المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار الشاعرة منى كريم مع حسن بلاسم

  
حسن بلاسم : اليأس هو المحرك الاول لكل احاسيس الغربة
  
حاورته : منى كريم
  



- حسن بلاسم لا يملك هوية مصنفة ، سينمائي بالدرجة الأولى وجرّب الكتابة الشعرية و السردية ، كيف يضيف كل هذا لتجربتك ؟

دعيني اولا ان اتنصل من الشعر او بالاحرى أعتذر منه. لم افكر يوما ان اجلس لكتابة قصيدة او ان اقترب من "خبز المحرومين" واعبث به ، هذا (خبز) اوكتافيو باث الذي تحدث عنه. نعم انا بدأت مثلما نبدأ جميعا في بلادنا، اقصد ستجدين ان كل رسام ومسرحي وروائي وقاص كان قد بدأ بكتابة تلك الخواطر الشعرية الصغيرة. ولم انقطع يوما عن متابعة وقراءة الشعر الذي مازال الرئة وسكين الشك المتواصل الذي انا بأمس الحاجة اليه. لكنني لم افكر مطلقاً أن اجلس عند باب الشعر واندب ايامي.

لقد كان بي شغف لكل اشكال الابداع من فنون وآداب. ومازلت. سؤال الكتابة له علاقة بالسينما بالنسبة لي. هناك اسطوانة قديمة يرددها السينمائي حين يُسأل عن بداياته؛ سيقول انه كان يتردد منذ صغره على دور السينما بإفراط. في الحقيقة هذا الشغف الطفولي الذي يلازمنا طويلا عبر مراحله المختلفة تجاه سحر الشاشة، يمسك بغالبية الناس، وليس حكراً على الفنان. ماحدث لي هو انني احببت السينما من خلال القراءة، كنت اقرأ وأتخيل الأحداث والشخصيات في الروايات والقصص وأحولها بصرياً الى الشاشة. تدريجيا تطور هذا الشغف وبدأت أطور بعض الأدوات والأفكار حول السينما من خلال القراءة أيضاً. بالإضافة إلى متابعة الأفلام بالطبع.

فحين اقرأ اليوم على سبيل المثال قصة ( الآخر) لبورخيس، فإنها توحي لي بشكل سينمائي مفتوح؛ لا على صعيد البناء او اشكال الزمن او طبيعة الشخصية (وهي غالباً استفادات الأدب المعاصر من السينما نفسها) بل إن هناك نكهة سرية، يمكن أن تسرق من اللغة الادبية حركة الكاميرا، اللون، الزوايا، أحجام اللقطات. ( لا اتحدث عن الاعداد او الاقتباس) ، وايضا من الشعر واللوحة والموسيقى. وافضل تمرين لكتابة مشهد هو الامساك بقطعة موسيقية وكتابة احجام اللقطات والزوايا لها باكثر من طريقة. في كل قطعة موسيقية تكمن عشرة افلام شعرية قصيرة... هل يمكنني شرح ذلك! لست متاكداً، لكنني اعرف او اشعر بذلك. فحين يجلس ( الآخر) قرب بورخيس على المصطبة في القصة. اشعر انني اقف امامهما بكاميرا، وأنني بحاجة إلى استخدام اللون الاسود والابيض في جهة وفي زاوية معينة بعض الالوان. وحين يقول بورخيس( لقد حلم بي الاخر، ولكنه لم يحلم بي تماما) أُستفزّ إلى حد اللعنة في البحث عن زاوية مناسبة لهكذا حلم مأزق. مرة أخرى لا أتحدث عن سينما تفيد من الأدب. فأنا أقف مع السينما في تطوير لغتها الصافية. لكنني اتحدث عن مصدر من مصادر تعلقي بالسينما، ولأقل أن السينما والكتابة بالنسبة لي لايمكن فصلهما عن بعضهما. السرد السينمائي والادبي هما الاقرب الى فضولي في هذه المرحلة. اما موجز سؤال كتابتي للشعر فاليك هذا المثال : كتبت نصا بعنوان "اشتر فيلا وأنقذ بيتك"، أنا في العادة لا اوقع تحت او فوق اسمي بكلمة شاعر، ولا ارسل كتابة على كونها قصة او قصيدة، لكن هذا النص مثلاً نشر في موقع على انه "قصيدة"؛ وفي مجلة الكترونية على انه "قصة قصيرة" وفي صحيفة ورقية تحت يافطة "نثر". وأنا لست مسؤولا عن ذلك كله.

أنا أخشى الشعر لأسباب شخصية، أجده مسالماً اعتاد على ادعاء الهزيمة، بينما السينما لغة شرسة تثير فضولي. نعم جلست متوهما في حالات قليلة لكتابة "قصائد" وأرسلتها للنشر، لكنني ندمت كثيرا. ساحاول في المرات الاخرى ان ارسل مع ما أكتبه سطراً أتوسل فيه أن يترك ما اكتبه تحت لافتة هروبية لذيذة اسمها : نص. ها انا اثرثر عن الشعر الذي لست مؤهلا للتجني عليه. والافضل ان اتوقف عن كتابة مثل هكذا نصوص! لننهي إجابتي المربكة هذه، بمقطع من مقدمة كتاب احاول ان أكمله : ـ معالجة الناس وانقاذهم وخداعهم وتصويرهم والقضاء عليهم، هي مجموعة من المهام الشاقة التي تتكفل بها مهن مختصة كما تعرفون؛ أطباء واطفائيون وفنانون وقتلة وعاطلون. وهي مهن انسانية نبيلة بلا شك. الطبيب الذي يفتح بطن العجوز من اجل الحياة. والاطفائي الذي يتسلق سلالم النار من اجل طفلة. والفنان الذي يتكاثر باستمرار لمضاعفة كآبة الواقع. والقاتل الطليق من اجل المحافظة على دهشتنا حيال قدراتنا الابداعية من ناحية الافتراس وتسديد الطعنات. والحبيس كتعويذة. ومهن اخرى عديدة تصب جميعا في خدمة البشرية . ولاحاجة للتذكير ان الشيطان مهنة. والشعراء طبعاً لزيادة القمل في خصلة الوجود الدبقة.


- قمت بإنشاء موقع " الفيل السينمائي " المهتم بالسينما والكتابة السينمائية ، كيف ولدت الفكرة ؟

ببساطة لو تجولنا على مواقع وصحف شبكة النت ( العربية) لتملكنا الأسى بسبب النقص الحاد في مصادر ثقافة السينما. المثقف العربي نفسه مازال ينظر للسينما بسطحية ولا مبالاة؛ هل قرأت مرة شاعراً أو روائيا يستشهد بمشهد من فيلم، أو حوار شخصية في فيلم، او يتحدث عن السينما بدراية. شاعر عربي "كبير" في حوار صحفي كان يظن ان فيلم جيمس كاميرون ( تايتانيك) هو من الافلام الشاهقة في تاريخ السينما!! واخرون يتحدثون عن لغة السينما بطريقة مستهلكة : سيقول لك انه يكتب نصه الأدبي بتقنية سينمائية. ماهي هذه التقنية السينمائية التي يكتب بها !. سيحدثك عن القطعات والانتقالات بالزمن؛ هذا كل ما تناقلوه فيما بينهم بطريقة ببغائية. مازالت اقف الى جانب مقولة امبرتو ايكو ( أرفض الموقف المانوي لأشباه المثقفين الذين يمثل المكتوب بالنسبة لهم الخير، وتمثل الصورة الشر). وها انا اتوهم من خلال هذا الجهد المتواضع في موقع الفيل السينمائي أننا نسهم في خلق ثقافة سينمائية عربية. رغم أن "الفيل" بتوجهاته الأخيرة اختص بالسينما العراقية أكثر من غيرها، في محاولة لمساندة النزيف بالطريقة التي أعرف. وقد صار لدينا اليوم متابعون للموقع من مختلف الشرائح والاتجاهات.


- ألم تتردد في هذه الخطوة خاصة بسبب ندرة الكتابة العربية التي تتناول السينما ؟

لا ، لم اتردد، كنت مدركاً لهذه النقص المخزي في الكتابة السينمائية العربية. في كل مشهد أقف دائماً إلى جانب المغامرة وليس الى جانب الأمل. وكذلك حياتي الشخصية التي غامرت بها الى ان كسرتها مثلما كنت اشتهي.

في البداية اعتمدت على نقل المواد والدراسات من الصحف والمجلات والمواقع، ثم بدأت تتوالى على الموقع كتابات خاصة بالفيل. نعم ليست بمستوى الطموح، لكننا سنحاول؛ خاصة أن الموقع ينعم بمساندة اصدقاء ونقاد سينما ولا بد هنا من ذكر الناقد السينمائي صلاح سرميني الذي لم يبخل بجهد في الكتابة عن الموقع او مده بدراسات وكتابات عديدة، وكذلك مساندة الناقد السينمائي حسن حداد والكاتب والأديب العراقي عدنان المبارك الذي تواصل مع الموقع بطريقة مدهشة من خلال اثرائه الموقع بكتاباته وترجماته، والناقد السينمائي العراقي احمد ثامر جهاد وزميله فراس الشاروط إضافة إلى الدعم والتشجيع المتواصل من قبل صديقي السينمائي عدي رشيد، ولن أنسى مساندة الشاعر والكاتب نجوان درويش. اذكر بعض هذه الاسماء ، لانه من غيرها لما تمكنت من الاستمرار في موقع الفيل السينمائي.


- بإعتقادك هل وصل المتلقي العربي إلى مستوى تلقي خطاب سينمائي عميق ؟

ان كنا نقصد المتلقي العربي (البسيط) فليس لدي رغبة ان امسك برقبته واحمّله المسوؤلية. انا اعيش في فنلندا، أتجول كل يوم على محلات بيع افلام ال(دي في دي ) ولمتابعة جديد دور العرض. الجمهور الواسع جمهور "خالد"، هو هو . بحاجة الى استهلاك سهل ومحاكاة غرائزه بطريقة مثيرة للضحك. مع الفارق بين جمهورنا وجمهور الطرف الاخر لاسباب لها علاقة بحراك المجتمع على الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. جمهورنا ( بشريحته الوسعة) -على سبيل المثال- تربى على زعيق الدراما والسينما المصرية المخجلة. سينما رغم تاريخها الطويل مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى، ظلّت حبيسة السطحية والتخبط. في حين يوجد هناك سينمات في بعض انحاء العالم كانت قابعة في الصفوف الخلفيه، لكنها تقدمت خطوة او اكثر بربع ما انتجته السينما المصرية. من امريكا الجنوبية واسيا وحتى افريقيا. يسأل اندريه تاركوفسكي حول هذا الجمهور الواسع : ( اين ينبغي ان نبحث عن اسباب هذا الصمم الجمالي ـ والاخلاقي أحيانا ، لأعداد ضخمة من الناس. ذنب من هذا؟ وهل يمكن مساعدة مثل هؤلاء الناس على اكتشاف الجمال والالهام .. الخ) مع انه لا يطالب الفنان بأن يفكر بكل شخص يجلس في الصالة وهو يؤكد على ان نكون مخلصين قبل كل شيء إلى ما نريد أن ننجزه. لكنه يقف مع محاولة غرس وتغذية الذوق السينمائي بالنسبة للجمهور(الواسع). ثم عن اي متلقي عربي نتحدث واي خطاب سينمائي عميق؟! "الجمهور العربي" مازال قسم منه يؤمن بان قتل الابرياء وسفك دمائهم على الارصفة هو عملية بطولية تندرج ضمن شعارات المقاومة وجهاد الماعز!! وهذا جزء من المسوؤلية التي يتحملها المثقف في مختلف صيغه الموجودة.

تلّقي خطاب الفن هو حاجة إنسانية، ومن لا يملكها ليس بإمكانه أن يستلذ بحلم صغير. من يصيح امام شاشات الذبح : الله اكبر، منتشياً. يكون بحاجة الى طبيب نفسي لا الى فنان... لستُ بصدد التعميم، لكنني أشير إلى واحد من مفاصل الكارثة، وهناك بالطبع أسباب عديدة اخرى.


- كيف يكون حسن بلاسم بينما يكتب سيناريو ، كيف يكون خلف الكاميرا ؟

احب موقع كتابة السيناريو كثيراً: باب غرفة مغلق ودخان سكائر كثيف، مثل غرفة معدة للتعذيب. أعقاب سكائر في كل مكان، ومسودات مشاهد معلقة على الحائط، وشخصيات نعبث بمصائرها. حينها نكتشف سعادة السماء وهي تسلتذ بحطام شخصياتها. وزجاجة خمر تتناقص مثل ساعة رملية. والاستماع لموسيقى لتمدّ بناء السيناريو بالشجاعة، وأوهام تتقافز مثل الفئران في زاويا الغرفة. أما موقع التصوير فأكرهه كثيراً؛ جوقة كبيرة: عمال ومساعدون واسلاك كهربائية واجهزة إضاءة تحلم أن تضيء للمشهد لوناً أو طريقاً. وأعصاب مشدودة وممثل مغرور وعرس الخ !!. مرّات اشعر بحاجة ملحة لاختفاء الجميع، وان أنجز ما في ذهني كله دفعة واحدة / لوحدي. احب فقط عامل الكلاكيت وهو يدوّن أسماء المشاهد ويهرب الى زاويته وينتظر..


- أنت مبدع عراقي مغترب، هل هذا الوجع الأول الذي يخلق إبداعك ؟

قطعا ، لا ... أنا اشعر بالغربة في كل مكان. الارض منفى دائم الخضرة، اليأس هو المحرك الاول لكل احاسيس الغربة، ومن ثم ذلك الوجع الذي نتحدث عنه. كان لي صديق شاعر هنكاري يصحو وينام في بلده على معزوفة الوجع بسبب احساسه الشاهق بغربة وجودية حادة. كتب البولندي( تشيسواف ميوش) في مقال له عن المنفى واسباب اليأس وهو مقال جميل ترجمه عدنان المبارك، يقول فيه : (هناك ثلاثة أسباب رئيسية لمثل هذا اليأس : فقدان الإسم ، الخوف من الضياع ، العذاب الأخلاقي.) لكن هذه الاسباب ليست هي التي تؤرقني؛ في البلاد كنت امشي وفي قلبي كلمة، كلمة اسمها :اليأس، وهنا بعيدا عن البلاد أمشي وفي قلبي حجر، حجر اسمه : الرعب. وبهذه الكلمة وهذا الحجر يمكن شج رأس امتن طمأنينة ممكنة. وتعريف دقيق لهذه الكلمة وهذا الحجر بحاجة الى كتاب وفيلم احلم بإنجازهما.


- كيف كانت محاولاتك لنقل المأساة العراقية ؟ كيف فعل الفن العراقي في المنفى ذلك؟

ان تحدثنا عن الفن السينمائي بالتحديد، فإن المنفى لم ينجز حتى الآن ما يمكن له ان يوازي الماساة. وتجارب الداخل اليوم على شحتها هي اكثر جدوى وقرباً- بالمعنى الفنّي- من المأساة.

بالنسبة لي ما زلت احاول، وهناك مشروع ما أعد له مع صديقي عدي رشيد، ربما يكون قريباً لما تسألين عنه. لكن ليس بالضرورة ان نذهب لفتح مقبرة جماعية واللطم فوقها مثل الامهات. الامهات امهات؛ أما السينمائي فثلاثة أرباعه شيطان والبقية ملاك. اما محاولاتي السابقة فقد كانت فيما أظن متواضعة!


- كلمة أخيرة ؟

لنترك اميل سيوران يقولها : لو كان علي ان أتخلى عن ولعي بالفنون لما تخصصتُ في غير العواء...!



عن مجلة اوبلو الثقافية


الموقع الشخصي للشاعرة منى كريم http://mona0.jeeran.com





 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057108   Visitors since 7-9-2002