المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





...كلمة في الموقع
 

  

من محن القصة العراقية

يكتبها اليوم : عدنان المبارك


- الكاتب المسمى بالجماهيري يكتب عما يفكر به الناس. أما الكاتب الفذ فيدعوهم الى التفكير بأمر آخر. أمبروز بييرس

في كل مرة أصل فيها الى موضوع الأدب العراقي ، والقصة بشكل خاص ، أرى حروف كلمة بورخيس تتضخم بإستمرار: ( إعتبرت ُ ، دائما ، أنه يوجد أدب جيد وآخر رديء. و مصطلح الأدب الملتزم يقترن في ذهني بعبارة ركوب الخيل البروتستانتي ). وهذه المرة وصلت الى ما جاء في ( كلمة في الموقع ) من الأسبوع الأخير والتي نشرت تلبية لرغبة كاتبها سلام إبراهيم. وكان أحد الزملاء في الموقع قد وجد أن من المناسب أن يكون مكانها في قسم آخر وبذلك ندفع بعض الظن أن الهيئة المشرفة تتطابق مع مثل هذه الكلمة إلا انه في الأخير إنتصر رأي آخر: " كلمة في الموقع " لا تعني إلا طرح الرأي وليس تفضيلا له. و لذلك كنا قد أبدلنا الإسم من ( كلمة الموقع ) الى ( كلمة في الموقع ). أكيد أنها حقيقة لا تخلو من التعميم وإلا لكان مكان كلمة سلام إبراهيم في قسم ( مقالات ) أو آخر شبيه به. وحتى هذه الملاحظة ليست بالمهمة ، فالمضمون يبقى نفسه في كل الأحوال...
كلمتي اليوم أرغب أن اضغطها في بضع ملاحظات حسب.
أولاها : لا أعرف هل كلمة سلام إبراهيم تندرج في جهد المؤرخ أم الناقد. إذا كانت جهد الأول فإن النقص يعتورها بشكل غير مقبول. والدليل هذا التجاهل السافر للقائمة الطويلة لكتاب القصة العراقيين ، وعلى الأقل الموجودة في موقعنا الذي بعث إبراهيم سلام ( كلمته ) إليه. مفهوم أن قائمتنا لا تشمل كل الأسماء ، فالموقع تأسس قبل بضع سنوات حسب ، إلا أن هناك أكثر من مصدر أمام المؤرخ ، وهكذا إذا كان إبراهيم سلام مؤرخا ففي هذه الحالة لابد من تسجيل نقطة كبيرة ضده. مفهوم أيضا أن هذا الشرط، شرط الكتابة عن القصة في العراق ، ينبغي أن يخضع له الناقد أيضا خاصة إذا أراد الكلام عما أنجز في هذا المضمار. واضح أن ملاحظتي تخص هنا أحد أهم مباديء الكتابة في أيّ كان من المواضيع.
ثانيها : في ( كلمته ) كتب سلام إبراهيم عما أنجز في حقل النشر الورقي. وهنا أيضا كان النقص واضحا للعيان. إذ كيف عدم الوقوع في تناقضات عند إصدار أحكام على نصف الظاهرة ، أوفي أحسن الأحوال على ثلاثة أرباعها فقط. و أظن أن سلام إبراهيم قد بالغ قليلا حين إختار عنوانا ل( كلمته ) :
" منجز القصة العراقية القصيرة منذ النشأة. إلا أن الحس
الواقعي تغلب وقمنا بحذف( ...منذ النشأة ). ف( منذ النشأة ) لاتعني غير( منذ النشأة ) ...
ثالثها : الواقع الخارجي ، وأيٌّ كان ، من الغباء جعله جواز مرور أو بطاقة مخفضة لولوج مشغل الفن ، أيِّ فن. أرغب هنا أن أورد كلمة لفاسيلي كاندنسكي ، وقد لا تكون معروفة لعدد من فناني التشكيل العراقيين خاصة ، وفحواها : ( إذا اردنا أن نعرف قيمة إحدى اللوحات فعلينا أن نختصرها الى لونين فقط : الأسود والأبيض ، فإذا بقي شيء يوميء الى مضمونها يعني هذا أنها ليست تصويرا صرفا ) أي أن هذا التصوير إعتمد على وسائل غير تصويرية... وحقيقة كاندنسكي الفنية تنسحب على كل خلق أيضا. بعبارة أخرى ليست مهمة الفن العكس الآلي أو الموجَّه لما يحدث في العالم الخارجي. ولاحاجة الى تبيان مسألة أن ( ما يحدث ) هو محض إكسسوارات لفنان الكلمة على سبيل المثال. وبهذه الصورة أخطأ سلام إبراهيم حين توقف طويلا عند ظواهر الحرب وهمجية السلطة بل أنه أخضع مسطرته ، كمؤرخ ؟ كناقد ؟ ، لمثل هذه الظواهر التي ليست غريبة على الآداب الأخرى. فالأوربية مثلا لم تتكرس منذ فترة الثلاثينات ، ولنقل لغاية الستينات ، لظاهرتي الشمولية والحرب فقط. ومرة كنت قد كتبت بأن الحروب ورجّات التأريخ الأخرى والحرية المغتالة إجتمعت كلها لإنجاب أدب هاجسه الأوحد أن لا ( يخون ) الآخرين وقيمهم و... الواقع المباشر قبل كل شيء. مفهوم أن من الحكمة الأخذ بمعيار النسبية ، لكن في حدود معيّنة. إن كثيرين من كتابنا مشغولون بهموم مستعارة ، لشتى الدوافع والأغراض ، وحتى أن طرحها أدبيا ليس بالعمل الشاق طالما أن للهموم أولوية على الفن ، أما إذا كانت لهذا مهام أخرى فليس هناك من أمر أكثر سهولة من تغييرها أو جعلها قوالبا ! بإختصار قاد الوهم المزمن الى الإيمان بأن المهمة الأولى والأخيرة هي الصيرورة إطفائيا أو ممارسا للأيدولوجيا أو نقابيا أو مدوّنا لأحداث أو مدوّن نكبات أو نادبا لكن ليس بالضرورة على الطريقة اليونانية القديمة بل أخرى معاصرة يجهزه بها الواقع الراهن مثلا. ولعل كعب آخيل أدبنا هو تلك السذاجة وذلك الإدراك المتخلف لماهية الفن بل أنه يبدو إستمرارية ً مقرفة للإختراع السوفييتي المسمى بالواقعية الإشتراكية التي لم تكن سوى مثالية عرجاء أو على حد تعبير أرنستو ساباتو : مثالية من نوع خاص. و يجدر هنا الوقوف عند كلماته التي إستقاها من هربرت ريد : القضية التي تطرحها الواقعية الإشتراكية هي قضية زائفة ، وذلك حين تعلن بأن هناك نوعين من الفن : الجيد والرديء ( أي الملتزم وفق تلك المسطرة المعروفة ، والآخر البوروجوازي المتفسخ – ملاحظتي ع . م ). فالعمل الفني الجيد هو على الدوام تركيب جدلي للواقعي واللاواقعي ، للعقل والمخيلة. وحين تنكر الواقعية الإشتراكية هذا التناقض وتريد إخضاعه لمصلحة أحد طرفيه تكف عن أن تكون جدلية وتصبح مثالية من نوع خاص . فهي تحاول فرض نظرة مفتعلة ، عقلية ومذهبية. من ناحية أخرى ، فإن الرغبة في الوصول الى المجموع البشري وممارسة الدعاية تعطي نتائج يسهل توقعها : إنها بالكاد تصل الى حدود الفن الملصقي ، وفي أسوأ أشكاله : الشكل " الطبيعياتي naturalistic " ). ومفهوم أن أكثرية كتابنا ليست مسحورة تماما بهذا السراب المسمى بالواقعية الإشتراكية ، إلا أن الإنسحار نسبيّ هنا لدى هذا وذاك.
ثالثها: ما لاحظته أن سلام إبراهيم قد إلتفت في ( كلمته ) الى ما نشر من القصص بشكل مجاميع فقط. وحتى هنا كان الإلتفات غير كامل. فهناك مجاميع مهمة إذا تعلق الأمر بدفع القصة العراقية صوب المعاصرة ، مثلا مجموعة نزار عباس ( زقاق الفئران ) التجديدية ، ولاحاجة بالطبع الى ذكر الزخم الفني الأصيل في أعمال سركون بولص وغيره. وإذا أراد سلام إبراهيم أن ينزع صفة المؤرخ عنه ويأخذ بالأخرى ، كناقد ، لكان عليه الإلتفات الى واقع أن هناك عشرات القصص المنشورة ورقيا ، أي في الصحف و المجلات ، والتي كانت علامات لبيست بالصغيرة في المسيرة، إلا أنه لم يدرجها في إستعراضه السريع لذاك المنجز. ومن الواضح أن الكاتب لجأ الى الحصر النوعي أي إنتقاء أدب ذي لون واحد - أدب الحرب والإضطهاد والمنفى ، وحتى هنا لم يكلف النفس ولو بإستعراض بسيط ل( كل ) المنجز.
رابعها : الكلام عن المنجز لابد من أن يكون طويلا. إذن لم هذا الإختيار لمساحة صغيرة مثل ( كلمة في الموقع ). و يعينني الكاتب نفسه حين يعترف بالحيز الضيق ل( الكلمة ).
خامسها : في هذا الموقع ، أي ( القصة العراقية ) وغيره من سبل النشر ، قمتُ بنشر أكثر من تسعين قصة ونسّقت معظمها في مجاميع. أنا متفهم ، بل ممتن ، لسلام إبراهيم حين لم يذكرني في ( كلمته ). فرغبتي صادقة في أن لا أحشر مع ذاك الصنف من الكتاب والذي كرس له معظم أجزاء نصه. السبب ؟ أنا بعيد تماما عن أمرين : البطولة والمازوكية...
سادسها: في الخمسينات طرح الصينيون شعار ( لتتفتح مائة زهرة ...). وبقي الشعار شعارا فقط شأن كل شعار تنتجه البروباغندا. ونحن في موقع القصة العراقية قد تكون رغبتنا ساذجة إذا أردنا الأخذ بهذا الشعار، وقد نبالغ أحيانا في تجاهلنا حقيقة أن الحشائش والأشواك تتفتح أيضا...


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6519747   Visitors since 7-9-2002