميقة كي ينفض شيئا عنه. وكل نص من نصوصي هو إنتصار على النفور. لكتبي كثير من العيوب لكنها ليست مفبركة. إنها مكتوبة تلقائيا ومن دون روية. فبدلا من أن أضرب أحدهم في بوزه أجلس وأكتب شيئا عنيفا. إذن ليس هذا أدبا بل مجرد علاج على مقاطع ، إنها احوال إنتقام. كتبي هي جمل مدوّنة ضدي أو ضد شخص آخر، والغرض هنا هو أن لا أفعل شيئا آخر. هي أفعال لكنها حالات خلع مفاصل dislocation . هي ظاهرة معروفة لدى من هو في مثل حالتي – إنها منهجية. أنا أتكلم كثيرا عن نفسي. برأيي أن من المفروض على المؤلف أن يفعل هذا الشيء. مونتين Montaigne قال إنه هو مادة خلقه الكتابي. هناك كتاب بالغو الخجل ويسترون هذا الأمر. مثلا باسكال يقف في منتصف الطريق ، هو خجول أكثر ولايستخدم ضمير المتكلم ، ويرفض الأنا المونتينية كشيء ناتج عن ذوق سيء. وإذا كان الإنسان يكتب فإنما يريد أن يتحرر من شيء ، و ليس هناك من أدب لا شخصي. يقال أن الفلسفة لاشخصية لكني أنا فيلسوف دَعيٌّ. درست الفلسفة وكتبت دراسة جامعية عن برغسون لكني كففت عن الإيمان بالفلسفة وفيما بعد حدثت كارثتي الشخصية التي أتكلم عنها في جميع نصوصي، وهي الحرمان من النوم. في عمر العشرين تركت الفلسفة ، فقد إنتفت الحاجة إليها... وفترة الجنون التي ذكرتها فيما يتعلق بالإغراءات السياسية تزامنت مع مرحلة الأرق . لقد تخلصت منها في فرنسا ، وأحيانا تعذبني لكن ليس بأسلوب باثولوجي كما كان في الماضي. عندما كان عمري 26 أو 27 سنة كنت أنام لساعتين أو ثلاث كأقصى حد. وما كتبته آنذاك هو هارف delirious ، ولم يكن بالمستطاع فهم أيٍّ من ردود افعالي بمعزل عن تلك الكارثة. كان ذلك الشيء خطرا الى درجة أن أمي كانت تبكي طوال الوقت... ليال بكاملها كنت أهيم على وجهي... وفي إحدى المرات قلت لها : لا أستطيع تحمل الوضع أطول . وفي معرض إجابتها نطقت بهذه الجملة التي لن انساها أبدا ( لا ينبغي نسيان انها كانت زوجة رجل دين ) : " لو كنت أعرف لأجهضت حملي بك ". لقد هزتني كلماتها لكنها في الوقت نفسها كان مفعولها جيدا.
كل ما كتبته ولد من شيء – محادثة ما ، من رسالة قرأتها. بمقدوري الكتابة عن الأصول العميقة لنصوصي ُمظهِرا ً ُبعدها المتعلق بصغائر الأمور ، وكونها من المصادفات أو الأشياء العابرة. ولربما كان هذا أكثر إثارة من كتبي ...
فرجينه : برأيك أيّ حكم عليك سيكون الأكثر صوابا ؟
سيوران : لا أعرف ... يمكن القول عني أي شيء.
فرجينه : كيف هي اليوم علاقتك بنفسك ؟
سيوران : قد لاتكون الأحسن.
فرجينه : ولكن قد لا تكون الأسوأ.
سيوران : لا... فرغم كل شيء لا أستطيع إنكار أني عجوز. لكن لا أشعر ، بشكل ما ، بأني عجوز خاصة ً.
فرجينه : هل الشيخوخة تسبّب لك الكدر؟
سيوران : نعم ولا . لا ، لأني لا أعرف بالضبط أيّ شيء يأتي به المستقبل رغم أن ما يثير غيظي عدم مشاهدتي الكارثة وأني لن أكون إحدى ضحاياها ، ولو أني أرغب مشاهدتها ( يضحك ). عندي رؤيا للمستقبل في غاية الوضوح. بالطبع أنا أتكلم عن الكارثة التأريخية وليس النووية. الأكثر من ذلك أنا أتحمل ، بشكل ما ، نفسي كعجوز، لكني لا أطيق العجائز الآخرين فقط. كتبي يقرؤها الشباب . ألفت ُ كتابا صغيرا بعنوان ( قياسات المرارة Syllogismes de I amertume ) ، وفيه جمل متغطرسة ، وكنت قد كتبته بعيد الحرب حين كنت بالغ الفقر وكلبيا جدا. حين صدر الكتاب ( بعد صدور كتابي " مخطط الإنحلال ) قال أصدقائي : " لقد أعبت نفسك ، فهذا الكتاب وقح وغير جاد " . كان هناك تعقيبان قصيران فقط عليه ، أحدهما في " Elle " ** ( ولذلك فسوف لن أكون أبدا عدوا للمرأة ) . وقد تبين أن الكتاب كان هزيمة شنعاء. صدر في عام 1952 وخلال عشرين سنة بيع منه ألفان نسخة فقط رغم أن الكلفة كانت زهيدة جدا – أربعة فرنكات ! كان الرأي بأنه كتاب سيء ، وفي الأخير أقتنعت بهذا الرأي. بعدها بخمس وعشرين سنة صدر بطبعة الجيب ، وهو اليوم في فرنسا وألمانيا أكثر كتبي شيوعا. يمكن التنبؤ بمصير الإنسان لكن ليس مصير الكتاب.
فرجينه : في " غواية الوجود tentation d exister La " هناك نص تعتبره أحسن من كل النصوص التي كتبتها . حجمه حوالي 30 صفحة حول موضوع اليهود. هل تحبهم ؟
سيوران : عرفت يهودا كثيرين ، ناس مثيرون لبالغ الإهتمام. غير متوقعين ونبلاء في علاقاتهم مع الآخرين. عندما جئت الى فرنسا ، كان اليهود من إهتموا بأمري. في عام 1937 عشت مع اليهود واللاجئين السياسيين من هنغاريا.
فرجينه : مع أي من الكتاب إلتقيت في باريس أو تلتقي ؟
سيوران : الناس الأكثر إثارة للإهتمام هم من لم يكتبوا أي ّ شيء. معلوم أن الكتاب هم أشخاص مثيرون للإهتمام ، في كل الأحوال أنا أعرف نتاجهم. إن أحسن اصدقائي سواء في رومانيا أو فرنسا هم من لم يكتبوا أيّ شيء ولذلك كانوا أكثر إثارة للإهتمام. الكاتب يبيع ماضيه. يتخلص منه. لكن ذلك الذي لم يعبّر وُينعت عادة ب( الفاشل ) ، يملك كل شيء في نفسه ، فهو لا يتكلم عن ذلك – وهذا هو تفوقه.
فرجينه : ماذا تعني باريس لديك ؟
سيوران : أشياء كثيرة ! إنها شغف حياتي ... لكنه إنتهى الآن. بعد وصولي إليها لغرض الدراسة قررت أن عليّ أن أبقى فيها بأي ثمن. كتبت مقالا ، وكان الأخير بالرومانية ، عن الحي اللاتيني- مقال كئيب وكدت بسببه أفقد راتبي الدراسي. بدأته بإستشهاد من ريلكه : " يأتي المرء الى هنا كي يحيا أو بالأحرى كي يموت " . كانت أصداء المقال قوية في رومانيا ، فبالنسبة للرومانيين كانت باريس الجنة على الأرض ، وأمنيتهم تبديد ما يملكونه ، في باريس ثم أطلاق النار على الرأس. وأنا كتبت : إنها أكثر مدن العالم كآبة وميلانخولية ".
فرجينه : برأيك أيّ اشياء لم تقل عنك ، وعلى الآخرين أن يكتبوها ؟
سيوران : طالما كتبت دائما عن نفسي ... فكيف أفهم هذا الشيء ؟ يصعب علي أن أملك هنا وجهة نظر. لا أعرف ... أعتقد أن المسألة تبدو ، بالأحرى ، هكذا : كيف قدرت على الحياة وأنا املك مثل هذه الرؤية للعالم وليس غيرها ؟ الكل كان يفكر : لماذا لم أنتحر، وهو سؤال غير محروم من المعنى. لا أريد الكلام عن ذلك ، ولا أهمية للأمر . لكن الآن سأريك يا سيدتي الجواب : ( يأخذ مجلة " Delirante La و يريني هذا السطر : " طالما أنا طيلة الوقت في علاقة حميمة مع الإنتحار سيكون تسويدي لصفحته ظلما ونكرانا للجميل. وأيّ شيء أكثر صحة وطبيعية منه ؟ على الأقل ليست بالسليمة الرغبة المخبولة في الوجود ، إنها عيب كبير ، عيب فوق العادة ، عيبي " ). هكذا هي الحقيقة.
فرجينه : فضيلة سالبة وعيب جدير بالمديح.
سيوران : عيب من ؟ عيبي ؟
فرجينه : كلا ، عموما.
سيوران : لدي صديق من أيام الشباب. أرمني فقد عائلته كلها والآن لايريد مواصلة الحياة. هو أكبر مني في العمر ، يبلغ الآن الثمانين. كتب إلي في لحظة قنوط كبير راجيا مني شيئا شبيها بالسماح بالإنتحار. أجبته : " إذا كان لا يزال بمقدورك أن تضحك لاتفعل ذلك ، وإذا لم يكن بمقدورك إفعله ". هذا كل ماإستطعت أن أقوله لشخص يطلب مني النصيحة. طالما نحن قادرون على أن نضحك وكنا نملك ألف سبب لليأس علينا مواصلة السير. الضحك هو التبرير الوحيد للحياة ، التبرير العظيم للحياة ! فيما يتعلق بي عليّ القول إنه وحتى في لحظات أكبر يأس كنت أملك القوة على الضحك. وهذا تفوق الناس على الحيوانات. الضحك هو من مظاهر العدمية وكما يمكن للحبور أن يكون حالة مأتمية.


إحالات المترجم :

* هذه المحادثة نشرت بعنوان " فوضى ، يأس ، نزف
Anarchia , diserazione , terenzza " في مجلة ( Vogue Italia ) الإيطالية في آب 1984 .
** إيماءة الى كتاب سيوران ( مخطط الإنحلال Precis de decomposition ) من عام 1949 ، وترجم الى الإنكليزية بعنوان ( ِ ٍA Short History of Decay ).
*** مجلة نسائية فرنسية معروفة.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6225829   Visitors since 7-9-2002